الجمعة، 22 نوفمبر، 2013

لماذا تعلقت بأدب الرواية؟

 
 
سعود السنعوسي:
 
قيل الكثير عن الرواية، كجنس أدبي، ولا أزعم أنني أنوي الإتيان بما هو جديد في هذه السطور بقدر ما أنوي الإشارة إلى أسباب تعلقي بهذا الصنف الأدبي دون غيره. لماذا تعلقت بأدب الرواية، ولماذا حين أمسكت بالقلم أول مرة كان حلمي أن أكون روائيا؟
رغم صنوف الإبداع والأجناس الأدبية لم يسحرني بينها شيء بقدر الرواية. وحدها قادرة على أن تضم كل صنوف الإبداع في طياتها. وحدها قادرة على احتواء قصة، وشعر، ومسرح، وسينما، بل أجزم، وعن تجربة، بأنها تتجاوز احتواء صنوف الإبداع الكتابية لتضم فنونا تشكيلية، تلك التي كدت أراها رؤية العين في بعض الأعمال الأدبية العظيمة. الرواية، كما أؤمن، حياة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة إن أراد لها مؤلفها أن تكون. وإذا ما وجدتني أسألني ما الذي تقدمه لي الرواية، تأتيني الإجابة من خلالها: «كل ما تستطيع أن تقدمه لك الحياة». الرواية ليست بديلا عنها في الواقع، ولكنها تجاريها وتحاكيها وتتفوق على الحياة عظمة وغنى وقيمة في أحيان كثيرة. في الرواية أسافر من دون أن أبرح مكاني. أسهل أنواع السفر وأقله تكلفة. سفر ممكن عبر المكان، وآخر مستحيل، لا توفره لي مطارات العالم، عبر الزمان. الرواية خبرات وتجارب لم تتح لي فرصة معايشتها فأجدني أعيشها ورقيا. مسحور أنا بهذا الصنف الإبداعي لأنه وحده القادر على احتواء الكثير، مثل الحياة تماما.. فكر، علم، فلسفة، سياسة، أديان، تاريخ، أساطير، فنون و.. حياة.

رجل في الذاكرة
في الحديث عن تجربة كتاب، ألجأ مرة أخرى، للرواية، حيث تلمع من بعيد رواية بعينها. يأتي اسمها في قرارة نفسي ليذكرني إلى وجوده هناك. في مكان سحيق من الذاكرة: «جان فالجان»، حيث يأتي الاسم في ومضة سبقت اسم رواية سطرت سيرته وسيرة زمن ماض، وقبل أن أتوقف عند اسم مؤلفها العظيم.
جان فالجان.. رجل تعرفت إليه، ورقيا، في أواخر سني مراهقتي، نهض من الأوراق ليدخل حياتي، يلغي كثيرا من إرث أحمله قبل لقائه ليؤسس لكثير بعده.
كنت كغيري من أبناء جيلي. نحمل إرثا من الأساطير، وقصص الجدات، ومسرحيات أطفال حضرناها صغارا، ومسلسلات كرتونية شكلت، بصورة أو بأخرى، وعينا. إشكالية الخير والشر في النفس البشرية. انتصار الخير دائما وأبدا. اللون الواحد، غير المحايد، من بين لونين اثنين وحسب، أما أبيض أو.. أسود. شيء من هذا كله لم أجده في رواية «البؤساء»، من بين أول الروايات التي قرأتها.
ما الذي فعله بي هذا الـ«فالجان» حين قرأت الرواية لمؤلفها فيكتور هوغو أول مرة؟ وأي سؤال ألقاه بين يدي قبل أن يسلم الروح في آخر الرواية ليتركني وحيدا فوق أنقاض ما يربو على الـ1500 صفحة قرأتها على مدى أسابيع؟ ولماذا لم يسمعني حين صحت به، عندما أدركت الصفحة الأخيرة، في خيبة: «تعال! قبل أن تذهب قل لي.. من أنت؟». من يكون هذا اللص الصالح الشرير، الأب الطيب السجين الهارب من العدالة، الخائن الوفي، الفقير المعدم العمدة الغني، المنقذ الضحية التائب؟ أسئلة فتنت بها. اقتربت من بعض إجاباتها وبعضها الآخر لا يزال يلح داخل رأسي أستمتع في البحث عنه آملا في ألا أجده أبدا.. أسئلة ليس لها تفسير سوى أن جان فالجان بكل تجلياته وتناقضاته ليس سوى صورة لذلك الكائن المعقد.. الإنسان.
المرء بطبيعته، كما أعرف، ينزع للحكم على الأشياء: هذا خطأ وذاك صواب.. جميل أو قبيح.. ليوصد الأبواب على أسئلة معلقة. وفي رواية «البؤساء» ما كدت أحكم على شخص حتى يتغير حكمي في موقع آخر يبعد مسافة بضع صفحات. فالجان سارق رغيف الخبز.. لص، شئت أم أبيت، ولكنه سرق الرغيف لإطعام أخته التي توشك أن تموت! فما حكمي عليه؟ انتهى حكمي عليه بسجنه في الرواية، وتناسيت ذنبه، ولكنه حاول الهرب قبل إتمام فترة عقوبته! امتدت فترة العقوبة.. هرب.. ورغم ابتعاده وتخلصه من ماضيه بتغيير اسمه وحياته وإطعامه للفقراء وتبنيه «كوزيت» اليتيمة، بقيت في حيرة من أمري حيال ذلك الرجل، لست أدري كيف أنظر إليه، كلما تعاطفت معه أرتكب إثما ذكرني بماضيه رغم كل الحسنات العظيمة. أجدني كارها «جافيير» الشرطي لملاحقته فالجان الهارب من العدالة، والذي أقلقتني مطارداته طيلة صفحات الرواية خوفا على «فالجان»، ثم أعود للحيرة إزاء موقفي العدائي تجاه شرطي لا يقوم بأكثر من تأدية دوره بتطبيق القانون. شرطي انتحر في آخر الرواية غرقا تكفيرا عن ذنب أشك في كونه ذنب. ذنب مطاردة لص طيب هارب من العدالة. أجدني مراوحا بين حيرة وأخرى، بين تعاطف وإدانة، أمام امرأة أنهكها الجوع، طردت من عملها، باعت شعرها وأسنانها لإطعام صغيرتها وما كفاها، فاستسلمت للراغبين في شراء جسدها. أقف عند أصحاب النزل الجشعين. أدينهم، وإذ بهم نتاج زمن فاسد تمخض عن أناس فاسدين. وشخصيات أخرى نثرها «هوغو» في روايته هزت قناعاتي صغيرا، ما عرفت كيف أنظر إليها، لم أنتبه إلى أن مؤلفها قال كلمته الأولى والأخيرة على غلاف روايته قبل أن أبدأ في قراءتها.. «البؤساء».
رواية «البؤساء»، رغم مروري بشكل موجز على الأثر الذي تركته في نفسي قبل سنوات، تمثل الكثير بالنسبة لي بين أهم الكتب التي قرأتها صغيرا. رواية أعادت ترتيب الأشياء من حولي. رواية علمتني أن ألجم لساني قبل أن أنطق بحكمي المطلق على الناس.. «البؤساء»، رواية تعلمت من خلالها أن الإنسان لا يوصف بكلمة واحدة.
إن الأثر الذي أوقعته الرواية في نفسي، قراءة، امتد ليطال حلمي في الكتابة. منذ كنت صغيرا، أحلم أن أقول ما يدور في رأسي رواية. ولأن لا رواية، بالنسبة لي، مثل البؤساء ولا روائي مثل فيكتور هوغو ولا شخصية روائية مثل جان فالجان، فقد كنت أحلم بكتابة رواية عظيمة مثلها، وأن أكون روائيا مثل هوغو، وأن أبتدع شخصية مثل فالجان. لا يهم أن أحقق حلمي هذا، فالجميل في الأمر هو أنني كنت أحلم.. ولا أزال.

في ضيافة فيكتور هوغو

يحدث كثيرا أن تتشكل علاقة، على نحو ما، بين المبدع والمتلقي، تتجاوز حدود الاكتفاء بمتابعة النتاج الإبداعي إلى الاهتمام بالمبدع ذاته. نعجب بأحد المبدعين، فليكن أديبا على سبيل المثال، نبدأ بالقراءة له، ثم نتحول إلى القراءة عنه، ثم نبحث عن كل ما يتعلق به، بيئته ومقتنياته وعلاقاته وحياته بشكل عام. ومن أهم ما يفكر فيه المتلقي أو متذوق الإبداع، كما أتصور، هو المكان الذي يعمل فيه المبدع على صياغة إبداعه. ولعل ذلك أحد الأسباب التي تدعو بعض الدول، التي تحترم مبدعيها، وتاريخها قبل ذلك، بأن تحيل بيوتهم أو الأماكن التي ارتادوها إلى مزارات ثقافية مفتوحة للزوار من متذوقي الإبداع، حيث تتسنى للزائر المهتم فرصة التعرف إلى مبدعيه عن قرب وبشكل مغاير. ولعل منزل فيكتور هوغو، مبتدع شخصية جان فالجان، أو Maison de Victor Hugo كما هو معروف في باريس، هو المزار الثقافي الذي كنت أحلم بزيارته لأتوج تجربتي مع رواية البؤساء وجان فالجان.
هو مبنى مكون من طابقين، مكث في طابقه الثاني «شاعر فرنسا العظيم» نحو ستة عشر عاما بين 1832 و1848. كتب فيه بعضا من أهم وأعظم أعماله في المسرح والرواية والشعر. أتذكر تجربتي في زيارة ذلك المكان بدهشة خليط بين حلم وواقع. المبنى القديم، رغم تحديثه، بطرازه الكلاسيكي. الصوت الصادر عن خشب السلالم وكأنه يئن تحت قدمي. رائحة الأثاث القديم. الألوان الداكنة التي يكتسي بها كل شيء تقريبا، الستائر والأرائك وورق الجدران. في الطابق الأول من المبنى معرض صغير يضم مجموعة من اللوحات التي رسمها هوغو وبعضا من أدواته في الرسم. أما الطابق الثاني فيضم شقته كما كانت، بغرفة الجلوس وأثاثها، وغرفة الطعام بأوانيها القديمة، وغرفة النوم بسرير هوغو العتيق وخزانته ومقتنياته.
لم يكن منزل فيكتور هوغو سكنا له ولعائلته وحسب، رغم أن هذا ما توحي به بعض اللوحات الزيتية العائلية المعلقة على الجدران، والتي تصوره بين أفراد أسرته في صور جماعية. إنما هو بيت تلك الشخصيات التي ابتدعها في أعماله أيضا. في بيت هوغو تكاد لا تفرق بين أصحاب البيت وتلك الشخصيات، فالجدران التي اتسعت للبورتريهات الشخصية لأبناء هوغو، اتسعت أيضا للوحات تصور كوازيمودو أحدب نوترداب، والقواعد التي تحمل أنصاف تماثيل هوغو تحمل أيضا تماثيل أخرى، كاملة، لـكوزيت بطلة البؤساء، تصورها تارة تكنس الأرض، أو تحمل دلوها استعدادا للذهاب إلى البئر ليلا. وعند السلالم تجد جداريات لـجان فالجان كما تخيله الفنانون.
في بيت هوغو، نسيت تماما من هو المبدع ومن هو المبتدع، واستحالت جميع الشخصيات حية، هوغو وأفراد أسرته رغم رحيلهم قبل سنوات طويلة، والناس في اللوحات التي رسمها بريشته، وجان فالجان وكوزيت وبقية شخوصه الروائية التي نهضت من ركام الأوراق لتحجز لها مكانا في هذا البيت الذي انطلقت منه إلى كل مكان.
في جو أشبه بالسحر، في بيت «البؤساء»، عادت لي فكرتي التي أحفظها.. الرواية حياة.. لا أريد إلا أن أكون روائيا..
أن أكتب مثل فيكتور هوغو..
أن أكتب عملا مثل البؤساء..
أن أبتدع شخصية مثل جان فالجان..
مع أمنية جديدة: أن تسكن هذه الشخصية معي.. في بيتي!
_______________________
 (*) ورقة ألقاها الروائي الكويتي سعود السنعوسي، الحائز جائزة بوكر العربية للرواية هذا العام، في الظهران، شرق السعودية، ضمن فعالية «إثراء المعرفة» التي ينظمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي، التابع لشركة أرامكو السعودية.


نشرت في: