الأربعاء، 10 ديسمبر، 2008

حين قابلته .. قابلت الكويت



سعود السنعوسي:

حين أعتاد على رؤية أشخاص ما، من خلال شاشة التلفزيون، ولسنوات طويلة، تصبح هذه الشخصيات مع مرور الزمن، بالنسبة لي، مرتبطة في ذلك المكان فقط، أي جهاز التلفزيون، وكأنها تنتمي إليه وتعيش في داخله، بين تفاصيله وأجزاءه الدقيقة. وإذا ما قابلت شخصية تلفزيونية في مكان ما، كالشارع مثلا أو السوق، يخيّل لي بأنها قد خرجت للتو من التلفزيون، وأنا لا أعني مبنى التلفزيون التابع لوزارة الإعلام، بل أعني جهاز التلفزيون ذلك الذي لا يخلو منه بيت، وكان أول سؤال يتبادر إلى ذهني حين أقابل، بالصدفة، ممثلا أو مذيع أخبار هو: تراه قد خرج للتو من الشاشة أم انه في الطريق إليها؟ تدور هذه الأسئلة مع الشريط المصور الذي تعرضه الشاشة العريضة المعلقة على جدار مخيلتي والتي لا يراها أحد سواي. أشاهد إحدى هذه الشخصيات، وبحركة "كرتونية" ينحني قليلا كي يخرج رأسه من الشاشة ثم يديه ورجليه حتى يصبح بكامل جسده على أرض الواقع، ثم يحدد وجهته ويرحل ليعود في آخر النهار إلى حيث أتى. هذا ما كنت أتصوره، عندما كنت طفلا صغيرا، كنت أعتقد بأن ماما أنيسة مقدمة برنامج "ماما أنيسة والأطفال" ومحمد الفارسي مقدم برنامج "الفنان الصغير" ونعمان أحد أبطال "افتح يا سمسم" وغيرهم من الشخصيات التلفزيونية، ما هي إلا شخصيات محشورة داخل هذا الجهاز، وإذا ما تمكنت من الخروج لسبب ما فلابد لها أن تعود إليه ثانية. كانت تلك التخيلات تصاحبني في فترة طفولتي المبكرة، ولم تستمر معي بالطبع، إلا ان الفكرة ما زالت تحتل لها حيّزا في ذاكرتي، تنشط كلما قابلت شخصية مشهورة في مكان ما.


في أحد الأيام، كنت في أحد أشهر معارض الإلكترونيات في الكويت وأكبرها، أبحث عما هو جديد من أجهزة إلكترونية. أتنقل بين الأقسام هنا وهناك، وبعد أن وجدت ما يناسبني، أخذت أبحث عن الموظف المختص كي يساعدني في الحصول على ما كنت أرغب بشرائه، أخذت ألتفت حولي، وبدلا من أن تستقر عينيّ على أحد الموظفين، استقرت على رجل كان يسير برفقة زوجته وشاب وفتاة في مقتبل العمر. تسمرت في مكاني، ووجدتني لا أستطيع أن أبعد نظري عن ذلك الرجل. وبالصدفة، كان يسير بصحبة عائلته في قسم شاشات التلفزيون. أخذت أراقبه عن بعد، ثم ألتفت للشاشات التي كانت تنتشر من حوله، نشطت تلك الفكرة القديمة، ثم تساءلت: "تراه من أي واحدة خرج؟"
امتلأ المكان برائحة البحر، وأخذت الألوان تتغير شيئا فشيئا من حولي، كان الرجل يسير ويضبغ الأرض والجدران والسقف بألوان علم الكويت، الأسود والأبيض والأحمر والأخضر.
أتذكر المرة الأخير التي شاهدته فيها عبر شاشة التلفزيون، كان يتغنى باسم الكويت في إحدى الأوبريتات الوطنية، وقبلها بحوالي عام، كنت أحتفل معه، رغم وجودي في غرفتي أمام شاشة التلفاز بعيدا عنه، إلا ان شيئا ما بداخلي كان قريبا منه، يشاركه فرحته بنيله جائزة الدولة التقديرية، والتي كان يستحقها عن جدارة لما قدمه لوطنه وأبناء وطنه. فكرت أن أقترب منه لألقي عليه التحية، ولكني شعرت بالحرج، لم أرغب باختراق خصوصيته هو وأسرته. أكملت تسوقي بعد أن صرفت النظر عن فكرة إلقاء التحية، ولكنني لمحت الشاب والفتاة اللذان كانا برفقته يستقلان السلم الكهربائي للوصول إلى الطابق الثاني. هنا فقط عادت الفكرة، وشعرت أن الاقتراب من هذا الرجل أصبح أسهل، ولكنه في تلك الأثناء كان قد اختفى. أخذت أبحث عنه هنا وهناك، كأني فقدت شيئا كان بحوزتي منذ لحظات، إلا ان كل شيء من حولي كان يؤكد أنه لم يعد موجودا. توقفت لحظات عند شاشات التلفزيون المعروضة، أنتظر خروجه مرة أخرى. سألني أحد الموظفين: كيف يمكنني أن أساعدك؟ هل أسأله عن رجل كان قد خرج قبل دقائق من إحدى هذه الشاشات ثم عاد إليها؟! نسيت أمر ذلك الرجل، أو تناسيته، ثم توجهت نحو البوابة التي تؤدي إلى الخارج، وكانت المفاجأة، حيث وجدته وزوجته يجلسان على كراسي مخصصة للعملاء، حيث تُسلّم المشتريات هناك. لم أدع للفرصة فرصة كي تفوتني هذه المرة، وتقدمت نحوه بتردد. مددت له يدي مصافحا، ثم ألقيت التحية، وسألته ان كان قد قام بتجهيز عمل وطني، كما عودنا هو والموسيقار غنام الديكان، لشهر فبراير القادم، ابتسم بأسف وقال: "لا والله .. ماكو شي هالسنة". وجهت إصبعي نحو صدري وقلت: "إحنا الخسرانين"، ثم قلت له أني في صباح كل يوم، وفي طريقي للعمل، اعتدت أن أستمع إلى "قالت الريح للغيوم الثقيلة"، وهي إحدى أغنياته الوطنية المحببة إلي. ثم قلت له مداعبا: "أنني قد لا أذهب للعمل إن لم أستمع لتلك الأغنية صباحا". ضحكا، هو وزوجته، في حين كانت يدي لا تزال تصافح يده. شعرت أن لدي الكثير لأقوله، ولكن شيئا ما قد منعني، سحبت كفي وختمت كلماتي بالدعاء لله عز وجل أن يطيل في عمره وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية.


كانت تلك الكلمات القليلة هي التي قلتها له في ذلك اللقاء القصير، أما في ما تبقى لي من مساحة في هذه الصفحة، سأسطر جزءا من الكلمات التي ابتلعتها في ذلك اليوم لسبب أجهله:
عبدالعزيز خالد عبدالعزيز المفرج
أستاذي الفاضل، الذي علمني الكثير دون أن ألتقيه، والذي لقنني دروسا عظيمة دون أن يراني، معلمي الذي نقش فيّ منذ الصغر أسمى معاني الحب والوفاء والولاء لهذه الأرض، سوف لن أبالغ إذا قلت أنك أحد أهم الرجال الذين غرسوا فينا مفاهيم الحب لهذا الوطن. أنت من أنشأ جيلا كويتيا كبر وترعرع على صوتك الذي نقل رسالتك السامية بوضوح وجلاء، تلك الرسالة التي استقرت في نفوسنا، حب الكويت، الذي نحمله معنا حيث ذهبنا. وصوتك الذي يسكن في أعماق أعماقنا، نستحضره كلما شاهدنا أبراج الكويت الشامخة وعلمها. وإذا ما عادت بي الذكرى إلى الوراء، لا أشاهد من وطني سوى صوّرا لبابا جابر وبابا سعد وعلم الكويت وأبراجها و .. صوت شادي الخليج.
كان هذا باختصار شديد ما كنت أود أن أذكره لك في ذلك اللقاء السريع، ولكن حروفي لم تسعفني. وبقي أمر آخر يستوجب علي ذكره، وهو أن هذا الشعور ليس شعوري وحدي، بل ما أنا سوى شاب يمثل جيلا كاملا يعتبر نفسه "آخر الأجيال المحظوظة" التي تلقت دروسها الوطنية على يد أستاذ كبير يدعى: عبدالعزيز المفرج أو كما يحلو للكويت بأسرها أن تناديك بـ"شادي الخليج"، ذلك الرجل الذي حين قابلته .. قابلت الكويت.


نشرت في:


الاثنين، 10 نوفمبر، 2008

لا تحرمونا من العودة إلى الماضي





سعود السنعوسي:

من منا لم يحلم، ولو لمرة واحدة على الأقل، أن يعود به الزمن إلى الوراء؟ ان لم تكن هذه الرغبة من أجل تغيير أمر ما قد ندمنا عليه، فقد تكون بسبب أمور أخرى، منها الحنين الذي يتملكنا للأشياء الجميلة التي تميّز بها ماضينا القريب.
منذ ما يربو على السنتين أصبحت العودة للماضي لي وللكثيرين غيري أمرا ممكنا، وذلك بواسطة آلة الزمن المسماة YouTube ، نعم، رغم ان إنشاء هذا الموقع الضخم لم يكن بهدف القيام بدور الجسر الذي ينقلنا - نحن الكويتيون - إلى ماضينا البسيط الجميل، فانه وبجهود شبابية كويتية وفية أصبح كذلك، بالنسبة لي ولمن هم يشاركونني الاهتمام على الأقل.
لطالما فكرت في الكتابة حول هذا الموقع - YouTube - وما يحتويه من كنوز حرمنا منها تلفزيوننا التعيس - مع الاعتذار لماضيه - ولكني أجد نفسي في كل مرة منجرا إلى مواضيع أخرى قد تكون أكثر أهمية. أما اليوم وبعد الهجمات والتهديدات بالحجب التي طالت هذا الموقع وجدتني أمسك بالقلم على الفور، ليس للدفاع عنه بل لمناشدة المسؤولين أن يتفكروا قليلا في ما هم عليه مقدمون، لأن ما يحدث هو أمر مضحك بالفعل. ان من يطالب بحجب هذا الموقع إنما هو كمن يدعو الناس للتوقف عن استخدام السيارة في تنقلاتهم بسبب احتمال وقوع حادث، أو كمن يطالب الناس بملازمة منازلهم لأنهم في حال خروجهم قد يشاهدوا ما يخدش حيائهم.
لا أنكر أن الموقع قد يحتوي على ما هو سلبي، ولكن، ألسنا نحن من يحدد كيفية النظر للأمور؟ ان موقع YouTube كغيره من الأشياء التي نحدد - نحن - كيفية استخدامها، سلبا أو إيجابا، فالملعقة التي آكل بواسطتها، قد يستخدمها غيري ليفقأ بها عين الخادمة التي نسيت أن تضيف الملح لطعامه، فهل نطالب بمنع استخدام الملعقة؟! هناك الكثير من الأمور في مجتمعنا لا بد من تظافر الجميع لصدها ومنعها نظرا لعدم احتوائها على ما هو إيجابي، ولكن المطالبة بمنع أو إيقاف كل شيء مهما زادت ايجابياته بسبب بعض السلبيات فهذا أمر غير منطقي.
أعود لعنوان المقال، لا تحرمونا العودة للماضي، لا أعتقد أن هناك من لم يفهم ما كنت أرمي إليه في هذه العبارة. فإن موقع YouTube، أكرر، أنه بجهود شباب مخلص لوطنه أصبح كآلة الزمن الأسطورية التي تأخذنا حيث نريد، حيث كويتنا الجميلة، حيث كل ما نفتقد إليه اليوم من مفاهيم وطنية خالصة قلما نجدها في هذا الوقت وفي جيل اليوم، حيث اني أعتقد، ولله الحمد، أن جيلنا هو آخر الأجيال المحظوظة التي شهدت ريادة الكويت في شتى المجالات وتفوقها على الكثير من دول المنطقة.
في موقع YouTube يمكنك أن تعثر على كل ما هو تافه إذا كنت تبحث عنه، وفي الوقت ذاته ستعثر على كل ما هو مفيد إذا أنت أردت ذلك، فهل تبحث عن موضوع ثقافي معين؟
أو هل تود مشاهدة حلقة دينية بثتها إحدى الفضائيات ولم تعاود بثها مرة أخرى؟ هل تريد أن تقضي وقتا ممتعا في متابعة حلقة الأمس التي فاتتك؟ أم انك تود أن تشاهد مستوى الأعمال الكويتية القديمة الفنية والرياضية والثقافية التي لم تشهدها بسبب صغر سنك في ذلك الوقت أو لأنك لم تكن مولودا بعد؟ أم انك مثلي، تشتاق لذلك الزمن الجميل فحسب؟ كل ما هو عليك أن تكتب اسم الموضوع الذي تود أن تشاهده في الخانة المخصصة لذلك وستعثر على كل ما تريد. وحتى لا أظهر الموقع بأنه يخلو من المشاهد واللقطات السلبية، أود أن ألفت انتباهك أن الموقع يحتوي أيضا على بعض المواضيع التي تثير الفتنة بين الدول والطوائف والأديان أو بعض المشاهد الخادشة للحياء، ولكن من ميزة هذا الموقع انه يمكنك في حال مشاهدة ما هو غير لائق أن تطلب من القائمين على الموقع حذف اللقطة وذلك بواسطة إجراء مخصص لذلك يمكنك أنت وكل من يعترض على أي مشهد أن يقوم بحذفه شريطة أن تتكرر طلبات الحذف من أكثر من مستخدم.
كنت أتمنى من الذين بحّت أصواتهم بالمطالبة بحجب هذا الموقع أن يفكروا بعمل شيء مماثل بدلا من الاكتفاء بسياسة الحجب والمنع. كنا نخشى ممن يحاولون تكميم أفواهنا، وها نحن اليوم أمام من يطالب بفقء أعيننا وسد آذاننا.



لقطات تستحق المشاهدة

لعل من أهم اللقطات التي أحرص دائما على مشاهدتها من خلال موقع YouTube هي الحفلات الوطنية التي كانت تقيمها وزارة التربية، بالإضافة إلى الأعمال الوطنية القديمة التي تعود لزمن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ صباح السالم مرورا بالأعمال التي تعود لفترة الاحتلال وصولا إلى زمن المغفور له بإذن الله أمير القلوب الشيخ جابر الأحمد، بالإضافة إلى الكثير والكثير من المشاهد الفنية والرياضية الرائعة التي لا يمكن أن نراها على شاشات التلفزيون بسبب ندرتها أو بسبب نوم المسؤولين .. في العسل.
رسالة إلى كل من يطالبوننا بإغماض أعيننا عما هو حولنا .. لا تحرمونا العودة لكويت الماضي .. طالما انكم عجزتم عن تحقيق كل ما نتطلع إليه لكويت الحاضر. لا أتمنى شيئا سوى أن يلطف الله ببلادي مما ينتظرها في المستقبل وما ستصل إليه على أيديكم.
وحسبنا الله على من جعلنا نشتاق لوطننا رغم وجودنا فيه، رغم مشينا على أرضه واستنشاقنا هوائه. حسبنا الله على من جعلنا نبحث عن وطننا وكأنه غير موجود.

نشرت في:


الجمعة، 10 أكتوبر، 2008

أسد الجزيرة

 سعود السنعوسي:

بالرغم من انه لم يعرض على أي قناة فضائية أو أرضية، وبرغم المشاكل التي حالت دون عرضه على شاشات التلفزيون، الا ان مسلسل أسد الجزيرة قد احتل حيّزا لا يستهان به من حيث نسبة المشاهدة، هذا بالنسبة للأعمال المحلية بالطبع. لا أستند في هذه المعلومة على أي دراسة أو احصائية لأعلى نسبة مشاهدة للمسلسلات خلال شهر رمضان المبارك، بل تكوّنت لدي هذه الفكرة ممن هم حولي، حيث لم أسأل أحدا عن هذا العمل – أسد الجزيرة – إلا وأخبرني بأنه يملك نسخة من العمل أو انه بانتظار وصول نسخته.
أما بالنسبة لي، فقد شاهدت العمل كاملا في مدة لم تتجاوز الثلاث أيام. قد يحتاج عمل بهذا الحجم لمشاهدة دقيقة ومتأنية، ولأكثر من مرة، لتكوين انطباع عام عن العمل وتقييمه، وبما اني لست ناقدا فنيا، وقد لا أملك أسس تقييم الأعمال الفنية، فانني سأكتب وجهة نظري حول هذا العمل كمشاهد لا أكثر، وسأكتب وجهة نظري حول المسلسل من الناحية الفنية أولا، ثم الناحية التاريخية بشكل موجز.
أعتقد أن ما شاهدته في هذا العمل الضخم انتاجيا وفنيا من اخراج وتصوير ومقدمة غنائية وموسيقى تصويرية، يجعله يتربع على قمة الأعمال المحلية التي قدمت من قبل، وهذه وجهة نظر شخصية بالطبع. أما بالنسبة للممثلين فلا يمكنني أن أتطرق لأدائهم التمثيلي في هذا المقال لأنه يتطلب بلا شك صفحات كثيرة. فقد أبدع البعض في أداء الشخصيات، بينما فشل الآخر في اقناعنا بدوره. أما بالنسبة للموقع فقد كان قطعة من الكويت القديمة بالفعل، رغم اني لم أرها في حياتي، إلا ان الجو العام للموقع كان مقنعا ومقاربا بشكل كبير لما نعرفه ونشاهده في صور كويت الماضي.
هناك العديد الأمور التي تعيب المسلسل، كغيره من المسلسلات بالتأكيد، منها الاستعانة بممثلين سوريين لأداء شخصيات كويتية، وقد كان واضحا عدم اتقانهم للهجة المحلية كما ان ملامحهم لا تساعدهم على أداء أدوار كهذه. هذا لا يجعلنا نتغاضى عن إبداع الممثلين السوريين الذين قاموا بتمثيل الشخصيات التركية باتقان وعلى رأسهم الفنان سلوم حداد. أما ما لفت انتباهي في المسلسل هو قلة الممثلين الكويتيين نسبيا، فقد تصدى العديد من الممثلين الخليجيين لتمثيل شخصيات كويتية معروفة رغم كثرة الفنانين الكويتيين الذين يصلحون لأداء هذه الأدوار.
أما من الناحية التاريخية فأجد أن المسلسل هو مسلسل وثائقي، يوثق تلك الحقبة من تاريخ الكويت بطريقة أخرى هي أبسط كثيرا مما قرأناه في الكتب حول تاريخ الكويت، لأن المسلسل يتطرق لأهم الأحداث دون ذكر الأحداث الهامشية التي قد تحتويها كتب التاريخ، ولكن هناك أحداث كان من الضروري عدم إغفالها في هذا العمل، لأنها تعتبر من الأحداث المهمة، ولعل مقتل الشيخين محمد وجراح هو من أبرز هذه الأحداث، أنا لا أعني أنه كان من المفترض أن يُظهر لنا المسلسل مشهد القتل مثلا، ولكن كان من الضروري التطرق لهذا الموضوع ولو شفهيا بين شخصيات العمل، فأنا لا أرى في التطرق لموضوع قتل الشيخ مبارك أخويه أية مشكلة، لأنها حقيقة تاريخية لم يحاول، حتى أصحاب الشأن، وأنا أعني الأسرة الحاكمة، تغييرها وتزييفها كبعض الأنظمة الأخرى، فالكل في الكويت يعرف تفاصيل هذه الحادثة. ولكن العمل ظهر وكأنه يحاول ابعاد المشاهد عن هذه القضية، فأول مشهد في المسلسل كان يصّور رجال الشيخ مبارك في "الفرجان" والأسواق وهم يصيحون بالناس معلنين: "الملك لله والشيخة لمبارك الصباح". هكذا كانت بداية المسلسل هي بداية حكم الشيخ مبارك، دون ذكر شيء من أمر الشيخين محمد وجراح، ثم انتقلت الأحداث بسرعة إلى يوسف الإبراهيم، والذي قام الفنان عبدالرحمن العقل بأداء شخصيته. وأعتقد ان المؤلف قد أخفق في نقل بعض الأحداث أو تغاضى عنها، منها السبب الفعلي لخروج يوسف الإبراهيم من الكويت، حيث أظهر لنا العمل ان العداء القديم بين الشيخ مبارك ويوسف الإبراهيم هو ما أجبر الأخير على الفرار من الكويت تجاه العراق لاعداد نفسه للهجوم على الكويت والإطاحة بالشيخ مبارك بعد أن أصبح الأخير حاكما لها. وقد خرج الإبراهيم بالفعل من الكويت اعتراضا على تولي الشيخ مبارك حكم الكويت، ولكن ليس بسبب العداء القديم كما يظهر لنا المسلسل، بل دفاعا عن أبناء أختيه اللذين قتل الشيخ مبارك أبويهما. فكما هو معروف أن علاقة نسب تربط الشيخين محمد وجراح بيوسف الإبراهيم. ورغم ان المسلسل يضم مشهدا أو أكثر لأكبر أبناء الشيخ محمد وهو ينادي يوسف الإبراهيم بـ: "يا خال"، إلا أن أسباب خروج الإبراهيم من الكويت كانت غير واضحة في المسلسل.
أما المأخذ الأخر فهو المبالغة في إظهار كره يوسف الإبراهيم للكويت والكويتيين على الرغم من أن العداء كان محصورا بين يوسف الإبراهيم والشيخ مبارك، حتى عندما حاول الإبراهيم الاستعانة بالحكومة التركية، لم يكن ذلك كرها للكويت والكويتيين بل للإطاحة بحكم الشيخ مبارك لأنه كان يرى الأحقية في الحكم لأبناء الشيخين محمد وجراح. ولكن البعض يرى أن محاولة الإطاحة بحكم الشيخ مبارك بحد ذاتها هي تدمير للكويت، لذلك رأوا في محاولات يوسف الإبراهيم خيانة للكويت، وهذا رأي آخر.
أما الشخصية الأخرى التي أثيرت حولها المشاكل، بل طالب البعض عدم إتمام وعرض العمل بسببها، هي شخصية الأمير عبدالعزيز الرشيد، حيث كان يخشى البعض عدم إنصاف هذه الشخصية تاريخيا أو عدم إعطاءها حقها، رغم ان المسلسل ذكر معركة الصريف وانتهاءها لصالح بن رشيد. كما اتهم البعض المسلسل بأنه لم يظهر سوى جزء صغير من تاريخ بن رشيد، وهذا صحيح دون شك ولكن العمل يتحدث عن الكويت في زمن الشيخ مبارك، لذلك لن يركز المسلسل على تاريخ الأمير عبدالعزيز بن رشيد سوى في ما يربطه بالشيخ مبارك والكويت. حيث ان شخصية كشخصية الأمير عبدالعزيز الرشيد تحتاج كغيرها من الشخصيات التي ظهرت في العمل إلى مسلسل مستقل بذاته. ولعل الملفت في المسلسل أيضا هو عدم التطرق للأمير بن سعود سوى مرتين وذلك عن طريق ذكر اسمه فقط دون ظهور من يمثل شخصيته في العمل رغم قربه من الأحداث في تلك الحقبة وملازمته للشيخ مبارك في كثير من الأحيان.
في النهاية، لا أعتقد أن الهدف من هذا العمل هو توثيق لسيرة الشيخ مبارك الصباح مؤسس دولة الكويت فحسب، بل بدا واضحا لي أن العمل يهدف بالدرجة الأولى إلى إثبات أن الكويت لم تتبع يوما الدولة العثمانية، وهذا ما يدحض الادعاءات التي تقول بتبعية الكويت للعراق التي كانت تتبع الدولة العثمانية في تلك الحقبة، وهذا ما وفق فيه المؤلف إلى حد ما.
العمل بشكل عام يضم العديد من الأحداث التاريخية التي مرت بالكويت في تلك الحقبة، ويبقى تقييم العمل من الناحية التاريخية أمرا في غاية الصعوبة، إلا انه من الناحية الفنية، رغم بعض الأخطاء، أجده من أروع الأعمال المحلية، هذا ان جاز لي أن أعتبره من الأعمال المحلية، لأن العمل، كما رأيت، عبارة عن عمل عربي مشترك قدم لنا في النهاية قيمة "فنية" لا نلمسها في كثير من المسلسلات.

نشرت في:


الأربعاء، 10 سبتمبر، 2008

حين يدمّرون بأموالهم كل ما هو جميل!

سعود السنعوسي:

المال، هذه النعمة، زينة الحياة الدنيا، هي والبنون كما يقول سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم. من منا لا يسعى لامتلاك هذه النعمة؟ أشك أن هناك من لا يتمنى أن يمتلك من المال ما يكفيه لتحقيق كل ما يمكنه تحقيقه بواسطته، وهذا حق مشروع، ولا خلاف عليه، ولكن! حين يفيض المال عن حاجة صاحبه، بعد أن يتمكن من تحقيق كل أحلامه وتأمين مستقبله ومستقبل سلالته لقرون آتية، ماذا يحدث؟
بعض الناس بعد أن يمن الله عليهم بالنعمة ما يزيد عن حاجتهم يبدأون في إشراك الغير بالاستفادة من هذه النعمة، مع الوضع بعين الإعتبار المنفعة الشخصية، كمن يقيم المشاريع التي تعود عليه بالمنفعه شخصيا، وعلى غيره ممن يساهمون في استمرارية مشاريعه من عمال وموظفين. والبعض الآخر يكتفي بالاستفادة من أمواله دون أن يشرك أحدا معه، وهذا حق لا يمكننا أن ننازعه عليه، ولكن ماذا عن النوع الثالث الذي يفسد كل ما هو جميل بواسطة أمواله ظنا منه أنه يصنع له مجدا شخصيا في حين هو في الواقع يشوه كل شيء جميل من حوله؟
هذا النوع، مع شديد الأسف ينتشر في كل بقاع الأرض، ولكنه واضح ومعروف في دول الخليج، ولدينا في الكويت عددا ليس بالقليل منه.
حين يتصور الإنسان أنه يستطيع أن يصنع له اسما لامعا يتداوله الناس، بسبب ماله ويعتقد أنه يستطيع شراء كل ما حوله ليسخره لتلميع ذلك الإسم، ماذا يحدث؟ قد ينجح في بداية الأمر ولكن سرعان ما سينكشف أمره لتصبح أمواله سببا في جلب العار لأسمه بدلا من المجد الذي كان ينتظره. يسأل البعض، وما هو شأنك بهم طالما ان أمرهم سينكشف عاجلا أم آجلا؟ وما الذي يغيضك؟ فهذا الإنسان حر بأمواله، وإذا اكتشف الناس أمره، هو وحده من سيتحمل ذلك، هل تحسده على كثرة أمواله؟
كلا، لا أحسده على كثرة أمواله، وليس لي شأن إذا ما انكشف أمره للناس، ولكن ما يحزنني حقا هو انه لن يكتشف أحد أمر هذا المحتال إلا بعد أن ينتهي هو من تدمير كل ما هو جميل، فلن يكون هو الخاسر الوحيد كما يظن البعض، فكم من شاعر - على سبيل المثال - عرف عنه شراء القصائد، يقوم بضخ أمواله لكبار الملحنين وكبار المطربين لغناء هذه القصائد المنسوبة له؟ هو بذلك لا يسيء لنفسه فحسب، بل ليته يفعل، ولكنه يدمر أبسط المفاهيم التي عرفناها عن الفن. والغريب حقا هو أن هذا الإنسان لا يدرك أنه مهما فعل لن يستطيع أن يبني له مجدا أو اسما يذكره الناس، حيث انه إذا ما كلف شاعرا بكتابة قصيدة، سيقوم هو بشراء كلمات فقط دون إحساس، وهذا ينطبق على من يدفع للملحن كذلك، فالملحن الذي يستلم من الشاعر المزيف مبالغ طائلة من المال لن يقوم بالعمل كما لو هو يرغب، فهو يقوم بالعمل من أجل "عين" المال، لا من أجل اسمه هو وشهرته، لذلك لن يخرج العمل كما يرغب شاعرنا مهما حاول بضخ أمواله وشيكاته، والخاسر الوحيد هو الفن نفسه، وأبسط مثال على ذلك ما نسمعه من أغان وما نشاهده من أعمال تلفزيونية كان المال هو من يقوم فيها بدوم المؤلف والمحلن والشاعر والمخرج.
هذا الأمر لا ينطبق على الأعمال التلفزيونية أو الأغاني العاطفية فحسب، بل ان الأمر تعدى ذلك ليطول الأغنيات الوطنية، فهناك من يشتري الكلمات "الرخيصة" التي لا تليق بأغنية عاطفية، فكيف بالأغنية الوطنية؟ هذا مع الأسف ما نشهده الآن. وإذا ما ابتعدنا عن الأغنية، سنجد ذات الشخصية في الأدب أيضا، فكم من أولئك الذين لا يعرفون ماذا يفعلون بثرواتهم دسوا أنوفهم في الأدب أيضا، حيث أصبح البعض منهم وبـ"قدرة قادر" روائي أو مؤلف أو باحث في يوم وليلة، كل ما في الأمر هو أن يدفع لأحدهم مبلغا محترما من المال ليقوم الأخير بالكتابة وتسجيل اسم الأول على غلاف العمل.
المصيبة هي ان بعض أولئك الذين تمكنوا من شراء الشهرة بواسطة المال، يعتقدون أيضا بأنهم نالوا تقدير الناس واحترامهم، دون أن يدركوا أنهم بالفعل استطاعوا أن يصبحوا أشهر من نار على علم ولكن دون احترام أو تقدير من أحد، فالناس لا تحترم من يسفه عقولهم أو من يظن أنه قادرا على خداعهم، فباستطاعة الناس أن تفرق بين الشاعر الحقيقي والمزيف، كما هو الحال مع الكاتب والأديب والموسيقي. فأنا واحد من الناس الذين لا يمكن أن يصدقوا بأن هناك انسان على وجه الأرض يمكنه أن يكتب الشعر ويلحن الأغاني ويكتب المسلسلات والمقالات الفنية والعلمية والسياسية والرياضية "ويستمر" في كل هذه المجالات.
مع الأسف الشديد، أصبح المثقفون العرب ينظرون إلينا، في الخليج، نظرة غير منصفة بسبب ما يفعله أولئك السماسرة، فان ما نشهده من أعمال فنية وأدبية في بلادنا لا تخرج عن حالتين، إما أعمال هابطة كان المال سبب ظهورها، أو أعمال رائعة بكل المقاييس لا يعترف بها من هم حولنا، أو ينسبونها لغيرنا لأننا، كما هم يرون، نشتري حتى الإبداع بأموالنا، وكل عمل ناجح يخرج من بلادنا لابد وأن يكون - في نظرهم - مدفوع الثمن، وأن صاحب العمل الحقيقي يمكن أن يكون أي إنسان شرط إلا يكون خليجي.

نشرت في:


الخميس، 10 يوليو، 2008

شاركونا الجهل!


سعود السنعوسي:

لا يحتاج الناخب إلى من يلفت انتباهه إلى شعارات الكثير من المرشحين في حملاتهم الانتخابية الأخيرة، والتي وان اختلفت في صيغتها فهي تتفق اتفاق تام في مضمونها، تلك الشعارات التي كانت تركز على التفاؤل والأمل والبعد عن اليأس وكل ما يدعو إلى التشاؤم. ومن وجهة نظري أن العزف على أوتار الأمل بحد ذاته ينبهنا إلى حجم اليأس الذي بدأ يتسلل إلى نفس المواطن الكويتي.
شاركونا الأمل .. متفائلون .. إياك واليأس من وطنك .. متفائلون وبكم واثقون .. والخ من الشعارات.
أعتقد أن المواطن الكويتي بدأ يلامس حدود اليأس، إن لم يبحر في محيطاته بعد، والأخطر من ذلك هو اليأس الذي احتل قلب الوطن، وهو ليس كاليأس الذي يحذرنا منه أحد النواب، إطلاقا، فليت من كان ينادي المواطن بعدم اليأس من وطنه أن يلتفت للوطن الذي يئس من مواطنه.
لا يمكن أن يكون لمفردة التفاؤل معنى ما لم نتحرك وننتفض للسير بوطننا نحو الاتجاه الصحيح، فآخر ما أتمناه هو أن يصبح تأثير هذه المفردة كتأثير المخدر "البنج" الذي ينتشر في أنحاء الجسد لفترة مقدرة يتلاشى بعدها تدريجيا لتعود الآلام مجددا تنخر بنا حتى .. نموت.
انقسم المواطنون إلى عدة اتجاهات، البعض يرى أسباب تردي الأوضاع في الحكومة والبعض يراها في مجلس الأمة والبعض الآخر يراها في الاثنين معا. كم هو ظريف هذا المواطن الذي "يقتل القتيل ويمشي بجنازته" كما يقول الأشقاء في مصر، وكأن النائب "طق باب المجلس ودرعم" دون أن يكون للمواطن الدور الأول والأخير في إيصاله لقبة البرلمان. ان لم تكن تجربتنا الديموقراطية التي تقدر بحوالي خمسة وأربعون عاما كفيلة بتوعية الناخب إلى أهمية دوره في الاختيار، فكم عام سنحتاج ليدرك الشعب أهمية هذا الدور؟ لا أود أن أعمم، ولكن، النسبة التي تجهل أهمية "صوتها" كبيرة جدا، لا يحتاج الأمر إلى دراسات وأبحاث، يكفيك أن تسأل من حولك عن أسس اختيار النائب الذي يستحق أن يمثل الشعب لتمطر سحب الجهل من فوقك. قليلون هم من أجابوني، حين سألتهم، أنهم قد اختاروا المرشح الفلاني لفكره وثقافته وطرحه أو مؤهلاته. قلت لأحدهم هل ستصوت لفلان؟ وجاءني رده الصاروخي قائلا: يا أخي يعجبني طرحه .. انسان مثقف .. فاهم .. ورغم انه ليس متطرفا .. إلا انك تعرفني جيدا لا أصوت لـ "ملتحي"!
وأسأل أحد الأصدقاء عن مرشح آخر ليأتيني ردّه: يا أخي ودّي أعطيه صوتي .. أكاديمي وفاهم .. بس "يوّلي" ليبرالي!
وما أكثر الردود الغريبة التي استمعت إليها من عدة أشخاص مثل: "هذا نسيب جارنا بو محمد"، و"والله ما دام الحكومة تعطي فلان وعلان وما تعطينا راح أصوت لفلان وأقبض 1000 دينار أحسن من ما ميش" أو "آنا صوتي مقطوع لفلان ابن القبيلة عشان ينفعنا بالمجلس" .. "وفلان سفّر أمي للعلاج برة" .. والكثير الكثير من الردود التي لا يمكنني حصرها في هذه الصفحة، ولو احتملت الصفحة ذكرها فلن أذكرها خجلا مما وصل إليه البعض من سطحية وعدم احساس بالمسؤولية و .. جهل.
يا من دعوتمونا للتشبث بالأمل والتفاؤل والابتعاد عن اليأس، هل أدركتم الآن لماذا لم تنجح شعاراتكم؟ لأن الأغلبية لا تكترث لهذا الأمل، لأن لديها يقين وإيمان راسخ أن بمقدورها إنجاح أي مرشح ترغب به، دون الاكتراث لمؤهلاته أو فكره أو تطلعاته نحو المصلحة العامة طالما أصبحت كل التطلعات تتوجه نحو المصلحة الشخصية والولاءات الأخرى.
والسؤال الذي يطرح نفسه، إن لم يصوت ابن القبيلة سوى لابن قبيلته، واذا انحصرت أصوات ابن المذهب السني للسنة، والشيعي للشيعة، وإذا احتكر تجار الأصوات أصوات الجهلة وعبدة المال، فمن الذي سيمثل الأقلية في هذا الوطن؟ من الذي سيمثل الكويتيين الموالين للكويت فقط؟!
واحد فقط ممن سألتهم قال لي: "سأمنح صوتي للأصلح، سنيا كان أم شيعيا شريطة أن يرى أبناء الوطن سواسية في الحقوق والواجبات، إسلامي كان أم ليبرالي، على أن يضع مصلحة الوطن والمواطن نصب عينيه دون التطرف والتشدد في توجهاته، صوتي ليس حكرا لمن ينتمي إلى مذهبي أو قبيلتي أو لمن لا يستحقه، سأصوت لأربعة مرشحين "كويتيين" فليكن من بينهم حليق الذقن أو صاحب اللحية الطويلة أو صاحب العمامة أو من ينطق الجيم ياء أو العكس .. كل ما يهمني هو حرصه على الكويت ومراعاته لله أولا ثم المواطن في عمله .. هذه هي أسس الإختيار التي التي تسألني عنها، رغم من صعوبة الاختيار يا صديقي".
ان كل ما نحتاجه هو استنساخ هذا الصديق، ليولد جيل جديد يمثل شريحة كبيرة من المواطنين يكون لديها هذا الحس الوطني البعيد كل البعد عن التعصب والتطرف و .. الجهل، حينها فقط ستغني الكويت : شاركوني الأمل والتفاؤل والعمل .. بدلا من أن يغني المواطن في كل موسم انتخابي : شاركونا الجهل .. والتخاذل والكسل !
فإن لم يتحول هذا (الأمل) إلى (فعل) سوف تدعونا هذه الشعارات بلا شك إلى الملل .. واليأس من جديد من كل شيء في هذا الوطن .. فنحن شعب لا ينقصنا شيء ولله الحمد سوى .. الوعي.

نشرت في:
 

السبت، 10 مايو، 2008

كل يغني على ليلاه ولا عزاء للكويت



سعود السنعوسي:

بعد الأحداث المتشابكة التي مرت بالكويت خلال الأسابيع القليلة المنصرمة، والتي لا تزال تبعاتها قائمة حتى ساعة كتابة هذه الأسطر، تتساءل الكويت: أين هي حصتي من ولائكم؟!
نعم .. يحق لبلادي أن تسأل كي يطمئن قلبها المفطور على أبناءها الذين انصرفوا عنها ليرتموا في أي حضن دون حضنها الذي اتسع لهم ولهمومهم على مر السنين.
مرت أسابيع على قضية تأبين مغنية، ولست بصدد التطرق لقضية اختطاف الجابرية وإدانة المذكور بجريمة اختطافها، فحتى لو لم يكن مغنية متورطا في تلك القضية، ما دخلنا نحن بما يجري هناك، ولماذا كل هذه الحماسة في نصرة من هم في الخارج في حين ان الكويت بأمس الحاجة لمن ينصرها على ما يحاك ضدها في الداخل؟
انتهت - كما يبدو - قضية التأبين وأسدل عليها الستار إعلاميا، وما كدنا نستبشر بعودة الأوضاع إلى وضعها الطبيعي حتى فوجئنا بما يجعل ولاؤنا موضع شك مرة أخرى، فما جرى من أحداث "بوليسية" إثر مداهمات رجال الداخلية لأماكن الفرعيات يجعلنا نعيد النظر في مسألة الولاء للوطن، بعد أن أصبحت مصلحته، بالنسبة للبعض، أمرا ثانويا.
بغض النظر عن التدابير التي لجأت إليها قوات الأمن، والتي كانت بلا شك قاسية بعض الشيء - بنظر المجتمع الكويتي الذي لم يعتد على هذه المشاهد على أقل تقدير - إلا ان المناظر والصور التي طالعتنا بها الصحف والفضائيات كانت أشد وأكثر قسوة. رجال أمن يطوقون المكان .. أفراد القوات الخاصة يصدون هجمات المواطنين .. قنابل دخانية .. مواطنون يمطرون سماء رجال الداخلية بوابل من الحجارة .. وآخرون يلوذون بالفرار!
وماذا بعد؟ بعد أن أوشكت الكويت أن تلامس حدود اليأس بسبب "بعض" أبناءها، استبشرت خيرا بمن سيمثلون الأمة قريبا، ولكن هذا الأمر رغم ما يحمله من أمل، فانه لا يخلو مما يجرها نحو التساؤل مرة أخرى: أين هي حصتي من ولائكم؟ فنسبة ليست بقليلة ممن ينوون خوض الانتخابات ولاؤها أساسا موضع شك، وهم معروفون تماما، فعندما ينجح المرشح غير المؤهل أو الفاسد أو المنصرف عن قضايا الوطن لصالح طائفته أو قبيلته أو طبقته أو تياره السياسي أو مصالحه الشخصية، فهذا لن يجعلنا نلقي اللوم عليه فحسب، بل على الآلاف اللذين أوصلوه لقبة البرلمان، وهنا، سيكون حزن الكويت لا مثيل له إذ ان حصتها من الولاء أصبحت لا تقارن بما يحمله الشعب من ولاء لـ"القبيلة أوالمذهب أوالتيار أوالطبقة".
على أي حال، الوقت لا يزال مبكرا، والفرصة لازالت بين أيدينا لنثبت للكويت ولائنا، فأمل الكويت "فينا" كبير .. وتتمنى إلا نخذلها.

من يكونون ؟

"بدر ناصر العيدان، سيد هادي العلوي، حسين علي رضا، عامر فرج العنزي، خليل خير الله البلوشي، محمد عثمان الشايع، خالد أحمد الكندري، عبدالله عبدالنبي مندني، جاسم محمد علي، مبارك وإبراهيم علي صفر، يوسف خضير علي".
انهم أفراد من مجموعة المسيلة، أو شهداء القرين كما يطلق عليهم.
لا يمر عام منذ تحرير الكويت، دون أن أقوم بزيارة لذلك البيت "بيت شهداء القرين"، سواء برفقة أصدقاء قاموا بزيارة الكويت من الخارج أو برفقة الأقرباء أو الأصدقاء، حتى حفظت ملامحه وملامح أبطاله عن ظهر قلب، وفي السنوات الأخيرة أصبحت زيارة ذلك البيت أكثر متعة، بعد أن تم ترميم جزء منه ليصبح صالة عرض تضم مجموعة من صور الشهداء وبعض الوثائق التي تشرح قصتهم البطولية بالإضافة إلى الذخائر التي استخدمت لمحاربتهم و بعض الملابس التي تحمل اسم "مجموعة المسيلة".
وأشد ما يثير اهتمامي في كل مرة أقوم بها بزيارة هذا المكان، هي لائحة أسماء الشهداء، تلك التي بدأت بها هذه الفقرة، يا لها من توليفة كويتية جميلة تضم مواطنين سنة وشيعة، حضرا وبدوا، كان انتمائهم الأول للوطن، ولم تمنعهم مذاهبهم وأصولهم على اختلافها من التضحية بأرواحهم في سبيل الكويت.
فهل نأخذ العبرة من .. مجموعة المسيلة؟!

نشرت في:
 

الخميس، 10 أبريل، 2008

بين بلادي .. والغرفة المجاورة!


سعود السنعوسي:

لأول مرة أكتب مقالا وأنا خارج الكويت، بعيدا عنها وعن أخبارها، وأكاد ألا أعرف شيئا عنها سوى انها – كما يقولون – تحتفل بعرسها الديموقراطي، وبعض الأخبار التي يتلقاها هاتفي بين الحين والآخر عن طريق بعض الشركات الاخبارية التي ترسل أهم الأخبار بواسطة الرسائل القصيرة.
لست بعيدا عن الكويت بالقدر الذي يجعلني أجهل الأحداث التي تجري بداخلها، ولكن انشغالي مع المريضة التي أرافقها في رحلة علاجها هو ما أجبرني على التوقف عن متابعة أخبار بلادي. لا أنوي استغلال هذه الصفحة بكتابة موضوع شخصي أو تدوين مذكرات تراجيدية لشاب يرافق مريضة خارج بلاده، ولكن، بعض الأحداث الشخصية، تفقد خصوصيتها إذا ما تكررت لأشخاص كثر، لتصبح ظاهرة عامة.

* * *

"سمو الأمير يحل مجلس الأمة حلا دستوريا" .. انتهى نص الرسالة القصيرة ولم تنتهي التساؤلات في ذهني .. وماذا بعد؟!
أعرف أن الانتخابات القادمة ستكون مختلفة بعد اقرار قانون الدوائر الخمس، ولكن، ماذا عن النتائج؟ هل ستكون أفضل؟ الأغلبية تؤكد ذلك، ولكن، هل ستكون بمستوى الطموح؟ هذا ما لم تؤكده الأغلبية.
أما آن الأوان للتغيير؟ الكل يطالب بذلك، والكل يعي تماما ما يجري في الكويت من تخلف في شتى المجالات، بل تطور ذلك التخلف ليصبح خطرا يتربص بمستقبل البلاد واستمرارها، ورغم ذلك بقي الحال على ما هو عليه. أتمنى، بل أدعو الله بصدق أن ينقذ الكويت من الأخطار التي تتربص بها، فقد أصبح البعض يلمس أطراف النهاية، وإذا لم نستيقظ من غفلتنا سندرك النهاية جميعا وقريبا، كيف ومتى؟! لست أدري ولكن كل المؤشرات تضاعف مساحات التشاؤم في النفوس. قبل أن تصفني بالمتشائم، اسأل من هم حولك، وهذا ما فعلته أنا بعد أن اتهمت نفسي بالتشاؤم وبأني أنظر إلى نصف الكوب الفارغ كما يقولون، ولكن الجميع متخوف، الانسان البسيط والمثقف على حد سواء. يقول أحدهم، وهو ممن لا يعرفون شيئا في الحياة سوى مهامهم الوظيفية والعائلية: "الله يستر من الي جاي، الأوضاع في البلد ما تطمن"، وعندما أستفسر منه عن المؤشرات التي بنى عليها تلك النظرة، يرد : "والله ما أدري، لكن شوف شقاعد يصير في الديرة!" ويبدأ في الحديث عن ارتفاع الأسعار وجشع التجار وتردي الخدمات وأزمة الكهرباء وتفشي الجريمة والمخدرات وغياب دوري الحكومة والمجلس. هذا ما يراه المواطن الغلبان، وأنا لا أعني الغلبان ماديا، بل أعني البسيط  الذي لا يعرف عن أمور الحياة سوى القليل، أما ما يراه المثقفون والمطلعون، فأقل ما يفعله بنا هو أن يقتلع نبتة الأمل من نفوسنا دون أي جهد يذكر.
كان يجلس أمامي، واضعا خده على راحة كفه، ويده الأخرى فوق رأسه المثقل بالأفكار ..

- دكتور؟ ما بك؟

- للأمانة .. أنا مرعوب ..

كدت أضحك في بادئ الأمر، فقد تذكرت شخصية "مرعوب" في المسلسل الشهير (الأقدرا)، ولكنه ما أن نطق بأسباب ذلك الرعب الذي يشعر به - وهو رعب ناتج عما يراه في مستقبل الكويت وهو عاشق لها حتى النخاع - حتى خيّل لي أنني أستمع لنواقيس الخطر تدق في أذنيّ مع كلماته. فإذا كان الجاهل أو البسيط يشعر بالخوف بسبب غلاء المعيشة وتردي الخدمات وما ينظر إليه من حوله، فإن ما يراه المثقف، وهو الذي ينظر للأمام، لهو أشد خطرا "إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه". أراك عزيزي القارئ تنتقل بين الأسطر لتعرف ما الذي قاله لي ذلك الـ "مرعوب"، لا تتعب نفسك في البحث عنه في هذه الصفحة، فأسباب "رعبه" موجودة حولك وباستمرار، انظر للكويت بقلب محب، وسترى كل شيء.
يبقى السؤال الذي يطرح نفسه، هل لا زال الوقت بأيدينا لتدارك المشاكل؟ والجواب هو نعم بكل تأكيد، وأفضل ما يمكن عمله في هذا الوقت تحديدا للكويت، وكي لا يصبح المواطن الكويتي "مرعوب" على بلده، فلنصوت لمن يستحق، بعيدا عن المصالح القبلية والطائفية، ولتكن الكويت هي مصلحتنا العليا، ولندعم من ينادي بمصلحة الكويت، علّ الطمأنينة تسكن القلوب المرعوبة. فبرغم كل المؤشرات يبقى هناك أمل. قد تنقذ الكويت بواسطة صوتك عندما تمنحه عن قناعة لمن يستحق.

* * *

في الكويت:

السيناريو الأول: جلس خلف مكتبه الخشبي، مرتديا معطفه الأبيض، وبكل ثقة، قال: ان ما تشعر به المريضة من اضطراب في نبضات القلب ناتج عن نوع العلاج الذي تتعاطاه لمرض الضغط، لن تحتاج لشيء سوى تغيير نوع الدواء لنوع آخر يلائم حالتها .. ألف سلامة يا حجة!

السيناريو الثاني: بعد التحاليل أشعة التردد المغناطيسي والتخطيط وغيره من أمور لم أسمع بها قط: كل التحاليل سليمة ولكن هناك تجلط "خفيف أوي" في الدم!
أما بقية السيناريوهات فهي كلام فارغ لا يقل عما سبق.

في الخارج:

السيناريو الأول: تعاني المريضة من انسداد في ثلاثة شرايين رئيسية، نسبة انسداد أحدهم 92%، ولابد من إجراء عملية جراحية حالا.

أجلس حاليا في الممر، وهي في الغرفة المجاورة، في عناية الرحمن جل شأنه، وبين أيدي الأطباء، مفتوحة القفص الصدري، بعد أن شقوا صدرها بمشرطهم من أسفل الرقبة إلى ما فوق السرّة بقليل ليدركوا قلبها، وهاتفي يستقبل أخبار عرس بلادي المنتظر، في حين أُرسل للأحباء، هناك، آخر أخبارها، تلك التي في .. الغرفة المجاورة.
بالمناسبة، لست في بلاد غريبة عن الكويت، كتلك البلدان البعيدة التي تشتهر بمصحاتها ومستشفياتها وخدماتها الطبية، لا اطلاقا، بل انني في بلد لا يختلف عن الكويت من ناحية الامكانيات والموارد. قد يكون الاختلاف هنا في الاهتمام فقط، من الناحية الطبية على أقل تقدير .. أكتب مقالة هذا الشهر وأنا في ممر أحد مستشفيات الرياض في المملكة العربية السعودية.
و .. الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله.

نشرت في:
 

الاثنين، 10 مارس، 2008

هلا فبراير .. إلى من يهمه الأمر!



سعود السنعوسي:

بداية موفقة لسقطة موجعة

تولد المهرجانات في كل دول العالم صغيرة ومتواضعة في بداياتها ثم تكبر وتتطور وتبدأ بالانتشار بشكل أوسع، وهذا ما أثبتته مؤخرا المهرجانات الخليجية كمهرجان دبي -العالمي- للتسوق .. مهرجان صيف دبي .. خريف صلالة .. مهرجان مسقط ومهرجان الدوحة الغنائي.
أما في الكويت فالوضع مختلف تماما، وهذا ما لمسناه وعايشناه من خلال تجربة مهرجان هلا فبراير، ذلك المهرجان الذي ولد كبيرا - إلى حد ما - ثم ألمت به الأمراض في سن متقدمة ليدخل مرحلة الشيخوخة قبل أن يتم عامه الثالث.
ولد مهرجان هلا فبراير في يوم الأربعاء الموافق 3 فبراير من عام 1999 - ان لم تخني الذاكرة - وقد سلط الأضواء نحو الكويت آن ذاك بسبب روعة التنظيم والحملات الإعلانية المنظمة وتزيين الشوارع بشعارات المهرجان والبالونات والتعويذات الخاصة بالمهرجان "شخصية مضياف" كما كان كرنفال الافتتاح ناجحا بكل المقاييس حيث شاركت فيه العديد من الجهات والجاليات المقيمة بدعم من سفارات الدول العربية والأجنبية، كان هذا في عامه الأول، ولكن كانت السقطة سريعة حيث تراجع مستوى المهرجان في عامه الثالث ثم تدرج في الفشل مع بداية عامه الثالث وحتى الأخير، ولم يعد أحد يتذكر شيئا من فعالياته سوى حفلاته الغنائية وبعض الأمسيات الشعرية بسبب بثها المتواصل عبر القنوات الفضائية، وهكذا كانت بداية المهرجان .. بداية موفقة لسقطة موجعة!

تنظيم ودعاية ورُعاة

لعل من أهم أسباب نجاح المهرجان في عامه الأول والثاني هو التنظيم والدعاية والإعلان بالإضافة إلى رعاة المهرجان الذين ومع الأسف الشديد تقلص عددهم في السنوات اللاحقة، حيث ترى بعض الجهات الخاصة بأنه لا جدوى من المشاركة في مهرجان ضعيف المستوى، ونحن نختلف مع هذه الجهات بكل تأكيد، حيث يكمن ضعف المهرجان في عدم مشاركتها ودعمها المباشر.

دور الدولة

يبقى سؤال ملح يطرح نفسه حول دور الدولة في دعم هذا المهرجان "الوطني"، وليس هناك أدنى شك أن مهرجان هلا فبراير يُعَد مهرجانا وطنيا، رغم تصنيفه ضمن مهرجانات التسوق، حيث يتزامن مع عيد البلاد الوطني وعيد التحرير، لذا يفترض من الدولة الالتفات لهذا المهرجان ودعمه بشكل مباشر حيث لن يصل المهرجان إلى مستوى الطموح دون أن تتبناه الدولة، ولا ننكر، في سياق الحديث عن دور الدولة، أن للدولة مساهمات في دعم هذا المهرجان، إلا ان هذه المساهمات لا ترقى للمستوى المطلوب، حيث لا يتعدى دعم الدولة حدود التنظيم والتغطية الإعلامية من خلال وزارتي الداخلية والإعلام، وهذا بلا شك غير كاف لدعم مهرجان يحمل اسم الكويت.

بصمة ثقافية

ننتقل بالحديث للجانب الأهم، والذي لا تخلو منه المهرجانات العالمية، وهو برنامج المهرجان وما يضمه من فعاليات وأنشطة. ان من أشهر الفعاليات والأنشطة التي يتضمنها برنامج المهرجان هي الحفلات الغنائية والأمسيات الشعرية وبعض الأنشطة الثقافية – المحدودة – ومؤخرا أصبح للأنشطة الدينية مكانا لا بأس به في برنامج المهرجان.
وأتساءل هنا، ماذا قدم المهرجان من أنشطة ثقافية "تضيف" للكويت وزائرها؟ فبرغم ما يردده القائمون على المهرجان حول تغطية الجانب الثقافي إلا انني لا أجد ما يمت للثقافة في الكويت بصلة، فأين هو دور المسرح والفنون التشكيلية في المهرجان؟ بل ما هو دور المثقفون في الكويت، لماذا لا تساهم رابطة الأدباء في أنشطة تليق بمستوى الكويت في هذه المناسبة؟ أين هو الدول الفعلي للمجلس الوطني للثقافة الفنون والآداب؟ وهل وجد أحدكم ما يشير لمتحف الكويت الوطني وما يحتويه من آثار تعود لما قبل الميلاد وصولا إلى تاريخ الكويت الحديث؟ هناك الكثير من الأماكن التي تحتاج للتغطية والإعلان عنها للمواطن والمقيم قبل السائح، فماذا يعرف الكويتي عن جزيرة فيلكا؟ وعن القصر الأحمر الذي لا يزال موجودا في مدينة الجهراء والذي يتبع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب والذي مع الأسف الشديد لم يقدم هذا الصرح للعامة بالشكل المطلوب، لماذا لا يتم استغلال القصر الأحمر كمعلم تاريخي سياحي يمكن للمقيم والزائر الاستفادة منه؟ وغير ذلك يوجد الكثير من الأماكن المهمة في الكويت والتي تستوجب منا الاهتمام بها كبيت شهداء القرين ومتحف طارق رجب، فتسليط الأضواء على هذه الأماكن بلا شك سيضيف الكثير للمهرجان. قال لي البعض أن مثل هذه الجوانب يجب أن تكون ضمن أنشطة مهرجانات أخرى كمهرجان القرين الثقافي، نعم هذا صحيح ولكن ليس هناك ما يمنع أن يكون مهرجان هلا فبراير مهرجانا يغطي كل الجوانب في الكويت، ثقافيا وأدبيا وفنيا، فكي ينجح هلا فبراير كمهرجان تسوق، يجب أن يتم التسويق للكويت أولا.

مسؤولية الجميع

أعتقد أننا لا نحتاج إلى شيء لإنجاح هذا المهرجان سوى الشعور بالمسؤولية تجاه وطننا، فمتى ما فكرنا في الكويت وشعرنا بواجبنا تجاهها، حينها فقط سنجد مهرجان هلا فبراير مهرجانا كويتيا وطنيا كاملا، فليس صحيح كل ما يقال أن اللجنة المنظمة للمهرجان هي المتسببة في تراجعه وتدني مستواه، رغم تحملها جزءا كبيرا من المسؤولية، فان ان المسئولية بشكل عام تقع على عاتق الجميع، بدءا من الدولة مرورا بالجهات الخاصة وصولا للمواطن العادي. وإذا لم يتمكن أحدنا من ذلك، أتمنى من الدولة أن توقف هذا المهرجان فورا، حفاظا على صورة الكويت، فإن ما يحدث في الكويت ومن خلال هذا المهرجان هو اننا ندعو الناس لزيارة الكويت كي يشاهدوا فشلنا و .. "فشلتنا"!

www.hala-feb.com

موقع لا بأس به من ناحية التصميم، بسيط ومنظم، ولكن ما أحزنني هو أن القائمون على الموقع لم يتكلفوا عناء تجهيز الموقع وحتى وقت قريب من بدء المهرجان، فكل ما تم تحديثه في الموقع ومنذ الأول من فبراير هو الرقم 7 ليحل مكانه الرقم 8، وبهذا تحولت الأنشطة والفعاليات كما هي من العام 2007 إلى 2008، والغريب حقا ما جاء في قسم حفل الافتتاح، حيث جاء الخبر في الموقع كالتالي: "إن تجربة كرنفال هلا فبراير 2008 التي أقيمت في شارع سالم المبارك كانت تجربة ناجحة ومميزة"!!
كيف تكون التجربة ناجحة ومميزة والمهرجان لم يبدأ بعد؟! حيث قرأت الخبر على صفحة الموقع في الأول من فبراير، وموعد كرنفال الافتتاح في الخامس عشر من الشهر نفسه ؟!
كذب المنجمون ولو صدقوا!

نشرت في:
 

الخميس، 10 يناير، 2008

طالبوا بإسقاطها ولم يسقطوا سوى .. كرامة شعب!

سعود السنعوسي:

أتابع منذ فترة الأحداث المأساوية لما يسمى بقضية إسقاط القروض، تلك القضية التي غدت من أولويات بعض نواب الأمة والشغل الشاغل لفئة كبيرة من الشعب الكويتي، وكأن مشاكل البلاد قد انحصرت في تلك القضية حتى يفتح المواطن جيبه ويمد كفه للحكومة مرددا: عطونا الله يعطيكم !
كم أتألم وأنا أشاهد تلك المناظر الغريبة داخل مجلس الأمة وخارجه .. يتباكى أحدهم ويشوح بيديه للنواب مرددا: نحن مساكين أين العدالة! في حين تصرخ امرأة في الصف الأخير في قاعة المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ عبدالله السالم: "شواربهم تحت نعالي .. فلان الكلب .. ما عندنا معاشات .. نبيع أعضاءنا عشان نعيش .. لابوكم .. يا حقير .. نعم نعم لإسقاط القروض" ثم ينتهي الخطاب التاريخي بصياح مجموعة من النسوة: "أووووووه .. أوووووه"! وهكذا، مرت الأيام، وكدت أنسى كل تلك الأحداث حول تلك القضية، ولكن سرعان ما عادت القضية لتطفو على السطح مرة أخرى على مرأى ومسمع العالم وعلى الفضائيات والصحف ومواقع الإنترنت، ليشاهد العالم بأسره الذل والهوان مرسوما على وجوه كويتية. أعبث بالريموت كنترول وأتوقف عند إحدى الفضائيات الكويتية الخاصة، وإذ بمجموعة من الرجال يفترشون الأرض أمام مبنى مجلس الأمة، البعض أحضر بطانية ووسادة استعدادا للنوم أمام المبنى حتى يأتي موعد جلسة الغد، والبعض الآخر يتخذ وضع القرفصاء والشموع المشتعلة تحيط به من كل جانب. يتقدم مراسل التلفزيون ليجري لقاء سريعا مع الرجل الجالس هناك: "والله مادري شقول! صرت أمشي بالسيارة وأكلم نفسي .. راح يسقطونها وإلا ما راح يسقطونها" في إشارة للقروض! أغلق التلفاز وأنا ألعن الساعة التي اضطرب فيها أبناء بلدي، ليصبح الرجل "مسبّه" يمشي ويكلم نفسه، ولتتحول المرأة إلى أنثى ذئب تعوي في الكراسي الخلفية لمجلس الأمة: أوووووه !
لا تشغلني مطالبة البعض بإسقاط القروض بقدر ما تشغلني الطريقة التي يطالبون فيها بإسقاط قروضهم، والتي جعلتهم يبدون بتلك الصورة المهينة لهم ولبقية الشعب الكويتي بل وللكويت بأسرها.
لست أدري من الملام في كل ما وصل إليه الشعب الكويتي الذي أصبح لا يفكر سوى بما يملأ جيبه، ولكني أعتقد بأن المشكلة تعود للأطراف الثلاث، الحكومة - نواب الشعب - الشعب، وقد يظن البعض بأني قد أخطأت بتقسيمهم إلى ثلاثة أطراف على اعتبار أن الشعب ونوابه طرف واحد، ولكن الحقيقة غير ذلك حيث أن نواب الأمة لا ينوبون سوى أنفسهم. يؤكد البعض أنها سياسة مدروسة مسبقا، فنحن نعيش وضعا ليس جديدا على أمتنا العربية، ذلك الوضع الذي يقوم على تجويع الشعب حتى لا يطالب بشيء سوى ما يسد به رمقه، ولكني على يقين بأننا لم نصل إلى تلك المرحلة ولو كان البعض يسعى إليها.
أنا هنا لا أطالب بإسقاط القروض عن الشعب الكويتي، ولكني أتمنى من أصحاب القرار أن يلتفتوا للكويت وصورتها في أعين أبناءها أولا، وفي أعين جيرانها والعالم، فكفاكم تضييعا للوقت على حساب نهضة البلاد، فنتيجة لإهمالكم للكويت وانصرافكم عن احتياجاتها والتفاتكم لدول العالم لتعميرها ومدها بالقروض والمنح، أصبح الشعب الكويتي يتحسر على أمواله الضائعة هنا وهناك وشرع في المطالبة بها بطريقته الخاصة، وأنا واحد من أولئك الذين يطالبون بهذه الأموال، ولكن، ليس لإسقاط قرض شخصي أو قسط سيارة أو ما شابه، بل أطالب بها لبلادي التي هي بأمس الحاجة إليها، بلادي التي سئمت الانتظار في حين تتسابق الدول من حولها للنهضة بشعوبها ولتضع لها مكانا بين الدول المتقدمة. ان كل ما كنت أتمناه هو أن أشاهد تلك الجماهير الغفيرة - التي انتفضت لقضية إسقاط القروض - وهي تطالب الحكومة بالالتفات إلى الكويت، ولكنني وبعد تلك المشاهد أجد نفسي أمام حقيقة واحدة، فمن المطالبين بالمنحة مرورا بالمنادين بإسقاط القروض انتقالا إلى الإضرابات والاعتصامات - رغم منطقية بعضها - وصولا إلى المطالبين بزيادة الرواتب اتضح لي أننا لا نفكر بشيء سوى المادة. أنا على يقين بأن هناك من هو في حاجة للمساعدة وأن البعض قد ساقته الظروف للاستدانة والاتجاه لطلب القرض، وهذه الفئة بلا شك بحاجة لمن يلتفت إليها خصوصا في ظل ارتفاع معدل الفائدة، ولكن ماذا عن أولئك الذي يقترضون لا لشيء سوى أغراض لا طائل منها كالسفر وشراء السيارات الفارهة والجري وراء المظاهر؟ هل تستحق هذه الفئة -وما أكبرها في الكويت- لأن تسقط عنها القروض؟ وماذا بعد إسقاط القروض سوى اتجاه المواطنين للاقتراض مرة أخرى؟ وأي منطق في هذا؟
أكتب هذه الأسطر وأنا أسترجع الأصوات والصور التي سمعتها وشاهدتها داخل مجلس الأمة وخارجه، وأموت ألف مرة وأنا أسترجع تلك الأصوات الباكية وهي تستجدي العطف من المسؤولين، وتلك الوجوه التي تتسول أمام مبنى مجلس الأمة وأردد: ما الذي يحدث في بلادي؟ هناك ألف طريقة وطريقة لرفع المعاناة عن تلك الفئة، ولكن المطالبة باسقاط القروض عن الجميع وبهذه الصورة غير الموضوعية تجعلنا نقف حائرين أمام تلك العقلية الفوضوية التي يمتلكها بعض نواب الأمة الذين استعانوا بالجماهير وطالبوا باسقاط القروض .. ولم يسقطوا - بتصرفهم هذا - سوى كرامة الشعب الكويتي!

تنويه : أعتذر للقارئ الكريم على بعض الألفاظ الخارجة التي احتوتها الصفحة ..

نشرت في: