الجمعة، 22 نوفمبر، 2013

لماذا تعلقت بأدب الرواية؟

 
 
سعود السنعوسي:
 
قيل الكثير عن الرواية، كجنس أدبي، ولا أزعم أنني أنوي الإتيان بما هو جديد في هذه السطور بقدر ما أنوي الإشارة إلى أسباب تعلقي بهذا الصنف الأدبي دون غيره. لماذا تعلقت بأدب الرواية، ولماذا حين أمسكت بالقلم أول مرة كان حلمي أن أكون روائيا؟
رغم صنوف الإبداع والأجناس الأدبية لم يسحرني بينها شيء بقدر الرواية. وحدها قادرة على أن تضم كل صنوف الإبداع في طياتها. وحدها قادرة على احتواء قصة، وشعر، ومسرح، وسينما، بل أجزم، وعن تجربة، بأنها تتجاوز احتواء صنوف الإبداع الكتابية لتضم فنونا تشكيلية، تلك التي كدت أراها رؤية العين في بعض الأعمال الأدبية العظيمة. الرواية، كما أؤمن، حياة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة إن أراد لها مؤلفها أن تكون. وإذا ما وجدتني أسألني ما الذي تقدمه لي الرواية، تأتيني الإجابة من خلالها: «كل ما تستطيع أن تقدمه لك الحياة». الرواية ليست بديلا عنها في الواقع، ولكنها تجاريها وتحاكيها وتتفوق على الحياة عظمة وغنى وقيمة في أحيان كثيرة. في الرواية أسافر من دون أن أبرح مكاني. أسهل أنواع السفر وأقله تكلفة. سفر ممكن عبر المكان، وآخر مستحيل، لا توفره لي مطارات العالم، عبر الزمان. الرواية خبرات وتجارب لم تتح لي فرصة معايشتها فأجدني أعيشها ورقيا. مسحور أنا بهذا الصنف الإبداعي لأنه وحده القادر على احتواء الكثير، مثل الحياة تماما.. فكر، علم، فلسفة، سياسة، أديان، تاريخ، أساطير، فنون و.. حياة.

رجل في الذاكرة
في الحديث عن تجربة كتاب، ألجأ مرة أخرى، للرواية، حيث تلمع من بعيد رواية بعينها. يأتي اسمها في قرارة نفسي ليذكرني إلى وجوده هناك. في مكان سحيق من الذاكرة: «جان فالجان»، حيث يأتي الاسم في ومضة سبقت اسم رواية سطرت سيرته وسيرة زمن ماض، وقبل أن أتوقف عند اسم مؤلفها العظيم.
جان فالجان.. رجل تعرفت إليه، ورقيا، في أواخر سني مراهقتي، نهض من الأوراق ليدخل حياتي، يلغي كثيرا من إرث أحمله قبل لقائه ليؤسس لكثير بعده.
كنت كغيري من أبناء جيلي. نحمل إرثا من الأساطير، وقصص الجدات، ومسرحيات أطفال حضرناها صغارا، ومسلسلات كرتونية شكلت، بصورة أو بأخرى، وعينا. إشكالية الخير والشر في النفس البشرية. انتصار الخير دائما وأبدا. اللون الواحد، غير المحايد، من بين لونين اثنين وحسب، أما أبيض أو.. أسود. شيء من هذا كله لم أجده في رواية «البؤساء»، من بين أول الروايات التي قرأتها.
ما الذي فعله بي هذا الـ«فالجان» حين قرأت الرواية لمؤلفها فيكتور هوغو أول مرة؟ وأي سؤال ألقاه بين يدي قبل أن يسلم الروح في آخر الرواية ليتركني وحيدا فوق أنقاض ما يربو على الـ1500 صفحة قرأتها على مدى أسابيع؟ ولماذا لم يسمعني حين صحت به، عندما أدركت الصفحة الأخيرة، في خيبة: «تعال! قبل أن تذهب قل لي.. من أنت؟». من يكون هذا اللص الصالح الشرير، الأب الطيب السجين الهارب من العدالة، الخائن الوفي، الفقير المعدم العمدة الغني، المنقذ الضحية التائب؟ أسئلة فتنت بها. اقتربت من بعض إجاباتها وبعضها الآخر لا يزال يلح داخل رأسي أستمتع في البحث عنه آملا في ألا أجده أبدا.. أسئلة ليس لها تفسير سوى أن جان فالجان بكل تجلياته وتناقضاته ليس سوى صورة لذلك الكائن المعقد.. الإنسان.
المرء بطبيعته، كما أعرف، ينزع للحكم على الأشياء: هذا خطأ وذاك صواب.. جميل أو قبيح.. ليوصد الأبواب على أسئلة معلقة. وفي رواية «البؤساء» ما كدت أحكم على شخص حتى يتغير حكمي في موقع آخر يبعد مسافة بضع صفحات. فالجان سارق رغيف الخبز.. لص، شئت أم أبيت، ولكنه سرق الرغيف لإطعام أخته التي توشك أن تموت! فما حكمي عليه؟ انتهى حكمي عليه بسجنه في الرواية، وتناسيت ذنبه، ولكنه حاول الهرب قبل إتمام فترة عقوبته! امتدت فترة العقوبة.. هرب.. ورغم ابتعاده وتخلصه من ماضيه بتغيير اسمه وحياته وإطعامه للفقراء وتبنيه «كوزيت» اليتيمة، بقيت في حيرة من أمري حيال ذلك الرجل، لست أدري كيف أنظر إليه، كلما تعاطفت معه أرتكب إثما ذكرني بماضيه رغم كل الحسنات العظيمة. أجدني كارها «جافيير» الشرطي لملاحقته فالجان الهارب من العدالة، والذي أقلقتني مطارداته طيلة صفحات الرواية خوفا على «فالجان»، ثم أعود للحيرة إزاء موقفي العدائي تجاه شرطي لا يقوم بأكثر من تأدية دوره بتطبيق القانون. شرطي انتحر في آخر الرواية غرقا تكفيرا عن ذنب أشك في كونه ذنب. ذنب مطاردة لص طيب هارب من العدالة. أجدني مراوحا بين حيرة وأخرى، بين تعاطف وإدانة، أمام امرأة أنهكها الجوع، طردت من عملها، باعت شعرها وأسنانها لإطعام صغيرتها وما كفاها، فاستسلمت للراغبين في شراء جسدها. أقف عند أصحاب النزل الجشعين. أدينهم، وإذ بهم نتاج زمن فاسد تمخض عن أناس فاسدين. وشخصيات أخرى نثرها «هوغو» في روايته هزت قناعاتي صغيرا، ما عرفت كيف أنظر إليها، لم أنتبه إلى أن مؤلفها قال كلمته الأولى والأخيرة على غلاف روايته قبل أن أبدأ في قراءتها.. «البؤساء».
رواية «البؤساء»، رغم مروري بشكل موجز على الأثر الذي تركته في نفسي قبل سنوات، تمثل الكثير بالنسبة لي بين أهم الكتب التي قرأتها صغيرا. رواية أعادت ترتيب الأشياء من حولي. رواية علمتني أن ألجم لساني قبل أن أنطق بحكمي المطلق على الناس.. «البؤساء»، رواية تعلمت من خلالها أن الإنسان لا يوصف بكلمة واحدة.
إن الأثر الذي أوقعته الرواية في نفسي، قراءة، امتد ليطال حلمي في الكتابة. منذ كنت صغيرا، أحلم أن أقول ما يدور في رأسي رواية. ولأن لا رواية، بالنسبة لي، مثل البؤساء ولا روائي مثل فيكتور هوغو ولا شخصية روائية مثل جان فالجان، فقد كنت أحلم بكتابة رواية عظيمة مثلها، وأن أكون روائيا مثل هوغو، وأن أبتدع شخصية مثل فالجان. لا يهم أن أحقق حلمي هذا، فالجميل في الأمر هو أنني كنت أحلم.. ولا أزال.

في ضيافة فيكتور هوغو

يحدث كثيرا أن تتشكل علاقة، على نحو ما، بين المبدع والمتلقي، تتجاوز حدود الاكتفاء بمتابعة النتاج الإبداعي إلى الاهتمام بالمبدع ذاته. نعجب بأحد المبدعين، فليكن أديبا على سبيل المثال، نبدأ بالقراءة له، ثم نتحول إلى القراءة عنه، ثم نبحث عن كل ما يتعلق به، بيئته ومقتنياته وعلاقاته وحياته بشكل عام. ومن أهم ما يفكر فيه المتلقي أو متذوق الإبداع، كما أتصور، هو المكان الذي يعمل فيه المبدع على صياغة إبداعه. ولعل ذلك أحد الأسباب التي تدعو بعض الدول، التي تحترم مبدعيها، وتاريخها قبل ذلك، بأن تحيل بيوتهم أو الأماكن التي ارتادوها إلى مزارات ثقافية مفتوحة للزوار من متذوقي الإبداع، حيث تتسنى للزائر المهتم فرصة التعرف إلى مبدعيه عن قرب وبشكل مغاير. ولعل منزل فيكتور هوغو، مبتدع شخصية جان فالجان، أو Maison de Victor Hugo كما هو معروف في باريس، هو المزار الثقافي الذي كنت أحلم بزيارته لأتوج تجربتي مع رواية البؤساء وجان فالجان.
هو مبنى مكون من طابقين، مكث في طابقه الثاني «شاعر فرنسا العظيم» نحو ستة عشر عاما بين 1832 و1848. كتب فيه بعضا من أهم وأعظم أعماله في المسرح والرواية والشعر. أتذكر تجربتي في زيارة ذلك المكان بدهشة خليط بين حلم وواقع. المبنى القديم، رغم تحديثه، بطرازه الكلاسيكي. الصوت الصادر عن خشب السلالم وكأنه يئن تحت قدمي. رائحة الأثاث القديم. الألوان الداكنة التي يكتسي بها كل شيء تقريبا، الستائر والأرائك وورق الجدران. في الطابق الأول من المبنى معرض صغير يضم مجموعة من اللوحات التي رسمها هوغو وبعضا من أدواته في الرسم. أما الطابق الثاني فيضم شقته كما كانت، بغرفة الجلوس وأثاثها، وغرفة الطعام بأوانيها القديمة، وغرفة النوم بسرير هوغو العتيق وخزانته ومقتنياته.
لم يكن منزل فيكتور هوغو سكنا له ولعائلته وحسب، رغم أن هذا ما توحي به بعض اللوحات الزيتية العائلية المعلقة على الجدران، والتي تصوره بين أفراد أسرته في صور جماعية. إنما هو بيت تلك الشخصيات التي ابتدعها في أعماله أيضا. في بيت هوغو تكاد لا تفرق بين أصحاب البيت وتلك الشخصيات، فالجدران التي اتسعت للبورتريهات الشخصية لأبناء هوغو، اتسعت أيضا للوحات تصور كوازيمودو أحدب نوترداب، والقواعد التي تحمل أنصاف تماثيل هوغو تحمل أيضا تماثيل أخرى، كاملة، لـكوزيت بطلة البؤساء، تصورها تارة تكنس الأرض، أو تحمل دلوها استعدادا للذهاب إلى البئر ليلا. وعند السلالم تجد جداريات لـجان فالجان كما تخيله الفنانون.
في بيت هوغو، نسيت تماما من هو المبدع ومن هو المبتدع، واستحالت جميع الشخصيات حية، هوغو وأفراد أسرته رغم رحيلهم قبل سنوات طويلة، والناس في اللوحات التي رسمها بريشته، وجان فالجان وكوزيت وبقية شخوصه الروائية التي نهضت من ركام الأوراق لتحجز لها مكانا في هذا البيت الذي انطلقت منه إلى كل مكان.
في جو أشبه بالسحر، في بيت «البؤساء»، عادت لي فكرتي التي أحفظها.. الرواية حياة.. لا أريد إلا أن أكون روائيا..
أن أكتب مثل فيكتور هوغو..
أن أكتب عملا مثل البؤساء..
أن أبتدع شخصية مثل جان فالجان..
مع أمنية جديدة: أن تسكن هذه الشخصية معي.. في بيتي!
_______________________
 (*) ورقة ألقاها الروائي الكويتي سعود السنعوسي، الحائز جائزة بوكر العربية للرواية هذا العام، في الظهران، شرق السعودية، ضمن فعالية «إثراء المعرفة» التي ينظمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي، التابع لشركة أرامكو السعودية.


نشرت في:
 

الثلاثاء، 1 أكتوبر، 2013

فهد عافت: محاولة فاشلة للكتابة عن ساق البامبو


كتب: فهد عافت


     بتماسك قلّ مثيله ، في غير الروايات الخالدة ، تحكي رواية " ساق البامبو " لسعود السنعوسي ، حكاية هوزيه منيدوزا .. كما تقول أوراق النبات ، أو عيسى راشد عيسى الطاروف .. كما تقول أوراق الحكومة ! ، اسم يجلب الشرف .. وجه يجلب العار ! ، ابن الشهيد و المشكوك في عفّتها ! ، المثقف الثريّ و الخادمة التي بالكاد تعرف من أين أتت ! ، الكويتي الفلبيني : مُسلم تتدلّى من ياقته أيقونة الصليب ! ، و في صدره تعاليم بوذا ! ، .. يمارس طقوساً لم يفهمها بعد ، خوفاً من خسارة أشياء لم يؤمن بها بعد !! ، .. حكاية هوزيه / عيسى ، الذي له وجه أمّه و رطوبة انكساراتها ، و صوت أبيه و رائحة جسارته ، في بلاد أمّه لم يكن يملك أي شيء سوى عائلة ، و في بلاد أبيه يملك كل شيء سوى عائلة ! ، حقيقته مزيفة ، و زيفه حقيقي ! ، حين يصحو " يقولُ " فلا يفهمه أحد ، و حين ينام " يفعل " و ليس معه أحد ! ، كلٌّ يعرف ما ينتظره عداهُ ، و عداهُ ينتظره ما يعرفه الكُلُّ !! ، .. لا يحسد أخته الكويتية " خوله " على وفرة ما تملك ، و يحسدُ أخيه الفلبيني " أدريان " على مرضٍ دماغيٍّ أطاح بعقله ! ، ينزلُ في مُلحق منفاهُ ، و يُنفى في مُلحق منزلهِ ! ،.. يحمل تاريخهُ على شكل ترابٍ في قنّينة ! ، و يتمنى لو أن أحداً يفهمه غير سلحفاةٍ ، أو يقوم بتعزيته لموتها ! ، لهذا بكته جدّتهُ " غنيمة " حسرةً ، و لهذا رفضته جدّتهُ " غنيمة " أسرةً ! ، و كل ما سبق رسمه و ما يأتي مما يبدو أنه علامات تعجّبٍ ، ليست إلا سيقان بامبو " خيزران " أو محاولات فاشلة لغرسها ! ، .. الأكيد أن بناء رواية بهذه الهندسة ، لا يتيسّر لغير موهبة أقل ما يمكن أن توصف به النبوغ ، و يا للمهارة في غياب التعسفيّة و المجّانيّة في ترتيب كل هذه الفوضى ، إنه الأسلوب موهبة و البناء دِرْبةً و مِرَاناً ، رغم صغر سن المؤلف و قِصَر تجربته ، لكنها شعلة الفن حين تسري في عروق من تقتنص من الناس ، العبقريات لا تؤخذ بالأقدمية ، العبقريات لا تؤخذ بالأقدمية : أين قرأت هذه المقولة ، نسيت ، لا يهم ، المهم وجوب حضورها هنا ، أكاد أعتذر لاستخداماتي الكثيرة السابقة لها ، كان عليّ أن أنتظر مثل هذه الرواية حتى لو طال الزمن ! ، سعود السنعوسي في روايته " ساق البامبو" أذهلني حقّاً ، مهارة حَبْك ، خفّة ظلّ رغم المآسي الذابحة ، ثقافة و وعي كبيرين فيما يلزم اللغة الخاصة بكل شخصية ، قدرة فائقة على ربط الحدث الروائي بجذر تسجيلي ، التفكير الروائي .. وضَعْ تحت " التفكير الروائي " عشرة خطوط .. ، إيحاء الأسماء و دلالاتها : ساق البامبو و الطاروف تحديداً ، .. يا ألله .. كم هي رواية محفّزة لغريزة القراءة .. ، و لأنها كذلك أكتب ممتنّاً كقارئ : شكراً أيها الروائي الذي جعلتني أتساءل : من أين لك هذه القدرة على صعودي و إنزال دافئ الدمع لمجرد سرد مباراة في كرة القدم بين الكويت و الفلبّين ؟! ، بالمناسبة : أظن أن لاعب المنتخب الفلبيني " ستيفان شروك " أكثر اللاعبين حظّاً و مجداً ، على فقر موهبته ! ، و هناك على النقيض تماماً يجلس غسّان " بدون " مجد ، " بدون " حظ ، " بدون " ... ! ، يدوزن أوتاره : " .. كلّما قلت متى ميعادنا .. ضحكت هندُ و قالت : بعد غد " ! ، ساق البامبو ، واحدة من أفضل الروايات التي قرأتها في حياتي ، و هي فيما لو استسلمت لغواية الجغرافيا : الأفضل و الأعلى شأناً بين كل الروايات التي قرأتها لروائيين من الخليج العربي حتى هذه اللحظة .. ، سوف يكون صعباً عليّ نسيان " جوزا .. جوزافين ! ، منيدوزا ، آيدا ، بيدرو ، راشد ، غنيمة ، هند ، عواطف ، خوله ، تشولينغ ، غسّان ، أدريان ، أم جابر ، و إبراهيم سلام المترجم ! " ، و سأظل منتظراً أحسب السنوات إلى أن يكبر " راشد الصغير " ، أما نسيان " عيسى الطاروف " فهو بالنسبة لي أصعب من الصعب ، يشبه إمكانية نسيان بطل الرواية لـ " ميرلا " و وشم الـ : MM ، .. هكذا تُكتب الروايات ..
 
 
 

الأربعاء، 25 سبتمبر، 2013

موسم الهجرة إلى.. أيِّ مكان!

 
سعود السنعوسي:
 
لم أعد أستغرب حلم الكثير، ممن أعرف، بالهجرة. هكذا، ببساطة.
 
- هجرة؟! إلى أين؟!
- إلى أي مكان!
 
