الجمعة، 24 يونيو، 2011

أنت الإنسان

سعود السنعوسي:

 
 
أنت الإنسان
 
     كثيرة هي الأفلام التي أدمنت مشاهدتها منذ كنت صغيرا. أشاهدها بين الحين والآخر، إلى يومنا هذا، قد أندمج في مشاهدتها، ولكن، يبقى شعور المشاهدة الأولى مختلفا. قد استمتع بمشاهدة الفيلم عشرات المرات، ولكن، يتلاشى تفاعلي مع أحداثه مشاهدة بعد أخرى. أجدني اليوم أمام مشهد، في أحد الأفلام، كنت قد انفجرت ضاحكا وقت مشاهدته لأول مرة حتى سالت الدموع من عينيّ، وفي فيلم آخر، أتابع مشهدا مأساويا كان قد أحرجني بين من كان حولي، وقت المشاهدة الأولى معهم، حين بدا علي التأثر الشديد، ولكن أنوفهم الحمراء، وقت مشاهدة الفيلم، وعيونهم التي سكبت الدموع كانت تبث بداخلي شيئا من الثقة بأن الأمر، ولأني إنسان، لا يستدعي هذا الحرج.
أتابع اليوم المشاهد ذاتها، وأتساءل ما الذي تغّير؟ لقد انفجرت ضاحكا لهذا المشهد أول مرة، وضحكت في الثانية، وفي الثالثة ابتسمت، وفي الرابعة .. لاشيء. وفي مشهد آخر أبكاني في المشاهدة الأولى، وأحزنني في الثانية، أجدني اليوم أمامه بلا شعور!
ما الذي تغيّر في تلك المشاهد؟ لا شيء، أنا من تغيّر وحفظ المشهد إلى أن بات عاديا مملا لا جديد به. ولكي أنفجر ضاحكا أو باكيا، يلزمني مشهدا أشد تأثيرا من تلك التي أثّرت بي. وليس الأمر في مشاهدة الأفلام وحسب، بل ليته توقف عند ذلك من دون أن يصبح سمة الحياة التي نعيشها، فقد أصبح كل شيء عادي، كل شيء مألوف ومقبول، بل ان المدهش حقا انه لم يعد هناك شيئا يدعو للدهشة!
أجدني اليوم أمام شاشة التلفاز متابعا الأخبار متبلد المشاعر، فالمشاهد هي ذاتها التي ألفتها منذ وُلدت، لا جديد يهزّني من الداخل، ولا أنوف حمراء أو عيون تسكب الدمع من حولي. كل شي عادي، كل شيء مقبول، وما نتابعه في نشرات الأخبار مشاهد سبق لنا رؤيتها والبكاء عليها.
نحن أمّة ألِفَت الذل والهوان وتنفستهما مع الهواء، إلى أن كادا يصبحا أمرا لا نستطيع الحياة من دونه.
تبّا لنا، بل تبّا لي، ما لي لا أبكي الأُسر المشردة في المخيمات القريبة من حدود بلادها؟ نعم نعم، لقد بكيت طفلا حين تشرّدت وأسرتي بعيدا عن موطني، وبدلا من أن يجعلني ذلك أكثر من يشعر بمعاناة الآخرين، أجدني بلا مشاعر أمام مشهد مألوف. ما لي لا أبكي حال السورية التي شُرّدت مع أبنائها تبكي على شاشات التلفاز؟ لأنني بكيت الفلسطينية قبلها وليس المشهد جديدا علي. ولكن! ماذا عن حمزة؟ لِمَ لم يحرّك بي مقتله شيئا سوى دمعة علقت داخل عيني؟ نعم نعم، ليس المشهد جديدا، فقد استنفدت طاقتي بالبكاء على محمد الدرة قبل سنوات، وليس اغتيال الطفولة بأمر جديد، وليس في دموعنا حل، والذل والهوان سمة رضينا بها منذ زمن.
هكذا أنا، والعار يدّق رأسي بمطرقته، لم تعد المشاهد المتكررة تهزّني، ولولا أن رجلا أتى بمشهد جديد لما كتبت هذه الكلمات. كان رجلا يخاطب مراسل إحدى القنوات الإخبارية، وبلهجته الشامية يقول: "داسوا عـ رقبتي! .. أنا إنسان ماني حيوان .. أنا إنسان ماني حيوان"، ثم تمالك نفسه كي لا يبكي، ولكني بكيت .. وفي داخلي شيء انكسر. ويا لحزني عليك يا "إنسان" وعلى نفسي، لأني لن أبكيك من جديد، فما في داخلي انكسر، "وإللي انكسر ما يتصلّح"، إلا إذا ما طالعتنا الصحف والأخبار بمشهد مختلف، أشد قسوة، من مشاهد الذل التي اعتدناها من عدو خارجي وآخر داخلي.
هنيئا لك يا إنسان، تملك لسانا ناطقا يقول لا للذل، وتعسا لنا، نحن باقي المخلوقات، ننظر إليكم بأعيننا وألسنتنا خرساء، نبتلع صمتنا المعجون بذلّنا ولا نحرك ساكنا. أنتم تُقتلون أمامنا خلف الشاشات، ونحن، أمامها، لا يقُتل فينا سوى المشاعر.
نعم .. أنت إنسان .. أنت إنسان.

السبت، 11 يونيو، 2011

أعضاء نادي ديوان يحررون «سجين المرايا»



جيهان عبد العزيز


في مساء الأربعاء الماضي احتضن مقهى ستاربكس الأمسية الثقافية التي أقامها أعضاء نادي ديوان للقراءة لمناقشة «رواية سجين المرايا» للروائي الكويتي سعود السنعوسي.
قدم الحضور قراءات مختلفة لرواية السنعوسي الصادرة عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» وهي الرواية الأولى بالنسبة اليه.
شهدت الأمسية مناقشة دارت في محاور عدة اقترحها رئيس نادي ديوان القاص الكويتي يوسف خليفة، تتمثل في تقييم عام للرواية، وأهم شخصياتها، ونجاح السنعوسي في رسم معالمها.

حوافز العزلة

كان ثمة رأي عام يرى في بطل الرواية عبد العزيز، شخصية تتسم بالمثالية الشديدة، والانعزال عن الواقع الحقيقي المعاصر، فكأنما يعيش في شرنقته الخاصة، التي نسجها حول نفسه، بعد تعرضه لصدمات شديدة، تمثلت في استشهاد والده أمامه برصاص «ضباع» الاحتلال وفق وصفه لهم، ثم موت والدته بعد ذلك، ومحاولاته لإيجاد بديل لهما تمثل في «ريم /مريم» حبه الأول، كنوع من التعويض عن ذلك الفقد أكثر من اعتباره حبا حقيقيا. 
وقد أشارت رنا محمود إلى إعجابها بما اشتملت عليه القصة من مشاهد معبرة، كمشهد دفن الأم، وتشبث البطل بجسدها داخل قبرها/ مثواها الأخير. 
كما أبدت د. إقبال العلي تأثرها بما احتوى عليه النص من عبارات شاعرية ومؤثرة، بينما تحدث وليد السبيعي عن الذكريات التي تحاصر البطل بحضورها، وبغزو رائحة أصحابها ومحاصرة أصواتهم له ، مشيرا إلى التصدير الذي اختاره الكاتب لروايته مقتبسا من طاغور «إن من يحمل مصباحه خلف ظهره لا يرى غير ظله أمامه «، وهي العبارة المفتاح لتحسس الخطوات في سجن اختياري حوائطه وجدرانه هي مرايا للماضي الذي يتشبث البطل بحضوره واستدعائه. 

صوت واحد

من جهته تحدث جوزيف عوض عن العقل الواعي والمدبر للكاتب حين ينسج شخوص روايته، واستخدامه لضمير الأنا في شكل تداعيات متتابعة لينقل لنا وجهة نظر أحادية للأحداث والشخصيات، التي نراها من خلال عين الراوي/ البطل وحده، مما يحمل القارىء مسؤولية تبني وجهات نظر أخرى، محاولا استلهام أصوات باقي الشخصيات، وخاصة «ريم» المحبوبة والخائنة في الآن نفسه. 
وأضافت فاتن عسيلي «سجين المرايا» هي رواية مراهق ينظر للعالم بكل الاضطراب والسخط الذي يعتمل بداخله، نحو هذا العالم الذي يتبدى له فاسدا، فيشعر بالاغتراب ويوجه الانتقاد حتى لأقرب الناس إليه كحبيبته، أو لوطنه الذي عشقه صغيرا من خلال الأغنيات الوطنية، ومقاومة الغزو العراقي مرورا باستشهاد والده امام عينيه. 
هذا المراهق الذي يحاول الهرب إلى واقع آخر مختلف فيسافر إلى إنكلترا باحثا عن طوق نجاة ينتشله من حياة لا يؤنسه فيها غير مشاعر الوحدة والحزن والشعور بالخديعة، وبعد أن تمر شخصيته بمراحل نضج واختلاف، يعود إلى وطنه بوعي جديد فيقتل شخصية المراهق المنعزل الاوحد، يتركه سجين مرآة ماضيه المظلمة، لينطلق هو برؤية جديدة، حاملا مصباحه أمام وجهه يضيء له طريق المستقبل.