الأحد، 29 مايو، 2016

وارث لغة البحر



تصوير: Kheridine Mabrouk

البحر أجمل ما يكون
لولا شعوري بالضياع
لولا هروبي من مدينتي الظمأى وخوفي أن أموت
عريان في الأعماق أو في بطن حوت
إني أحاذر أن أموت (*)      

     وحده البحرُ يشبه البحرَ في بلادي، مُذ كان ومُذ كانت. يطلُّ من الشرق، يحملُ الشمسَ فوق أمواجه كلَّ نهار، قبل أن تتلقَّفها الصحراء وتُغيِّبها في الطرف الآخر البعيد. وحده البحر ضدّ أي ثابتٍ صامتٍ متواطئ باستسلامه لنا، ضد أن نغيِّره وقتما شئنا. وحده بهدير موجه يصيُح بنا مذكِّرا بأنه لا يقبل إلا أن يكون البحر، مهما غيَّرنا الحياة وغيَّرتنا على ساحله. لا يرضى بغير اسمه، ولا يحمل اسمًا جديدًا شأن الشوارع والمناطق والأبراج التي تتبرأ من أسمائها  وهويّاتها كلِّ موسم، تتَّخذ أسماءً بديلة، يصير السوق القديم مجمَّعا تجاريًا، والمدرسة مؤسسة حكومية، ويستحيل البيت العربي ذو الردهات برجًا سكنيًا. أماكن جديدة. وليدة. تتركنا بذاكرة معطوبة بلا تاريخ ولا ذاكرة ولا هوية.
     أنا ابن اليوم. ابن جيلٍ لا يعرف عن البحر عدا ما أنصتَ إليه في حديث الجدَّات وحكاياتهن. أحنُّ إلى ما لم أعِشه يومًا إلا في ذاكرةٍ موروثة. الأزرق الذي خرجت جدَّاتي إلى سواحله، يحملن الصُّرَر فوق رؤوسهن، يغسلن الثياب والأواني بمائه. حاضن الدرِّ والأسماك والأسرار. حامل أسلافي فوق سُفنهم الشراعية إلى الهند وسرنديب وزنجبار. بطل كلّ الحكايات القديمة والأساطير. الطيِّب الشرير. المنصف الظالم السخيّ الوفيّ الغدار. هو الملاذ إذا ما ضاقت بي بلادٌ ما عدتُ أعرفها. الجلوس على ساحله يفوق الكفايةَ إذا ما أدرتُ ظهري إلى ما لم يعد يُشبهني. إذا ما بحثتُ عني في مدرستي القديمة باسمها الجديد ولا أجدني، واحدنا لا يتعرَّف الآخر. إذا ما طفتُ شوارع قطعتُها بدرَّاجتي الهوائية صغيرًا، تحمل اللافتات فيها أسماء رجالٍ لا أعرفهم ولا يعرفونني.
     هو البحر الذي ما زال. أقرفصُ على رماله الرطبة. أتخيلني بين ذراعيّ جدَّتي، تخوض في مائه حتى منتصفها، تتشرَّبه عباءتها، تُغطِّسني فيه، تُطهِّرُ بمائه المالح جُرحًا خلَّفه ختاني في الشهر الأول لمولدي، يومَ وقفتْ أمي بعيدًا على الشاطئ تضمُّ كفَّيها أسفل ذقنها، تنظر إلينا لا تملك حقَّ اعتراضٍ على عاداتٍ لم تعد تشبه زمنها، ولا بيديها أن تفضَّ ما يشبه اتفاقًا بين جدَّتي والبحر؛ على أن يكون الأزرق حاضرا في جميع مناسباتنا، يعمِّدنا ويباركنا بملحه.
     أتذكرني، ابن السادسة، أضربه بذراعيّ وساقيّ، أدفعني إلى سطحه، ولا تُسفر محاولاتي عن شيء عدا ملء رئتيّ بمائه. أستنجد بأبي الذي يدفعني بعيدًا عنه، يرفعُ صوته يخيِّرني بين الموت غرقًا أو أن أصير رجلا يجيد السباحة.
     صرتُ رجلا يجلس اليوم على الرمل يناجي زرقة الذاكرة. يستعيد حادثة غرقه الأولى. لسعة قنديل بحرٍ لم يُشفِه منها خَلٌّ أبيض وصفته له جدَّته يدعكُ به موضع الألم. قواقع و"زبابيط" ونجمات بحر جَمَعها صغيرًا، وسمكة أولى اصطادها، خيَّبت ظنَّه يوم وجدَ أحشاءها فارغة من خاتم ثمين. ومحَّارة دسَّ اصبعه الصغيرة في لزوجة لحمها يبحث عن لؤلؤة لم يجدها يومًا.

أمَسَكتَ مِفلقة المحَّار
في الفجر مرتجفًا لتكتمل القلادة
في عُنُقِ جاريةٍ تنام على وسادة
ريشيةٍ في حضن سيِّدها
ورائحة المحَّار في إزاركَ البحري تعبق
والبِحار مملوءة دُرًّا سيملكه سواي (*)

     هو البحر الذي أعرف. رغم أنني لم أُمسك مِفلقة المحَّار يومًا أبحثُ عن لؤلؤةٍ يفوق ثمنها حياتي وحياة الغاصةِ على ظهر السفينة. هو البحر الذي أفهمه وراثةً. لا يجيد الإنصاتُ إلى حكاياته إلا من تعمَّد بمائه وأتقن لغته. وأنا وارث لغة البحر مُنذ التحقتُ بمدرسة جدَّتي العتيقة. أتهجَّى حروفه في كلماتٍ تخرج من بين شفتيها رطبةً، لها صوتُ صرير أخشابٍ أكلها الملح أسفل أقدام بحَّارةٍ أنصاف عراةٍ، حمَّصت الشمسُ جلودهم. بحَّارة تتهادى سفنهم فوق صفحة الماء، بين مغاصات الخليج، على إيقاع تصفيقهم، يغيضون الجوع والخوف والتعب، يهزأون بها رقصًا وغناءً. ترتفع أصواتهم بالـ"هولو" والـ"يامال"، قبل ما يُحضِّر الغاصةُ لنزولهم منازل الغوص: "نزلنا منزل مبارك وأبرَك دار.. على الهير والمحَّار".
     في الوقت الذي كانوا فيه بعيدًا هناك، كانت النسوة، في مكاني هذا، بعباءاتهن على الساحل ينتظرن أزواجهن وأبنائهن، يحملن الطبول ويرفعن الصوت. يحصين شهور الغياب الأربعة وقد أوشكن على دخول الخامس انتظارًا. يناشدن البحر لأن يتوب عن نيَّة غدرٍ إن كان في باله أن يفعل: "توب توب يا بحر/ أربعة والخامس دَخَل/ جيبهم، طالبينك جيبهم/ ما تخاف من الله يا بحر؟!".
     ها أنا اليوم أمامك، في أعياد بلادي لا أجدُ سواك يُشبهنا، ولا وجهة لي غيرك أقتربُ منها وأهمس: كل عام وأنت بخير.
     يهدأ موجك. تمنحني ما لا تمنحه لغيري. تكشف لي صورًا قديمة لسفنٍ تُقفل عائدة إلى سواحلي، أنصتُ إلى أصوات بحَّارتها، يصاحبها هدير موجك، ينشدون:

ها نحن عدنا نُنشِدُ الـ "هولو" على ظهر السفينة
من رحلة الصيف الحزينة
ها نحن عدنا للمدينة (*)
سعود السنعوسي
                                                                                   فبراير 2015
 صحيفة الأهرام المصرية
__________________

(*) من ديوان "مذكرات بحَّار"، محمد الفايز