     ما عادت الكلمة نشازا بعدما ألِفتها أذناي. لم أشعر في حياتي بيأس لدى البعض، أو في الحقيقة، لدى الكثير، كما أشعر الآن. شيء من ثقةٍ كان موجودًا، لم يعد كذلك. دوافع الحلم بالهجرة كثيرة، لدى الشباب على وجه التحديد. هذا يسعى للحصول على وظيفة أفضل، وذاك يحلم بتأسيس مشروع عجِزَ عن إقامته هنا. البعض يبحث عن مستقبل آمن، والبعض يحلم بهامش حرية أوسع، والبعض الآخر - بصدق - لم يعد يحمل حبّا لهذا المكان. تختلف الأسباب، ويبقى لكلٍ مطلب يعتقد أنه غير موجود في بلاده. ليس أمرا هيّنا، بالنسبة لي على الأقل، أن يقوم شاب حصل على وظيفة للتوّ بفتح حسابٍ في مصرف أجنبي يحفظ فيه جزءًا من راتبٍ يحتاجه في الغد. وليس طبيعيًا أن يرهق آخر كاهله بقسط شهري لقاء تأمين قطعة أرض أو شقة في مكان ما من هذا العالم. وليس مقبولا أبدا أن يتحدث حديث التخرج عن لهفته لبلوغ سن التقاعد، متجاوزًا سنوات طويلة، ليشدّ رحاله إلى.. مكان ما. لا شيء يدعوهم إلى ذلك سوى عدم ثقتهم في وطنهم، وبالتالي عدم الشعور بأي شيء يربطهم به سوى قيود العمل والحاجة إلى المادة التي تتوفر هنا بسخاء كما لا يتوفر أي شيء آخر. هل نلومهم إن شخصت أبصارهم بعيدًا إلى أي مكان عدا موطئ أقدامهم. وهل يعود الوطن وطنا بلا ثقة مواطنيه؟ أبدا، ما الأوطان إلا ثقة أهلها بها.
     ليس لي أن ألتفت إلى أحوال غيري متعمدًا الانصرافَ عني. وليس مبررًا أن أكشف أحلام بعض من أعرف وأخفي ما بداخلي. وأنا في حقيقتي - اليوم تحديدًا - أشبههم جميعا. أتخيلني متحررًا من وظيفتي التي استحالت مسامير يوم استحال وطني صليبًا. أعيش على قلمي، أو عملي الخاص، أو أي شيء آخر يمكنني أن أجيده.. هل يبقى لي في هذه البلاد سوى أهل أحببتهم، طفولة زيّنها الجهل بالأشياء، أغنيات وطنية لفظت أنفاسها الأخيرة منذ زمن، شعارات لا تصلح لغير زمنها القديم، وأسَفٌ وقرف، وسخط على كل شيء، وعَلَم.. جيّد أنه لا يزال يحرّك شيئا بداخلي إذا ما لمحت ألوانه؟!
     لا شيء لديَّ سوى ذكرى أمس جميل وحلم غد أجمل.. بينهما سنوات طويلة من انتظار.
     إلى هنا، أكتفي. حتى ينتهي هذا الفصل، ويحل آخر، أشهد فيه موسم الهجرة إلى.. أي مكان.
 

الاثنين، 29 يوليو، 2013

الروائي الجزائري واسيني الأعرج: «ساق البامبو» رواية العام وتستحق البوكر بجدارة

روايته الجديدة «مملكة الفراشة» ترصد واقع ما بعد الحروب الأهلية

القاهرة: حنان عقيل 

واسيني الأعرج روائي جزائري معروف حصل على الكثير من الجوائز منها جائزة الرواية الجزائرية، وجائزة الشيخ زايد، والمكتبيين، وجائزة قطر العالمية للرواية، كما اختيرت روايته «حارسة الظلال» عام 1997 ضمن أفضل خمس روايات صدرت بفرنسا، وترجمت أعماله للكثير من اللغات من بينها الفرنسية والألمانية والإيطالية والإنجليزية وغيرها. كما تدرس الكثير من أعماله الأدبية في الجامعات. وقد التقيناه أثناء زيارة له للعاصمة المصرية، وكان هذا الحوار معه، الذي تحدث فيه عن أحدث أعماله وعن جائزة البوكر العربية ورؤيته للوضع الثقافي والسياسي في الوطن العربي:
* حدثنا عن روايتك الجديدة «مملكة الفراشة»؟
- لقد انتهيت منها مؤخرا، وستنشر في شهر يونيو في «مجلة دبي الثقافية» مما سيمنحها فرصة توزيع ممتازة نحو 30 ألف نسخة، وستخرج في سبتمبر (أيلول) عن «دار الآداب» بمناسبة معرض الجزائر وبيروت. «مملكة الفراشة» تتحدث ليس عن وضعيات الحروب الأهلية ولكن عن نتائجها من انتقامات وجنون وعزلة، فكثيرا ما نتحدث عن ضحايا الحروب الأهلية ونفرح لتوقفها وننسى أن ما سينشأ بعد ذلك هو حالة جهنمية كبيرة. ولذلك الرواية تأخذ عائلة تنعكس العزلة على أفرادها بأشكال مختلفة، رجل يعمل في مخبر صيدلة ويضطر إلى المغادرة بسبب اللعب بالأدوية والمتاجرة بأعضاء المرضى فيتقلص عمله المخبري في بيته، بينما الزوجة مدرسة لغة فرنسية تتباعد خوفا من الجريمة ثم تدخل في عالم القراءة لدرجة الالتباس مع أبطال الروايات بينما «البت ياما» وهو اسمها تغرق في «فيس بوك»، وتنشأ قصة حياة افتراضية، فالعزلة قاتلة ومدمرة وتربي أوهاما خطيرة في الناس، والنهايات تراجيدية طبعا داخل مدينة منقسمة يفصل بينها جسر هو في النهاية الحافة بين الموت والحياة.
* كيف استقبلت خروج روايتك «أصابع لوليتا» من القائمة القصيرة للبوكر العربية؟
- هو أمر طبيعي، هناك خمسة أعضاء في لجنة التحكيم من حقهم أن يقبلوا أو يرفضوا، ولا يعني ذلك أي شيء، لهم ذوقهم وهم أحرار في النهاية، سعدت أنها وصلت للقائمة الطويلة، وقد رشحها آلاف القراء للفوز وهو رأي القراء ويجب احترامه لأنه مهم بقدر احترام اللجنة، كُتبت عنها قرابة المائة مقالة وتقديم، وسُحبت منها آلاف النسخ غير الخمسين ألف نسخة التي طبعت في «مجلة دبي الثقافية» وكانت موضوع دراسات أكاديمية متعددة ورشحت كواحدة من أهم خمس روايات عربية صدرت هذه السنة، ما فاجأني قليلا ليس عدم ترشيح روايتي «أصابع لوليتا»، ولكن إسقاط ست من أكبر روايات صدرت في السنة بشكل فيه بعض الغرابة فجميعها روايات مميزة.
لذلك، رهاني الباقي هو قرائي وما عدا ذلك فهو طارئ. إذا فازت الرواية فالأمر جميل وإذا لم تفز فالأمر عادي وليس فاجعة. يجب أن نخرج من ربط قيمة أي رواية بالجائزة، الجائزة مهمة بكل تأكيد ولكنها ليست شيئا مذهلا ولهذا آخذ المسألة بحيادية مطلقة، للجنة حق ولكن المحصلة هي بقدر ما تكون اللجنة كبيرة ومميزة وعارفة للثقافة العربية تكون الجائزة عالية وبقدر ما تكون اللجنة متواضعة في نتائجها تكون بنفس التواضع وهذا ينطبق على كل اللجان، الكتاب له طريق واحد ودائم وأساسي هو القارئ، وعلى كل لا توجد جائزة تصنع كاتبا أبدا، فنحن نكتب لأننا أولا وأخيرا نحب الكتابة ونتقاسم أفراحها مع قرائنا.
* ما تعليقك على فوز رواية «ساق البامبو» بجائزة البوكر العربية؟
- أنا شخصيا مأخوذ برواية سعود السنعوسي «ساق البامبو»، وأرى أنها أهم رواية لهذه السنة بتقنياتها وجمالياتها وموضوعها وشجاعتها، أنا دارس للرواية ومدرس لها في الجامعة ولهذا حكمي ناتج عن قراءة، هذه الرواية هي رواية السنة، أنا سعيد جدا لهذا الشاب. به أقول إن الرواية العربية بخير، هي رواية مهمة وقوية وتستحق بامتياز وقد دافعت عنها في جائزة الدولة في الكويت إذ كنت عضوا في لجنة التحكيم وفازت، بهذا الفوز حافظت البوكر على مصداقيتها، هذا الشاب سيكون له شأن كبير في الرواية العربية، أبارك له وللأدب الكويتي والعربي. الموهوب يفرض نفسه بقوته وتواضعه وهذا كله متوافر في هذا الشاب.
* في رأيك ما المشكلات التي تواجه الثقافة في العالم العربي من وجهة نظرك؟
- مشكلات الثقافة العربية أننا إلى اليوم كعرب لم نعط لها الحق الذي تستحقه، فما زالت حكوماتنا تنظر للثقافة في الوطن العربي كأنها «العجلة الخامسة» وليست ضرورية مع أننا نعرف أن إنسان المستقبل يصنع اليوم، تخيلي إنسانا اليوم ينشأ خارج المواطنة وخارج النقاش السياسي الحر وخارج الرياضة بالمعنى التكويني والحضاري وخارج الموسيقى وخارج الكتاب وخارج المدرسة المتنوعة والمنفتحة على الحداثة كيف سيكون هذا الإنسان في المستقبل؟ سيكون جافا ومفرغا عرضة لكل جهة تريد استعماله واستنزافه، لأنه لا يملك أي ثقافة دفاعية، والإرهاب هو الصورة لهذا الفراغ. مشروع الإنسان العربي، في ضوء هذا المنطق، إما إنسان هامشي ضائع في المخدرات والحياة الوهمية، أو إرهابي أعدته الدولة بتفريغها له كليا من أي ثقافة وأي نور وأي مواطنة حقيقية، ولهذا فمسؤولية الدولة العربية في مسألة التجهيل كبيرة، فالمواطن العربي اليوم هو صورة لإخفاقاتها.
* من واقع خبرتك، هل ثمة شروط يجب توافرها في الرواية التاريخية الجيدة؟
- هناك شرط أساسي أن تكون الرواية رواية أولا وأخيرا، وأن يكون عنصر الحرية متوافرا. من دونه لا يمكن أن نكتب رواية بكل بساطة، الرواية التاريخية فيها شطط كبير وتحتاج إلى جهد خاص واستثنائي، تحتاج إلى رحلات وتحركات واستقصاء للأماكن وقراءة التاريخ بروح نقدية دائمة تفترض منذ البداية أن التاريخ بما في ذلك التاريخ الوطني يكتبه المنتصرون، ولهذا وجب نقده. وحتى عندما نتدخل أو نجعل الشخصيات تتكلم علينا أن نتابع ونندس تحت جلدها، لا كما نريد ولكن كما هي أو كما يفترض أن تكون. ومن ثم فجرأة النقد مهمة وإلا فسنكرر ما قام به جورجي زيدان في وقته حيث افترض تاريخا عظيما بينما يحتاج الكثير منه إلى إعادة نظر.
* هل خرجت روايتك «كتاب الأمير» في ضوء هذه القواعد؟
- نعم، في ذلك كله أنشأت شخصية الأمير عبد القادر الجزائري في رواية «كتاب الأمير»، وجعلته يرى عصره بعين ناقدة ويدخل في حوار مع الذين كانوا يختلفون معه في الدين والحياة، ومع ذلك رد الفعل لم يكن دائما مريحا في العلاقة، ليس مع القراء ولكن مع المحيط السياسي، فالكاتب في الرواية التاريخية ليس موظفا عند الدولة وليس موظفا عند عائلة الشخصية التي يكتب عنها، ولكن رهان الكتابة هي أن نكتب نصا يقول التاريخ ويقول الرواية أيضا ويقول حقيقته النسبية.
* هل ترى أن هناك إقبالا على قراءة الرواية التاريخية في عالمنا العربي؟
- كنت أظن أن قراءة الرواية محدودة لأسباب متعددة منها أن الروايات التاريخية طويلة كثيرا، وأن القارئ الحالي غير مهيأ لذلك، واستغربت بعد تجربة رواية «كتاب الأمير»، أن القارئ يقرأ عندما تقدم له ما يهمه في الحاضر والتاريخ؛ بل إن «كتاب الأمير» حصد جوائز عدة، كجائزة المكتبيين وجائزة القراء وجائزة الشيخ زايد للآداب في عام 2007 مع أني كنت متخوفا من عدم إقبال القراء. فالقراء موجودون ولكن الأمر يحتاج إلى قدر من الدعاية والاهتمام.
* إذن، أنت لا تعتقد، نسبيا، بوجود أزمة قراءة في الوطن العربي؟
- هناك مشكلة متعلقة بالتقاليد القرائية، فنحن لا نربي أبناءنا على القراءة وهذا أمر سلبي لأن القارئ في النهاية يحتاج إلى تكوين، لكن مع ذلك إذا وجد القارئ نصا مميزا يختاره، ومن ثم يمكن أن يتحول القارئ إلى وسيلة دعاية لكتاب يحبه فيوصله إلى صديقه والصديق إلى صديق.. وهكذا. الناس يقرأون، وقد تفاجأت من العدد الضخم من القراء في عمان. في الوطن العربي توجد مشكلة عامة هي مشكلة تكوين وتهيئة القارئ وليس شيئا آخر.
* ما السبب وراء حضورك الشخصي في الكثير من أعمالك مثل «شرفات بحر الشمال» و«أنثى السراب».. هل أردت بذلك تقديم سيرة ذاتية في قالب الرواية؟
- لا.. للسيرة الذاتية شروطها الصارمة كما يحددها فيليب لوجون. أنا عملت على نصوص روائية، أي إن مسألة التخييل تلعب فيها دورا حاسما. هذا لا يمنع من توافر عناصر حياتية في الروايات، وهذا شيء آخر لأن هذه العناصر لا تخضع للسيرة ولكنها تخضع للرواية كعالم تخيلي، فحتى النماذج التي قدمتها لا تحيل إلى السيرة شرطا. هناك عناصر حياتية فقط مثلا في رواية شرفات بحر الشمال. الرواية متخيلة وإن كانت بعض الأسماء تتقاطع مع اسم أمي وأختي ولكنها عناصر ثانوية، وقعت لي قصة طريفة في هولندا مع طلبة اشتغلوا على الرواية، بحثوا عن كل الأماكن التي تتحدث عنها الرواية فوجدوها في هولندا إلا تمثال المغنية التي عشقت أميرا هولنديا فسألوني عنه، قلت لهم إن التمثال في رأسي. إذن الكتابة هي احتمال الوقوع والتشابه وليس شرطا أن تكون هي الحقيقة المعيشة. طبعا في رواية «أنثى السراب» هناك الكثير من العناصر الحياتية لأني كتبتها بعد خروجي من المستشفى من تجربة موت أكيد ولكن الله أمد في العمر، ومع ذلك ليس هذا النص سيرة لأن بنيته الأساسية ليست حقيقية وهي فكرة الغيرة من شخصية افتراضية، هي فكرة أدبية بامتياز، والرسائل نفسها عدد كبير منها غير حقيقي. والسيرة الذاتية هي الابتعاد عن التخييل والسير على خطى الحياة في كل تفاصيلها.
* تعمد إلى استخدام اللغة الفرنسية في كتاباتك عن طريق بعض الجمل على لسان الشخصيات.. هل هناك رسالة ما وراء ذلك؟
- في الحقيقة لا توجد أي رسالة خاصة سوى شيء من التسامح اللغوي استجابة لطبيعة الشخصيات الأدبية المكونة بهذه الثقافة. وهذا يعطي شيئا من الصدق لخطاباتها وهذه التدخلات طبعا محدودة في الروايات لأن الرواية تختار العربية كما نستعملها اليوم، هناك أيضا بعض التراكيب العامية المصوغة عربيا لأن الشخصيات أيضا تتحدث بلغة تستجيب لمستوياتها، ولكن تظل الفصحى المخففة والشعرية هي وسيلتي في الكتابة، وفي النهاية إذا كانت هناك إشارات فهي تشير إلى التعددية اللغوية في الجزائر.
* البعض يرى عدم وجود توازن بين الحدث واللغة في كثير من رواياتك بحيث تطغى اللغة الشعرية وجمالية السرد على تسلسل الأحداث.. كيف ترى ذلك؟
- من حق أي قارئ أن ينظر للأمر كما يشاء ولكن العكس أحيانا هو ما أتهم به وهو تغليب الحدث والقضية على اللغة، فلقد تناولت الكثير من قضايا عصري من تطرف ديني ومظالم اجتماعية وخير وشر وبنيت الرواية منها، لأن الذي يهمني هو ضرورة توافر قصة في الرواية وإلا فلا معنى لما نكتب، اللغة ليست شيئا ثانويا فهي عصب الكتابة، لكن طبعا يجب أن لا يتحول النص إلى رياضة لغوية فقط.
* كانت هناك مشاريع لتحويل «كتاب الأمير» و«سيدة المقام» لفيلم سينمائي، ورواية «القبر المفتوح» للعرض التلفزيوني.. ما مصيرها ؟
- حتى الآن مشروع فيلم «كتاب الأمير» معلق لدى رئاسة الجمهورية لأنها الجهة المخولة جزائريا مع الشركة الفرنسية للإنتاج السينمائي وما يزال إلى اليوم هناك مع أن الموافقة والحماس متوفران، ولكني لا أعلم حقيقة أين المشكلة، بالنسبة لفيلم «سيدة المقام» هو طور الإنجاز. أما بالنسبة لمسلسل «القبر المفتوح» فكدت انتهي منه ولكن وفاة الوالدة جعلتني أتوقف لأن المسلسل كله كان مهديا لها ومقدم لنضالها وحياتها، وفقدت في وفاة أمي القوة الدافعة، وأتمنى أن أعود له. وفي النهاية يتوقف الأمر على المخرجين السينمائيين، ولكن حظ المسرح كان أفضل فقد حول المسرح الليبي قبل سنوات رواية «وقع الأحذية المستوطنة»، وحول مخرج جزائري شاب جزءا من رواية «وقائع من أوجاع رجل» إلى مسرحية كما اقتبست رواية «حارسة الظلال» و«أنثى السراب» إلى مسرح عنابة ومسرح الجزائر العاصمة، ويتم الآن تحويل رواية «البيت الأندلسي» إلى المسرح.

نشر في: الشرط الأوسط

الاثنين، 15 أبريل، 2013

خزي السعادة



سعود السنعوسي


 -  أما آن للمرء أن يضحك بصوت مسموع؟

  - 
وما الذي يردّك عن ذلك؟!


    
ما يرُدُّني هو الشيء ذاته الذي يرسم ملامحك بالحزن، وإن افتعالا، في مجلس عزاء، احتراما لحزن أهل الفقيد. ألا تلاحظ أن العالم بات أشبه بمجلس عزاء كبير، تركن إلى عزلتك إذا ما اضطررت لإفلات ضحكة تبدو وكأنها عورة! هذا بالضبط ما أشعر به. أشعر بتفاهة كل شيء مقابل حزن يشوب.. كل شيء.
     أنت تشعر بالشيء ذاته، لا تتظاهر بعكس ذلك. ما عادت الديوانية كسابق عهدها الذي تعرف، باتت مكانا للتذمر والبوح بخوفٍ يطوِّق الغد، وإذا ما أطلق أحدهم ضحكة فهي لا تتجاوز كونها ضحكة سخرية من واقع مرير. كنت أراقبك. يدفعك الضجر للتنقل بين القنوات الفضائية بحثا عن ابتسامة ترتديها. لا شيء يناسبك. تدفعك التفاهات للمضي في البحث، ولكن اللون الأحمر والنيران والحشود الغاضبة لا تزيد الأمر إلا سوءًا. كنت تلجأ، دائما، إلى الزر الأحمر في الريموت كونترول. يوافقك الحضور: "أحسن!".
     
تسمع نكتة طريفة، أو خبرًا مفرحًا. تدخل صفحتك على الفيسبوك. تنوي مشاركة الأصدقاء ولكن.. تنتبه إلى الأسماء النشطة، أحدهم يتلقى التعازي في قريبٍ قُتل تفجيرٍ في مكان ما، إحداهن لا تزال، كل صباح، تكتب على حائطها رسائل لا تصل لولدها المعتقل في سجون بلادِه، تعرض صوره منذ وُلِد وحتى قبل اعتقاله بأيام. وأخرى تزف خبر وجود ابنها في المعتقل الفلاني بعد أن ظنته ميتا. وآخر لم ينفك، مُنذ وُلِد، عن مناشدة العالم تخليصِه من احتلال أنهك وطنه. هذا حزين وذاك ساخط والآخر ينتظر الفرج. تبتلع ما كنت تنوي كتابته وتقفل الصفحة من دون أن تترك أثرًا لسعادتك المشبوهة. أنت لا تبالغ أبدا، كلانا يشعر بالشيء ذاته. أنا أفهم وأتفهم. أن تخفي حزنك عن الآخر أمرر مبرر، أما أن تخفي سعادتك فلا مبرر لك سوى شعورك بالتفاهة أمام حزنه!
     أدريك يرهقك السؤال: "هل أنا معني بحزن الآخرين؟". أرهقني هذا السؤال مثلك، ولست أدري له إجابة وأنا أملك من أسباب السعادة الكثير، ولكن، السعادة الحقيقية مشاركة، أليس هذا ما يقال؟ فكيف السبيل إليها والدائرة، كل يوم من حولنا، تضيق؟
     هل تتذكر؟ حين تلقيت تهنئة من أحد العمال في مقر عملك بمناسبة مولودك الجديد. كان سعيدا. عانقك بكل ما يفيض به من حب وامتنان ورطوبةِ جسدِه الذي ينضحُ عرَقًا، ثم قدّم لك قطعة حلوى قبل أن ينصرف. هو العامل نفسه الذي رُزِق بمولودةٍ قبل شهور، لم تتسنَّ له فرصة أن يكون إلى جانبها يوم جاءت إلى الحياة بسبب ظروف عمله بعيدًا عن بلاده. أتذكر وجهك يومها، سعادتك التي كانت.. ما عادت. انطفأ شيء في داخلك. بقيتَ طويلا تتحاشى النظر إلى عينيه. بقي هو بابتسامته الواسعة يحييك كل صباح: "سلام عليكم مدير". وبقيتُ أنا أُراقبكما في صمت. أليست ماكرة هذه الحياة؟ تهديك من أسباب السعادة الكثير، ثم تحشرك في مكان يستحيل فيه التعبير عنها! ما بالك تلوذ بصمتك؟ سعادة العالم كلها تبدو تافهة مقابل حزن إنسان واحد.. أليس هذا ما تشعر به؟
     
أثقلتُ عليك فاعذرني. رغبت في مشاركتك في أي شيء وحسب. ألا تشعر الآن بأنك أفضل حالا، ولو بقليل؟ حسنا.. لا يبدو عليك ذلك. أسألك مجددا:

-
أما آن للمرء أن يضحك بصوت مسموع؟

-
اخرس !


الاثنين، 8 أبريل، 2013

لعنة المقارنة


سعود السنعوسي


 
     توقفتُ ذات يوم عند صورة مرسومة لبرج خليفة في إمارة دبي، يظهر فيها بين مجموعة من الأبراج العالمية الشهيرة في مقارنة صريحة لإدراك الفرق بين ارتفاع هذا البرج وغيره من الأبراج. فكرت، لو انفرد البرج في الصورة لما لمست ذلك الفرق الهائل بينه وبين الأبراج الأخرى. إذن.. ما دامت الصورة محدودة الأطراف ليس من السهل التعرّف على حجم برج خليفة لولا ظهوره بين بِغ بِن وبرج إيفل وبرج بيزا المائل. هو أمر شبيه بما نراه في بعض الإعلانات التجارية، الهاتف المحمول عندما كان صِغَر حجمه ميزة، على سبيل المثال، حين يظهر في صورة واحدة مع علبة أعواد ثقاب، أو حين تظهر كاميرا مراقبة، في إعلان تجاري، إلى جانب قطعة نقود معدنية. ما الذي يدعونا إلى اللجوء لحيلة المقارنة لولا محدودية الصورة وضيق أفقها؟ هذا بالضبط ما أفهمه عن الإنسان. كثير منا يحمل شعار: "أنا لا أقارن نفسي بالآخر!". انتقادي هذا يشملني أيضا، فأنا، وحتى وقت قريب كنت أرفض مقارنتي بأي شخص ثقة مني بأنني لست معنيا به، وبأنني أعرف ذاتي حق المعرفة، غير مدرك أنني لن أتعرّف إليّ بمعزل عن الآخر، متناسيا أن رؤيتي للأمور، مهما اتسعت، فهي محدودة، تماما مثل الصور في بعض الإعلانات التجارية بحاجة إلى مقارنة دائمة.
     فكرة المقارنة لم تأت بقرار أو نية مسبقة. جاءت صدفة من خلال احتكاكي بالآخر في مجال عملي وأسفاري، وانعكس ذلك، تلقائيا، على سلوكي وتعاملي وأسلوب تفكيري. نحن لا نتغير ولا تتغير رؤيتنا للأشياء من حولنا مع بقائنا في أماكننا وانكفائنا على ذواتنا واكتفائنا بإرث ثقافي انتقل إلينا من أسلافنا مباشرة وقبلنا به من دون مناقشة أو تفكير، حتى صنعنا من أنفسنا نموذجا لما يجب أن يكون عليه الإنسان.
     أنا من هواة السفر وحيدا، صامتا، أكتشف الأشياء كما هي من دون مساعدة أحد. كنت أحسبني أتعرّف إلى الآخر بأسفاري هذه، وإن كان في ذلك شيء من الصحة، فإن الصحيح بالمطلق هو أنني لا أتعرّف على شيء سواي، إلى مكاني في هذا العالم. وإن كنت محظوظا في نيل فرصة كهذه، فإنني وفي كل مرة أعود فيها من سفر أكون قد تضاءلت وانكمشت تماما لأصبح مثل قطعة نقدية معدنية مقابل قرص الشمس! هو ليس نوعا من جَلد الذات أو الحط من شأنها بقدر التعرّف إليها بالمقارنة، وبالتالي، معالجتها أو تطويرها. وجدتُ في أسفاري أن أفقر البلاد اقتصاديا أغناها ثقافيا، وأن التسامح ليس حكرا على دين دون سواه، وأن بلادي لا تشتهر بشيء سوى نفطها، وبأننا لسنا سفراء نشوّه صورة بلادنا كما يزعم البعض، بل أننا صور من هذه البلاد المشوَّهة أصلا. اكتشفت أن العالم أوسع مما نظن، وأننا شيء لا يكاد يُذكر. اكتشفت أنني لا أملك شيئا، رغم كل الأموال لديّ، أتوق لابتسامة حقيقية كتلك التي شاهدتها على وجه رجل عجوز يحمل دَفَّهُ يراقص قردة في فستان مزركش، ولا أتذكر متى كانت آخر مرّة أطلقت فيها ضحكة من الأعماق كالتي أطلقها صبيٌّ في أعلى شجرة يرشق أصدقاءه في الأسفل بثمار جوز الهند. اكتشفت أن البساطة ليست ما نفتعله بل هي سمة أبعد ما تكون عما نمارس، وان الإنسانية مفهوم يفوق ما نفهم. من أسفاري انتقلت إليّ لعنة المقارنة، وأصبحت أضع نفسي في مكان الآخر قبل كل شيء، بدءا من الخادمة في البيت، مرورا بعامل النظافة في الشارع، وصولا إلى الوافدين من زملاء العمل، جهودهم في أعمالهم مقابل جهد كسول أمارسه، دخلهم مقابل دخلي، ظروفهم وظروفي. جميل أن يدفعنا الخجل إلى فعل شيء يترك أثرا في سلوكنا تجاه أنفسنا والغير، يدفعنا، عن قناعة، نحو التغيير واحترام الذات، ويحقق فينا، قدر المستطاع، سلاما داخليا.
     ثق بأن رؤيتك لذاتك محدودة. جرّب أن تضع نفسك في مقارنة مستمرة مع الآخر، فالمقارنة حتما تبيّن الفروقات وتُعرِّفنا إلينا، وعلى ذلك يتم تعاملنا مع أنفسنا وكل شيء حولنا حين تتضح لنا الصورة.
فليس من المعيب أن تكتشف أنك، مقارنة مع الغير، لا شيء.. ولكن المعيب، بعد هذه المقارنة، أن تستمر في كونك.. لا شيء !

نشرت في: موقع آراء

الأحد، 24 مارس، 2013

«ساق البامبو» رواية كويتية تكتبها بلاغة «المقموعين»

 
سيد محمود حسن - الأهرام
 
فى طريق العودة من الكويت إلى القاهرة كان إلى جوارى على مقعد الطائرة الكاتب الكبير محمد المخزنجى وكنت أمسك برواية «ساق البامبو» للكاتب الكويتى الشاب سعود السنعوسى وأخطط تحت السطور التى لفتت نظرى فيها إلى أن بادرنى المخزنجى، قائلا: هذه رواية تفتح أفقا جديدا أمام الأدب الخليجى عامة والأدب الكويتى بشكل خاص «ثم استطرد « أنها أول اختراق حقيقى للمسكوت عنه فى هذه البيئة التى كان البعض يظن أنها غير قادرة على إنتاج رواية مهمة.

المخزنجى الذى عاش سنوات فى الكويت دون أن يكتب عنها، وضع يده على ملمح مهم فى الرواية التى كتبها صاحبها وهو على مشارف الثلاثين ووضعته ضمن لائحة الكتاب الستة المرشحين لنيل جائزة الرواية العالمية للرواية العربية « بوكر « لهذا العام، وربما كان وجوده فى هذه اللائحة مناسبة مهمة لاكتشاف ما يقدمه وطرحه على مساحة أوسع من القراء والنقاد الذين رأوا فى نصه علامة على تحولات سردية كبرى.
واللافت للنظر أن « ساق البامبو « بموضوعها الإشكالى تضع المجتمع الخليجى إجمالا أمام أسئلة تأجلت الإجابة عنها لسنوات طوال.

السنعوسى، قبل هذه الرواية نشر عدة مقالات وقصصا قصيرة فى جريدة «القبس» الكويتية وكان من بين كتاب مجلة «أبواب» الكويتية منذ 2005 وحتى توقف صدورها فى 2011 ،عضو رابطة الأدباء فى الكويت، وصدرت له قبلها رواية “ سجين المرايا، 2010 “ التى نالت جائزة الأدبية ليلى العثمان العام الماضى، كمال نال السنعوسى هذا العام جائزة الكويت التشجيعية فى الأدب ما يعنى أن البوكر التى يتنافس عليها لن تكون أول بطاقة اعتراف، لكنها قد تكون “ رواية تدشين “ تقدم صاحبها إلى القراء العرب، وهذه ميزة تحسب للجائزة التى تضع المتنافسين عليها فى دائرة تلقى أوسع من الدوائر المحلية «ساق البامبو» كما نفهم من صفحاتها الأولى تشير إلى الذى ينبت فى أى مكان يغرس فيه.

فى الصفحات الأولى يتساءل البطل: لماذا كان جلوسى تحت الشجرة يزعج أمى؟ أتراها كانت تخشى أن تنبت لى جذور تضرب فى عمق الأرض ما يجعل عودتى إلى بلاد أبى أمرا مستحيلا؟.. ربما، ولكن، حتى الجذور لا تعنى شيئا أحيانا.
لو كنت مثل شجرة البامبو.. لا انتماء لها.. نقتطع جزءا من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، فى أى أرض.. لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة.. تنمو من جديد.. فى أرض جديدة.. بلا ماض.. بلا ذاكرة.. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان فى الفلبين.. خيزران فى الكويت.. أو بامبو فى أماكن أخرى.
وهى إشارة مهمة تكشف مأزق بطلها «هوسيه ميندوزا» (هوسيه هو اسم بطل الفلبين الذى ناضل ضد المستعمر الإسبانى)، لكنه يحمل كذلك اسما عربيا هو «عيسى الطاروف» وهو نتاج علاقة زواج ربطت بين أب كويتى وخادمة فلبينية تتشابه قصتها مع مئات القصص التى تعيشها الخادمات الآسيويات فى بلدان الخليج، لكن السنعوسى أعطى لهذه القصة الكثير من العلامات النصية المتميزة التى جعلت من روايته بابا للعب وطرح الأسئلة، ولعل اللعبة الأولى التى نراها ونتورط فيها تأتى من تقنية “ كسر الإيهام “ التى يلجأ إليها فى الصفحة الثانية من الرواية حين يوهم القارىء أن الرواية التى عليه أن يطالع صفحاتها مترجمة عن اللغة الفلبينية، ويضع فى مقدمتها استهلال المترجم وتوضيحاته بأنه ينقل العمل كما جاء من كاتبه، وهى حيلة لتوريط القارئ، من ناحية وربما جاءت ليتجنب السنعوسى “ ألغام الأرض الشائكة التى يطأها فى مجتمعه الذى يعانى صراع الهويات الممزقة، فالمجتمع الكويتى لا يزعم تجانسا ما، بقدر ما ينجح فى ضبط إيقاع تلك الهويات وإدارة الصراعات بداخلها بشكل محسوب.

غير أن الملاحظة الأكثر أهمية فى سياق التعاطى مع الرواية كونها تطرح أسئلة المجتمع الكويتى عبر نموذج يعيش خارجه، فكل ما لدينا عن هذا المجتمع يأتينا عبر الحكايات التى تنقل لـ “ عيسى “ عبر أمه، لكننا نتلمس فيها السياق الاجتماعى والثقافى الذى يؤرقه سواء فى الفلبين التى يعيش فيها أو فى الكويت التى تمثل لدى أمه منارة أو محطة أخيرة ينبغى للابن أن يطأها إنها “ الجنة الموعودة “ التى تبدو سيرة الأم “جوزفين” والابن هووسيه قرابين لها.

وعبر هذا الكشف بالإمكان التعاطى مع الذات الجريحة فى هذا المجتمع الذى يكتشف ألمه وهو يعايش ذاكرة الحرب مع حربى الخليج الأولى والثانية، لكن الابن يستطيع بدوره أن يدير توازنا بين تلك الهويات التى تتصارع عليه فهو ابن الأب الكويتى (المسلم) والأم الفلبينية (المسيحية)، لكنه لا يرتبك أمام الطقس الدينى فهو يرتاد المعابد البوذية فى سياق مجتمعه ويتعمد فى الكنيسة ويبنى شغفه الخاص بالإسلام الذى يمثل ديانة والده الذى ينتظر عودته، ولا يبدو البطل مؤرقا بفكرة الانتماء المغلق بفضل سعيه الدائم للتعامل مع حياته كرحلة اكتشاف الذات وتجاوز تناقضاتها الموروثة، ومن ثم يشكل ما يسميه أمين معلوف “ الهوية الهجين “ التى تشبه الفيسفيساء الملونة التى يطرزها مرة بالألم ومرات بالحنين، ومن الأمور التى تلفت النظر فى العمل، إضافة إلى قيمة التسامح التى تبدو قيمة عليا فى النص، حتى مع الهويات الجنسية لأبطال العمل، وهى أيضا هويات ملتبسة وممزقة تطل المغامرة السردية لكاتبها الذى يجعل من معلمه الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل بطلا روائيا إذ يستثمر سنوات إقامته فى الفلبين ليجعل منه لاعبا عابرا فى النص ووسيلة من وسائل إعادة بناء الذات، وكما فهمت من سيرة السنعوسى نفسه فإن إسماعيل فهد فى الحقيقة، كما فى الرواية كان دليله للكتابة، وعبر لقاء بين إسماعيل فهد فى الرواية وليس الحقيقة يمكن لجوزفين وابنها تلمس مسار للتعرف على مكان الأب الذى يتم أسره خلال الغزو العراقى للكويتى، لكنه قبل أن يموت يترك لصديقه غسان «البدون» وصية لإعادة عيسى-هوزيه إلى الكويت، ليعود الفتى محملا بالأمانى عن الجنة الموعودة. لكنه حين يعود لا يجد قبولا فى هذه الجنة بسبب ملامحه التى تشبه الفضيحة التى يصعب قبولها، لذلك يقرر أن يعود إلى بلد جده، ويتزوج من «ميرلا» ابنة خالته وينجب منها راشد جديداً يحمل اسم الوالد الذى يمثل وعدا بالتنوير الذى يحل كل تلك التناقضات.

وبفضل علامات نصية كثيرة يمكن أن تقرأ تلك الرواية فى ظلال المعنى الذى طرحه جابر عصفور عن “ بلاغة المقموعين “ أو فى سياق الاصطلاح الذى وضعه بيل اشكرفت عن “ الإمبراطورية التى ترد بالكتابة “ فهى رواية يسهل أن ننسبها إلى أدب ما بعد الاستعمار، إنها رواية للمقموعين تكشف عن طبقات من القمع وتطرح أفقا للحل عبر الهوية الهجين التى تنفتح على هويات متعددة وتستثمر ما لديها من تنوع.
المصدر:
 
 
 
 
 
 

الثلاثاء، 12 مارس، 2013

سرد التيمم وشيطان التفاصيل في ساق البامبو

 
باسم سليمان - القدس العربي
 
كان الشعر لدى العرب علمهم الأوحد يدونون به أيامهم السود والبيض وحدثانهم، فهل نطالب الرواية العربية بتلك المهمة الشاقة مع الظن الحامل لليقين أن الرأي السابق فيه الكثير من المكر الديني والسياسي!؟.
مهما استنسبنا للرواية من مهمات لن تكون إلا خطاب فرد أو لنقل قطعة من البزل لوحدها لن تشكل قيمة إلا من خلال القطع الأخرى التي ستشكل لوحة الخطاب الروائي الذي يُخط باللغة العربية، فالمدونة الروائية العربية التي بدأت تعالج قضايا وطنية/ قطرية منذ فترة تعتبر قصيرة بالقياس لتلك التي كانت تشتغل تحت المدّ القومي، بدأت بمقارعة مقدس جديد يضاف إلى الديني والسياسي والجنسي وهو صيغة الدولة التي تشكلت نتيجة لكل التمخضات الدولية والاستعمارية والسياسية والعرقية وما جرى ذلك من تشعبات عديدة أدت بطبيعة الحال إلى عدم تبلور مفهوم المواطنة من حيث أن النتيجة القانونية والواقعية لوجود الدولة تفترض المواطنة التي تذيب كل ما سبق تحت علم واحد لا يخفي تحت وحدته وعلانيته أي رقع أخرى.
سؤال التفاصيل:
رسول حمزتوف قال: العالم يبدأ من عتبة بيتي وهنا نسأل: ماذا عن داخل البيت وشيطان التفاصيل ومعطف غوغول وما يستره من رقع متنافرة متباعدة في كل بلد تكاد تشظيه وتدفع به نحو هاوية لا قرار لها!؟.
ما سبق هو ما تحاوله الموجة الجديدة من الرواية المدوّنة باللغة العربية وهي بالتأكيد مهمة شاقة حيث يصبح التماس مع الشبهات التي يثيرها مفهوم الوطن لا تردعه الحدود بل تصبح الحدود ذاتها شبهة متيقنة لا تدفع إلا بتقطيع من خلاف.
ساق البامبو المكسور:
هي رواية عيسى الذي تتقاسمه جينات الخادمة الفلبينية وراشد الكويتي. عيسى ليس ابن حجر بل ابن عقد عرفي، يستيقظ في بيت جده في الفلبين المدمن على مصارعة الديوك كمجاز آخر لعقابيل الحرب التي عاد منها.
همس أبوه بأذنه شهادة الإسلام ليقذف به بعيداً عن أرض الكويت، ليعيش مع أمه 'جوزافين' وخالته 'آيدا' وابنة خالته 'مريلا' وهنا يسرد عيسى حياة عائلته الفلبينية على لسان أمه لتخبر كيف أصبحت خالته تمتهن البغاء وعن استنزاف جده لحياتهم بمصارعة الديوك وكيف سافرت إلى الكويت وهنا حملت به من قبل راشد ابن الطاروف آخر ذكور العائلة المولع بالثقافة والقراءة والكتابة وولادته وكيف رفض من العائلة ومن جدته ' غنيمة' وكيف رُحلت من الكويت وبعدها دخول الجيش العراقي للكويت ومن ثم استشهاد أبيه ووصيته لغسان لكي يعيده للكويت وأنها دوماً تعده لهذه اللحظة ومع ذلك لم تهمل التنشئة المسيحية له.
يكبر عيسى ويعرف أكثر عن عائلته الكويتية من خلال الصور وبالمقابل يقدم وصفاً صريحاً للواقع الفلبيني سواء عن عائلته أو محيطه والأسئلة التي دارت في رأسه حول الأديان ومن ثم عشقه لمريلا.
وبعد ذلك يأتي إلى الكويت ويتعرف على عائلته التي ترفضه ومن ثم تقبل به على مضض معرجاً على مشكلة الأعراف ووضع الخدم والبدون وما جرى للكويت وأصحاب أبيه خاصة غسان الذي ينتمي لما يُسمى 'البدون' وابنة أبيه خولة وعماته وخروجه من البيت وسكناه لوحده إلى أن ينتهي به المطاف بالعودة إلى الفلبين وزواجه من مريلا وإنجابه أبنه الذي سماه على اسم أبيه راشد وكتابته هذه الرواية التي سيترجمها المترجم إبراهيم سلام.
سرد التيمم:
في القسم الذي يسرده عيسى عن الفلبين يبدو أكثر راحة وهو يقارب المحظورات في حين تبدأ المناورات في الجزء المسرود عن الكويت ولنضرب مثلاً، كيف يبكي غسان أمير البلاد الذي مات ولم ينقله من خانة البدون إلى خانة المواطن!؟ والأمر الأكثر أهمية مقاربته للدين الإسلامي التي بقيت ضمن خطاب عائم لا يغني ولا يُسمن من جوع ومحاولته المستمرة تبرير الرفض من قبل عائلته الكويتية على عادات وحسابات اجتماعية على لسان خولة أو غيرها!؟. المهم فيما سبق هو سرد التيمم لأن المصارحة والغوص في التفاصيل سترتب عواقب كثيرة رغم اللعبة البنائية التي قدمها الروائي سعود السنعوسي عبر العنعنة السردية بأن جعل الرواية متعددة الأسناد وكأنه يوزع المسؤولية أو يضيعها في حين ظاهر الأمر في اللعبة الروائية الحديثة أن هذا الأسلوب يزيد من المصداقية لدى القارئ الذي تجعله الرواية أحد أهدافها بإقناعه بأن المسرود هو من الواقع، فالعقد السردي وإن كان تخيلياً يطمح دوماً لمنافسة الواقع ومجاورته وحتى الحلول محله وهنا نعود لطرحنا في بدايات هذه القراءة عن المقدس الجديد الأشد بأساً من المقدسات التقليدية وهو ماذا عن ما قبل العتبة التي يبدأ بعدها العالم!؟.
مباراة كرة القدم:
من أكثر مظاهر الـ' show ' شعبية، كرة تنتقل بين الأقدام لتستقر في إحدى الشبكات، فتثور ثائرة الجماهير. مباراة كرة القدم يختم عيسى بها روايته بأن يسجل هدفين واحد في مرمى الفلبين وآخر في مرمى الكويت وهنا لم يكمل المباراة التي تنتهي لصالح الكويت وفق الهامش في أسفل صفحة النهاية.
الدلالة التي أراد أن يوصلها الكاتب بأن هذه الرواية مباراة من مباريات كثيرة ستعقبها والنتيجة لن تكون في صالح الكويت، إذاً هو تحذير مضمر بأن المقاربة التي اعتمدت التلميح والتقية إلى شيطان التفاصيل في الكويت ستكون في المرة القادمة أشد وطأة وأن قرني الشيطان رغم كل مساحيق التجميل بدأا بالظهور.
في هذا يُحسب للكاتب تلك النقلة التي جاءت تحذيراً ولم تكن 'كش مات' لكن سؤال البداية عن مهمة الرواية التي تجد لها الكثير من الرواج ألا نستطيع أن نرى فيها مكر المقولة القديمة عن الشعر!؟.
الرواية من مميزات المواطنة:
السياسة لا تعني فقط صناديق الاقتراع وفصل السلطات بل أكثر من ذلك بأن تكون قطعة البزل الصغيرة التي تًسمى المواطن هي البوصلة في تشكيل لوحة الوطن ونزع الرقع الخفية من علم البلاد أي بلاد وعليه من حقنا أن نطالب الرواية بأن تكون مدونة جدلية إلى جانب العلوم الإنسانية الأخرى بمواجهة الطريق الكلاسيكي لعلاقة الفرد بدولته ومجتمعه ومحيطه وعالمه وإنسانيته وكونيته.
'ساق البامبو' رواية سعود السنعوسي، صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون لعام 2012 وهي في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية.

المصدر:




رابط الموضوع في جريدة القدس العربي



الأربعاء، 6 مارس، 2013

التمييز العنصري في رواية «ساق البامبو»

 
لندن - مودي بيطار - الحياة
 
يقدّم سعود السنعوسي روايته الأخيرة «ساق البامبو» سيرة كتبها هوزيه ميندوزا بالفيليبينية وترجمها صديقه ابراهيم سلام الى العربية. الرواية الصادرة عن الدار العربية للعلوم - ناشرون، بيروت، من أفضل الأعمال في القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية التي سيُعلن الفائز بها في آخر آذار (مارس) المقبل. تهجس بالبحث عن الهوية والتمييزين العنصري والطبقي، ويتفحّص كاتبها بلاده بعيني غريب تسمحان له بالانتقاد، وإن انتصر في النهاية لطرحها.
يولد الراوي لخادمة فيليبينية وإبن الأسرة التي تعمل لديها في الكويت. كانت السيدة غنيمة منعت ابنها الوحيد من الزواج بحبيبته لأن أسرتها أقلّ شأناً، ولئن بكت حين رأت حفيدها رفضته خشية تعرّضها للنبذ وامتناع العائلات المساوية اجتماعياً عن الزواج ببناتها الثلاث. يتزوّج راشد جوزفين لكي لا يظلم طفله، ويرحّلهما الى الفيليبين ثم يطلّقها معتذراً. ينوي الصحافي المثالي استعادة ابنه بعد زواج شقيقاته، ويمدّ جوزفين بالمال، لكن رسائله تنقطع بعد اشتعال حرب الخليج الثانية. يُرفض هوزيه، الذي سمّاه والده عيسى، في الفيليبين أيضاً حيث يُلقّب بـ «العربي» على رغم ملامحه الفيليبينية الخالصة. يقول جدّه الفيليبيني إن لا خير فيه، كما تقول جدّته الكويتية إنه لعنة حين يُقتل صديق لوالده في طائرة مخطوفة. أدمن الجد ميندوزا الكحول والمقامرة على صراع الديكة، وقبل ببيع ابنته آيدا جسدها وعمل ابنته الأخرى خادمة لكي يستولي على مالهما. طمحت جوزفين الى إكمال دراستها والحصول على وظيفة محترمة، وخابت حين اضطرت الى العمل خادمة في السابعة عشرة. تتمرّد آيدا على والدها، وتتوقف عن العمل بعد حملها من أحد الأوروبيين الذين تلتقيهم. تنجب ميرلا وتلزم البيت وتدمن الماريوانا وتعاني غضباً دائماً.
تدعو جوزفين طفلها هوزيه تيمّناً بخوسيه ريزال، الطبيب الكاتب الذي عارض الاحتلال الإسباني ورحل قبل هزيمته، وتعمّده كاثوليكياً ثم تهمل تربيته الدينية ليقينها بأن مستقبله في بلاد والده المسلم. يمضي طفولته في حال انتظار لا يعرف معها إذا كان فيليبينياً مسيحياً أو لا. يدرك رغبته الدائمة في التوحّد مع الطبيعة حوله، والتصاقه بالشجر في أرض جده ميندوزا حتى يوشك أن يفقد حواسه، مصدر المعاناة وفق تعاليم بوذا (الصفحة 65). يزور الكنيسة مرة واحدة للتثبيت وهو في الثانية عشرة، ويفكّر بأن قدره قضاء عمره باحثاً عن اسم ودين ووطن (الصفحة 66). عشق الأرض حتى خال أنه شجرة فيها: «لا أستبعد فكرة أن يورق رأسي، أو تنبت ثمرة مانغو خلف أذني». أحبّ الأخضر «لون الحياة» ودعته خالته آيدا السيّد بوذا في حين أزعج جلوسه تحت الشجر والدته كأنها خشيت أن يتجذّر هناك ولا يعود الى وطن أبيه.
قد يكون تحليل أمومة جوزفين ترفاً فكرياً لا يتحمّله صراع البقاء لدى خادمات آسيا وأفريقيا اللواتي يرحلن عن أوطانهن وأسرهن الى العالم العربي، ليعشن أعواماً في بيوت غرباء يسيئون معاملتهن غالباً. تقتنع جوزفين بأن هوزيه هو عيسى في الواقع، وأنه لم يُخلق ليعيش في الفيليبين. تصارحه بأنها ابتعدت قصداً عنه لكي لا تتعلّق به وتعدّ نفسها لرحيله (الصفحة 145). تتزوج ثانية في بلادها وتنجب آدريان الذي يصغره بثلاثة أعوام، ثم تغادر لتخدم أسرة في البحرين ثلاثة أعوام. تترك طفليها في عهدة الشقيقة المدمنة على الماريوانا، لكن الصغير يتعرّض للغرق ويختلّ عقلياً، فيلوم هوزيه، ابن الخامسة، نفسه لأنه لم ينقذ أخاه. في غياب الأم، النفسي والجسدي، سواء كانت في بلادها أو في بلد عربي، تصبح آيدا «الماما» ويبادل الطفل رفض والدته بالمثل. بعد عودتها تُبقي هوزيه مع خالته، وتصحب آدريان الى بيت زوجها الثاني. لا شيء يبرّر اقتناعها بأن طفلها الأول الفيليبيني القسمات كويتي غير رفضها تجربتها في الكويت كاملة، أو تعريف ضعيف عن الأمومة يفرضه العوز، علماً أنها شاركت في الكسب المالي. يعود ضعف النساء الظاهر، على رغم قوتهن الاقتصادية، الى ضعف البلاد مالياً، وفي حال جوزفين، الى اتكال أربعة أشخاص عليها من أسرتها الأولى، إضافة الى ضرورة مشاركتها مادياً في بيتها الزوجي.
ليس رحيل هوزيه، الذي يصبح عيسى أوتوماتيكياً، الى الكويت عودة الى بيئته الطبيعية بأي شكل. شاء والده راشد «عودته» بعد زواج شقيقاته، لكن ما الذي يجعل ابن الخادمة أكثر ملاءمة لأزواج الشقيقات وأولادهم، وكيف يقلّ التأثير في سمعة العائلة ومرتبتها الاجتماعية؟ غسان، صديق الوالد هو الذي يبادر الى تنفيذ وصية راشد، لكن عيسى يشكّ لاحقاً في أن مبادرته لم تكن إلا غطاء للانتقام من أسرة الطاروف التي رفضته زوجاً لأصغر بناتها هند لأنه «بدون» أي غير مجنّس. خولة، أخته من أبيه، وعمّته الكبرى عواطف هما الوحيدتان اللتان تسعدان بوجوده، وتفرضانه على الجدّة. في انعطافة جميلة تحار هند في موقفها منه بين صدقيتها كناشطة في حقوق الإنسان وانتمائها الى أسرة الطاروف المحترمة، لكنها لا تلبث أن تقبله به وتساعده في الحصول على الجنسية الكويتية. لا علاقة للعمر باحتضان الغريب، ابن الخادمة الفيليبينية، الذي ضمن وحده استمرار اسم الطاروف، سواء خطر ذلك لهن أو لا.
يحس عيسى - هوزيه حين يرى البامبو في المزهريات الفاخرة في منزل جدّته أنها مثله في غير محلّها. تقبله هذه في بيتها كمساعد طبّاخ يعيش في ملحق المبنى ويخفي هويته. هو كويتي رسمياً، كما قالت عمّته هند، لكن ماذا يكون عائلياً؟ يبقى في حال انتظار تنهيه جدّته حين تواجه انكشاف أمره، لكنه ينمو ويتحرّر بفضل تجربته. لم يعد وجوده يعتمد على آل الطاروف، بل على اعترافه هو بنفسه وقراره أن الكويت، وهو، مستقلان عنهم. يعرّف نفسه في النهاية بعيداً من الكويت نفسها، ويجد الحب مع ميرلا، ابنة خالته التي قرّرت في مراهقتها أنها مثلية تحدياً لوالدتها ووالدها المجهول. كانت بلا أب مثله ومثل جدّه، وواسى أحدهما الآخر ووجد طريقه.
يعتمد السنعوسي السرد التقريري بلغة بسيطة تخدم النص، لكنها تتمدّد لتتسع للنقاط الثلاث التي راجت في الستينات من القرن الماضي، ولعبارات من نوع «غسلت وجهي ونظفت أسناني» (الصفحة 238). يكثر اللجوء الى الصدفة، فعيسى يقصد الجامع مرّة واحدة ويتعرّف الى منقذه ابراهيم سلام. الشبان الكويتيون الذين يلتقيهم في جزيرة بوراكاي في بلاده يُفاجأ بأحدهم يعيش في المبنى نفسه في الكويت، وبآخر يكتشف أنه ابن الجارة التي تسبّبت بخروجه من منزل جدّته. لا إضافة درامية للكشف أن العجوز «الساحرة» التي عاشت قربهم كانت والدة جدّه في الواقع. وإذ يسافر غسان على الطائرة المخطوفة في الصفحة 50، يقول إنه لا يستطيع السفر لأنه ليس كويتياً في الصفحة 191. يرد في الصفحة 99 أن راشد انضمّ الى المقاومة عند غزو العراق الكويت الذي انتهى بتحريرها بعد 9 أشهر، وفي الصفحة 100 أن قوات الاحتلال تأسره في 1996 بعد خمسة أعوام على الحرب. من اللحظات الجميلة سرقة هوزيه دجاجة وسماعه طنين نحل يؤكّد الكاهن أنه الذنب، وزيارته قبر والده وانفجاره بالبكاء فقط لدى قوله «بابا».
 
المصدر: