الاثنين، 10 ديسمبر، 2007

لمن نكتب؟


سعود السنعوسي:

لمن نكتب؟ .. يتبادر إلى ذهني هذا السؤال دائما بعد فراغي من كتابة المقال الشهري الذي ينضح بهمومي. وما ان أشرع في البحث عن الإجابة حتى أجد نفسي محاصرا بين العشرات من الأسئلة التي تقودني في نهاية المطاف مباشرة إلى الاحباط. فهل يتسنى لنا تغيير الواقع بواسطة مقال؟ رغم معرفتي المسبقة للإجابة فانني أكتفي دوما بـ "آمل ذلك"، ورغم الصوت الذي يتردد في داخلي: هم يأملون ذلك أيضا – في إشارة إلى كل من يكتب – وقد اجتمعت أقلامهم على رفض الواقع الذي تعيشه البلاد، ولكن! بقي كل شيء على ما هو عليه، بل ازدادت الأوضاع سوءا رغم الأقلام التي تنزف أحبارها في كل يوم في صحفنا اليومية.
في بدايتي، أو لأكون أكثر دقة، في بداية بدايتي، بما انني لازلت في بداية الطريق، كنت أشعر بالسعادة للردود المؤيدة لما أكتب، وكنت أرى أني قد أدركت غايتي إذا ما قال لي أحدهم أنه يشاركني الرأي، وكنت أشعر بنشوة إذا سمعت أحدهم يقول: جبتها عالجرح أو كلامك منطقي، ولكن سرعان ما اكتشفت أن كل تلك المحاولات لم تكن سوى مواساة لمن يشاركونني الشعور، نعم، فنحن نواسي بعضنا البعض لا أكثر، نقوم بواجب العزاء، ونبدي الاعتراض والرفض، لنريح ضمائرنا، ولنخلي مسؤوليتنا أمام أنفسنا. أقرأ مقالا لأحد الزملاء، لأردد في داخلي بعد ذلك: ياه .. مقال رائع، وألتقط سماعة الهاتف لأجري معه مكالمة سريعة، أبدي خلالها اعجابي بالمقال، ثم ننهي المكالمة بعد مناقشة سريعة لما تضمنه المقال بعد أن يفرغ كلانا همومه للآخر، ثم ما تلبث أن تعود الأسئلة المتعبة لتلتف من حولي مجددا، دون أن تترك لي ثغرة صغيرة أتمكن من الهرب من خلالها. انه لمن المحبط أن نتداول ما جاء في المقال، بينما يغط أصحاب الشأن في نوم عميق، دقائق من التفكير، ثم تتجلى أمامي مجموعة من الأحرف تشكل سؤالا جديدا: لماذا نكتب؟ أحاول أن أبعثر تلك الأحرف لأعيد ترتيبها مرة أخرى لتشكل الإجابة التي ترضيني، ولكن! تبقى الحيرة هي الاجابة الوحيدة لكل تلك التساؤلات.
قبل ما يزيد عن العامين، كتبت مقالا عن حرية الرأي، وبأننا هنا، في الكويت، نملك ما لا يملكه الكثير غيرنا، وأن حرية ابداء الرأي مكفولة للجميع، وبالغت في التباهي في ذلك الحق، ولكني أجد نفسي اليوم لا أختلف كثيرا عمن حرم من هذه النعمة – حق إبداء الرأي – فالفرق الوحيد فيما بيننا هو انني أتكلم علانية، في حين هو يردد مطالبه في السر كالأخرس، ولكن العامل المشترك بيني وبينه هو أن أغلب مطالبنا - المتعلقة بمستقبل البلاد - لم تتحقق، فنداءاته لم تصل لأصحاب القرار هناك، نتيجة لـ "كاتم الصوت" الذي يحيط بحنجرته، كما ان نداءاتي ماتت على جدار "عازل الصوت" الذي سد به المسؤولون، هنا، آذانهم، فكل ما تخطه أقلامنا ليست سوى فضفضة، وكل ما نقوم به هو أننا نتقياْ همومنا على الأوراق، لنشعر بعد ذلك بشيء من الراحة.
قبل فترة قصيرة، كنت أستغرب انصراف البعض عن القضايا المهمة والتفاتهم لـ: حفرة أو "مطبّة" أو رصيف متهالك في الشارع رقم كذا، أو مواقف السيارات أمام المبنى الفلاني، الا انني اليوم على يقين أن هؤلاء يخدمون بلادهم بطريقة أخرى، بعد أن تسلل اليأس إلى نفوسهم نتيجة عدم استطاعتهم ردم "الحفرة" التي تتوسط طريق مستقبل البلاد، أو "المطبة" المستلقية على طريق نهضة الكويت، أو "الرصيف المتهالك" الذي يقف عليه المواطنون وهم يشاهدون كويتهم تسير من سيء إلى أسوأ. أنا لا أحّمل كامل المسؤولية لأصحاب القرار، فليس كل ما يكتب موجه لهم، بل ان هناك الكثير من المقالات والنداءات الموجهة للمواطن، إلا ان نتائجها ليست بأفضل حال من غيرها، فالنتيجة واحدة، والكل يتفق على تردي الأوضاع وتفشي الفساد، ومع ذلك "العين بصيرة والإيد قصيرة" ولست أنا بأفضل من هؤلاء.
قد يراني البعض كثير التشاؤم، قد أكون كذلك، فأنا أنتمي لهذا الواقع، ورغم ذلك سوف لن أتخلى يوما عن قلمي، وسوف أتمسك في حقي بإبداء رأيي، وسأحاول أن أشعل في كل مقالة شمعة بدلا من أن ألعن الظلام.
لدي الكثير من الآمال لهذه الأرض التي (عذرا .. فلن تسعفني الأحرف في وصف مقدار حبي لها)، كما ان لدي أمل بانه مهما ماتت نداءاتي قبل أن تصل لوجهتها، قد يأتي اليوم الذي تتحالف فيه الأصوات، لتزعق في آذان أولئك اللاهثون وراء مصالحهم الشخصية، لتهشم ذلك الجدار العازل الذي سدّوا به آذانهم.

نشرت في:


السبت، 10 نوفمبر، 2007

كويتي من كوكب آخر!

 
سعود السنعوسي:

في آخر أيام الشهر الفضيل توجهت إلى إحدى المكتبات الشهيرة في الكويت، حيث كانت محطتي الأخيرة بعد أن تسلل اليأس إلى نفسي من عدم حصولي على نسخة من آخر أعمال الروائي العالمي باولو كويللو "ساحرة بورتوبيللو"، لا شك أني كنت محظوظا في ذلك اليوم، ليس بسبب عثوري على ما كنت أبحث عنه فحسب، بل للصدفة التي ساقني إليها "باولو" لأتعرف على شاب كويتي يدعى خالد عادل النصرالله.
لم أشاهد هذا الشاب على الإطلاق، ولم أكن أعرفه من قبل، بل ولم أسمع باسمه قبل ذلك اليوم. بينما كنت ألتقط نسختي من مكانها – حيث الإصدارات الجديدة – وقعت عيني على كتاب إسمه "كويتي من كوكب آخر - الحياة من منظور شاب في سن العشرين"، وهو من تأليف الشاب خالد النصرالله، أخذت نسخة من الكتاب دون أن أتفحصها، وذلك بسبب سعادتي لكل محاولة إبداع يقدم عليها شاب من بلدي.
وفي أول أيام عيد الفطر السعيد، كانت سعادتي أكبر، حين أدركت أن ما هذا الكتاب سوى "عيدية" من مؤلفه الشاب، لكل الشباب الذين في سنه. أمسكت بالكتاب لقراءة المقدمة، وإذا بي قد فرغت من قرائته بأكلمه في حدود الساعتين، فقد كان الكتاب - دون مبالغة - من أروع ما قرأت من كتب من هذا النوع.
يأتي الكتاب على شكل مقالات أو رسائل يوجهها خالد لأقرانه من واقع تجارب شخصية كان قد مر بها في فترات مختلفة من حياته، مع تقديم النصائح بطريقة جميلة أبعد ما تكون عن الطريقة الاعتيادية المملة لتقديم النصح والمشورة.
ظننت في البداية بأني سأطلع على "محاولة" متواضعة من شاب يود أن يعبر عما يجول بخاطره بطريقة ترضي طموحه، ولكن المفاجأة كانت أكبر بعدما تجاوزت الصفحات الأولى لأكتشف أنني أمام شاب لم يتجاوز عامه العشرين -كما يذكر- يتمتع بكل هذا النضج في التفكير، وأدركت على الفور بأن هذا الكتاب لم يكتب لتستفيد منه فئة الشباب فحسب، بل انه موجه إلى كافة الفئات والأعمار، لما يحتويه من أفكار وآراء ومعلومات رائعة طرحت بأسلوب أروع. وكنت كلما توغلت أكثر في صفحات الكتاب، أتوقف قليلا، ثم أتجاوز الصفحات المتبقية لأصل إلى صفحة الغلاف الخلفية حيث صورة المؤلف، لأوجه له هذا السؤال: متأكد يا خالد بأن عمرك 20 ؟، وإذا به يبتسم في ثقة وكأنه يومئ لي بالإيجاب، ليترك لي فرصة الاستمتاع بطرحه المشوّق مرة أخرى.
وبعيدا عن فئة الشباب، التي كنت أعتقد بأنها الشريحة الأولى التي يجب أن تستفيد من هذا العمل، فان هذا الكتاب فرصة رائعة ليعرف الأب كيف يفكر ابنه، وليعرف المعلم كيف ينظر له الطالب، والأهم من هذا وذاك، هو أن هذا الكتاب فرصة ليطلع الوطن على هموم شبابه وما يؤرقهم.
علاوة على ذلك فإن المؤلف لم يتكلف في الأسلوب، فقد كان شفافا لأبعد الحدود، ما يضفي إحساسا بأنك تجالس صديقا يحكي لك عن تجاربه في الحياة، فتارة يحدثك عن مشاكله وكيف استطاع أن يتفوق عليها، وتارة أخرى يعود بالزمن إلى الوراء ليحدثك عن علاقته الحميمة بوالدته وجدته عندما كان طفلا، لينتقل بعد ذلك ليكشف عن قلقه على مستقبل الشباب الذي هو مستقبل الوطن، تماما كما يفكر كل من يحب أرضه ويخشى عليها. كما يتطرق الكتاب بأسلوب راق إلى بعض المواضيع التي يرى البعض حرجا في فتح أبوابها كالشباب والجنس.
لست ناقدا، وقد لا أملك الصلاحية أو ما يؤهلني للنقد أو الكتابة عن عمل إبداعي، ولكني أكتب رأيي بصفتي قارئ، وأعتقد بأننا -القراء- نمثل الشريحة الأهم لخالد وغيره من الكتاب والمؤلفين.
تبقى نقطة الاختلاف بيني وبين خالد هي: تظن، يا خالد، لعدة أسباب بأنك "كويتي من كوكب آخر"، لعل من أهمها تلك الصورة التي اتخذها الكثير من شبابنا، ما أوحى إليك بأنك مختلف وشاذ بينهم، ولكن ثق تماما بأنهم هم المختلفون، وبأنك "كويتي من أرض الكويت" وكل تلك التصرفات الشاذة التي تزعجك وتزعج الكثير غيرك ما هي إلا تصرفات من "شباب من كوكب آخر".
أتمنى لخالد كل التوفيق في حياته، وفي هذا المجال بالتحديد، وأتمنى أن يكون بقدر المسؤولية التي تقع على عاتقه بعد هذا العمل، لأن الآتي سيكون أصعب بلا شك، ولكني مطمئن حيث قرأت لخالد بين صفحات كتابه تلك الجملة: ("فكرت في لحظة وسألت نفسي: من تظن نفسك يا فتى .. هل ستكون كاتب بدرجة نجيب محفوظ .. أو طه حسين .. أو أنيس منصور؟!!" ولكن سرعان ما تدارك خالد هذا الفخ وقال: "ولكن لو كل شخص فكر في كبار المجال الذي يريد أن يبدع فيه وتوقف عن هدفه الذي يريد .. لتوقفت الموسيقى عند ألحان بيتهوفن .. وتوقف العلم عند ذكاء آينشتاين .. وتوقفت كرة القدم عند مهارة مارادونا".
أتمنى أن ينال هذا العمل نصيبه من النجاح، وأن يكون حافزا للشباب لخوض تجربة الكتابة للتعبير عما في داخلهم كما فعل خالد .
في النهاية لا يسعني سوى أن أتقدم بالشكر الجزيل للروائي الكبير "باوبو كويللو" الذي قادني لهذا الكتاب، وأشكر كل من جاء ذكرهم في صفحة الإهداء في كتاب "كويتي من كوكب آخر" لأنهم كانوا حافزا لابداع خالد عادل النصرالله، وهم فخورون فيه دون شك.
وشكرا يا ... كويتي من أرض الكويت.

نشرت في:


الأحد، 10 يونيو، 2007

مع المسرح من جديد


سعود السنعوسي:

في نوفمبر 2006 كتبت مقالا عن المسرح الكويتي وما آل إليه من مستوى أقل ما يقال عنه بأنه هابط، وكنت قد وعدت القارئ الكريم في نهاية المقال بأن يستمر الحديث حول أبو الفنون الكويتي في العدد الذي يليه -ديسمبر- إلا انني لم ألتزم بوعدي بسبب ظهور بعض الأحداث التي وجدت أنها أهم من مسرحنا "المسيچين". وها أنا اليوم أجد قلمي يكتب عن المسرح الكويتي دون رغبة مني، ولكن لنقل أنه التزاما منه بالوعد الذي قطعته للقراء، ولأن مسرحنا وجمهوره وبكل أمانة "كاسرين خاطري".

المسرح الهادف

ما هو المسرح الهادف؟ لنترك المفاهيم والتعريفات المعقدة لبعض النقاد والفنانين ولنقل أن المسرح الهادف بكل بساطة هو المسرح الذي يحمل فكرة أو رسالة ذات مضمون هادف يقوم بتوصيلها للجمهور، أما المسرح التجاري فهو -من اسمه- المسرح الذي يعتمد على الربح، والربحية بكل تأكيد مشروعة في الفن، ولكن، لماذا لا يكون المسرح التجاري "الحالي" هادفا؟ ولماذا يستخسر على جمهوره ممن دفع قيمة التذكرة 5 أو 7 أو عشرة دنانير أن يخرج من قاعة المسرح بفكرة ذات قيمة؟
كل الفنانين -في المسرح على وجه التحديد- يدّعون بأنهم يقدمون فنا هادفا، ورسالة ذات مضمون للجمهور، وأنا كمتابع للحركة المسرحية في الكويت أسأل: أين هي تلك الرسالة السامية التي يحملها الفنان على عاتقه ليقدمها لجمهور المسرح؟
حضرت الكثير من المسرحيات الأخيرة و "تأففت" لأربع أو خمس ساعات متواصلة في انتظار الرسالة السامية، ولا أجد على عاتق الفنان سوى المئات من الرسائل المنحطة والتلميحات المقززة. ولكن، الفنان أذكى من أن يدع فرصة لأمثالي كي ينتقدوه، فبعد أن يحشو أدمغة الجمهور بأطنان من الأفكار الهدامة، والتلميحات غير الأخلاقية، ولساعات متواصلة، ينهي مسرحيته بكلمة مستهلكة لا تأخذ منه سوى 4 أو 5 ثوان بعيدة كل البعد عن أحداث المسرحية ظنا منه بأنه، بهذه الطريقة، قد أدى واجبه بتقديم مسرحا هادفا!

دقت الساعة!

قبل بضعة أيام توجهت لأحد محلات الفيديو لأشتري شيئا من ماضينا الجميل، شيء من الفن الصادق، اشتريت أكثر من مسرحية "حقيقية" من بينها المسرحية السياسية "دقت الساعة" وهي من إخراج عبدالأمير التركي وتأليف سعد الفرج وعبدالأمير تركي، بطولة: سعد الفرج والراحلين خالد النفيسي وعبدالعزيز النمش ومحمد المنصور وجاسم النبهان، أما الأشعار التي يقوم بإلقاءها الفنان خالد العبيد فهي من كلمات الراحل د.عبدالله العتيبي.
لم تكن مسرحية طويلة كالتي "يطفشنا" فيها ممثلو هذه الأيام، بل على العكس كانت قصيرة جدا إذا ما قورنت بمسرح اليوم "الخرطي"، ومع ذلك ضحكت حتى سالت الدموع من عينيّ، وخرجت بمضمون هادف ومعلومات جمة لا يوفرها لنا المسرح في هذه الأيام رغم ساعات العرض الطويلة.
شوف وتعلم!

مسرحية دقت الساعة رغم أنها عرضت على المسرح عام 1985 إلا انها تحاكي الواقع الكويتي الحالي بطرح راق وأسلوب يحترم عقلية المشاهد، والجميل في الأمر ان المسرحية تناقش الكثير من القضايا التي انشغل عنها الممثل اليوم بأمور سخيفة محصورة بين "العيمي والبدوي والخال والطنازة على السنة والشيعة".
رغم مرور ما يقارب الـ 22 عاما على عرض مسرحية "دقت الساعة" إلا أنها ناقشت العديد من القضايا الهامة: كالفساد والإصلاح الذي نتحدث عنهما في هذه الأيام، والتكتلات والأحزاب السياسية والقومية والوحدة العربية، كما ناقشت بأسلوب جريء وراقي قضية الطائفية بين "السنة والشيعة" والطبقية وتعديل مواد الدستور وسيطرة التجار على المراكز التجارية في البلاد وتحيّز الصحافة التي أصبحت صحافة "عائلات" بعيدة عن الرأي العام، والانتخابات الفرعية والتأثيرات الخارجية على مستقبل الدولة، والاختلاط وضوابط الاختلاط ومشاركة المرأة في بناء المجتمع، كل هذه القضايا تمت مناقشتها بأسلوب كوميدي هادف دون تجريح أو قلة أدب قبل 22 عاما .. فأين مسرحنا الحالي عن قضايا المجتمع؟!

الزبدة: قال شكسبير ذات يوم: "أعطني مسرحا .. أعطيك شعبا عظيما"
"خلف الله عليك" يا حجي شكسبير!

نشرت في:
 

السبت، 10 مارس، 2007

انهم يكرهوننا!

سعود السنعوسي:

أتألم كثيرا حين ألمس تلك الكراهية والشعور المعادي من البعض تجاه الكويت وكل ما هو كويتي، وهذا ما ألاحظه حين أتصفح المنتديات العربية والخليجية أو من خلال متابعتي للقنوات الإخبارية والبرامج السياسية أو حتى من خلال تبادل الحديث و "السوالف" مع البعض من أصدقائي العرب، وأحاول جاهدا أن أدرك سبب ذلك الشعور.
لا شك أن للإعلام دور مهم في عكس صورة الدول والشعوب للعالم، وقد يكون للإعلام الكويتي دور أساسي في تشويه صورة الكويت والكويتيين للعالم الخارجي، وأنا هنا لا أعني المعنيين في وزارة الإعلام بل الشخصيات الإعلامية والسياسية ككتاب ومحللين سياسيين وفنانين بل وحتى الشخصيات الرياضية.
فعلى سبيل المثال، قد يرى البعض أن ارتفاع سقف الحرية في الصحافة -لست متأكدا من ارتفاعه- يكفل التجريح والتدخل في شئون الغير، مع أن الحرية الصحفية، من وجهة نظري على الأقل، تكمن في النقد البناء وإبداء الرأي والمناداة بالإصلاح بما يعود على البلاد والعباد بالخير والمنفعة، لا للتدخل في شؤون الغير إلا بما قد يكون في الصالح العام وإلا فليلتزم كتابنا الصمت.
إن فهمنا الخاطئ للحرية جعلنا نتعدى على الغير دون وعي أو إدراك تحت ذريعة حرية إبداء الرأي، قد يكون من واجبنا أحيانا انتقاد الغير بل وشن الحملات الشرسة للدفاع عن وطننا إذا ما تعرض أحدهم إليه بسوء، ولكن ما شأننا نحن في علاقة الحاكم الفلاني بشعبه أو بسياسته الداخلية أو بعلاقته مع أميركا؟ والمفارقة الغريبة حين نقيم الدنيا ولا نقعدها إذا ما تعرض أحدهم للكويت بسوء أو حتى بتعليق قد لا يعجبنا، وهنا لابد وأن تنتفض الصحف ويستل الكاتب قلمه من غمده ليكتب الجملة المأثورة: هذه شؤون داخلية ولا نسمح للدولة الفلانية أن تتدخل في ما لا يعنيها.. شيء غريب فعلا!
أشعر بالحزن أحيانا لاهتمام البعض بما يحصل في الخارج وانصرافه عن مشاكلنا الداخلية التي تحتاج لوقفة، بل وقفات جادة لإصلاحها. نعم قد يكون للمشاكل الخارجية، وخصوصا في دول الجوار، تأثير على أمن واستقرار الكويت، ولكن من واجبنا أولا أن نزرع مفهوم الوحدة الوطنية في الداخل، فما فائدة هجومنا على السيد حسن أو أبو مازن وأبو توفيق وأبو محمود وأبو زهدي .. وأبو مصطفى؟! أو "لقافتنا" في تحليل أوضاع العراق ومشاكل السنة والشيعة هناك؟ فلنحلل مشاكلنا أولا، فالعمل على توحيد سنة وشيعة الكويت هو الأولى والاهم قبل أن تصحو الفتن أو بالأحرى قبل أن تتضخم لأنها في الأساس "صاحية ومبحلقة عيونها وحاطة ريل على ريل وناطرة الزلة" وإذا ما تمكنا من زرع الاستقرار في الداخل فلنلتفت بعدها نحو الجيران ومشاكلهم.
هذا على الصعيد السياسي أما على الصعيد الفني فليسمح لي القارئ الكريم بأن أطلق عليها قمة المسخرة وقلة الأدب. أتذكر في أحدى السنوات قام الممثل المصري محمد هنيدي بتجسيد شخصية امرأة خليجية فقامت الدنيا في ذلك الوقت ولم تقعد، كما قام محمد صبحي في أحدى مسرحياته بتقليد الخليجيين فاستنكر البعض كيف لمستر هنيدي ومسيو صبحي أن "يتطنزون" على الخليجيين وعلى الزي الوطني الخليجي و .. و الخ، في حين يتحفنا الفنانين، هنا، في مسرحياتهم وأعمالهم في كل رمضان بتقليد "الفلسطينيين والعراقيين والمصريين والسعوديين والإيرانيين والسودانيين .. والموزمبيقيين" والسخرية من ثيابهم ولهجاتهم وأشكالهم .. كل ذلك دون أن يزعل منا أحد، فما هي مشكلتنا هنا في الكويت؟
هذا بالإضافة إلى تصريحات رياضيينا "الأشاوس" الذين حولوا الهدف من الدورات والبطولات والتجمعات الرياضية من فرصة لالتقاء الشعوب والتفافها حول بعضها البعض من أجل المنافسة الشريفة إلى حرب ضروس يتقاتل فيها الأشقاء بالتصريحات النارية كل ذلك من أجل كأس أو ميدالية أو لقب لا يسمن ولا يغني من جوع.
أعتقد لتلك الأسباب يكرهنا البعض، بسبب تدخلنا أحيانا بشؤون الغير، وبسبب التصريحات غير المسؤولة التي يطلقها البعض، وبسبب غرورنا وتعالينا في بعض الأحيان ظنا منا بأن هذا الغرور هو تعبير عن حبنا لهذا الوطن .. وهذا مفهوم خاطئ دون شك، فكي نثبت حبنا لوطننا فلنجعل من حولنا -العرب وغيرهم- يحترمون هذا الوطن ولنجتهد لنعكس صورة الكويت الحقيقية.
في النهاية أتمنى أن نلتفت لهمومنا الداخلية أولا، ثم نعمل على تحسين علاقاتنا الخارجية، فالأحقاد تعدت الأنظمة ووصلت للشعوب، ومن بعدها فلنأخذ "فرّة" على دول الجوار لنتفلسف عليهم ونقدم لهم المشورة ونساعدهم بحل مشاكلهم الداخلية.

نشرت في:
 

السبت، 10 فبراير، 2007

حتى لا تكون بداية النهاية .. يا وطني

سعود السنعوسي:

مني .. إليها

كم هو مرعب عنوان المقالة .. حزين .. غامض ومخيف، وان حرفا واحدا فيه لا يمت للتفاؤل بصلة. كل شيء من حولي يثبت لي صحة تلك العبارة التي عنونت بها مقالتي .. أو رسالتي .. هذياني .. أو لست أدري.
كثير من الأمور التي تحدث داخل حدود بلادي تدعوني للحزن، قد يرى البعض أنها مبالغة تناقض الواقع، ولكني على يقين بأن شيئا من المبالغة لا تحتويه هذه السطور، انها رسالة من مواطن يعشق وطنه إلى حد الجنون، رسالة من القلب الصغير إلى القلب الكبير .. قلب الكويت .. وكل من يعشقها.
وطن مظلوم

نعم، مظلوم أنت يا وطني، ومع ذلك لا يزال قلبك كبيرا، أعطيت الكثير ولم تأخذ سوى القليل، ورغم ذلك القليل تبتسم و لا تطلب سوى راحة أبناءك رغم جحود البعض منهم. كنت يوما ما تواصل المسيرة نحو تحقيق الإنجازات، أما الآن وبسبب البعض من أبنائك "حكومة وشعب" أصبحت تركض للوراء، تخفي دموعك عن جيرانك الذين تجاوزوا ما وصلت إليه في السابق بأشواط، ومع هذا تبتسم لرؤيتهم سعداء.

حرب الأبناء

وطني! هل تذكر أبنائك الذين حملوك ذات يوم على أكتاف المجد؟ أين هم الآن؟ ولماذا أصبحنا نحتاج إلى المجهر والعدسات المكبرة حتى نراهم بوضوح كالسابق؟ لا ذنب لك بما يجري بل الذنب ذنب بعض الأبناء الذي يحارب البعض الآخر.
كثر فيك الحساد وأعداء النجاح، يقضي البعض من أبنائك وقتا طويلا في صناعة عقد من لؤلؤ الأفكار، و فستان من حرير الطموحات، لتزدان بها وتزيدها زينة، ويقطع البعض الآخر هذا العقد مبعثرا كل الطموحات حتى لا تنسب الإنجازات لأصحابها، فقد تناسى البعض ان النجاح في النهاية ينسب لك يا وطني، وانك أنت من سيظهر بالصورة الجميلة، وهكذا تصبح أنت الخاسر الوحيد بسبب البعض من أبنائك .. يا وطني.

كويت الأمس

كويت الأمس .. كويت الحب والخير .. كويت الكلمة الصادقة .. كويت الإخلاص.
رغم الفقر لم تعرفي الجوع، رغم الأهوال لم تعرفي الخوف، فقد كان الصبر علاج آلامك، وكان الصدق زينة كلامك و كان الحب يلوّن أيامك.
لم أشهد تلك الأيام، فأنا ابن الكويت الحديثة، ولدت في زمن جني الثمار التي زرعها أجدادي، شهدت بعض الإنجازات التي لم تكتمل، ومع ذلك بقي في داخلي أمل، حلمت أن أقدم شيئا لبلادي، ومات حلمي في يومي الأول .. في العمل.
كم هو غريب! في زمن النفط أشتاق للؤلؤ، لبيوت الطين وسورك القديم. لقد كانت النفوس نظيفة مهما اتسخت بيوت الطين، أما الآن فقد انشغلنا بتلميع رخام بيوتنا الجديدة، وأهملنا نفوسنا. كم أشتاق لك يا كويت الأمس رغم اني لا أعرف عنك سوى ما قاله لي جدّي، حيث شممت رائحة الطين وبحرك القديم في كلامه.

تجار في كل مكان

ما أكثر التجار فيك يا وطني، فكل صاحب نفوذ أصبح تاجرا دون عناء، تجار شركاتهم كراسيهم وسلعتهم أنت يا وطني. ما أسهلها من تجارة، دون رأس مال، دون ضريبة أوتعب، تجارة رأس مالها الفوضى، وضريبتها ضياعك يا وطني، تجارة في الدين والأخلاق والقوانين، مسكين هذا القانون الذي لا هيبة له، مسكين هذا الدين الذي ابتلى ببعض المنافقين، ومسكين أنت يا وطن فقد ابتليت بعبدة الكراسي .. كان الله في عونك يا وطني.

المجلس لأعضائه

يقولون بأن هناك مجلسا وضع خصيصا من أجلك، أما الواقع فيقول بأن المجلس وضع لأعضاء المجلس، أغلب القضايا مصالح شخصية، لا مكان للقضايا المصيرية، مصلحة النائب حاضرة، ومصلحتك يا وطن منسية، وإلا بماذا تفسر تجاهل المجلس لأهم الأمور، والالتفات لحفلة غنائية؟!
البعض من اجل كسب الأصوات يقدم للأمة عروضا، والبعض الآخر يشرب من دمك لإسقاط القروض، أصبحنا نشترى بالمال .. لا تبكي يا وطني الحال .. فالزمن زمن المحتال.

حيرة!

هلّا أجبتني يا وطني لماذا نظلمك في زمن الرخاء واليسر فيما أنصفك الأجداد في زمن الشدة والفقر؟
أعلم أنك لست بحاجة إلى سور لحمايتك، وأعلم أن خروجي للبحر والبحث عن اللؤلؤ لن يجدي في هذا الزمن، نعم، اعلم ذلك جيدا، وأعلم ان كل ما تريده من أبنائك هو رفع اسمك عاليا بالحب والعمل والإخلاص. كنت أرى البلاد من حولك وأتساءل: أين أنت؟ وأدركت الآن بأنك كنت تنظر حولك وتنادي أبنائك: أين أنتم؟
ارفع كفيك للسماء يا وطني وأدعو الله معي أن يصبح أبنائك يدا واحدة .. الجميع .. أصحاب الأفكار وأصحاب القرار، لنسير في مركب واحد نحو الرفعة والمجد.. وحتى لا تكون هذه بداية النهاية لوطن سطر للتاريخ أجمل حكاية.

نشرت في:


الأربعاء، 10 يناير، 2007

ليلة .. من ألف ليلة وليلة

سعود السنعوسي:

دخلت شهرزاد إلى المجلس، في حين كان شهريار في انتظارها. اتخذت لها مكانا بقربه، ثم اعتذرت عن تأخرها وقالت بهدوء: بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي السديد، أن شابا في مملكتنا يدعى وليد، يبلغ من العمر خمسة وعشرين، ويعمل في توصيل البريد. كان الشاب قنوعا شكورا لا يحلم بالثروة والمال، وكان يحمد الله على كل حال.

* * *

خرج وليد ذات صباح لتوصيل الرسائل إلى أصحابها، وفي طريقه توقف عند أحد المقاهي ليشرب قهوة الصباح، وأثناء جلوسه في المقهى سمع حوارا بين الصيادين في الطاولة المجاورة، قال أحدهم: هل سمعتم عن السلاح السحري المدمر الذي تملكه البلاد المجاورة؟ رد الآخر: سمعت مثل هذه الأقاويل ولكني لا أشغل تفكيري بمثل هذه الأمور، فأنا إنسان بسيط لا أسعى لشيء سوى لكسب رزقي من خيرات هذا البحر، لأوفر احتياجات داري وزوجتي وأبنائي. رد الأول: ولكن هذا السلاح السحري من شأنه أن يدمر هذا البحر، بل قد يصل إلى دورنا وأسواقنا وأرجاء البلاد ويقضي على الحياة في بلادنا والبلاد المجاورة. اكتفى وليد برشفتين من القهوة بعد أن استمع إلى هذا الحديث وقام على الفور لينجز عمله. وفي طريقه بدأ يستعيد ما قاله الصيادون ويفكر في حال بلاده إذا ما استخدمت تلك البلاد ما لديها من أسلحة، وكيف سيتأثر ذلك البحر الجميل الذي اعتاد الجلوس على شاطئه وكيف ستصبح حياة الناس، إذا ما كتب للبعض النجاة، من ذلك الدمار؟ وأثناء مرور وليد بأحد السكك الضيقة باحثا عن صاحب إحدى الرسائل وجد مجموعة من كبار السن يجلسون أمام أحد البيوت، ألقى عليهم التحية وسألهم عن صاحب الرسالة، ثم أشار أحدهم إلى المنزل المجاور بأنه منزل الرجل الذي يسأل عنه. قام وليد بتوصيل الرسالة، وأثناء عودته مر بنفس المجلس وطلب منه أحد الرجال أن ينتظر حتى يسلمه رسالة إلى أحد أقربائه في الناحية الأخرى من البلاد. ودخل الرجل إلى داره في حين انتظر وليد في الخارج، وهنا سمع رجلا عجوز يتحدث لبقية رجال المجلس بنبرة لا تخلو من الحزن والخوف: لقد عاش آباؤنا وأجدادنا على هذه الأرض، وبنوها بسواعدهم، وبذلوا الغالي والنفيس لدرء أي مخاطر قد تأتي من الخارج، فقد ساهم الجميع في ذلك الزمان ببناء سور حول المدينة لحماية هذه الأرض، شيبا وشبابا، أطفالا ونساء، فإنه من الظلم أن نأتي نحن بعد كل ذلك لنزرع الفتنة والشر في الداخل، وأي سور من شأنه أن يحمي بلادنا من الفتنة التي بدأ يوقظها البعض في داخل البلاد؟ إلا إذا شرعت كل مجموعة ببناء سور حول دورها ومساكنها! لقد عاش أسلافنا على هذه الأرض أيام الشدة والفقر وكانوا يدا واحدة، فكيف لنا وبعد أن من الله علينا بهذه النعم أن نمزق هذه الوحدة لتصبح كل مجموعة عدوة للأخرى؟ لقد كانت مطالبنا واحدة واليوم أصبح لكل مجموعة مطالبها الخاصة بعيدا عن مصلحة البلاد، توقف الشيخ العجوز عن الحديث بعد أن ذرفت عينه دمعة حزينة غاصت في تجاعيد وجهه التي خطها الزمن.
تأثر وليد بتلك الكلمات، وشعر بالضيق، وقرر أن يترك المجلس قبل أن يخرج الرجل من داره ليستلم منه الرسالة على أن يعود له في اليوم التالي.

* * *

في المساء وبينما كان وليد مستلقيا على سريره الخشبي العتيق، بدأ يفكر بما سمعه في ذلك اليوم الشاق والطويل، ما زاد من مخاوفه على أرضه التي عاش وترعرع بين أحضانها، والتي عاش فيها أسلافه من قبله، وبين الصحوة والمنام رأى ذلك الصياد الذي كان يجلس إلى جانبه في المقهى، رآه جاثيا على ركبتيه أمام البحر، يضرب رمال الشاطئ بيديه وهو يصرخ ويوجه كلامه إلى شيء مجهول ناحية البحر: "توقف .. توقف أرجوك .." ثم رمى نفسه على الأرض وكأنه يحضنها، واختلطت دموعه برمال الشاطئ. انزعج وليد بما رآه وغيّر اتجاهه واستلقى على جانبه الأيمن ولكن تلك الصوّر المرعبة لم تتوقف، فقد شاهد الشيخ العجوز الذي كان يتحدث للرجال في المجلس، رآه جالسا وحوله أبناءه، في قطعة صغيرة من الأرض، أحاطها بسور عال، وكانت الأرض تهتز من حوله وصراخ الناس يصله من خارج ذلك السور.
فزع وليد من تلك الرؤى ولم يستطع النوم. جلس على كرسي صغير في إحدى الزوايا بعد أن قام بفتح النافذة. سمع أصواتا في الخارج صادرة من أحد البيوت القريبة المهجورة .. كان حديثا بين مجموعة من الشباب .. اثنان .. ثلاثة أو أكثر .. قال أحدهم: نعم سوف أقوم بتدمير كل شيء حتى يعود للأمة شكلها الحقيقي. قاطعه آخر: ولكن الناس الذين تريد تدميرهم هم أهلنا وأبناءنا. رد الأول: سوف نلتقي بهم في جنات الخلد. ثم سأل أحدهم: ومتى ستقوم بهذه العملية؟ رد الأول: إنها قريبة وسوف تكون في ..........

* * *

وهنا بدأ الديك بالصياح .. وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح .. إلا أن شهريار أصر على معرفة النهاية ليرتاح، أما شهرزاد، فقالت: أنت من يضع النهاية يا مولاي ..إنها بين يديكم، وبين أيدي الحكماء من شعبكم.

نشرت في: