الأربعاء، 14 يوليو، 2010

إسماعيليات زمن العزلة!


سعود السنعوسي:

في محيط الأقارب والأصدقاء من هواة البحر وصيد السمك، كثيرا ما تتردد كلمة «إحداثيات»، وكثيرا ما أسمعهم يستفسرون عن إحداثيات بقعة معينة في البحر تشتهر بوفرة الصيد في مواسم معينة، وهذه الإحداثيات التي يتبادلها الصيادون عبارة عن أرقام خطوط الطول والعرض، يتم إدخالها في جهاز تحديد المواقع ليقوم الجهاز بعد ذلك بإرشاد قائد المركب إلى وجهته المطلوبة. هذا ما كان يتبادر إلى ذهني كلما سمعت أو قرأت كلمة «إحداثيات»، فهي كلمة، بالنسبة لي، تسبق الإبحار نحو جهة معينة، ولكن الأمر تغيّر في الآونة الأخيرة، حين قرأت إحداثيات من نوع آخر، تسبق الإبحار عبر الزمن، أخذتني من حاضري إلى زمن آخر، كنت قد عايشته حين لم أتجاوز التاسعة من عمري، وها أنا في هذه الأيام، أعود له مجددا وأنا في التاسعة والعشرين، أكثر نضجا ووعيا مما كنت عليه في ما مضى، لأعايش الأحداث وأقيّمها وأفهمها بشكل أوضح.
«إحداثيات زمن العزلة»، سباعية الروائي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل، العمل الوحيد الذي تدور أحداثه في زمن احتلال الكويت من دون أن يترك شاردة ولا واردة بغير أن يفسح لها حيّزا على صفحات التاريخ.
كنت قد حرصت على اقتناء هذه السباعية في صندوقها الأنيق منذ زمن، لكثرة ما قرأته عنها، ورغم بقائها في مكتبتي لسنوات من دون أن أتجرأ على الولوج في عالمها، كنت أحرص على شراء نسخ بين الحين والآخر لأهديها إلى الأصدقاء داخل وخارج الكويت، ليقيني بأن هذا العمل يحمل شيئا مختلفا بين طياته، ولكني لم أكن أتوقع على الإطلاق بأني سأتورط بقراءة عمل كهذا. وجدتني معتكفا في غرفتي، معتزلا الجميع، مستسلما لقوة خفية أبت أن أطبق الكتاب من دون معرفة مصير أبطاله، وفي أثناء محاولتي لتتبع أخبارهم وجدتني بينهم، حاملا سلاحي بين يدي أحيانا، مكبّرا مع الناس فوق سطوح المنازل أحيانا أخرى، أطبق الكتاب خوفا من المصير الذي ينتظر أصدقائي، أتناول كأسا من الماء، ولا يتبقى من أصوات المدافع والرشاشات سوى صوت نبضات قلبي داخل أذنيّ يذكرني بهول ما رأيت، أستلقي على السرير محاولا التقاط أنفاسي قبل أن تقودني «الإحداثيات» مجددا إلى موقع وزمن الحدث، أصوات الإذاعات، أخبار الناس، مواقف الدول، مصير الجاليات الأجنبية، كلمة سمو الأمير، خطابات الرئيس، عمليات المقاومة، أسماء الأبطال والأماكن، ورائحة البارود والدخان تنبعث من صفحات الرواية، وأنا حيث أنا، أعجز عن ترك مكاني لجلب كأس أخرى من الماء أبل بواسطته ريقي الجاف، حاملا بين يديّ كتاب يحوي عالما يضج بالحياة.
كتابتي عن «إحداثيات زمن العزلة» لن تضيف للعمل شيئا على الإطلاق، بل ان العمل وحده كفيل بأن يضيف لي ولأي قارئ الكثير، عمل كهذا يستحق أن يقرأه كل كويتي على وجه الخصوص، عمل سجل أحداث مرحلة تحول وطن، عمل يعجز الإعلام ومناهج التربية عن نقله بهذه الحيادية والدقة والتشويق للجيل الذي أنتمي إليه والأجيال القادمة، ولهذا وجدتني أعنون مقالتي بـ«اسماعيليات زمن العزلة»، لأن الأحداث قد يسجلها أي مؤرخ، ولكن الأحداث في هذا العمل لها بصمة «إسماعيلية» لا يمكن أن تشبهها أخرى.
الأمر المحيّر حقا هو اني أكتب مشاعري حول عمل لم أفرغ من قراءته بعد، ولكنها القوى الخفية، كانت وراء لهفتي هذه. والآن أستأذنكم، فلا بد لي من متابعة القراءة، فهناك من هم بحاجة لإنهاء معاناتهم داخل أجزاء السباعية، ومتعتي في القراءة لا تبرر لي إطلاقا تمديد زمن الاحتلال، فلا بد أن أنهي السباعية عاجلا، فالكويت تنتظر التحرير.