الأربعاء، 10 فبراير، 2010

هل تموت الأوطان؟!

سعود السنعوسي:

سأل أحدهم كونفوشيوس حكيم الصين وفيلسوفها الشهير، عن طريقة إدارة الدولة، فجاءت إجابة كونفوشيوس بثلاثة أمور أساسية للإدارة الصحيحة، وهي تأمين أغذية كافية، وزيادة التسلح، وكسب ثقة الناس. ثم قال الرجل للحكيم: "دعنا نفترض بأنه عليك اختيار أمرين فقط من بين هذه الأمور الثلاثة، فأي أمر تستبعد أولا؟" قال كونفوشيوس: "السلاح". ثم مضى الرجل في طرح أسئلته: "وأي أمر تستبعد فيما لو خيرت بين الأمرين الباقيين؟" قال كونفوشيوس: "أستبعد الأغذية، لأن الناس سوف تموت جوعا من دون المواد الغذائية، ومع ذلك فالموت هو قانون الطبيعة. لكن إذا خسرت الدولة ثقة مواطنيها فإنها سوف تفقد أساس وجودها".
هذا ما قرأته في كتاب يتحدث عن الحكيم الصيني وحياته وحكمته. أطبقت الكتاب عند ذلك الموقف، وتركت كونفوشيوس على صفحاته يكمل حديثه مع ذلك الرجل، وتركت الصين خلفي عائدا إلى وطني حاملا معي تساؤلات ذلك الرجل.
كأي شخص مسكون بحب وطنه، أسقط كل ما أقرأ وأرى على واقع هذا الوطن الذي لم يترك بداخلي سوى مساحة صغيرة يتقاسمها أولئك الذين أحبهم على كثرتهم. انتزعت من القرن السادس قبل الميلاد أفكار فيلسوف الصين لأسقطها على كويت 2010 فخرجت بعدة أمور. ان أمر التسلح، رغم قلة خبرتي في هذا الشأن، ليس أمرا بتلك الأهمية بالنسبة لنا، فنحن لم نستفد يوما من الأسلحة التي غصت بها المستودعات، كما ان التجارب التي مررنا بها أثبتت أن أموالنا التي سخرها الله لنا، والاتفاقيات الدولية قد قامت بدور أهم من السلاح. عد للتاريخ لتتبين ذلك بنفسك. أما بالنسبة للغذاء، فهو ليس كافيا كما أراد له فيلسوف الصين أن يكون في عصره، بل هو يزيد عن حاجتنا حتى باتت الكروش علامة تجارية مسجلة لنا، وبات أمننا الغذائي في خطر ليس بسبب نقصه بل بسبب فيضه، وليس من الصعوبة بمكان تبيان هذا الأمر، فالـ"عتوي" الذي يسكن "فريجنا" يذكرني بذلك كل يوم إذا ما سار أمامي متبخترا في زهو!
حتى هذه اللحظة أجدني أتحدث عن الموضوع بسخرية، من باب شر البلية ما يضحك، ولكن، إذا ما وقفنا عند ما ختم به الفيلسوف حديثه، نجد أننا أمام معضلة تستوجب الوقوف عندها. فهل بقي للثقة مكان في نفس المواطن تجاه وطنه؟ بل فلنسأل أنفسنا سؤالا صريحا: هل نحن واثقون بوطننا؟
وكي لا تجهد نفسك بالتفكير، دعني أختصر القول، نحن لا نثق بحكومتنا ولا بخططها ولا بمشاريعها ولا بتصريحات المسؤولين فيها، وبدلا عن ذلك اكتفينا بالقول الذي ورثناه "هالديرة الله حاميها". نحن لا نثق بمن ينوب عنا في مجلس الأمة، فالمشهد السياسي يتقلب بين الكوميديا تارة والتراجيديا تارة أخرى ولا مكان للجد بينها. نحن لا نثق بمستشفيات الدولة وما تحتويه من أطباء ومعدات، ونفضل إرسال مرضانا للخارج لتلقي العلاج. نحن لا نثق بمستوى التعليم الحكومي لذلك يرسل الأهالي - ممن لديهم المقدرة - أبناءهم للدراسة في المدارس والجامعات الخاصة داخل وخارج الكويت. نحن لا نثق بالوضع الأمني لبلادنا، وليس هذا كلام من عندي، ففي استفتاء قامت به مؤخرا إحدى الصحف الإلكترونية المحلية أظهرت النتائج أن 75% لا يثقون بالوضع الأمني في البلاد. وما هذه الأمثلة سوى مؤشرات يمكننا من خلالها أن ندرك الحال التي وصل إليها المواطن تجاه وطنه.
إذا ما سلمنا أن أساس وجود الدولة هو ثقة مواطنيها، فأين هي الكويت بعد أن صودرت ثقتنا بها؟ أنا لا أتحدث عن بقاء الدولة كأرض تحيطها حدود وتضم مواطنين ومبان ويسيرها نظام، فإذا سلمنا ببقاء الأوطان أو الدول على وجه الخريطة، هل نضمن ما يبقيها حية بداخلنا؟
قد نفقد ثقتنا بصديق، حينها نضطر لقطع صلتنا به، والانفصال في أي علاقة، على صعوبته، يكون في بعض الحالات حلا. ولكن، ماذا لو فقدنا ثقتنا تجاه وطن؟ كيف لنا أن نقصي الوطن عن طريقنا لنكمل المسير من دونه، كيف يكون هذا والوطن هو الطريق؟
أكتب هذه الكلمات لتصدر ضمن عدد فبراير، شهر الاحتفالات والأفراح والأغنيات الوطنية، شهر المسيرات والأعلام الخفاقة، شهر الزينة التي تكسو الشوارع العارية والبيوت. أستحضر بعض المشاهد التي سأراها كما يحدث في كل عام، حين يرفع الناس الأعلام فوق رؤوسهم يرددون الأغنيات الوطنية في الشوارع، وأتساءل في خشية، أتراهم يرفعون أعلاما لوطن مات بداخلهم؟ أتراهم يحيون ذكرى وطن يشتاقون إليه لم يعد له وجود؟ خصوصا إذا ما ارتفعت تلك الأعلام الحمراء القديمة. ولأطرد ظنوني تلك، عاهدت نفسي أن أعمل جاهدا على إعادة تلك الثقة، مهما زعزعها البعض، لأحيا في وطن يحيا بداخلي.
أخيرا، تذكر جيدا، إذا ما فقدت ثقتك بوطنك، لن تعمل شيئا من أجله، وبدوره سيفقد الوطن ثقته بك ويموت. والأوطان لا تموت من تلقاء نفسها، ولكنها تُقتل، فلا ترتكب تلك الجريمة بحق وطنك.

نشرت في: