الجمعة، 10 أبريل، 2009

على متن الكتاب .. تجاوز حدود المكان والزمان


سعود السنعوسي:

ليست هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن الموضوع ذاته، وهو موضوع القراءة، ولكن في كل مرة أتطرق لفوائد ومتعة هذه الممارسة من جانب مختلف. كما أعتقد ان موضوعا كهذا ليس من المواضيع التي تستهلك أو تصبح قديمة أو تصلح للنقاش في وقت دون آخر. فالحديث عن القراءة كالقراءة، مشوق بحد ذاته، فإذا ما شرعت بالحديث عن عالم الكتاب لا يمكنني أن أفرغ من هذا الحديث بسهولة، فهو موضوع كبير جدا بقدر ما تحمله الكتب من كلمات. سأكتب في هذا العدد عن تجربتي مع القراءة بشكل مختصر، وقراءة الرواية على وجه التحديد، وأتمنى أن تكون تلك التجربة حافزا لغيري ممن لا يعرفون شيئا عن هذا العالم كي لا يفوتوا فرصة الولوج إليه والاستمتاع بكل لحظة من لحظاته.
أكتب عن القراءة بشكل عام وأصفها بالـ(حاجة) بعد أن كنت أعتبرها مجرد هواية ككل الهوايات التي يمارسها المرء. فقد كانت القراءة بالنسبة لي مجرد تسلية لا أمارسها إلا لتمضية وقت الفراغ، تطورت هذه الهواية شيئا فشيئا لتصبح عادة، وما لبثت تلك العادة أن تتطور أكثر فأكثر لتصل إلى مرحلتها النهائية التي أطلق عليها الآن حاجة. وعندما أصفها - القراءة - بالحاجة فأنا أضمها إلى بقية حاجات الإنسان التي لا يمكن الاستغناء عنها كالهواء والماء والغذاء وغيرها من حاجات. بعدما كنت أنتظر أي وقت فراغ لأمارس فيه هوايتي التي استحالت بعد ذلك إلى حاجة، أصبحت أنا من يقتطع لها مساحة من يومي مهما انشغلت وضاق بي الوقت، وذلك لأشبع حاجة عقلي الملحة لكل ما هو جديد ومفيد. لم تتحول تلك العادة إلى حاجة ملحة لمجرد تمضية الوقت، بل لما قدمه لي الكتاب من أمور لا يمكنني تجاهلها.
من أهم الأمور التي سيستشعرها القارئ إذا ما اعتاد على القراءة، إلى جانب المعلومات الجمة والمتعة في صحبة الكتاب، سيلاحظ مع مرور الوقت بأن للقراءة فضل كبير في التأثير بشكل إيجابي على شخصيته وأسلوب حياته، بل وحتى طريقة حديثه مع الآخرين. كيف؟ هذا ما سيلاحظه المرء إذا ما استمر في القراءة. ولكن على القارئ أن يحسن اختيار الكتب التي ينوي قراءتها، كما يقول روبن شارما على لسان الراهب في كتاب الراهب الذي باع سيارته الفيراري: "يجب أن أحذرك من أن تقرأ أي شيء، إذ يجب أن تتحرى الانتقاء الشديد حيال ما تزرعه في حديقة عقلك الغناء". بالفعل أعجبني ذلك التعبير بأن للعقل حديقة وصاحب ذلك العقل هو من يزرعه بواسطة انتقاءه لما يقرأ.
سوف لن أتحدث عن تجربتي مع القراءة بشكل عام كما ذكرت، فهذا سوف يتطلب وقتا طويلا. ولكنني سأتطرق في كتابتي اليوم عن تجربتي مع قراءة الرواية. والذي يعتقد البعض بأنها مضيعة للوقت دون الحصول على فائدة حقيقية تذكر. فليسمح لي صاحب الرأي القائل بأن هذا النوع من الأدب ما هو سوى مضيعة للوقت بأن أخالفه الرأي. فمع استمراري بقراءة هذا النوع من الأدب اتضح لي بأن الرواية، إذا ما كانت جيدة، لا تقل أهمية عن الكتب الأخرى ككتب الفكر والفلسفة والتاريخ والسياسة وتطوير الذات. بل يمكن للرواية، إذا ما كتبت من قبل شخص متمكن، أن تحمل بين طياتها فكر وفلسفة وتاريخ وغير ذلك من فروع العلم والأدب.
ان الرواية بالنسبة لي رحلة، أغنى وأثرى من تلك الرحلات التي أقوم بها فعليا على أرض الواقع. فكم من شعوب عشت معها أياما وتعرفت على عاداتها وأسلوب حياتها دون أن أترك سريري أو كرسي مكتبي. وكم من أجواء عشتها تختلف كل الاختلاف عن أجواء بلادي، فلن أبالغ إذا قلت بأني أشعر بالبرد أحيانا، أو يتصبب جسدي عرقا بسبب مشهد في رواية لا وجود له إطلاقا سوى على الأوراق التي بين يدي وفي مخيلتي، والأهم من سفري على متن الكتاب إلى أماكن مختلفة في هذا العالم، هو عندما أسافر بعيدا على متن الكتاب متجاوزا حدود الزمن مستسلما للأوراق بتحالفها مع مخيلتي لتنقلي إلى أزمان أخرى لا يمكننا قطع تذكرة للوصول إليها. ليس الأمر بتلك الصعوبة التي قد تتصورها، كل ما تحتاج إليه كتاب جيد ومخيلة خصبه وستجد نفسك بعد ذلك محلقا إلى بلاد الإغريق مرتديا ثيابهم التقليدية مقرفصا أمام فلاسفتهم منتقلا بعد ذلك إلى زمن أخر، إلى مصر مثلا، لتنحت تمثالا نصفيا لنفرتيتي ثم تتجه إلى الصين لتساهم في بناء سورها العظيم، وهكذا، قم فقط باختيار المكان والزمان وانطلق. بالنسبة لي، فقد ابتكرت طريقة تساعدني في سرعة الوصول إلى بعض الأماكن والأزمان البعيدة. في كثير من الأحيان أستعين بالموسيقى لتنقلني إلى قلب الحدث. كأن أقرأ رواية تدور أحداثها في فترة الاحتلال، ولأتمكن من الانتقال إلى الكويت سنة 90 ليس علي سوى تشغيل بعض الأغاني الوطنية التي تعود لتلك الفترة، لتكون كالموسيقى التصويرية للمشاهد التي أقرأها وأصورها في مخيلتي. ولعل تجربتي الأخيرة كانت أكثر تميزا عندما كنت أقرأ رواية من
 الأدب الصيني "زهرة الثلج والمروحة السرية" وكانت غنية بالمعلومات حول التراث والحياة الاجتماعية والمعتقدات في الصين في القرن التاسع عشر. وكنت طوال فترة قراءتي لتلك الرواية أستمع للموسيقى الصينية التقليدية، وهي موسيقى شعبية لم أكن أتصور في يوم ما بأنني سأستمع إليها، ولكن شعوري كان لا يوصف بينما كنت أسير بين الأزقة الصينية مرتديا ملابسهم شاعرا بمعاناتهم متذوقا أطعمتهم مستمتعا بموسيقاهم.
الخلاصة، انه من خلال الرواية، أكرر، إذا ما كانت جيدة، يمكنك أن تنال أهم ما يمكن أن يرجوه القارئ من قراءته للكتب، ككسب المعلومات الجديدة والحصول على المتعة والحصول على أفكار من شأنها تحسين فكر وأسلوب القارئ.
 أقف أحيانا أمام مكتبتي الصغيرة، وأمرر نظري على الكتب المصفوفة، وأنتقل بناظريّ مرة تلو الأخرى على الأرفف، من أولها إلى آخرها، أقرأ بعض العناوين بشكل سريع، لأكتشف في كل مرة بأنني لست سوى تلك الكتب التي قرأتها. أبتسم لها في ود، فبفضلها، بعد الله الذي وهبني عقلي وعينيّ، أشعر بأنني سافرت كثيرا لأماكن شتى وأنا لم أبرح مكاني، وعشت سنوات طويلة وشاهدت أحداثا لا تحصى رغم ان سنوات عمري أقل بكثير من تلك التي عشتها. أتساءل أحيانا حين أقف أمام مكتبتي، أيعقل بأن بعض الشخصيات والأماكن التي قرأت عنها لا وجود لها على أرض الواقع؟ تلك الصفات التي تحملها بعض الشخصيات والطباع والملامح والمعاناة، تلك الأماكن والأشجار والغيوم والطرقات، كل ذلك من صنع المؤلف؟ انه لشعور يستحق التجربة، أعني تجربة القراءة.
يبقى أجمل ما قرأته عن الكتاب أو الرواية على وجه الخصوص، هو ما كتبه الشاعر والكاتب العراقي الكبير أحمد مطر في إحدى مقالاته، حيث يقول: "في صباي المبكر كان يداخلني دائماً إحساس غريبٌ ولذيذٌ بأنّ الكتب مُدن حيّة حافلة بأنواع الأماكن وأصناف الناس، وكنت أتخيّل أنّ انطباق أغلفتها لا يوقف على الإطلاق ما فيها من ضجة الأصوات وحركة الناس والمركبات، أو إيناع النبات وذبوله، بل إن الأغلفة لا تعدو كونها أبواباً، تخفت بإغلاقها الضجّة، وتختفي من ورائها الصور".

نشرت في: