الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2009

أجمل هدية وأسوأ خبر!


سعود السنعوسي:

كاد شهر أكتوبر أن يمضي بهدوء وسلام، دون أن يسجل أي أحداث غير عادية، بالنسبة لي على الأقل. ولكنه، وفي اليوم الأخير غير رأيه فجأة، وكأنه أبى أن يسلم عهدة الأيام لنوفمبر دون أن يضع النقطة الأخيرة على سطر حياة إنسان علمنا كيف تكون الحياة.
في مساء 31 أكتوبر، وقبل أن أتجه لسريري، كنت أتصفح موقع إيلاف الإخباري، وهو محطتي اليومية قبل النوم. وفيما كنت على وشك الانتهاء من قراءة العناوين الرئيسية وقع نظري على خبر في زاوية الصفحة الإلكترونية، شدتني الصورة قبل أن أقرأ عنوان الخبر. صورة تبعث في النفس الهدوء، لست أدري لماذا، ولكن ربما بسبب الهدوء الذي ميّز صاحبها، فقد طُبعت صورته في ذهني هادئا كما هو دائما في حلقات برنامجه الشهير "العلم والإيمان". بعد مشاهدتي للصورة، اتجهت بنظري أسفلها حيث الخبر: وفاة المفكر والكاتب المصري مصطفى محمود.
لسبب ما، اتجهت نحو مكتبتي الصغيرة بدلا من أن أتجه للسرير بعد قراءتي للخبر. توقفت أمام الرّف الخاص بمؤلفاته أقرأ عناوينها، وأسترجع بعضا مما علمني إياه هذا المفكر والأديب في صغري. تذكرت "رحلتي من الشك إلى الإيمان" وما صادفته في هذه الرحلة من أمور مثيرة كانت غائبة عن ذهني. واسترجعت عبارات من "حوار مع صديقي الملحد" ذلك الصديق الذي يمهد له الشيطان دروبا تفضي إلى نفوسنا ليستقر فيها زارعا الشك. في ذلك الكتاب – حوار مع صديقي الملحد – كم من طريق قطعه الدكتور مصطفى محمود أمام شكوكي ونقص علمي وإيماني ليمهد لي دروبا تفضي إلى الحقيقة. أتنقل بناظريّ من غلاف إلى آخر، مسترجعا مشاهد وأحداث استقرت في ذاكرتي في مكان عصي على النسيان إدراكه، مغامرته في "الغابة" وما نقله لنا من مشاهد مثيرة وحقائق ومعلومات بعد رحلته إلى غابات إفريقيا. وما دار من حوارات وما صُوّر من مشاهد في "زيارة للجنة والنار" وغير ذلك الكثير والكثير مما جاء في مؤلفاته القيمة.
رغم صغر حجم مؤلفات الدكتور مصطفى محمود التي لا تتعدى غالبيتها الـ 100 صفحة أو أكثر من ذلك بقليل، إلا انها غنية فكريا وذات قيمة كبيرة تطرح تساؤلات وتفتح أبوابا لم يطرقها العقل أحيانا. وقراءة كتبه – رحمه الله – لا تنتهي بمجرد الفراغ من قراءة الصفحة الأخيرة، بل ان قراءة كتب الدكتور مصطفى محمود تبدأ أحيانا فور الفراغ من قراءتها، إذ تتحول الحياة من حولنا إلى أسطر تحمل العديد من الأسئلة والحقائق التي نبهنا وأشار لها الراحل في كتبه.
يقول الدكتور مصطفى محمود: "ان قيمة الإنسان هي ما يضيفه للحياة بين ميلاده وموته" ونحن الآن، بعد رحيله، يمكننا أن ندرك قيمة هذا الرجل بقدر ما أضاف لهذه الحياة بين ميلاده ورحيله.
كنت منذ فترة طويلة أبحث عن حلقات برنامج "العلم والإيمان" للدكتور مصطفى محمود، وقد وجدت منها لقطات مختصرة جدا على الإنترنت، إلا انها كالقطرة في محيط حلقاته التي وصل عددها إلى حوالي الـ 400 حلقة. وفي أغسطس الماضي، أوصيت أخي الذي كان في القاهرة أن يبحث لي عن حلقات البرنامج كاملة، وكانت أفضل هدية قد حصلت عليها في عام 2009 هي تلك العلبة الصغيرة الأنيقة التي تحمل بداخلها 58 قرص DVD لكل حلقات برنامج "العلم والإيمان". حملتها بين يديّ وأخذت أتفحص محتوياتها برفق مدركا بأن ما أحمله بين يديّ كنز لا يقدر بثمن. حدث ذلك قبل حوالي شهرين من وفاته رحمه الله. وهكذا، شاءت الظروف أن يرحل الدكتور مصطفى محمود في السنة التي تلقيت بها هديته الجميلة!
الصورة والصوت في أقراص الـ DVD لم يكونا بتلك الجودة المرجوة، والكاميرا كانت ثابتة طوال الحلقة، بل وحتى الدكتور مصطفى محمود يبدو – كما هو دائما - جامدا في جلسته لا يتحرك به في الغالب سوى شفتيه. على ان كل تلك الأمور لم تنتقص من قيمة الحلقات بشيء، حيث ان أهم ما في حلقات البرنامج هو ما ينطق به من معلومات لا تزال مذهلة رغم مرور كل تلك السنوات على بث البرنامج.
في ذلك المساء، في اليوم الأخير من أكتوبر الماضي، بينما كنت أمام مكتبتي الصغيرة، وقبل أن أقفل عائدا إلى سريري، مرّرت أصابعي على كتبه والتقطت من بينها كتاب "لغز الموت"، هو ذلك الموت الذي غيّبه، وشرعت بقراءة بضعة أسطر مما جاء فيه: "كل منا يحمل جثته على كتفيه .. إنه حادث غريب .. أن يصبح الشيء لا شيء .. ثياب الحداد .. والسرداق .. والموسيقى .. والمباخر .. والفراشون بملابسهم المسرحية .. ونحن كأننا نتفرج على رواية .. ولا نصدق ولا أحد يبدو عليه أنه يصدق ..حتى المشيعين الذين يسيرون خلف الميت لا يفكرون إلا في المشوار .. وأولاد الميت لا يفكرون إلا بالميراث .. والحانوتية لا يفكرون إلا في حسابهم .. والمقرئون لا يفكرون إلا في أجورهم .. وكل واحد يبدو أنه قلق على وقته أو صحته أو فلوسه .. وكل واحد يتعجل شيئا يخشى أن يفوته .. شيئا ليس الموت أبدا."
رحمك الله يا دكتور مصطفى محمود وأسكنك فسيح جناته، لطالما أحببناك، ولكنه الموت، وأنت القائل: "الحب قصة جميلة .. الموت مؤلفها". قد تنتهي القصة، أو تموت، ولكن، تبقى العبر خالدة لا تموت، ويبقى أبطالها بيننا بأفكارهم وكلماتهم النابضة بالحياة بين دفات الكتب.
نشرت في:
 

السبت، 10 أكتوبر، 2009

قليل من الاحترام للأرض


سعود السنعوسي:

"ترابك احنا نبوسه .. لو يحصل ما ندوسه .. يالله عساك محروسة .. يا ديرتي يا كويت".


كانت تلك الكلمات - لمن لم يسمع بها من قبل - من أغنية "نبع الوفى" التي غناها ولحنها الفنان الكبير سليمان الملا، وصاغ كلماتها الشاعر الجميل ساهر. أتذكر تلك الأغنية وأجدني أرددها في سري كثيرا رغم مضي أكثر من اثنين وعشرين عاما على بثها أول مرة. لماذا لا أزال أتذكرها وأرددها؟ لأنها تحكي بما أشعر به تماما، هكذا وبكل بساطة.
كانت المرة الأخيرة التي تذكرت بها تلك الكلمات ودندنت بها منذ أيام قليلة فقط. كنت في سيارتي، منتظرا ضوء إشارة المرور الأخضر ليأذن لي بالعبور. وكان أحدهم جالسا بسيارته الأنيقة إلى جانب سيارتي، ناحية اليمين. قام بفتح زجاج نافذة السيارة، فأطل برأسه خارجا، ثم: خخخخخ تف! ثم همس سليمان الملا بأذني: ترابك احنا نبوسه .. لو يحصل ما ندوسه!
من المناظر التي تثير الاشمئزاز، والأصوات النشاز المقززة، والأفعال المقرفة، والممارسات المشينة، تلك التي تحدث ونسمعها ونراها كل يوم، حتى أصبحت بالنسبة للبعض شيئا مألوفا، وكأن فاعلها يمارس طبيعته البشرية بالتنفس أو النوم أو الأكل!
زجاج نوافذ السيارة، بالنسبة إلي، كشاشات التلفزيون من حولي. فمن خلاله، أجد نفسي مجبورا على متابعة ورصد كل ما يجري أمامي في الشارع أو في تلفزيون الواقع من دون كاميرات. ما أن أنطلق بسيارتي في شوارع بلادي حتى تقفز أمامي، ومن خلال تلك الشاشات، بعض الأفعال المزعجة التي لا بد من حدوثها قبل أن أنهي أيا من مشاويري. أحدهم يبصق في وجه بلادي على مرأى ومسمع الناس من حوله، فيما يرمي الآخر عقب سيجارته المشتعل في الشارع، محافظا، بفعلته تلك، على منفضة سجائره وسيارته نظيفة على الدوام. أما تلك الأنيقة، صاحبة السيارة المغناطيسية التي تجذب خلفها السيارات المتنافسة طابورا طويلا، رغم أناقتها واللطف البادي عليها، تفتح زجاج سيارتها دون اكتراث لتطلق مناديلها الورقية في الهواء محلقة كما حمام السلام الأبيض بين السيارات في احتفالية توديع الأخلاق واحترام الذوق العام!
هذه النماذج هي نفس النماذج التي نراها في الخارج كل صيف، بل نفس الأشخاص، في أوروبا وأمريكا وآسيا وباقي قارات العالم ودوله، باستثناء العربية. نراهم في كل مكان. في الشوارع والمقاهي والمطاعم ودور السينما والأسواق، هناك، يحترمون الأرض التي يسيرون عليها، يطبقون القوانين، ويحافظون على نظافة الأماكن من حولهم وكأنهم في بيوتهم! تجد المدخن منهم في المطارات العالمية يكاد يسقط من شدة حاجته لتدخين سيجارة، ورغم ذلك يضطر إلى "بلع" حاجته في صمت، والانتظار حتى يصل إلى الأماكن المخصصة للتدخين، فيما نجد المغادر والعائد وعامل النظافة والشرطي في مطار الكويت الدولي يستندون على عمود كبير تتوسطه علامة "ممنوع التدخين" ينفثون الدخان ويجمعون حولهم الرماد، وكأن العبارة التي فوق رؤوسهم تقول: يرجى التدخين!
في الخارج، لا نرى "الأوادم" يفعلون مثل تلك الأفعال، لأن لديهم ما يردعهم عن ذلك. فالناس هناك، ان لم ينههم دينهم عن تلك الممارسات، فعاداتهم كفيلة بذلك، أو أخلاقهم واحترامهم للذوق العام، وقناعتهم بأهمية احترام القانون والحفاظ على الممتلكات العامة. ولو جاء من يشذ عنهم ليفعل كما يفعل الناس في بلادي من اعتداءات صارخة على الذوق العام والقانون، فنظرات الناس من حوله كفيلة بأن تردعه، ناهيك عن النصوص القانونية "المقدسة" التي نقرأها داخل الحافلات والقطارات والمطارات والأماكن العامة، والتي تبين الجزاءات والعقوبات التي تقع على من يخالف التعليمات، كالتدخين في غير الأماكن المخصصة لذلك، أو رمي المخلفات أو حتى البصق على الرصيف!
أتساءل، بينما أقود سيارتي صباح كل يوم متجها إلى عملي، وعندما أشاهد أولئك الذين يرتدون الأصفر حاملين مكانسهم بين أيديهم، بين الشوارع وعلى الشواطئ، ماذا لو قرروا في يوم ما، وبشكل فاجئ، الرحيل؟ ستستحيل بلادي حتما، مادامت تلك أخلاقنا وعاداتنا، إلى مكب نفايات ضخم!
نحتاج لفرض عقوبات صارمة على من يرتكب مثل تلك الأفعال في حق الأرض التي تحتويه، المواطن قبل المقيم. نحتاج لخلق ثقافة الولاء والاحترام للمكان الذي نحيا به. نحتاج أن ندرك بأن للولاء أشكالا عديدة، تبدأ بعدم رمي المنديل الورقي على الأرض، وتنتهي بالشهادة في سبيل الوطن. نحتاج أن نؤمن بمسؤولياتنا جميعا تجاه وطننا باحترامه والمحافظة على جماله وسلامته، ليس بالكف عن تلك الممارسات الخاطئة فحسب، بل بإشعار من يرتكب تلك الأفعال بفداحتها. نحتاج لحملات توعوية بسيطة وصادقة ومدروسة - ليست كأغلب حملات اليوم - تخاطب النشء على غرار تلك التي كان يبثها تلفزيون الكويت في منتصف الثمانينيات، والتي تصور مشاهدا يقوم بها البعض برمي الأوساخ في غير محلها، أو برمي أعقاب السجائر على الأرض، ليردد الأطفال من حولهم أغنية لطالما حفظناها ورددناها: لأ لأ لأ هذا غلط .. هذا بلدنا ما تبيه!
ما دامت بلادنا "نبع الوفى الصافي وعشنا الدافي" كما يغني أبو معاذ، فلنكف عن البصق في نبعنا، ولنتوقف عن ملء عشنا بالقاذورات، ولنتذكر تلك الكلمات الجميلة دوما، ولنرددها على الدوام، كرد جميل وامتنان لهذه الأرض الطيبة التي احتوتنا. ولنحترم أرضنا حبا، لا خوفا كما نحترم الأرض الغريبة عندما نسافر.

نشرت في:


الخميس، 10 سبتمبر، 2009

أحلامنا الفقيرة!



سعود السنعوسي:

كغيري من أبناء وطني، أحن لزمن كان فيه كل شيء أفضل، أجمل وأصدق. كغيري من الزملاء الذين ما توقفت أقلامهم عن الكتابة حول شوقهم إلى ماضينا القريب، بل القريب جدا، ومقارنتهم لكل شيء بين اليوم والأمس. لست أتحدث عن شوق الأجداد لبيوت الطين والأسواق القديمة ورائحة البحر، بل عن زمن أقرب من ذلك بكثير. أتحدث عن نظرة أبناء جيلي الذي هو آخر الأجيال التي شهدت جزءا – وان كان صغيرا – مما تبقى من الزمن الجميل. نظرة ذلك الجيل ومقارنتهم لكل شيء بين اليوم وماضيهم القريب، وكأننا صنعنا في ذلك الماضي ما لم يصنعه أحد قبلنا.
ولدت التساؤلات التي سأذكرها في هذا المقال قبل عام ونيف، وتحديدا في فبراير 2008، وذلك أثناء استماعي إلى أوبريت "صباح الوطن" أثناء قيادتي للسيارة. الأوبريت بشكل عام جميل لولا بعض الشطحات التي لم نعهدها من شاعر العمل المخضرم بدر بورسلي والملحن مشعل العروج. لست هنا لأكتب موضوعا نقديا حول الأوبريت، بل حول ما أثاره ذلك العمل من تساؤلات في مخيلتي.
يتملكني إحساس مثير عند استماعي لأي أغنية وطنية، القديمة منها بالذات. وقد لا تترك أي أغنية عاطفية ذلك الأثر الذي تتركه الأغنية الوطنية في وجداني. وكنت أؤمن بكل كلمة ترد في الأغنيات الوطنية وكأني أستمع إلى كلام مقدس غير قابل للنقاش، وأي شخص يرى غير ذلك ما هو إلا خائن يستحق الإعدام رجما بأشرطة الكاسيت و سيديات الأغاني الوطنية!
أجدني اليوم في حيرة من أمري، فلم أعد أتقبل أي صفة - مهما كانت حسنة - لا تنطبق على بلادي. فقد بالغنا كثيرا إلى درجة ان اننا لم نعد نعي ما نقول. ليتنا نكتفي بوصف مقدار حبنا وعشقنا لأوطاننا فحسب، بدلا من بعض المبالغات الكوميدية التي تحويها بعض أغانينا الوطنية.
بينما كنت أقود سيارتي، جاءني صوت المجاميع في هذا العمل تردد برتم سريع: "خططنا الشوارع، بنينا المدارس، بدينا المسير، حولنا بحرنا بفعل التقدم لماي غدير، زرعنا الصحارى وصرنا نتبارى للحلم الكبير"، هنا وجدتني أردد: كلام جميل وصحيح، ولكن، ما هو ذلك الحلم الكبير الذي يتحدثون عنه؟ وقبل أن أتمكن من التعرف على هذا الحلم، حاصرتني أصواتهم مجددا: "سوينا شي ما صار .. صرنا محط الأنظار .. نزل علينا النور .. هالنور من الدستور .. والعالم المبهور .. يشوف هالشعب الصغير وايد كبير". أحقا "سوينا شي ما صار" أم تراهم يبالغون، وعن أي نور وعالم مبهور يتحدثون؟ إلا إذا كنا نعتبر بعض الدول المجاورة التي كنا نتشطر عليها عالما بحد ذاتها. ثم يتمادون أكثر: "صرنا للدنيا علامة" ثم: "دربك خضر يا وطن ومستقبلك باهر". يلح سؤال داخل رأسي يأخذني بعيدا، هل بلادي حقا بهذه الصورة الجميلة، وهل مستقبلها مطمئن إلى هذا الحد؟ ثم تأتيني مجموعة من الأسئلة مصدرها السماعات من حولي: "أكو أحلى من الكويت؟ أكو أجمل؟ أكو أغلى؟ أكو أبهى؟" وجدتني أجاوب على أغلب الأسئلة بنعم .. نعم .. نعم! هناك العديد من البلدان أحلى من بلادي وأجمل وأبهى، أتمنى لها الخير كما أتمنى أن تصبح بلادي أفضل منها جميعا، ولكنني لن أخادع نفسي لأردد بغباء: لا ليس هناك أحلى ولا أجمل ولا أبهى!
تزداد الإيقاعات سرعة ليردد المجاميع أغنية أشعرتني بأنني أتجول بين باعة في سوق شعبي، أو سوق لبيع الخضار أو السمك حيث ينادي أصحاب البسطات أو الأكشاك على الزبائن: "شوف شوف شوف حرية بلدنا شوف شوف شوف .. شوف شوف واقرأ دستور الوطن شوف شوف شوف شوف .. كافي بس هذا فخرنا .. شوف واسمع يا زمن شوف شوف شوف شوف!" علام كل هذه الضجة؟ لست أدري.
أعود لما تطرقت له في بداية المقال، الشوق للماضي، أو للزمن الذهبي كما يطلقون عليه. كنت من أولئك الذين لا يكفون عن الحديث عن الفرق بين الأمس واليوم، وإذا ما سئلت عن أحلامي التي أتمنى أن تتحقق لبلادي وجدتني بكل ثقة أتحدث عن الحلم الأول وهو أن تعود الكويت كسابق عهدها. ويسأل سائل: أي عهد تقصد، وبكل ثقة أتحدث عن مستوى الفن والأغنية الكويتية الأصيلة والفرق بينها وبين ما نسمعه الآن ثم أعرج في حديثي إلى ما كنت أحسبها انجازات لم يسبقنا لها أحد، بدء بالنهضة العمرانية التي شهدتها الكويت، مرورا بالحركة المسرحية، وصولا إلى مستوى منتخبنا الوطني. معتبرا تلك الأمور فقط هي ما ينقصنا الآن!
نعم، كانت تلك انجازات بالنسبة لدولة حديثة بدأت للتو أولى خطواتها نحو بناء دولة عصرية، ولكن، ما حدث بعد ذلك هو ان عقارب الزمن قد توقفت، وبعد أن أدركنا استحالة تقدمها أخذنا نحلم بعودتها إلى الوراء، لتصبح العودة إلى الماضي هي آخر طموحاتنا وأكبر أحلامنا، كما ان بعضنا لا يكف عن التباهي بالحديث حول الزمن الذهبي، والبعض الآخر – وأنا أحدهم وحتى وقت قريب - يتمنى العودة إليه، ذلك الزمن الذي نسميه زمنا ذهبيا بينما هو في حقيقة الحال وبالمقارنة مع ما توصل إليه العالم لا يستحق سوى أن نطلق عليه زمنا حجريا! واكتشفت بأن أحلامنا باتت فقيرة، تشبهنا في كل شيء، أحلام سطحية لا فرق بين تحقيقها على أرض الواقع وبين تخزينها في أدمغتنا بصورة أحلام تافهة. استوعبت مؤخرا ان المساحة الحقيقية التي نشغلها في هذا العالم هي مساحة لا تذكر، أو لا ترى بالعين المجردة، بل يصعب رؤيتها بالميكروسكوب! وان ما قدمناه لوطننا وللعالم من حولنا شيء لا يستحق الذكر. وانه ومن خلال الإمكانيات التي نملكها كان باستطاعتنا أن نقدم ما هو أكبر وأهم وأنفع.
لك أن تسأل أي شخص بسيط تراه في الشارع عن أهم وآخر انجاز أو مشروع تم إنشاءه في الكويت وستسمع العجب. اننا نشعر بشموخ وفخر ليس لهما مثيل إذا ما مررنا أمام مجمع تجاري ضخم ذي تصميم جميل، وكلما كبر حجم المجمع زاد شعورنا بالاعتزاز. ومن يلحظ تباهينا بتلك المجمعات لن يصدق انه لن يعثر بداخلها على شيء سوى محال ملابس وسينما ومطاعم ومقاه! وانه سيكون محظوظ لو عثر على "كشك" صغير يحتوى على بعض الكتب! ستستوعب أن أكبر مصانعنا وأنجح مشاريعنا غذائية، تضاعف الأوزان التي نحملها أينما ذهبنا بصورة كروش منتفخة، وتقلص أحجام عقولنا لتصبح بحجم ووزن علبة كبريت فارغة، أو مليئة بتراب لا يصلح لزراعة حبة فول!
مرة أخرى، علام كل هذه الضجة؟ ونحن لم نصنع لدولة حديثة سوى مبان من مستشفيات وجسور باتت أطلالا؟ إلام هذا الانتظار للعودة للماضي بينما يتسابق العالم لنيل حلم أفضل بالمستقبل؟ ومتى سنقدم لبلدنا ما يستحق؟ وهل سنقدم لمن هم حولنا ولو جزء بسيطا مقابل ما منحوه لنا؟
العالم من حولنا في سباق، بعض الدول تتسابق في الفضاء الخارجي لتغرس علمها في أبعد نقطة عن الأرض، أو لتسجل الاكتشافات والاختراعات باسمها ونحن نكتفي بسماع الأخبار صدفة. وبينما العالم يتحدث اليوم عن الوصول لفك الشفرة الوراثية لفيروس الإيدز، نتحدث نحن – في الكويت – عن منتخبنا الوطني وتدهور مستواه!
ان هتافاتنا وغنائنا لأوطاننا وتصويرها بأنها كاملة وكأنها الجنة كما جاء في بعض لوحات أوبريت "صباح الوطن" وبعض الأعمال الوطنية الأخرى ما هو إلا كلام فارغ. فليست الوطنية أن نقول ما هو ليس موجود بأوطاننا، بل أن نوظف تلك الأغنيات لتقديم شيء من شأنه أن يسمو بنا وبأوطاننا لمستوى أفضل.



نشرت في:


الاثنين، 10 أغسطس، 2009

بيت خمسة


سعود السنعوسي:

لست أدري أعن البيت أكتب، أم عن صاحبه، أم عن باقي أفراد العائلة التي يحتضنها ذلك البيت؟ أتدرون! سأروي لكم الحكاية من البداية وحتى وقت كتابة هذه السطور بما انها لم تنته حتى هذه الساعة. وأسأل الله ألا ينهيها أبدا.
عرفته كما كان يعرفه غيري، كاتب في صحيفة يومية، طبيب وناشط سياسي كما هو مكتوب في تذييل زاويته في الصحيفة التي كان يكتب بها. كان هذا كل ما أعرفه عنه قبل أن ألتقيه، وقبل أن يصبح من الشخصيات التي أثرت تأثيرا إيجابيا مباشرا في حياتي. يمتعني أحيانا بالأفكار التي تحويها مقالاته الفكرية والأدبية، ويزعجني أحيانا أخرى، بل ويقلق راحتي بمقالاته السياسية، ويرعبني صوت النواقيس التي يدقها من خلال تلك المقالات التي تتحدث عن المخاطر التي تحيق بمستقبل بلادي.. عفوا، سوف لن أعكر صفو هذه الصفحة بالحديث عن السياسة، فلا مكان لها هنا كما هي الحال في البيت الذي أرغب بالكتابة عنه، حيث يشنق أفراد العائلة همومهم السياسية على أسواره من الخارج قبل أن يدخلوه. أعود لحكايتي، ذات يوم أخبرني أحد أقربائي عن مجموعة قراءة، كان يعتقد بأنها ستضيف لي شيء ما، وذلك لعلمه بخصوصية العلاقة التي تربطني بالكتاب. وفي محاولة منه لانتزاعي من عزلتي مع كتابي، ولمساعدتي بالعثور على من هم يشاركوني نفس الاهتمامات جاء ذلك الاقتراح. كان هو – كاتبنا وطبيبنا وناشطنا السياسي إياه – قائد تلك المجموعة ومؤسسها. التقيته ومجموعته في المرة الأولى في أواخر عام 2006 في إحدى المكتبات العامة حيث كانوا يعقدون إحدى جلساتهم الأسبوعية. أعجبني أسلوبهم في إدارة الحوارات ومناقشة الكتب، وإصرارهم على متابعة نشاطهم رغم واقعنا الثقافي المحبط. استمر نشاطهم بقيادة ذات الشخص الذي كان همه في البداية هو الاستمرار، فقد كان يحمل مجموعته معه من مكان إلى آخر. لا يحتاج لشيء سوى مكان يستوعب مجموعته الصغيرة ليعقدوا فيه جلساتهم الأسبوعية. تجدهم أحيانا في مكتبة عامة، أو في قاعة صغيرة بإحدى المكتبات التجارية، وأحيانا أخرى في قاعة في مؤسسة يمتلكها أحد أصدقائه.
كان لا يستقر في مكان، كبائع الآيس كريم الذي يدفع عربته أمامه وينادي: "بررررد بررررد". يحمل أفكاره وأعضاء مجموعته معه من مكان إلى آخر، يروّج لبضاعته دون مقابل: "ثقاااافة .. أدب .. إبداااع". وإذا كان بائع الآيس كريم يطفئ شيئا من حرارة الصيف بواسطة ما تحتويه عربته، فان تلك الشخصية تشعل - بما لديها من أفكار - شموعا في العقول المظلمة، وتضاعف من أعداد تلك الشموع في العقول المستنيرة. وإذا كان بائع الآيس كريم يناولك قطعة من بضاعته نظير مبلغ من المال، فصاحبنا يوقد لك شمعة مقابل أن توقد له أخرى تنير له زاوية مظلمة، لتبدو رؤيته أكثر وضوحا، فهو لا يرغب بشيء أكثر من ذلك، يعطيك فكرة ويأخذ منك فكرة.
استمر على هذا الحال إلى أن أوقف نشاطه ذات صيف على أن يعود حاملا معه شيئا جديدا. لم تكن تلك الجهود الذي كان يبذلها في السابق مع أعضاء مجموعته سوى القواعد والأساسات التي سيقيم عليها مشروعه.. البيت الذي طالما حلم به.
بعد عدة أشهر من تعليق النشاط عاد ليعلن لأعضاء المجموعة عن افتتاح بيته الثقافي الذي أطلق عليه اسم "بيت خمسة"، وبدلا من الاكتفاء بنشاطه القديم مع مجموعة القراءة عمل على إضافة أنشطة جديدة في ذلك البيت، منها ناد للسينما لمناقشة الأعمال السينمائية الهادفة، وناد للمقال الصحفي، وناد ثقافي خاص بالفتيات، ومجموعة قراءة للسيدات، بالإضافة إلى إقامة الدورات والمحاضرات وورش العمل والعديد من الأنشطة الثقافية غير الهادفة للربح، فبيت خمسة هو مركز وصالون ثقافي تطوعي غير ربحي.
أكتب عن البيت بصفتي أحد أعضائه، ومن واقع تجربتي أقول بأنني تعلمت في ذلك البيت الكثير مما لم تعلمني إياه الحياة خارج أسواره. فالانكباب على قراءة الكتب - كما اتضح لي - والاهتمام بالثقافة سببان غير كافيين للنهوض بمستوى التفكير ان لم نشارك من هم حولنا أفكارنا، أو ان اكتفينا بالثقافة لأنفسنا دون الإيمان بأهمية نشرها.
أمر آخر لا يمكنني إغفاله في هذا الموضوع، فالحديث عن البيت وصاحبه لا يكتمل إلا بالحديث عن باقي أفراد العائلة، أعضاء بيت خمسة. يضم البيت توليفة من الأعضاء الذين يجمعهم حب الكتاب، وكل مصدر من مصادر الثقافة، رغم اختلاف أعمارهم وشهاداتهم العلمية وانتماءاتهم السياسية ورغم اختلاف مذاهبهم وأصولهم. فكل تلك الأمور لا أهمية لها داخل البيت، فالمهم هو اكتساب أفكار جديدة مفيدة من شأنها أن توقد شمعة تنير زاوية مظلمة أو تمهد طريقا وعرا يؤدي إلى مكان ما يتفق عليه الجميع، فكرة من شأنها أن تحدث تغييرا إيجابيا أيا كان مصدرها. فهل من أمر أجمل من أن نرى أولئك الذين يختلفون في كل شيء يجمعهم شيء واحد؟ انه لمثال رائع يضربه لنا بيت خمسة كمشروع وطني يهدف لنشر الثقافة بين أبناء المجتمع، ذلك المشروع الذي يبلل بماء الثقافة أرضنا التي جففتها همومنا السياسية واختلافاتنا وخلافاتنا البغيضة.
أعود مرة أخرى لصاحب البيت، الذي لم أذكر اسمه حتى الآن. أعتقد أن القارئ قد تعرف عليه منذ السطور الأولى لهذا المقال، ولمن لم يتعرف عليه، أقول، هو الدكتور ساجد العبدلي، الكاتب الصحفي، وهو من الكتاب القلائل الذين ليسوا كغيرهم ممن اكتفوا بالكتابة واضعين رجلا على رجل خلف مكاتبهم، بل هو من أولئك الذين أقرنوا الأفعال بالأقوال، وعملوا على ترجمة كلماتهم المكتوبة لتصبح أفعالا تساهم بشكل أو بآخر في خدمة مجتمعهم.
جمعت من الإنترنت صور لمجموعة من الأدباء والمفكرين الذين تمت مناقشة أعمالهم في بيت خمسة، لأزين بصورهم صفحتي هذا الشهر، ولم أتردد أبدا بوضع صورة للدكتور ساجد بين صور أولئك المبدعين، لأنه، ومن خلال بيته، بيت خمسة، استضافهم بطريقة ما، وجعلنا نقترب منهم ونجالسهم، ونتعرف عليهم وعلى أعمالهم أكثر وأكثر.
وأخيرا، لعشاق الكتاب والمهتمين بشؤون الثقافة.. للتعرف أكثر على بيت خمسة، وسبب تسميته بهذا الاسم، ولمعرفة المزيد عن نشاطات البيت، أضع هذا العنوان بين أيديكم www.bait5.com علنا نساهم بشكل ما بإيقاد شمعة أو تمهيد طريق نحو مجتمع واع يؤمن بأهمية ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر.



نشرت في:
 

الجمعة، 10 يوليو، 2009

سر المريض الراقد تحت الغطاء الأخضر!


سعود السنعوسي:

في يوم صيفي شديد الحرارة، تمكنت الشمس بتحالفها مع حبات الغبار العالقة بين الأرض والسماء من أن تبقيني حبيسا في المنزل. أخذت أبحث عن شيء غير اعتيادي لأشغل به نفسي في ذلك اليوم الذي كان يوم عطلة. لست من المهتمين بمشاهدة التلفزيون كثيرا، ولكن في ذلك اليوم الممل وجدتني مرغما على ذلك. أسندت ظهري على تاج السرير الخشبي وأخذت أعبث في جهاز الريموت كنترول باحثا عن برنامج أقضي وقتي بمتابعته بعد أن أجلت كل مشاريعي في ذلك اليوم بسبب سوء الأحوال الجوية. توقف إصبعي عن ضغط أزرار الريموت بعد أن شد انتباهي برنامج على إحدى القنوات العالمية. كان المشهد الذي توقفت عنده يُصوَّر في غرفة عمليات بإحدى المستشفيات الكبرى – كما كان يبدو – في إحدى الدول الأجنبية. يصور المشهد مجموعة من الأطباء والمتخصصين وهم يجرون عملية جراحية لشخص ممدد تحت قطعة من القماش الأخضر، لا يظهر من جسده سوى جزء صغير جدا لم أتمكن من تحديد تفاصيله. بينما كان الأطباء منهمكين في إجراء العملية كنت أنا منهمكا بمتابعة كل شيء في تلك الغرفة، ما عدا العملية الجراحية رغم انها كانت الأهم في ذلك البرنامج، بل انها كانت السبب الرئيسي للتصوير. أثناء تأدية الأطباء عملهم، تنقلت كاميرات البرنامج إلى أماكن مختلفة في المستشفى، وبينما هي كذلك كانت كاميرات ذاكرتي تنتقل بي إلى مستشفيات بلادي التي عفى عليها الدهر. عادة إذا ما رغبت في المقارنة بين شيئين، أبدأ أولا بالبحث عن أوجه الاختلاف، وما يتميز به الشيء عن الشيء الآخر، ولكن، في حالتي تلك كنت قد أجهدت نفسي في البحث عن وجه واحد للشبه دون أن أعثر على ضالتي تلك.
بينما كنت مشدوها لأبرز السمات التي تميز بها ذلك المبنى كالنظافة والتنظيم وروعة البناء، شعرت بمدى قصر نظرتي، حيث كنت منبهرا لروعة المبنى وأقسامه وممراته، متجاهلا دون قصد أولئك الذين يحيطون بالمريض، أحدهم يحمل مشرطا والآخر ينظف مكان الجراحة، وآخرون لست أدري ما هو عملهم سوى ذلك الذي كان يخرج بين الحين والآخر ليطلع أهل المريض على آخر مستجدات العملية. وجدت أن جوهر الاختلاف والسمة الأساسية التي تميزهم عما نحن فيه لا يكمنان في جمال وروعة البناء والتنظيم والنظافة فحسب، بل هو الصدق الذي يميز عملهم والإنسانية التي يميزها الضمير.
بهت المشهد أمامي شيئا فشيء، لتختفي الصورة من على الشاشة بعد ذلك، وشرعت ذاكرتي بعرض مشاهد أخرى لا صلة لها بتلك الشاشة على الإطلاق. عادت بي الذاكرة إلى زمن آخر:
كانت ذراعه منتفخة بصورة تشي بحدوث خطأ ما. دخلت الممرضة لتكتشف الخطأ دون أن يبدو ذلك على وجهها. أخرجت إبرة المغذي لتغرسها في وريده بعد أن كانت مغروسة خارج الوريد لمدة طويلة! أحاول أن أطرد تلك الذكريات بتركيزي على شاشة التلفزيون. أنجح في ذلك دقيقة أو دقيقتين، ثم تقوم غرفة العمليات التي كنت أشاهدها على الشاشة أمامي بتحفيز الذكريات وتنشيط الذاكرة مجددا:
كان أحدهم يعاني من آلام في جهة ما من ظهره. أجرى عملية جراحية ناجحة خلصته من تلك الآلام، ولكنه فقد قدرته على المشي. وفي إحدى المصحات في الخارج حيث يرقد الآن، أظهر تقرير الأطباء بأن عصبا قد تم قطعه أثناء العملية الجراحية التي قام بها أفقده قدرته على المشي!
مالي أعذب نفسي بمتابعة هذا البرنامج؟! وقبل أن أنتقل إلى قناة أخرى استوقفتني تلك التي تقف عند باب غرفة العمليات، تقضم أظافرها تارة وتطرقع أصابعها تارة أخرى، بينما كان الأطباء يجرون العملية لزوجها أو أحد أقاربها كما كان يبدو. تذكرت تلك التي كانت قد مرت بمثل تلك التجربة. كانت قد رافقت والدتها التي أجرت عملية إستئصال ناجحة للمرارة قبل عدة سنوات في إحدى مستشفيات البلاد. كان الأطباء قد عجزوا عن تشخيص حالتها هنا بعد استئصال المرارة، فقررت السفر للخارج. كانت تنتظر عند الباب الغرفة، بينما كانت والدتها في غرفة التشخيص مع مجموعة من الأطباء والمتخصصين. كان التوتر قد بلغ منها مبلغا ظهر على أطرافها المرتعشة. خرج الطبيب باسما ليخبر الفتاة بأن والدتها لا تعاني من شيء سوى التهاب في .. المرارة!
حاولت أن أفرغ رأسي من تلك الحكايات، حاولت أن أواصل متابعة البرنامج دون أن أترك مجالا للمقارنة بين أمور هي ليست من شأني. كان ذلك قبل أن تعتريني مشاعر مختلفة. قبل أن يحمر وجهي خجلا أو حزنا أو غضبا، حين انتبهت فجأة، وليتني لم أفعل، إلى شعار القناة ذو الأحرف الخضراء، لأدرك بأن كل ما كنت أشاهده كان عبر قناة "أنيمل بلانت". وما كادوا يرفعون الغطاء الأخضر عن ذلك الذي احتشد من حوله الأطباء ومساعديهم حتى ظهرت من تحته كتلة يكسوها الشعر، أصبت بالدهشة ما ان علمت بأن تلك العملية ما كانت سوى لكلب كتب له الله أن يحيا بين أناس يعملون بصدق وضمير.
بعد وقت قصير، عانقت المرأة التي كانت تنتظر في الخارج كلبها، والأطباء سعداء من حولهما، والأهم من ذلك هو أن الكلب قد استعاد عافيته دون أن يُقطع له وريد أو يُستأصل جزء سليم من جسده. أما أنا، فقد ضغطت بأسناني على شفتيّ، ثم ضغطت على زر الريموت كنترول الأحمر، بعد أن أصبح وجهي في مثل لونه، حتى لا أشاهد المزيد مما يجعل بشرا كرمهم الله بكل شيء يحسدون كلبا على روحه التي تساوي، بل هي أغلى من أرواح بعض البشر!
وحسبنا الله ونعم الوكيل.

نشرت في:
 

الأحد، 10 مايو، 2009

بس يا بشر!



سعود السنعوسي:

مضى على إنتاج أول فيلم كويتي ما يقارب سبع وثلاثون عاما، وأنا أشير هنا إلى فيلم بس يا بحر الذي أنتج في عام 1972، وهو من إخراج خالد الصديق وتأليف عبدالرحمن الصالح وبطولة كل من الفنانين - مع حفظ الألقاب - سعد الفرج وحياة الفهد ومحمد المنصور وعلي المفيدي. كان هذا الفيلم هو التجربة السينمائية الكويتية الأولى، تبعتها تجربتين أو ثلاث. لم تترك تلك التجارب ذلك الصدى الذي تركه فيلم بس يا بحر في نفوس الجماهير. وبعد ذلك انقطعت تلك التجارب لفترة طويلة تقارب الثلاثة عقود، ثم عادت المحاولات السينمائية في الكويت مجددا في حوالي عام 2004. وفي تلك الأثناء كنا متحمسين جدا لمشاهدة فيلم كويتي على شاشات السينما، بعد أن لوثت المسلسلات الدرامية عقولنا وذوقنا. كنا نأمل بمشاهدة أعمال كويتية ذات مستوى راق تقدم للمشاهد ما يجب أن يقدمه أي فيلم سينمائي. ولكن كانت الخيبة سريعة، ولا تقل عن تلك التي سببتها أعمالنا الدرامية الهابطة التي تعرضها الشاشات في كل عام، وفي الشهر الكريم تحديدا.
أتساءل وأنا أكتب هذا السطور، ما الذي أرجوه من وراء مشاهدة أي فيلم؟ ويأتي الجواب سريعا بأنني أضحي بجزء من وقتي ومالي بين وقت وآخر لمشاهدة فيلم على شاشة السينما نظير المتعة والتشويق والإثارة التي عادة ما تقدمها أفلام هوليود كما انني في كل مرة أرجو أن أحصل على معلومة مفيدة بعد خروجي من صالة العرض، وغالبا وليس دائما، أحصل على جميع ما أرجوه من خلال مشاهدتي لبعض الأفلام. ولا بأس لو استطاع الفيلم أن يوفر لي شيئا واحدا مما ذكرت، كالمتعة مثلا، وهذا على أقل تقدير. أما أن أشاهد فيلما كاملا دون أن أستمتع بمشاهدته، أو دون أن يشد حواسي نتيجة للإثارة أو التشويق، أو دون أن يقدم لي جديدا أضيفه لمعلوماتي، فهذه هي الخسارة بعينها.
باتت صناعة السينما في وقتنا الراهن أسهل مما كانت عليه في أي وقت مضى. وذلك لما يتوفر من تقنيات حديثة ومتطورة، أو ما يسمى بسينما الديجيتال، تلك التقنية التي مكنت من توفير الجهد والوقت والمال مقارنة مع طريقة صناعة السينما في السابق. وهذا ما يجعل كل أدوات صناعة السينما المحلية الناجحة متاحة للمنتجين. والآن يبقى السؤال، ما دام إنتاج الأفلام السينمائية أصبح أقل كلفة، وبما أن الطاقات – مخرجين ومؤلفين وممثلين وغيرهم – موجودة، فما الذي يجعل جميع المحاولات السينمائية المحلية الجديدة، دون استثناء، محاولات لا تستحق المشاهدة ولو على سبيل الدعم؟
ان فيلم "بس يا بحر" رغم ضعف الإمكانيات في ذلك الوقت، ورغم بعض الأخطاء والانتقادات التي تعرض لها الفيلم داخل وخارج الكويت، ورغم الرأي القائل بأن الفيلم أساء للمجتمع الكويتي بل وأساء للبحر إساءة بالغة، إلا ان كل تلك الاتهامات لم تشكل عائقا لوضع مساحة للكويت – ولو كانت صغيرة جدا - على الخريطة السينمائية العربية. كما لا يمكننا أن نتجاهل الجوائز التي حاز عليها الفيلم من المهرجانات المحلية والعالمية، والأهم من ذلك هو الحيّز الذي شغله ذلك الفيلم من الذاكرة، والذي رفض أن يتلاشى رغم مرور كل تلك السنوات، بعكس الأفلام المحلية الجديدة، التي ننسى أحداثها وتفاصيلها ما أن نفرغ من تناول آخر حبة "بوب كورن" في تلك العلبة التي لم يستطع ملحها أن يضيف نكهة للفيلم الذي لا طعم له. كما ان فيلم بس يا بحر استطاع أن يعكس صورة من صور ثقافة الكويت في الخارج، حيث ان الكثير لا يعرفون شيئا عن هذا البلد الصغير، ولكن من خلال بعض المشاهد في "بس يا بحر" تمكن المشاهد في الخارج أن يكوّن صورة عن هذا البلد وثقافته وطريقة عيشه الصعبة وأسفاره للبحث عن اللؤلؤ وبيوت الطين التي كان يسكنها. ليس المشاهد في الخارج هو من أضاف لمعلوماته شيئا من خلال مشاهدته لهذا الفيلم فحسب، بل نحن كذلك، الأجيال التي لم تشهد تلك الحقبة الزمنية، نستطيع من خلال ذلك العمل وغيره من الأعمال الراقية أن نسترجع صوت الماضي، بأغانيه الشعبية وأصوات بحارته وأهازيج أعراسه. تذكر عزيزي القارئ بأنني أتحدث عن فيلم مضى على إنتاجه سبع وثلاثون سنة، ورغم ذلك بقي إلى يومنا هذا متفوقا على ما يسميه البعض أفلاما سينمائية كويتية.
أتمنى من المنتجين الجدد أن يتفهموا حجم المسؤولية التي تقع على عاتقهم تجاه المكان الذي ينتمون إليه، فبأعمالهم تلك هم يعكسون صورة بيئتهم في الخارج، وبدلا من التهافت على كشف كل ما هو سيئ في بيئتنا، فليعملوا على إنتاج أعمال راقية كرد جميل لهذا البلد على أقل تقدير. فليس صحيح بأن الكوميديا – ان كانت هذه حجتهم – يجب أن تكون بهذا الشكل الساذج، فكم من أعمال كوميدية تمكنت من تحقيق المعادلة (كوميديا هادفة). فكفانا ما نعانيه من تدني مستوى في الدراما المحلية حتى تنتقل العدوى للسينما، فإما أفلاما تضيف للحركة الفنية المحلية وتضيف للمشاهد شيئا ذا قيمة على غرار فيلم "بس يا بحر" أو فلن نملك سوى أن نقول للمنتجين الجدد: "بس يا بشر" فكفاكم إسفافا وإفسادا للأذواق وتكسبا على حساب ما تبقى من جمال في هذا البلد!



نشرت في:
 

الجمعة، 10 أبريل، 2009

على متن الكتاب .. تجاوز حدود المكان والزمان


سعود السنعوسي:

ليست هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن الموضوع ذاته، وهو موضوع القراءة، ولكن في كل مرة أتطرق لفوائد ومتعة هذه الممارسة من جانب مختلف. كما أعتقد ان موضوعا كهذا ليس من المواضيع التي تستهلك أو تصبح قديمة أو تصلح للنقاش في وقت دون آخر. فالحديث عن القراءة كالقراءة، مشوق بحد ذاته، فإذا ما شرعت بالحديث عن عالم الكتاب لا يمكنني أن أفرغ من هذا الحديث بسهولة، فهو موضوع كبير جدا بقدر ما تحمله الكتب من كلمات. سأكتب في هذا العدد عن تجربتي مع القراءة بشكل مختصر، وقراءة الرواية على وجه التحديد، وأتمنى أن تكون تلك التجربة حافزا لغيري ممن لا يعرفون شيئا عن هذا العالم كي لا يفوتوا فرصة الولوج إليه والاستمتاع بكل لحظة من لحظاته.
أكتب عن القراءة بشكل عام وأصفها بالـ(حاجة) بعد أن كنت أعتبرها مجرد هواية ككل الهوايات التي يمارسها المرء. فقد كانت القراءة بالنسبة لي مجرد تسلية لا أمارسها إلا لتمضية وقت الفراغ، تطورت هذه الهواية شيئا فشيئا لتصبح عادة، وما لبثت تلك العادة أن تتطور أكثر فأكثر لتصل إلى مرحلتها النهائية التي أطلق عليها الآن حاجة. وعندما أصفها - القراءة - بالحاجة فأنا أضمها إلى بقية حاجات الإنسان التي لا يمكن الاستغناء عنها كالهواء والماء والغذاء وغيرها من حاجات. بعدما كنت أنتظر أي وقت فراغ لأمارس فيه هوايتي التي استحالت بعد ذلك إلى حاجة، أصبحت أنا من يقتطع لها مساحة من يومي مهما انشغلت وضاق بي الوقت، وذلك لأشبع حاجة عقلي الملحة لكل ما هو جديد ومفيد. لم تتحول تلك العادة إلى حاجة ملحة لمجرد تمضية الوقت، بل لما قدمه لي الكتاب من أمور لا يمكنني تجاهلها.
من أهم الأمور التي سيستشعرها القارئ إذا ما اعتاد على القراءة، إلى جانب المعلومات الجمة والمتعة في صحبة الكتاب، سيلاحظ مع مرور الوقت بأن للقراءة فضل كبير في التأثير بشكل إيجابي على شخصيته وأسلوب حياته، بل وحتى طريقة حديثه مع الآخرين. كيف؟ هذا ما سيلاحظه المرء إذا ما استمر في القراءة. ولكن على القارئ أن يحسن اختيار الكتب التي ينوي قراءتها، كما يقول روبن شارما على لسان الراهب في كتاب الراهب الذي باع سيارته الفيراري: "يجب أن أحذرك من أن تقرأ أي شيء، إذ يجب أن تتحرى الانتقاء الشديد حيال ما تزرعه في حديقة عقلك الغناء". بالفعل أعجبني ذلك التعبير بأن للعقل حديقة وصاحب ذلك العقل هو من يزرعه بواسطة انتقاءه لما يقرأ.
سوف لن أتحدث عن تجربتي مع القراءة بشكل عام كما ذكرت، فهذا سوف يتطلب وقتا طويلا. ولكنني سأتطرق في كتابتي اليوم عن تجربتي مع قراءة الرواية. والذي يعتقد البعض بأنها مضيعة للوقت دون الحصول على فائدة حقيقية تذكر. فليسمح لي صاحب الرأي القائل بأن هذا النوع من الأدب ما هو سوى مضيعة للوقت بأن أخالفه الرأي. فمع استمراري بقراءة هذا النوع من الأدب اتضح لي بأن الرواية، إذا ما كانت جيدة، لا تقل أهمية عن الكتب الأخرى ككتب الفكر والفلسفة والتاريخ والسياسة وتطوير الذات. بل يمكن للرواية، إذا ما كتبت من قبل شخص متمكن، أن تحمل بين طياتها فكر وفلسفة وتاريخ وغير ذلك من فروع العلم والأدب.
ان الرواية بالنسبة لي رحلة، أغنى وأثرى من تلك الرحلات التي أقوم بها فعليا على أرض الواقع. فكم من شعوب عشت معها أياما وتعرفت على عاداتها وأسلوب حياتها دون أن أترك سريري أو كرسي مكتبي. وكم من أجواء عشتها تختلف كل الاختلاف عن أجواء بلادي، فلن أبالغ إذا قلت بأني أشعر بالبرد أحيانا، أو يتصبب جسدي عرقا بسبب مشهد في رواية لا وجود له إطلاقا سوى على الأوراق التي بين يدي وفي مخيلتي، والأهم من سفري على متن الكتاب إلى أماكن مختلفة في هذا العالم، هو عندما أسافر بعيدا على متن الكتاب متجاوزا حدود الزمن مستسلما للأوراق بتحالفها مع مخيلتي لتنقلي إلى أزمان أخرى لا يمكننا قطع تذكرة للوصول إليها. ليس الأمر بتلك الصعوبة التي قد تتصورها، كل ما تحتاج إليه كتاب جيد ومخيلة خصبه وستجد نفسك بعد ذلك محلقا إلى بلاد الإغريق مرتديا ثيابهم التقليدية مقرفصا أمام فلاسفتهم منتقلا بعد ذلك إلى زمن أخر، إلى مصر مثلا، لتنحت تمثالا نصفيا لنفرتيتي ثم تتجه إلى الصين لتساهم في بناء سورها العظيم، وهكذا، قم فقط باختيار المكان والزمان وانطلق. بالنسبة لي، فقد ابتكرت طريقة تساعدني في سرعة الوصول إلى بعض الأماكن والأزمان البعيدة. في كثير من الأحيان أستعين بالموسيقى لتنقلني إلى قلب الحدث. كأن أقرأ رواية تدور أحداثها في فترة الاحتلال، ولأتمكن من الانتقال إلى الكويت سنة 90 ليس علي سوى تشغيل بعض الأغاني الوطنية التي تعود لتلك الفترة، لتكون كالموسيقى التصويرية للمشاهد التي أقرأها وأصورها في مخيلتي. ولعل تجربتي الأخيرة كانت أكثر تميزا عندما كنت أقرأ رواية من
 الأدب الصيني "زهرة الثلج والمروحة السرية" وكانت غنية بالمعلومات حول التراث والحياة الاجتماعية والمعتقدات في الصين في القرن التاسع عشر. وكنت طوال فترة قراءتي لتلك الرواية أستمع للموسيقى الصينية التقليدية، وهي موسيقى شعبية لم أكن أتصور في يوم ما بأنني سأستمع إليها، ولكن شعوري كان لا يوصف بينما كنت أسير بين الأزقة الصينية مرتديا ملابسهم شاعرا بمعاناتهم متذوقا أطعمتهم مستمتعا بموسيقاهم.
الخلاصة، انه من خلال الرواية، أكرر، إذا ما كانت جيدة، يمكنك أن تنال أهم ما يمكن أن يرجوه القارئ من قراءته للكتب، ككسب المعلومات الجديدة والحصول على المتعة والحصول على أفكار من شأنها تحسين فكر وأسلوب القارئ.
 أقف أحيانا أمام مكتبتي الصغيرة، وأمرر نظري على الكتب المصفوفة، وأنتقل بناظريّ مرة تلو الأخرى على الأرفف، من أولها إلى آخرها، أقرأ بعض العناوين بشكل سريع، لأكتشف في كل مرة بأنني لست سوى تلك الكتب التي قرأتها. أبتسم لها في ود، فبفضلها، بعد الله الذي وهبني عقلي وعينيّ، أشعر بأنني سافرت كثيرا لأماكن شتى وأنا لم أبرح مكاني، وعشت سنوات طويلة وشاهدت أحداثا لا تحصى رغم ان سنوات عمري أقل بكثير من تلك التي عشتها. أتساءل أحيانا حين أقف أمام مكتبتي، أيعقل بأن بعض الشخصيات والأماكن التي قرأت عنها لا وجود لها على أرض الواقع؟ تلك الصفات التي تحملها بعض الشخصيات والطباع والملامح والمعاناة، تلك الأماكن والأشجار والغيوم والطرقات، كل ذلك من صنع المؤلف؟ انه لشعور يستحق التجربة، أعني تجربة القراءة.
يبقى أجمل ما قرأته عن الكتاب أو الرواية على وجه الخصوص، هو ما كتبه الشاعر والكاتب العراقي الكبير أحمد مطر في إحدى مقالاته، حيث يقول: "في صباي المبكر كان يداخلني دائماً إحساس غريبٌ ولذيذٌ بأنّ الكتب مُدن حيّة حافلة بأنواع الأماكن وأصناف الناس، وكنت أتخيّل أنّ انطباق أغلفتها لا يوقف على الإطلاق ما فيها من ضجة الأصوات وحركة الناس والمركبات، أو إيناع النبات وذبوله، بل إن الأغلفة لا تعدو كونها أبواباً، تخفت بإغلاقها الضجّة، وتختفي من ورائها الصور".

نشرت في:

الثلاثاء، 10 مارس، 2009

عيب!


سعود السنعوسي:

عندما كنا في سنوات عمرنا الأولى، كنا لا نشعر بأي مسؤولية تجاه أي شي، فقد كنا نقدم على أي فعل دون تخطيط أو تفكير بالنتائج، ويكون ذلك عادة لشد انتباه الغير أو لمجرد التسلية. وبناء على ذلك كنا كثيرا ما نرتكب أخطاء، وكثيرا ما نعاقب عليها من قبل آباءنا وأمهاتنا بالضرب على ظهر الكف ضربة لا توجع بقدر ما تشعرنا بالخجل من أنفسنا، خصوصا إذا ما تبعت هذه الضربة كلمة: عيب!
ظهرت في السنوات القليلة الماضية قنوات فضائية كويتية خاصة، تمكن بعضها من التربع على قمة النجاح في وقت قياسي نظرا لنوعية البرامج ومستوى الطرح فيها، وفي المقابل ظهرت نوعية أخرى من الفضائيات تتمثل في تلك القنوات التي مازالت تتخبط محاولة أن تثبت وجودها بأي وسيلة كانت. وقد تمكنت بالفعل من ذلك مع شديد الأسف. ولكنها وان تمكنت من استقطاب عدد لا بأس منه من المشاهدين فهي لم تصنع إنجازا على الإطلاق، فاستقطاب المشاهدين بات أمرا ليس بتلك الصعوبة، بل انه من السهولة بمكان تكوين قاعدة جماهيرية اعتمادا على بعض المراهقين عمريا وفكريا، أولئك الذين ليس لديهم ما يشغل فراغهم سوى الاتصال بالفضائيات لسبب أو دون سبب. ولكن الأمر الذي يشكل تحديا هو استقطاب شريحة كبيرة من المشاهدين مقابل طرح هادف بعيد عن الإسفاف، طرح يخاطب عقل المشاهد دون اللجوء إلى إثارة الفتن والأزمات لتحقيق مكاسب مادية أو لمجرد تحقيق الشهرة للفضائية. قد تتمكن الفضائية من تحقيق حضور جماهيري باستخدام أساليب ملتوية، ولكن سرعان ما تصبح النتائج عكسية على الوطن والمواطن، حيث تستفيد تلك القناة من (شهرتها) بينما يعاني الوطن من (التشهير). ان الفضائيات التي تستخدم تلك الأساليب لاستقطاب المشاهدين هي كالطفل تماما، لا تعي معنى المسؤولية، ولا تفكر بالنتائج، ونظرا لانصراف الناس عنها فهي تحاول بشتى الطرق لفت الانتباه حتى لو كلف ذلك تدمير ما حولها، بل ان تصرفات الطفل تتصف بالبراءة في حين تلك الفضائيات ليست من البراءة بشيء.
انه لمن المؤسف حقا أن تناقش بعض القضايا السياسية أو الاجتماعية الحساسة بتلك الطريقة الهزلية، وذلك عن طريق تلك البرامج التي تعتمد على اتصالات المشاهدين. لا ننكر بأن بعض المتصلين هم أصحاب قضايا تستحق المناقشة والبحث عن علاج ولكن! كم هو عدد العقلاء الذين يشاركون بتلك البرامج مقابل أولئك الذين قاموا بتحويل الشعب الكويتي إلى فرجة نتيجة لطرحهم الرديء وأسلوبهم الفج في مناقشة قضايا المجتمع؟!
أتساءل، ما هو الانطباع الذي تتركه تلك القنوات الفضائية في مخيلة المشاهد في الخارج؟ ما هي الأوضاع في الكويت؟ وكيف تدار الأمور في هذا البلد؟ وما هو نوع هذا الشعب ومستوى ثقافته؟ فبالنسبة لي شخصيا، لأول مرة أعرف بأن الكويتيون (يهوّسون)! نعم هذا ما سمعته في بعض الاتصالات، مجموعة من الذين لا عمل
لديهم نساء وأطفال يعتقدون بأنهم (بهوساتهم) تلك يعبرون عن حبهم للكويت ولأمير البلاد، يا له من أسلوب! فلا الكويت ترضى بتك الأساليب، ولا أظن بأن سمو أمير البلاد تسعده تلك الطريقة في التعبير عن حبهم له، فخير من الهتاف باسم سموه بتك الطريقة هو اتباع نصائحه بالحفاظ على السفينة التي يقود سموه دفتها. وفي بعض الاتصالات يمكنك أن تستمع إلى المتصلين يستهزئون بالدولة أو المسؤولين دون التفريق بين الاستهزاء بالأشخاص وانتقاد السلوك. كنت أخشى على صورة الكويت في عيون من حولها، ولكن أجدني اليوم أخشى على صورتها في عيون أبنائها، فما الذي أصابنا؟!
من الأمور الغريبة التي أستمع إليها في كثير من الأحيان هي إصرار بعض المذيعين في تلك الفضائيات على ترديد عبارات المديح المبالغ فيها للكويت والكويتيين، فلا أجد سببا مهما كان عشقي كبيرا لبلادي يدعوني لأن أمتدحها بهذا الشكل: نحن الكويتيون أحرار.. نحن في الكويت محسودون.. هذا الشعب ليس كمثله شعب!
كلا، ليس هذا تعبير عن حبنا للكويت على الإطلاق، نحن لسنا بحاجة لمن يذكرنا بأننا أحرار، ولا يكرر مثل تلك العبارات إلا من لديه شك في ذلك، ولا أعتقد بأن حبي لبلادي يجعلني أصف شعبها بالكمال. إطلاقا ليس هذا هو الحب أو الولاء، فالحب الحقيقي والولاء يتمثلان في البحث عما يسيء لأوطاننا وبمواجهة عيوبنا لمعالجتها بأساليب راقية تعكس الصورة الحقيقة للأحرار الذين نتحدث عنهم. أما المتاجرة بقضايا الناس وتحويلها إلى سلعة لكسب مزيد من الأموال والشهرة فهو أمر مرفوض لا نقبله ولا نرتضيه، كما لا نقبل بتعميم الإساءة للغير والتحرش بالفتنة التي ليست بحاجة لمن يوقظها لأنها مستفيقة منذ زمن في هذا البلد. فكفانا تلطيخا بسمعة الكويت بحجة الدفاع عنها وعن قضاياها. فلنثبت بأننا أحرارا بالفعل دون اللجوء إلى الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولنوظف حريتنا في خدمة وطننا، وبدلا من الإشارة إلى أننا محسودون في الكويت فلنقضي على الحسد الذي عشش واستوطن نفوسنا تجاه بعضنا البعض حتى بات الأخ يضمر الشر لأخيه.
لست أدعو في هذا المقال إلى تكميم الأفواه وفرض رقابة حازمة على تلك الفضائيات وعلى من يشارك بها، فحرية التعبير كفلها الدستور الكويتي منذ زمن، وهي حق للمواطن لا نقبل أن يسلب بأي حال من الأحوال، ولكن ما نفتقده حقا هو العقل الذي نريده أن يستفيق من غيبوبته وأن يضرب تلك القنوات الفضائية وبعض من يشارك بها على ظهور أكفهم مرددا كلمة: عيب! مذكرا إياهم بواجباتهم ومسئولياتهم، ومشعرا إياهم بالخجل نتيجة الدور السلبي الذي يقومون به، ظنا منهم، جهلا أم عمدا، بأنهم بهذه الأساليب يعبرون عن حبهم لوطنهم ساعين لخدمة الشعب، فوالله ما توقفت عند تلك الفضائيات بالصدفة مرة إلا والتقطت أذناي ما أحزن قلبي مرددا في داخلي: عيب هذا الذي يحدث في بلادي .. عيب.

نشرت في:


الثلاثاء، 10 فبراير، 2009

مدينة الأحلام


سعود السنعوسي:

لكل منا حلم يسعى لتحقيقه. هناك من يحلم باقتناء سيارة معينة، وهناك من يحلم بالحصول على وظيفة ما، وهناك من تنتهي أحلامه ببناء بيت المستقبل أو بيت العمر كما نطلق عليه. تختلف أحلامنا من حيث سهولة تحويلها إلى واقع ملموس، فبعض الأحلام أو الأفكار من اليسير على صاحبها أن ينتزعها من رأسه ليضعها أمامه على أرض الواقع، وبعض الأحلام يصعب تحقيقها، أما النوع المتعب من الأحلام هو ذلك الذي يدرك الإنسان بأنه لا يمكن تحقيقه على الإطلاق، ومع ذلك، يستمر بحياكة تلك الأحلام رغم استحالة تحقيقها. بعض الأحلام خاصة، لا تعني سوى صاحبها، وبعض الأحلام تخرج عن نطاق الخصوصية لتتعدى صاحبها وتصل إلى محيطه كالبيت والعائلة، وأحيانا تصل إلى مدى أبعد كالأحلام التي نسعى لتحقيقها لتحقيق الخير للمجتمع. وكلما اتسع محيط الأشخاص الذين يشملهم الحلم أصبح تحقيقه أصعب. وأنا كغيري من الناس، لدي الكثير من الأحلام، تمكنت بفضل من الله من تحقيق بعضها، وأعمل جاهدا على تحقيق بعضها الآخر. سوف لن أتطرق لأحلامي الخاصة لأنها لا تعني أحد سواي، ولكني سأتطرق لحلم كان ولازال يراودني بين الفينة والأخرى. إذا كان أقصى الطموح بالنسبة للبعض هو بناء بيت، فان طموحي يبدأ بتأسيس مدينة. لطالما حلمت بذلك. لم أكن في البداية أملك تصورا نهائيا لتلك المدينة، وقد لا أزال أحتاج لمزيد من الوقت كي أنتهي من بنائها في مخيلتي، ولكني وبسبب كثرة التفكير في تلك المدينة تمكنت من وضع تصور أولي للشكل الذي ستكون عليه.
تقع مدينتي تلك في الكويت، في مكان معزول عن المناطق السكنية المكتظة بالسكان، ليست بالكبيرة بحيث يتيه المرء في داخلها وليست بالصغيرة بحيث تشعر بالضيق إذا ما مشيت في ساحاتها. تنتشر المساحات الخضراء في كل مكان فيها، وتنتصب خلف أسوارها أشجار عملاقة لا تسمح بتسلل حبة غبار واحدة إلى الداخل. في مدينتي تلك لا وجود للسيارات إطلاقا، فوسيلة النقل الوحيدة هناك هي قطار كهربائي يغطي المدينة بالكامل. ليس في مدينتي وسيلة أخرى سوى الدراجات الهوائية لمن يرغب باقتناء وسيلة نقل خاصة، فتقليل فرص التلوث البيئي هو من الأولويات في مدينتي.
مدينة أحلامي، تحاول بقدر الإمكان أن تحقق اكتفاء ذاتيا تقلص من خلاله احتياجاتها لكل ما هو خلف أسوارها، فهي تعتمد على إنتاجها للمواد الغذائية النباتية والحيوانية من مزارعها الخاصة. وفي مدينتي مسجد جامع ينادي للصلاة فيه مؤذن ذو صوت شجي وتقام فيه الدروس الدينية، وتنتشر هنا وهناك مبان سكنية تتألف من دور واحد مطلية جميعها باللون الأبيض وموزعة بشكل مدروس ومنتظم، وأمام كل بيت من تلك البيوت حديقة تضم مجموعة من الشجيرات التي يمكنها أن تتعايش مع طقس الكويت الصعب. تضم مدينتي مكتبة ضخمة فيها من الكتب المفيدة ما يصعب على المرء حصره. تقع هذه المكتبة خلف سور قصير يمكنك مشاهدة ما خلفه. وينتصب خلف ذلك السور قصير الارتفاع عدة مدارس وجامعة تضم العديد من القاعات والمختبرات التي تحتوي على أفضل الوسائل التعليمية الحديثة، والأهم من تلك الوسائل التعليمية هي الكفاءات البشرية من مدرسين وأساتذة. وفي مكان آخر من
تلك المدينة منطقة ترفيهية فيها ناد رياضي تقع إلى جانبه صالة سينما لا تعرض سوى أفلاما مفيدة ذات مغزى تجعل من يفرغ من مشاهدتها يخرج بقيمة أو فكرة جديدة. وفي مكان آخر من تلك المنطقة مسرح متوسط الحجم مبني على أحدث الوسائل التكنولوجية بالإضافة إلى أهم ما يحتاج إليه المسرح المتطور من معدات عالية الجودة خاصة بمؤثرات الصوت والإضاءة، والأهم من ذلك هو ما يقدم على خشبة ذلك المسرح من أعمال هادفة. وخلف ذلك المسرح توجد قاعة كبيرة خاصة للإنترنت والأمور المتعلقة بتكنولوجيا الاتصالات.
حاولت قدر المستطاع أن أرسم صورتي لمدينة أحلامي على الورق، ولكني عجزت عن فعل ذلك، كما عجزت أن أفيها حقها في الوصف على هذه الورقة التي هي أمامك الآن، فهي بحق تحتاج لوصف دقيق قد يحملك على عدم مواصلة القراءة، أو قد يحملني على تقسيم الموضوع إلى عدة أجزاء يصدر كل جزء في عدد من أعداد المجلة، وهذا ما لا يفضله القراء عادة.
عموما، بقي الجزء الأهم والأصعب في هذا الموضوع. لقد أوشكت أن أفرغ من بناء المدينة، في مخيلتي، كما ذكرت سالفا، ولكن بقي الجزء الأهم وهو اختيار الأشخاص الذين ستفتح لهم مدينتي أبوابها، فلمدينتي أبواب قلما تفتح، وإذا ما فتحت فهي تفتح لتخريج دفعات من سكانها، أو لاستقطاب المزيد من السكان، ولكن! من هم الناس الجديرون بالعيش بمثل تلك المدينة؟ ان اختيار الأشخاص أمر غاية في الصعوبة، والأصعب من ذلك هو اختيار مجموعة من المتخصصين ممن تسند لهم مهمة اختيار سكان هذه المدينة.
أحلم أن تضم مدينتي تلك نخبة أبناء المجتمع، فلا يقبل الأفراد أو الأسر للانضمام إلى عالم مدينة الأحلام سوى بعد المرور بعدة اختبارات. أتخيل المجموعة التي أسندت إليها مهمة البحث عن أولئك الناس، بين طلبة المدارس والمدرسين والخبراء كل في مجاله. أتخيل كيف سيكون شكل تلك المدينة في المستقبل بعد أن تمتلئ بالمثقفين والمفكرين والعلماء الذين أسسوا تأسيسا صحيحا في بيئة صحية مختلفة. أناس مختلفون عن سائر أبناء المجتمع فكريا وثقافيا بل وحتى جسمانيا. أناس أسسوا على حب الدين والوطن والعلم. أناس لا يحمل قاموسهم مفردة التطرف. أناس كل همهم في الحياة العمل والتطوير. أناس بنوا علاقاتهم على احترام وجهات النظر والتفاهم.
ان مدينة الأحلام هذه ليست المدينة الفاضلة التي يبحث عنها الكثير والتي تحدث عنها الفلاسفة وحيرت العلماء، برغم ما يخيل إليك عند قراءة الأسطر السابقة، ولكن تلك المدينة يمكنها أن تخرج أفرادا وجماعات أصحاب فكر مستنير وأصحاب مبادئ يمكنهم بعد قضاء فترة طويلة داخل أسوار المدينة أن يخرجوا للمجتمع بفكر جديد ومغاير من شأنه أن يحسن الأوضاع ويطورها ليسير بالمجتمع نحو الأفضل. ان تلك المدينة وان لم تكن المدينة الفاضلة إلا ان سكانها، وبخروجهم منها إلى المجتمع الكبير يمكنهم المساهمة لتحويل الوطن إلى مدينة فاضلة. فالمدينة الفاضلة من وجهة نطري لا يحتاج بناؤها سوى التفاهم واستخدام العقل والعمل بإخلاص.
في النهاية، كانت تلك المدينة مجرد حلم، قد يكون تحقيقه أمرا مستحيلا، إلا انني سأواصل حياكته عله يصبح في يوم ما حقيقة.



نشرت في:


السبت، 10 يناير، 2009

حين يحكمنا الأوغاد!


سعود السنعوسي:

منذ سنوات، حين كنت في مرحلة الدراسة، وقبل أن ألتحق بالوظيفة، لطالما استمعت إلى أسطوانة كان يرددها من هم حولي، وباستمرار، وهي أن الشاب الكويتي غير منتج وانه لا يصلح للعمل. فهو كسول بطبعه، وكل ما يسعى إليه بعد حصوله على الشهادة هو مكتب فخم وساعات عمل قليلة غير محددة بموعد حضور وانصراف.
أنهيت دراستي، والتحقت بالعمل كما هي الحال مع أصدقائي الذين كانوا في مثل سني. وكانت تلك الأسطوانة لا تزال تدور وتصدر تلك الأصوات المزعجة بأن الشاب الكويتي اتكالي ولا يمكنه الاعتماد على نفسه وإلى آخر تلك الصفات التي سئمت سماعها. كان الجميع، في مقر العمل وخارجه، الكويتي والوافد، يكررون تلك الكلمات على مسامعي حتى كدت أؤمن بالفعل بأننا لا نصلح لشيء سوى النوم على مكاتبنا في مقار العمل بعد أن تمتلئ بطوننا بالشاي والقهوة والبسكويت وبعد أن تتورم رؤوسنا بسبب الثرثرة والحديث عن كل شي لا يخص العمل.
أنهينا مرحلة الدراسة، أصدقائي وأنا. هناك من واصل تعليمه لتلقي دراساته العليا، هؤلاء الذين أجل الله خيبة آمالهم إلى وقت لاحق. أما أنا والبعض الآخر فقد انتقلنا إلى الحياة الجديدة فور انتهائنا من الدراسة، حيث التحق كل منا بوظيفته.لا أنكر بأن البعض اكتفى بحصوله على الوظيفة كغاية لا طموح بعدها، وهؤلاء هم الذين تتحدث عنهم الأسطوانه التي كنت أستمع إليها في السابق. شباب بلا طموح أو اهتمامات ولا يمكن أن نرجو منهم ما قد يعود على بلادهم وعليهم بالنفع. ولكن هناك فئة أخرى أجزم بأنها أكبر بكثير من تلك التي لا طموح لها أو اهتمامات. ماذا عنها؟ وكيف انتهى بها الحال؟
في بلادي، واحر قلباه عليها، ليس هناك أسهل من قتل الطموح. فالطموح يُنحر بمباركة المسؤولين كما تنحر الأضاحي، دون أن يسأل أحد عن آثار دماء طموحاتنا وآمالنا على ثياب أصحاب القرار وعلى دشاديشهم.
ان ما يدفع باليأس إلى نفوسنا هو ما نراه من انتقال عدوى الكسل والفشل من الفئة الأولى إلى الفئة الثانية التي كانت بلادي تستبشر بها خيرا. ففجأة نجد الشاب من أولئك وقد خار عزمه وقل عطاؤه وقرر أن يشارك زملائه النوم على المكتب بعد أن اكتشف بأنه لا يختلف عن غيره، وان عطاءه وجهده لا يميزانه عن أولئك الذي لا يعملون شيء سوى استلام رواتبهم نهاية كل شهر نظير ثرثرتهم ونومهم في العسل.
وان ما يدفع باليأس إلى نفوسنا أكثر وأكثر هو ان نرى في بلادنا شاب تملأه الحياة، من أصحاب الطموح التي لا حدود لها، ولكن سوء حظه أوقعه تحت رحمة مسؤول تافه! كما في أغلب الوزارات والشركات والمؤسسات الحكومية. فما الذي يمكن أن يقدمه هذا الشاب وغيره من الشباب إلى أوطانهم وأسرهم وأنفسهم إذا كان صاحب القرار أو المسؤول عنهم ينتمي إلى تلك الفصيلة المريضة التي تحارب الكفاءات وتقتل الطموح في نفوس الشباب. تلك الفئة المضحكة المبكية من المسؤولين وأصحاب القرار. أولئك الذين يمكنك رؤية آذانهم الطويلة رغم محاولاتهم المستمرة لإخفائها تحت الغترة والعقال. أولئك الذين يمكنك أن تستمع إلى أنكر الأصوات في حديثهم، خصوصا في لحظات الغضب أو الارتباك، عندما يفقدون أعصابهم ليفاجئوك بأصواتهم المنكرة، ولتكتشف في نهاية المطاف بأنك تعمل في قسم يرأسه ........... !
لست أبالغ في كل ما ذكرته. فكم من قصة استمعت إليها من صديق أو زميل سببت لي الدهشة والألم وأثارت في داخلي التساؤلات. كيف تؤول الأحوال بشاب طموح أنهى تعليمه ليجد نفسه يعمل في مكان يرأسه شخص دونه في العقلية والتفكير، وليت الأمر يتوقف عند ذلك الحد، بل ان غيرة ذلك المسؤول من هذا الشاب دعته لمحاربته والعمل الدؤوب على بث الاحباط في نفسه، وأخيرا حقنه بحقنة الكسل والفشل ليجد الشاب نفسه في نهاية المطاف يشخر على المكتب.
يذكر لي أحد الأصدقاء قصة غريبة، وهي انه بعد أن يئس من لفت انتباه المسؤول في العمل إلى جهده ومثابرته وحجم الأعمال التي ينجزها، وبعد أن فقد الأمل في أن يحصل على حقه في الترقية أو حتى في التقدير، وجد نفسه مضطرا ليتجه كما اتجه غيره، فأخذ يهتم بشؤون المسؤول الخاصة، كأن يحضر سيارته من الكراج، أو يحضر أبناءه إلى البيت بعد خروجهم من المدرسة، أو أن يقضي ساعات العمل في سوق السمك أو سوق الخضار ليشتري "ماچلة" بيت المسؤول. والغريب في الأمر ان ان هذه الطريقة بدأت تثبت جدواها، فصاحبنا نال رضا المسؤول وتقديره، وحصل على الترقية، كما انه يستلم راتبه كاملا نهاية كل شهر رغم الساعات التي يقضيها خارج العمل، ورغم السويعات التي يقضيها نائما داخل العمل. مؤخرا، اكتشفت أن الاسطوانة التي كنت أستمع إليها على الدوام، فيها شيء كبير من الصحة، ولكن، اللوم لا يقع على الشاب الكويتي، بل على المجتمع الذي هيأ له كافة الظروف ليجعله عاطلا عن العمل والإنتاج رغم حصوله على الوظيفة ورغم تردده اليومي على مقر عمله.
سألني أحدهم، وكان قد تطفل عليّ أثناء كتابة المقال: "حين يحكمنا الأوغاد"؟! يبدو انك قد وقعت في خطأ فادح. فالأصح هو أن يكون العنوان حين "يرأسنا" الأوغاد بدلا من "يحكمنا"، على اعتبار انهم يرأسوننا في العمل، مدراء ورؤساء أقسام وغير ذلك من المسميات. قلت له أن أولئك الذين أعنيهم في هذه المقالة لا يرأسونا في العمل فحسب، بل أنهم يحكمون ويتحكمون في حياتنا. أليس بسببهم ضاعت طموحاتنا وأحلامنا؟ ألم يأثروا في حياتنا ونفسياتنا وبيوتنا تأثيرا سلبيا مباشرا؟ ألم نخسر الكثير بسببهم وخصوصا تلك الأمور التي علقنا عليها آمالنا المستقبلية؟ إذا كانت كل إجاباتك أو أغلبها بـ: نعم، إذن الأمر قد تعدى مسألة مجرد رئيس في العمل، ليصبح حاكم يحكم ويتحكم ويدير حياتنا كيفما شاء وبما يحلو له هو ومن على شاكلته من أصحاب القرار الذين لا هم لهم سوى محاربة الشباب وبث الاحباط في نفوسهم و "تكسير مجاديفهم".
قال: هذا صحيح، ولكنني، بسبب العنوان، أسأت فهمك. فقلت له إذا أسأت التعبير فأنا المذنب، ولكني لست كذلك إذا أحسنت التعبير وأساء الغير فهمي. إذهب إلى مكتبك الآن واشرب الشاي والقهوة و .. تصبح على خير.

نشرت في: