الخميس، 25 أكتوبر، 2012

ليس للمثقف كلمة!

سعود السنعوسي - القبس


إن ما يحدث في الكويت ليس بالأمر الهيِّن. اختلف الناس، مع وضد، واتفق كلا الفريقين على أن الكويت تمر في أسوأ أزماتها. سمو أمير البلاد قال: «البلد كادت أن تضيع». الأفراد والنقابات والتيارات والحركات السياسية كان لها موقف واضح. أصحاب الرأي وكتاب الأعمدة والناشطون في شتى المجالات سجّلوا مواقفهم، رجال الدين الذين يجمعهم كتاب واحد تعددت آراؤهم، والناس.. الناس الذين ودّعوا أهليهم عازمون على زيارة بيت الله الحرام: «سنرفع أكفنا لله أن يحرس الكويت». والسؤال المُر هو: أين دور المثقف الكويتي من كل ما يجري حوله؟!

البلد يا سادة في أزمة تجاوزت خطورة خروج الناس ضد قرارات السلطة، وها نحن اليوم نرى مواطنا ضد مواطن، أحدهما يخوِّن الآخر.. يقصيه.. يلغي وجوده. وفي الوقت الذي نتابع فيه حتى الأطفال والمراهقين في «تويتر» ينظّرون ويتداولون، طيشا، السياسة بآراء غير مسؤولة، لا نجد في الطرف الآخر سوى صمت المثقف وانكفائه على ذاته وكأنه في عالم آخر!

كنت على يقين، أثناء توقفي عند الصفحات الثقافية في صحفنا اليومية، بأنني سأقرأ بيانا أو كلمة من رابطة الأدباء (الكويتيين)، من الأدباء والمثقفين أنفسهم، ولكن، غير أصوات فردية قليلة جدا، لم أقرأ شيئا! الموقف صعب لا شك، ولكن الصمت نتائجه أصعب. وإذا كانت رابطة الأدباء أضعف من أن تقف مع طرف ضد آخر، أو كانت في مأزق بين فريقين متخاصمين، أو واجهت صعوبة في انتقاد القرارات السياسية الفردية، أو انتقاد مطالبات الحشود التي تفاجأنا بحجمها.. ما الضير في الخروج بصوت ثالث؟ وليكن هو صوت المثقف الكويتي.

كتب البعض، قبل أشهر، منتقدا صمت الرابطة إزاء ما يجري حولنا في البلدان العربية، على رأسها سوريا، وإذا ابتلعتُ التبريرات غصبا آنذاك، لا أجد اليوم أي مبرر لصمت الرابطة إزاء ما يجري في الكويت؟!

رابطة الأدباء (الكويتيين).. ألا يعنيكم ما يحدث في (الكويت)؟
 
نشرت في:
 

 

الأربعاء، 24 أكتوبر، 2012

"ساق بامبو" السنعوسي

بقلم: أحمد الصراف - القبس

تم النشر في 2012/10/21

ولد آرثر كونان دويل، الطبيب والكاتب الأسكتلندي عام 1859، ومات عن 70 عاماً، واشتهر بكونه مكتشف شخصية التحري الشهير شارلوك هولمز، وقد لاقت رواياته في بداية القرن العشرين رواجاً كبيراً، فاقت شهرة بطلها هولمز شهرة خالقها، فقام المؤلف بالتخلص من تلك الشخصية بتدبير نهاية لها! ما لم يتوقعه هو درجة ردة فعل القراء، الذين هجموا على بيته وأتلفوا محتوياته احتجاجاً على إنهائه لحياة بطل رواياته، وهنا اضطر دويل للتصريح بأنه سيعيد شخصية هولمز للحياة في رواية قادمة، وقيل وقتها إنه شعر بالسعادة لردة فعل الجمهور بالرغم من خسارته مادياً واضطراره لكتابة قصة جديدة رغماً عنه، ومصدر سعادته شعوره بأنه نجح في إيهام القرّاء بحقيقة وجود شخصية شارلوك هولمز الخيالية، التي استولت على مشاعرهم! تذكرت تلك الحادثة بعد أن سمعت ما كتبه البعض من نقد لرواية سعود السنعوسي الرائعة «ساق البامبو»، وكيف نسبوها للفلبيني هوسيه ميندوزا الذي ورد اسمه على الصفحة 7 مع اسم المترجم واسم مدققة الترجمة! وأعتقد أن مؤلف الرواية الحقيقي، أي السنعوسي، ربما شعر بنفس شعور دويل، وكيف أن «حبكته» قد انطلت على قرائه وصدّقوا أن الرواية مترجمة، وهو ما كان المؤلف يسعى للإيحاء به، بالرغم من أن ذلك قد يسلبه حقه في نسبة الرواية له، وبالتالي حرمانه من بعض الشهرة. فإن كان من كتبها هو ميندوزا، كما ذكر ناقدو الرواية، ومن ترجمها هو إبراهيم سلامة ومن قامت بمراجعة الترجمة هي خولة راشد، فما هو إذاً دور سعود السنعوسي، علماً بأنه لا يوجد في العالم، على ذمة العم غوغل، كاتب رواية يحمل اسم هوسيه ميندوزا؟! «ساق البامبو» هي بالتالي أجمل رواية قرأتها لكاتب كويتي، ولا يعني ذلك أنني قرأت كل شيء، وقد تكون الأولى التي احتوت على كل ذلك الزخم من العواطف المتضاربة التي صبّها المؤلف بعناية وحرفية عالية في شخصية هوسيه، المولود من أب كويتي وأم فلبينية، والذي عاش في مجتمعين متناقضين حتى النخاع، وقد يكون الجزء الأكثر امتاعاً في الرواية ذلك الذي تضمن نشأة الصبي في بيئة أمه وخالته وجده في قرية فلبينية صغيرة، فما ورد في ذلك الجزء من تفاصيل دقيقة وأمور تتعلق بعادات وتقاليد وخلجات أفئدة غريبة لا يمكن أن يكتبها شاب في عمر وخلفية سعود السنعوسي الثقافية، إن لم يكن يمتلك حقاً موهبة حقيقية، وهذا ما دفع البعض للشك في أنه كاتبها. وإن كان من كتبها فلبينياً، فمن الذي دوّن الجزء الكويتي منها والذي تضمن، أيضاً، خلجات أفئدة وتفاصيل دقيقة لا يعرفها غير الكويتي؟
رواية «ساق البامبو»، التي صدرت قبل أشهر قليلة، رواية مختلفة بكافة المقاييس في أحداثها وتركيبتها، وقد تكون الأولى التي تضمنت كل ذلك المزج بين ثقافتين متباينتين، عربية كويتية، ومسيحية فلبينية، وتستحق بجدارة أن تقرأ، ويمكن الحصول عليها من www.nwf.com أو من مكتبات جرير وآفاق وذات السلاسل، كما تتوافر لدينا 30 نسخة لتوزيعها على غير القادرين على الحصول عليها لسبب أو لآخر.

أحمد الصراف
 
نشر في:

 

 

الاثنين، 22 أكتوبر، 2012

لغة الأشياء / الأناناس لا ينمو في الصحراء!

بقلم: باسمة العنزي - الراي
 
«صمت الآخر، أحيانا أشد رعبا من نطقه بحقيقة لا نود سماعها. الصمت على هذا النحو، يفتح باب احتمالات مرعبة قد تتجاوز ما نخشاه».*
*
في رواية (ساق البامبو) لسعود السنعوسي بوح متواصل للحقائق التي لا نميل لتصديقها عن أنفسنا ومجتمعنا.بالإضافة لطرح جدي لأزمة الهوية عبر قصة البطل النصف كويتي النصف فلبيني، هوزيه أو عيسى لم يكن سوى حلقة وصل مركزية لأشخاص عانوا أزمة هويتهم الخاصة بشكل أو بآخر، فغسان وميرلا و ميندوزا والمرحوم راشد ليسوا سوى شخصيات غلف حياتها الاختلاف بطبقة عازلة حاجبا عنهم السعادة والسلام في عالم يغص بالمفارقات.
« أمام ثلاثة خيارات كنت. اما أن أكره نفسي لما جلبته لعائلتي، أو أن أكره عائلتي لما فعلته بي، أو أن أكرههم فأكرهني لأنني واحد منهم».*
عيسى ابن الثامنة عشرة الذي غادر الفلبين لبلاد أبيه لم يصدم من الرفض بقدر صدمته من الاختلاف الشاسع بين بيئتين. كل محاولته التكيف باءت بالفشل، وكأن طاقة النفور القوية تملك القدرة على اقصاء شاب لم يحلم بأكثر من وطن صغير وعائلة طيبة.
الرواية مليئة بالتفاصيل المذهلة جغرافيا وتاريخيا خصوصا في الجزء الأول حيث الفلبين، ومدعمة بالكثير من الملاحظات الثاقبة التي لا تصدر سوى من الآخر في الجزء الكويتي من العمل.
«شيء معقد ما فهمته في بلاد أبي. كل طبقة اجتماعية تبحث عن طبقة أدنى تمتطيها، وان اضطرت لخلقها، تعلو فوق أكتافها، تحتقرها وتتخفف بواسطتها من الضغط الذي تسببه الطبقة الأعلى فوق أكتافها هي الأخرى».*
عيسى الطاروف لم ينجح في اندماجه المفترض في مجتمع أصر على رفضه عبر العمة والجدة والجارة ورجل الشارع، كما لم ينجح هو بزيه العربي في الذوبان في مجتمع والدته الذي قسى على طفل يتيم لم تمنحه الحياة أكثر من تذكرة حظ واحدة.
العمل مشوق والسرد فيه بإيقاع منتظم، خط الزمن فيه تصاعدي، الشخصيات المتعددة نجح الراوي في تطويعها لصالح الفكرة العامة، برع الراوي في تصوير شخصية الجدة غنيمة بعنجهيتها وسطوتها وابنة الخالة ميرلا بعقدها النفسية والجد ميندوزا باضطرابه العاطفي.
الرواية تستحق ترجمة للغة الفلبينية، العنوان لم أجده جذابا ولا الغلاف، حجم العمل كان ضخما بأربعمئة صفحة، تمنيت لو كان أقل كما تمنيت كقارئة نهاية مختلفة لعيسى الطاروف، كنت متوقعة نمو ثمرة الأناناس في الصحراء!
« نكبر وتبقى الأحلام في سنها صغيرة... ندركها... نحققها... واذ بنا نكبرها بأعوام... أحلام صغيرة لا تستحق عناء انتظارنا طيلة تلك السنوات»*.
سعود السنعوسي كروائي شاب قطع شوطا كبيرا بين عمله الأول والثاني لصالح النضج وتمكنه من أدواته وقدرته على جذب القارئ لعالمه الروائي، كما يحسب له اختيار حكاية قد تبدو للوهلة الأولى مطروقة إلا أن تناوله لها حمل ما هو جديد للساحة الروائية المحلية، السر كان في تفاصيل الحكاية وملح الحقيقة وقدرته على تناول جوانبها بأسلوب مقنع منحاز لقيم الانسانية.

*المقاطع من رواية (ساق البامبو) لسعود السنعوسي عن الدار العربية للعلوم ناشرون،2012.
 
نشرت في: