الأحد، 31 أكتوبر، 2010

مصطفى محمود.. أجمل هدية.. أسوأ خبر!

سعود السنعوسي:

في مثل هذا اليوم من السنة الماضية، كاد شهر أكتوبر أن يمضي بهدوء وسلام، دون أن يسجل أي أحداث غير عادية، بالنسبة لي على الأقل. ولكنه، وفي اليوم الأخير غيّر رأيه فجأة، وكأنه أبى أن يسلم عهدة الأيام لنوفمبر من دون أن يضع النقطة الأخيرة على سطر حياة إنسان علمني كيف تكون الحياة.
في مساء 31 أكتوبر 2009، وقبل أن أتجه لسريري، كنت أتصفح موقع إيلاف الإخباري، وهو محطتي اليومية قبل النوم. وفيما كنت على وشك الانتهاء من قراءة العناوين الرئيسية وقع نظري على خبر في زاوية الصفحة الإلكترونية، شدتني الصورة قبل أن أقرأ عنوان الخبر. صورة تبعث في النفس الهدوء، لست أدري لماذا، ولكن ربما بسبب الهدوء الذي ميّز صاحبها، فقد طُبعت صورته في ذهني هادئا كما هو دائما في حلقات برنامجه الشهير «العلم والإيمان». بعد مشاهدتي للصورة، اتجهت بنظري أسفلها حيث الخبر: وفاة المفكر والكاتب المصري مصطفى محمود.
لسبب ما، اتجهت نحو مكتبتي الصغيرة بدلا من أن أتجه للسرير بعد قراءتي للخبر. توقفت أمام الرّف الخاص بمؤلفاته أقرأ عناوينها، وأسترجع بعضا مما علمني إياه هذا المفكر والأديب في صغري. تذكرت «رحلتي من الشك إلى الإيمان» وما صادفته في هذه الرحلة من أمور مثيرة كانت غائبة عن ذهني. واسترجعت عبارات من «حوار مع صديقي الملحد» ذلك الصديق الذي يمهد له الشيطان دروبا تفضي إلى نفوسنا ليستقر فيها زارعا الشك. في ذلك الكتاب – حوار مع صديقي الملحد – كم من طريق قطعه الدكتور مصطفى محمود أمام شكوكي ونقص علمي وإيماني، ليمهد لي دروبا تفضي إلى الحقيقة، أو إلى مكان قريب منها. أتنقل بناظريّ من غلاف إلى آخر، مسترجعا مشاهد وأحداثا استقرت في ذاكرتي، في مكان عصي على النسيان إدراكه، مغامرته في «الغابة» وما نقله لنا من مشاهد مثيرة وحقائق ومعلومات بعد رحلته إلى غابات إفريقيا. وما دار من حوارات وما صُوّر من مشاهد في «زيارة للجنة والنار» وغير ذلك الكثير والكثير مما جاء في مؤلفاته القيمة.

أجمل هدية

كنت منذ فترة طويلة أبحث عن حلقات برنامج «العلم والإيمان» للدكتور مصطفى محمود، وقد وجدت منها لقطات مختصرة جدا على الإنترنت، إلا إنها كالقطرة في محيط حلقاته التي وصل عددها إلى حوالي الـ 400 حلقة. وفي أغسطس 2009، أوصيت أخي، الذي كان في القاهرة، أن يبحث لي عن حلقات البرنامج كاملة، وكانت أفضل هدية قد حصلت عليها في عام 2009 هي تلك العلبة الصغيرة الأنيقة التي تحمل بداخلها 58 قرص DVD لكل حلقات برنامج «العلم والإيمان». حملتها بين يديّ وأخذت أتفحص محتوياتها برفق مدركا أن ما أحمله بين يديّ كنز لا يقدر بثمن. حدث ذلك قبل حوالي شهرين من وفاته رحمه الله. وهكذا، شاءت الظروف أن يرحل الدكتور مصطفى محمود في السنة التي تلقيت بها هديته الجميلة!
الصورة والصوت في أقراص الـ DVD لم يكونا بتلك الجودة المرجوة، والكاميرا كانت ثابتة طوال الحلقة، بل وحتى الدكتور مصطفى محمود يبدو – كما هو دائما - جامدا في جلسته لا يتحرك به في الغالب سوى شفتيه. على أن كل تلك الأمور لم تنتقص من قيمة الحلقات بشيء، حيث ان أهم ما في حلقات البرنامج هو ما ينطق به من معلومات لا تزال مذهلة رغم مرور كل تلك السنوات على بث البرنامج.
لغز الموت
في ذلك المساء، في اليوم الأخير من أكتوبر 2009، بينما كنت أمام مكتبتي الصغيرة، وقبل أن أقفل عائدا إلى سريري، مررت أصابعي على كتبه والتقطت من بينها كتاب «لغز الموت»، هو ذلك الموت الذي غيّبه، وشرعت بقراءة بضعة أسطر مما جاء فيه: «كل منا يحمل جثته على كتفيه.. إنه حادث غريب.. أن يصبح الشيء لا شيء.. ثياب الحداد.. والسرادق.. والموسيقى.. والمباخر.. والفراشون بملابسهم المسرحية.. ونحن كأننا نتفرج على رواية.. ولا نصدق ولا أحد يبدو عليه أنه يصدق.. حتى المشيّعون الذين يسيرون خلف الميت لا يفكرون إلا في المشوار.. وأولاد الميت لا يفكرون إلا بالميراث.. والحانوتية لا يفكرون إلا في حسابهم.. والمقرئون لا يفكرون إلا في أجورهم.. وكل واحد يبدو أنه قلق على وقته أو صحته أو فلوسه.. وكل واحد يتعجل شيئا يخشى أن يفوته.. شيئا ليس الموت أبدا».
رحمك الله يا دكتور مصطفى محمود وأسكنك فسيح جناته، لطالما أحببناك، ولكنه الموت، وأنت القائل: «الحب قصة جميلة.. الموت مؤلفها». قد تنتهي القصة، أو تموت، ولكن، تبقى العبر خالدة لا تموت، ويبقى أبطالها بيننا بأفكارهم وكلماتهم النابضة بالحياة بين دفات الكتب.
صغيرة.. وغنية


رغم صغر حجم مؤلفات الدكتور مصطفى محمود التي لا تتعدى غالبيتها الـ 100 صفحة أو أكثر من ذلك بقليل، إلا انها غنية فكريا وذات قيمة كبيرة تطرح تساؤلات وتفتح أبوابا لم يطرقها العقل أحيانا. وقراءة كتبه – رحمه الله – لا تنتهي بمجرد الفراغ من قراءة الصفحة الأخيرة، بل إن قراءة كتب الدكتور مصطفى محمود تبدأ أحيانا فور الفراغ من قراءتها، إذ تتحول الحياة من حولنا إلى أسطر تحمل العديد من الأسئلة والحقائق التي نبهنا وأشار لها الراحل في كتبه.
يقول الدكتور مصطفى محمود: «ان قيمة الإنسان هي ما يضيفه للحياة بين ميلاده وموته»، ونحن الآن، بعد رحيله، يمكننا أن ندرك قيمة هذا الرجل بقدر ما أضاف لهذه الحياة بين ميلاده ورحيله.

نشرت في:


الأحد، 24 أكتوبر، 2010

إنجازات أصغر من حلم!

سعود السنعوسي:

ما أكثر أحلامي، تلك التي حققتها، والتي أحققها، أو التي أصبو إلى تحقيقها. لا تشكل لي الأحلام الشخصية، والتي لا تعني أحدا سواي، أي مشكلة، طالما انني الوحيد المسؤول عن إخراجها من رأسي واضعا إياها أمامي على أرض الواقع، ولكن مشكلتي مع تلك الأحلام التي تتسع فيها المساحة، لتضم أشخاصا كثر. فتحقيق الأحلام يصعب كلما زاد عدد الأفراد الذين يضمهم الحلم. ومن الأحلام التي تتمدد مساحاتها في داخلي إلى درجة بتّ أضيق بها، هي أن يتحوّل المجتمع الذي أنتمي إليه إلى مجتمع قارئ. أنا لا أحلم بالنيابة عن غيري، فقد تتساءل للوهلة الأولى: وما شأنك أنت إذا اهتم غيرك بالقراءة؟ والجواب ببساطة، لا شأن لي بالغير، وانما كل ما يعنيني هو بلادي، فلك أن تتخيّل صورتها وشأنها إذا ما دخل الكتاب في تكوين الأفراد، راسما شخصياتنا، مستفزا عقولنا للتفكير، مسلطا الضوء نحو الظلمات التي تملأ نفوسنا، فاتحا أعيننا على اتساعها لمشاهدة كل ما أغفلناه، وبالتالي تبقى فرصة الاختيار لنا وحدنا، بدلا من أن يفكر الغير نيابة عنا. إذن، أنا أحلم بالنيابة عن وطن!
لا شك ان فكرة كهذه تبدو في غاية الصعوبة، فالمسألة تحتاج إلى وقت وعزيمة واصرار، وتظافر جهات عدة، على رأسها البيت والمدرسة، ولنحوّل البيت إلى جهة داعمة ومحفّزة للقراءة هو أمر بحد ذاته يحتاج إلى خطة! قد يحتاج الأمر إلى التفات المسؤولين لتحسين المناهج التعليمية، ولكن ما حيلتنا إذا كان المسؤول لا يعي أهمية القراءة؟
لنا في الكويت تجارب توعوية ناجحة، وان كان نجاحها محدودا، فالأسباب تعود لارتباط هذه التجارب بفترة زمنية محدودة، يتم خلالها تكثيف الحملات الإعلانية لتوجيه رسالة معينة، ولنا في حملة «قلوب طيبة»، الداعية للتبرع بالدم لمصلحة بنك الدم، أبسط مثال. ليس الأمر جديدا على الكويت، فأنا، لا أزال أحمل في داخلي الاهتمام والحرص على نظافة الممتلكات العامة نتيجة حملة إعلانية كان يبثها تلفزيون الكويت في منتصف ثمانينات القرن الماضي، بل ولا يزال صوت الأطفال يملأ أذنيّ بأغنيتهم الشهيرة: « لأ لأ لأ .. هذا غلط .. هذا بلدنا ما تبيه!» كلما فكرت، مجرد تفكير، في إلقاء منديل ورقي أو كيس بلاستيكي في الشارع.
والآن، بدأت الفكرة تتبلوّر لتبدو أكثر وضوحا. وبما انني بدأت حديثي عن الأحلام، فلنواصل الأحلام معا. تخيّلوا أن يفيق المسؤولون في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ذات يوم من سباتهم، أو من غفوتهم، لأكون لطيفا بانتقاء الكلمات. أقول تخيّلوا أن يقيم المجلس الوطني حملة إعلانية ضخمة تملأ الشوارع بالجداريات الضخمة، وتضع الإعلانات على الحافلات، وفي الصحف والمجلات، والإذاعة والتلفزيون، وأماكن تجمع الشباب، كالجامعات والمجمعات التجارية. تخيّلوا أن تُطعّم تلك الإعلانات بصوّر المشاهير يحملون كتبا ويحثون على القراءة. تخيّلوا أن يصدر المجلس قائمة شهرية تضم أسماء أفضل الكتب العالمية والعربية والمحلية مع نبذة عن كل كتاب، تصبح في متناول الجميع. تخيّلوا أن يسلط الضوء على أدبائنا في الكويت، لنتعرف عليهم وعلى إبداعاتهم وانجازاتهم وأفكارهم، لنقرأ لهم أحياء، ولننال فرصة التواصل معهم. تخيّلوا أن يدير المجلس مجموعات للقراءة، يدعو فيها الأدباء من الكويت والخارج على مدار العام لمناقشة أعمالهم. هناك الكثير والكثير من المسؤوليات التي تقع على عاتق المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعلى غيره. وأنا لا أزعم ان «خيالاتي» تلك ستحوّل الكويت إلى مجتمع قارئ، ولكنها، حتما، ستساهم في زيادة عدد القراء. كما انني لا أنكر ان للمجلس انجازات بشكل أو بآخر، ولكنها، جميعها، لا تعدو كونها انجازات .. أصغر من حلم!

نشرت في:


الأحد، 10 أكتوبر، 2010

كم وسادة مزّقنا؟ وكم ريشة، في الفضاء، أطلقنا؟


سعود السنعوسي:

     لست ممن يحتفظون في ذاكرتهم بتفاصيل القصص والروايات والأفلام، رغم إيماني بأنها تترك شيئا ما، أجهل تأثيره، في مكان ما من مساحات اللاوعي بداخلي، يعلن ذلك الشيء، في الوقت المناسب، عن ظهوره مكوّنا فكرة أو رأيا أجهل مصدرهما مع مرور الأيام. ولكن، غالبا ما يعلق في ذاكرتي شيء من الأعمال التي أقرأها أو أشاهدها، شيء واحد على الأقل، عبارة جميلة، رأي أوافقه، قناعة جديدة، أو حكمة في كتاب ما، أو مشهد مؤثر من فيلم أو مسرحية. أما إذا لم يعلق في ذاكرتي شيء من أي عمل إبداعي، فغالبا ما أكون قد ندمت على تجربته، إلا إذا ما رسم الابتسامة على وجهي أو ترك تأثيرا نفسيا جميلا لحظة متابعته.
في فيلم "الشك Doubt" الذي رشّح لعشرات الجوائز العالمية والذي نال ما لا يقل عن تسع منها، تابعت واحدا من أشد المشاهد تأثيرا في نفسي، وفي حقيقة الأمر، لم يكن المشهد مؤثرا من الناحية الفنية، بل ما قيل أو رُوي في هذا المشهد هو ما علق في ذاكرتي. يُصوَّر المشهد في كنيسة، في قداس يوم الأحد، على ما يبدو. حكى القس، في عظته، حكاية استوقفتني، تعالوا نقرأها، على ألا نبدي عدم ارتياحنا كمسلمين كون العبرة جاءت على لسان من يخالفنا في الدين، فليس في الحكاية ما يمس أي معتقد.
يذكر القس، في عظته، حكاية امرأة "تسرد الإشاعات مع صديقتها حول جارها الذي بالكاد كانت تعرفه. في ليلة راودها حلم. ظهرت فوقها يد كبيرة وأشارت إليها للأسفل. وعلى الفور أصابها شعور كبير بالذنب. في اليوم التالي ذهبت للاعتراف. ذهبت إلى قس الأبرشية القديم، الأب أورورك. أخبرته القصة بأكملها. وسألت الرجل العجوز، هل سرد الإشاعات خطيئة؟ نعم، قال لها القس العجوز، ثم سألت: هل كانت تلك اليد التي أشارت إليّ بإصبعها يد الرب؟ وهل عليّ طلب الغفران منك يا أبتاه؟ أخبرني .. هل ارتكبت أمرا خاطئا؟ أجل، أجابها الأب أوروك، وتابع، أجل أيتها المرأة الجاهلة قليلة التربية، لقد شهدت بالكذب ضد جارك، لقد استخففت بسمعته، وعليك أن تشعري بخجل عميق، فقالت المرأة انها آسفة وتطلب الغفران. ليس بهذه السرعة، أجابها أوروك، أريدك أن تعودي إلى المنزل، خذي وسادة واصعدي إلى السطح، ومزّقي الوسادة بسكين، ثم ارجعي لرؤيتي. ذهبت المرأة إلى المنزل، أخذت وسادة من سريرها، وسكينا من الدرج، وذهبت إلى سلم الحريق وصعدت إلى السطح وطعنت الوسادة. ثم عادت إلى قس الأبرشية القديم كما طلب منها. سألها: هل مزّقت الوسادة بالسكين؟ أجل يا أبتاه، أجابته، ثم سألها: وماذا كانت النتيجة؟ فقالت: خرج الريش!"
وهنا انتقلت كاميرا المخرج إلى سطح منزل المرأة، لتظهر للمشاهد بوجه شاحب، تقف مذهولة، وعيناها تنتقلان في كل مكان حولها تتابع الريش المتطاير في السماء، على الأرض وبين البيوت.
وفي نهاية الحكاية، قالت المرأة للقس العجوز: "انتشر الريش في كل مكان يا أبتاه. فقال لها: والآن، أريدك أن تعودي وتجمعي كل ريشة طارت مع الريح. فقالت: لا يمكن ذلك! فأنا لا أدري أين ذهب الريش، لقد حملته الرياح إلى كل مكان. فقال الأب أوروك: وهكذا هي حال الإشاعات!"
أنهى القس عظته ليرسم زوار الكنيسة علامة الصليب مرددين: آمين، ولأرسم أنا في خيالي مشاهد بعيدة عن القس وأبرشيته، قريبة من واقعي.
يا له من تشبيه رائع لجريمة بشعة، نعم، فالإشاعات والنميمة كالريش الذي لا يمكننا صدّه أو جمعه أو وضع حدا لانتشاره بعد أن نمزّق الوسائد لينطلق منها مستسلما للريح يحمله إلى كل مكان.
يا إلهي! ان أفواهنا وسائد وإشاعاتنا ريش؟ لكم أن تتصّوروا المشهد! في أماكن تجمعاتنا، في الديوانيات، المقاهي، مجالس النساء وأحاديثنا عبر الهاتف. لكم أن تتخيّلوا أعداد الريش الهائلة التي ننشرها أو نساهم في نشرها بقصد أو دون قصد. انها جريمة في حق الغير لا يمكن إصلاحها بالعقاب أو التعويض أو الندم والتوبة. قد نندم على كلمة قلناها في حق الغير، والندم يقود إلى التوبة حتما، ومعنى التوبة ألا نعود لارتكاب الذنب مرة أخرى، ولكن، ماذا عن أولئك الذين تضرّروا من كلماتنا؟ بمَ ينفعهم ندمنا وتوبتنا وعدم تكرار ذنبنا؟

والآن، هلّا تفكّرنا .. وتذكرنا .. كم وسادة مزّقنا؟ وكم ريشة، في الفضاء، أطلقنا؟

نشرت في: