الأربعاء، 12 ديسمبر، 2012

«ساق البامبو».... رواية كويتية لسعود السنعوسي مرشحة لجائزة عالمية

 قصة خادمة فلبينية تتزوج كويتياً ابن عائلة عريقة
 
 
 
 
- تعصف مصائر الشخصيات والأحداث مرة وتسكن مرات في نفس روائي تجذبك إليه السردية المذهلة.

- الخالة «ايدا» دفعت ثمن إنسانيتها على رق عبودية الجسد لتلبية احتياجات عائلتها في الفلبين.

- استخدم السنعوسي أدواته بلغة رشيقة ناعمة أحياناً وصادمة بسبب مصداقيتها دون أن يأخذك إلى نفور منها.

- أحداث شائقة لاهثة لا تطويل ولا ملل فيها ونقلات ناعمة بين المشاهد تمر كشريط سينمائي برؤية بصرية فذة.

_______________________________

كتبت ليلى أحمد:


ما ان تم الاعلان عن اسماء المرشحين لجائزة بوكر العالمية، حتى التقطت عيناي اسم احدهم سعود السنعوسي وهو كاتب كويتي عن رواية «ساق البامبو» وحرصت على الحصول على الرواية التي أدهشتني من السطور الاولى «على الرغم من اني لم أنته منها بعد».
نادر جدا ان توقفني رواية عربية، والأندر ان تشدني رواية أو مجموعة قصصية او ديوان شعر لكتاب كويتين – من الجنسين – واعتبر ان الامر «مرحلة بروفة» قد تؤدي بعد الكثير من التجارب والمران الى ولادة ادباء جدد حقيقين، لا يفوزون بالجوائز بـ«الغش والخداع» والعلاقات والواسطات/ انما يحصدونها لأنهم على سوية مع روائيي العالم.

حياكة النص

هذا ما اقتنصه الشاب الكويتي المرشح لجائزة بوكر العالمية سعود السنعوسي ففي مائة صفحة في زحمة وقتي قرأت بينهم ودون توقف روايته الاخيرة «ساق البامبو» التي تقع في 400 صفحة من القطع المتوسط، يحيك ويغزل نصه بسطور تحمل قيمه فنية عالية، يشدك عالم مدهش ليست في حبكتها الروائية بل بناء سردي قويم لاهث وسبر أغوار الشخصيات، ما يجعل تصرفاتها مبررة، كاتب يشبه ما اقرأه لأدباء عالميين، من حيث عنايته بالحواس الخمس، من وصف للمكان حديقة البيت والشجرة التي يستند عليها والاشكال البشرية (ملامح جده وسمرته وعيونه الغائرة تحت حاجبيه)... وتتسلل عبر السطور رائحة ما يحيط البطل وأيضا طعم الاشياء وسماع الاصوات المختلفة.. وتلمس بيدك جرح القلب للشخصيات كالخالة «ايدا» التي دفعت ثمن انسانيتها على رق عبودية الجسد لتستمر العائلة في تلبية احتياجات عائلتها في الفلبين.

ضياع

سعود السنعوسي كاتب قل نظيره بين جيل الكتاب والروائيين الشباب الكويتين، ولا يشبه احدا، فلت من تكرار الصور واللغة برشاقة غزال يجيد الانطلاق، يحسن استخدام أدواته بلغة رشيقة ناعمة احيانا، وصادمة بسبب مصداقيتها دون ان يأخذك الى نفور منها، فالظرف الاجتماعي والاقتصادي حاكم بأمره.. وله ما يبرره.
والسنعوسي شاب من مواليد أوائل الثمانينات قدم على الغلاف الخلفي لـ«ساق البامبو» سطورا من أجواء روايته: «لو كنت مثل شجرة البامبو، لا انتماء لها، نقتطع جزءا من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، في أي أرض.. لا يلبث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة..تنمو من جديد.. في أرض جديدة.. بلا ماض.. بلا ذاكرة.. لا يلتفت الى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان في الفلبين.. خيزران في الكويت.. أو بامبو في أماكن أخرى».

القصة

قصة الحب ليست هي القصة انما ما ينتج عنها بين الام الفلبينية التي تعمل خادمة في بيت راشد العازب ابن العائلة المعروفة تجمعهم حب القراءة، وهو ما يسلط ضوء انسانيا ان من يعمل في بيوتنا وحتى العمالة الهامشية دفعتهم ظروف الفقر والقهر ليكونوا خدما في بيوتنا، وهذا لا يعني استلاب انسانيتهم واحلامهم، كما حالة جوزافين المحبة للادب والراغبة في استكمال دراستها، الا ان الوضع الاقتصادي الصعب في الفلبين قتل كل حلم فاضطرت للسفر الى الكويت لتعمل.. خادمة.
حوارات ليلية طويلة في مكتب راشد المنزلي، تتضح فيها آراء راشد في مجموعة قضايا في وطنه الكويت، ومنها ايمانه في أحقية المرأة في الحصول على حقوقها السياسية كعضو كامل الاهلية في المجتمع.

شاطىء الحب

وفي قارب يتماهى على شاطئ الخليج بعيدا عن شاليه العائلة تتحدث لغة جسد العاشقين، فينتج عن هذا الحب حمل جوزافين التي أخفت عنه حملها في الشهور الاولى، لانها تحب راشد وتريد شيئا منه ان يبقى معها.
راشد كاتب المقالات الشهير في الصحف اليومية والذي يتصف برأي وطني معارض لكافة اشكال الفساد في بلده، يقرر كرجل شهم متسق مع مواقفه وآرائه يقرر الارتباط بجوزافين رسميا لتكون زوجته الشرعية، وينتظران ولادة الطفل الاول لهما والذي اسماه الوالد «عيسى» اسم سيدنا عيسى في دلالة ذكية من السنعوسي لاختيار اسم توافقي يجمع بين الام المسيحية والاب المسلم.

ذروة درامية

تتصاعد الاحداث.. وتنقسم الارادت الانسانية في سياق جميل ومبرر، فالولد راشد يواجه رفض والدته لهذا الزيجة جملة وتفصيلا وتمعن في غضبها، فتقرر اتهام سائق العائلة كمسؤول عن حمل الخادمة، الا ان راشد يعترف لأمه ان الطفل طفله، وهو لن يتخلى عنه... واعلن لها انه تزوج جوزافين وانها ام ولده.
فيما يكون راشد حريصا على مشاعر امه (الجدة) فهو ولدها الوحيد ورجل العائلة التي تفقد الكثير من الذكور بالموت او بعدم الانجاب.. يرضخ راشد لضعف عواطفه بعد ذلك، فيرسل جوزافين وطفلها الى الفلبين قبل ان يبلغ شهره الثاني، واعدا اياها بأن الطفل سيعود – حين يأزف الوقت – ليعيش في الكويت مع والده وعماته وجدته.

السفر

بكثير من الغصة وعدم الفهم لسلوك راشد، تصطحب جوزافين طفلها وتتأبط قصة حبها وعواطفها، وتغادر الى الفلبين، فنرى بؤس المكان وفقر العائلة وازماتها.. واختلاف الشخصيات بين الجد الحاد الطباع «والد جوزافين» الذي خسر شيئا ما من انسانيته كونه عسكريا سابق، الذي ينتقم من ماضيه الجارح في صرف المال على اقتناء الديوك ليمارسوا لعبة الصراع القاتل، وبين الخاله «ايدا» وصفات امه الهادئة وسلبية الخال وغيابه غالبا عن المشهد.
في الفلبين تقوم جوزافين باطلاق اسم هوزيه على طفلها الكويتي، وتقوم بتعميده كاثوليكيا في الكنيسة، هذا الطفل الذي همس والده في اذنه اليمني بالاذان بعد ولادته مباشرة.
احداث شيقة لاهثة لا تطويل ولا ملل فيها، نقلات ناعمة بين المشاهد التي تمر كشريط سينمائي امامك، تتعاطف مع شخصياته برؤى بصرية سطرها السنعوسي باسلوب شديد الرشاقة، تعصف بنا مصائر الشخصيات والاحداث مرة، وتسكن مرات في نفس روائي يجذبك اليه السرديه المذهلة في كتابة السنعوسي.

أحداث

في سياق أحداث الرواية بين عائلة امه في الفلبين التي عاش بها طفولتة وصباه حتى سن الثامنة عشرة، وبين عائلة ابيه في الكويت، التي لم يعرفها ابدا، مرتبطا فقط بذاكرته من خلال قراءة الام رسائل أبيه.. وسرد أحداث حياتها حين كانت تعمل في البيت الكويتي.
في رحلة البحث عن الذات والهوية والوطن والدين، تمر الرواية بأزمان واماكن متعددة في البلدين، وتسجل بعض الأحداث التاريخية والسياسية والوضع الاقتصادي.

غوص

«ساق البامبو» محاولة جادة للغوص في أعماق البشر في المجتمع الفلبيني وفي أعماق المجتمع الكويتي في توليفة روائية مفعمة بعناصر التشويق التي تعاونت على صنعها شخصيات متعددة، طارحا المؤلف السنعوسي الاشكاليات دون مباشرة ويسترسل في ابداعه الرائع «ساق البامبو» التي سيكون لي عودة معها في شكل احتفالي آخر بالكاتب الكويتي المجيد سعود السنعوسي.          
 
المصدر:

 
رابط الموضوع في جريدة الوطن الكويتية - PDF