الأربعاء، 14 نوفمبر، 2012

ساق البامبو.. مساحة كبيرة للحلم

بقلم: محمد جواد عبدالجاسم


من بين صفوف البامبو التي اتسقت بنظام جميل، والتي أصبحت صورة لغلاف رواية سعود السنعوسي، كانت لي المتابعة، والتي من خلالها رافقت سعود طرقه وأزقته حتى عاد بي يوم وقفت مشدوداً إلى رواد معبد ياباني زرته، هكذا جعلني سعود الهث وراءه  وهو ينقلني من صورة إلى أخرى وهو يتابع بئيتين مختلفتين، يرسم الصور، يمارس الطقوس، يأكل ويشرب، جعلني جزء منه إذا لم أكن مرافقه.
للذين سنحت لهم الفرصة وزاروا دول شرق آسيا سيجدون أكثر وضوحاً بل صورة ناطقه لتلك الطبيعة الخلابة، كما أنه وبنفس الوقت يصور لك الصوب الآخر من الحزن والألم والعبودية.
فعندما ترتطم أنت بجدار المسحوقين وتقف مشدوداً أمام طوابير المستعبدين جنسياً لا تملك إلاّ الحقد على تلك العبودية التي يمارسها المال أو شهوة ذلك المتمنطق بالديمقراطية وشهادات حقوق الحيوان قبل الإنسان، فذلك العجوز الهرم الذي ترك بلاده الملئ بكل عهر، وبعد أن نبذته مدينته وصار من الهزال لا ينفع حتى لتحريك ساكن جاء ليصبح دون جوان زمانه أمام هؤلاء المعدمين، الذين يشكلون طوابير صباحية كي يقضوا حاجتهم في حمام واحد. أنها العدالة الأوروبية ووفرة المال العربي. سعود دخل ردهات المجتمع الفيليبيني وشاركهم الهم لأنه واحد منهم، رغم إنه جاء من صلب كويتي، لكن هذا لا يعنيه، فالولد هو ابن مدينته وبيئته، فملعب أقدام الفتى هو الخطوة الأولى لطريق الحياة الطويل.
أراد سعود أن يعود بنا إلى الكويت وذلك من خلال تلك الخادمة التي جنى عليها "الطاروف" وبالتبعيه جنى على وليدها عيسى، وهنا سعود وبالرغم من كل تلك الصور الجميلة وذلك الوعي والزخم الثقافي الذي تمتع به راشد إلاّ أننا وجدنا أنفسنا أمام رمز لم يتخلص من الازدواجية بل وصل إلى حد انفصام الشخصية، فهذا المثقف العربي العظيم هوى وتقهقر مع أول صوت من أمه، فعاد إلى خيبته الأولى.
يوم يعود سعود إلى الكويت وتظل كاميرته تجوب الشوارع ويحاول إبراز كل سلبيات هذا المجتمع أعتقد أنه وقع تحت طائل التفصيل ولربما أراد كما فعل بالجزء الأول لقارئه الإبحار معه في المجتمع الفلبيني ها هو ينتقل بالقارئ الفلبيني كي يطلع على تفاصيل جنة الكويت التي حلم بها.
ففي الكويت أصبحت الضحية التي مهرت بمهر "الطاروف" أكثر إذلالاً، وهذا ديدن المجتمعات المخملية التي تختفي وراء أسماؤها وأموالها، أما وقوفها أمام الكاميرات وظهورها على شاشات التلفاز للحديث عن حقوق الإنسان، ما هذه إلاّ إكمالاً للبرستيج والظهور بالمظهر اللائق وإلاّ كيف لمن لا يستطيع أن يمسح دمعة يتيم ويعيد لعيسى حقه أن يقنع الآخر بمبادئه.
سعود الذي أراد أن يجمع كل سلبيات البيئة الكويتية من الطفل الذي حمل الحجارة كي يكسر زجاج الباص إلى المرتشين والمتزلفين، فقط أراد فضح الزيف الاجتماعي، لكنني وجدت أن الرواية مساحة كبيره للحلم، وأحياناً للحقيقة لا تحتمل كل هذا النقد وإلاّ تحولت إلى تسجيل حدث ما.
المشكلة التي عانيتها أنني لم أجد شخصية إلاّ وخذلتني، فليس هنا من وقف بثبات إلاّ غسان تقريباً؟
جميل أنت سعود ولا أريد أن أحملك أكثر من طاقتك وأحيل الرواية إلى عالم السياسة فهذا ليس اختصاصي ولا حتى اختصاصك، فقط أردت مناكفتك.
سعود روايتك تستحق القراءة بما فيها من سحر الشرق الأقصى وناسه، كما أنها تحمل رخاوة فكرنا وعدم تقبل الأّخر الذي يتبجح بأنه (لا فرق بين عربي.....).
سعود أجمل ما لفت انتباهي هو بصمه إمامنا إسماعيل وخبرة أيامه، وهذا ما رأيته فلربما لقربي منه ومنك أيضاً.

الأربعاء، 7 نوفمبر، 2012

طفل الكويت الجميل


سعود السنعوسي


إلى كل من لا يعرفني.. أنا طفلٌ، كُتِبَ في قصيدة قبل ما يربو على العشرين عامًا، ولا أزال. تحررتُ من الأوراق والحروف. خرجتُ من القصيدة للتوِّ، وإذ بالحال لا تشبه تلك التي كانت في ما مضى، أوفي.. القصيدة إياها.
كويت يا كويت.. لحرية الرأي فيك تراث طويل..
وطفل المحبة بين ذراعيكِ طفلٌ جميل..
وزرع العروبة فيكِ قديم.. كهذا النخيل..
فظلّي كما كنتِ.. قلبا كبيرا.. ونجما منيرا..
وكوني الوسادة للمتعبين..
وكوني المنارة للضائعين..
وكوني كأية أمٍ.. تعانق أولادها أجمعين(*)
ها أنا وقد عرفتكم بنفسي. طفلٌ جميلٌ بين ذراعيّ الكويت، أو هكذا كنتُ وقت كتابة القصيدة. ما كنت لأتركها لولا الرائحة التي أزكمت أنفي، والدخان الذي أحرق عينيّ، والضجيج الذي أقلق راحتي. وجدتني هناك، بالقرب من الساحل، وإذ بالكويت ليست الكويت لولا أبراجها التي حالت دوني ودون عدم التصديق. كنت وحيدا رغم أن الكويتيين حولي ألوفا. كنت خائفا رغم أن قوات الأمن تنتشر في كل مكان. أجري لاهثا بينالحشود لا أدري بمن أحتمي. أتساءل: "أين أنا؟". تجيبني الأبراج: "هنا". أهزّ رأسي ولا أجرؤ أن أقول: "تكذبين!".
الصوت الصادر عن الأحذية العسكرية يقترب.. العصي المطاطية تقرع الدروع بإيقاع منتظم.. والناس يصيحون من حولي: "سلمية.. سلمية". هذا يكفي! أريد أن أعود إلى الكويت.. ألتفت حولي وإذ بالأبراج تهز رؤوسها تؤكد: "هنا.. هنا". التصقت بجدار أحد الأبراج الثلاثة أراقب المشهد من حولي بما تتيحه سحب الدخان. القنابل الصوتية تخترق أذنيّ بصوتها ولا تترك سوى طنينا تتخلله أصوات لا أكاد أميّزها. القنابل الدخانية تنشر رائحة لا تشبه رائحة ساحل الكويت التي أعرف. انتابني رعب ما ألفته من قبل وأنا الملتصق "بين ذراعيها" منذ سنوات. أخذت أصرخ بكل ما أوتيت من.. فزع، إلا أن أحدا،إلى غير صوته، لم يستمع.
جلست على الأرض مسندا ظهري إلى الجدار. ضاما ركبتي إلى صدري مبللا ثيابي. أنا لا أفقه شيئا.. أنا خائف.. أنا لا أفهم ولا أعرف ولا أستوعب. أمرا واحدا يدركه عقلي الصغير، ان هذه الحشود، بكل ما تحمل من توجهات واختلافات، تنتمي إلى هذا الوطن. الرجال والنساء والأطفال والشيوخ.. ذو اللحية وحليقها.. السافرة والمحجبة.. أنا لا أصدّق أن كل أولئك البشر مغرر بهم. أنا لا أؤمن بوصفهم غوغاء. يخطئون؟ ربما.. يغضبون؟ ربما.. يعشقون الكويت؟ قطعا هم يفعلون!
يُمَّه.. راعني ما شاهدت تحت أبراجك الثلاثة.. أريد أن أهرب إلى مكان لست أدريه.. أريد أن أعود إلى قلب القصيدة طفل جميل كما كنت.. أتوسد أوراقها وألتحف حروفها ولكن.. ليس بعد ما رأيت. وليس قبل أن تعودي كما عهدتك: "قلبا كبيرا.. ونجما منيرا"..
يُمَّه.. أمّي أنتِ.. فـ: "كوني كأية أمٍّ.. تعانق أولادها أجمعين".
________________
(*) من قصيدة "وردة البحر" للشاعرة د.سعاد الصباح.


الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

لماذا يا غراب أرشدتهم؟!

تم النشر في 2012/10/30

سعود السنعوسي


 
«صوت أول»

ماذا لو أني، حول نفسي، لا أدور..

أحدّق في الفضاء البعيد ثابتة..

كم نيزك يغريه انشغالي..

يخترقني..

منذ تفتّق سؤالي وأنا..

لا أفكر في الكّفِّ عن الدوران..

انتبه إلى كل جسم يقترب..

وإن تسلل، مشتعلا، خلسة..

أدرتُ له خدي الأزرق..

ينطفئ فيه..

ماذا لو أني أوقف دوراني..

أنتبه، يوما، لما يجري في الداخل!


«صوت ثان»
 

كل هزّة سببها جسدٌ ووري، ظلما، في باطني..

لعله، باهتزازي، يستفيق..

أو لعلي إلى سطحي ألفظه..

يلتقي روحه الهائمة قبل أن تعرج إلى السماء..

يتحدان..

تتحفّز إصبعه تشير إلى القاتل.. يُقتل..

يُحشر في باطني.. أهتز..

ألفظه ليلتقي روحه.. يحيا..

ليُقتل من جديد..

لماذا يا غراب أرشدتهم؟

حلّقت في سمائهم بثوب الحداد..

تفتعل حزنا.. وأنت المتواطئ..

وأنا المتسترة غصبا..

لا حول لي سوى زلازل احتجاج ..

لولاك لأزكمت أنوفهم روائح قتلاهم..

أو لعلهم يضرمون النار فيها..

يحاصرهم دخانها.. يخنقهم..

ثم على سطحي، بجرمهم، يموتون..

ويبقى باطني في سلام..

 
«صوت ثالث»
 

الشاهدة الأزلية.. أنا..

رغم أنف الغيوم..

قدري أن أنظر إلى الأسفل مجبرة..

عيوني.. ملايين النجوم..

كلما طار بي غراب..

أدركت أن هناك غيمة..

تحول بيني وبين ما يجري في الأسفل..

تحول شفقة كي لا أرى!

أو ربما.. تواطؤا كي لا أكون شاهدة..

ترسل دموعها حزنا..

أو ربما.. مطرا يزيل الأحمر من الإسفلت..

تمضي متخففة من حملها..

تكشف عن شيء أخفته للتوِّ..

وإذ بـ لا شيء هناك.. سوى..

حفرة جديدة.. يد ملطخة بالأحمر..

أرض تحاول، عبثا، لفظ أحشائها..

و.. روح تقترب مني ببطء..
 
 
 
نشرت في: