الاثنين، 10 يونيو 2019

قراءة في رواية حمام الدار.. د. داليا حمامي

بقلم: د. داليا حمامي


هل يمكن أن يتزعزع الإيمان تحت قسوة تجارب الحياة، ورؤية نتائج ووقائع تخالف كل قانون فطري، وكل طبيعة ألفناها وعرفناها؟

هل باستطاعة كاتب أول وهو سعود السنعوسي، أن يكتب عن كاتب ثانٍ، يؤلف نصًا روائيًا، يكون بطله شخصيةً موازية له، علّه يعلم لم هو لا ينتحر، وينهي حياته العقيمة؟

وأخيرًا، أيمكن أن يتضح لنا أن الشخصية الموازية وروايتها الخاصة بها عن كاتبها؟، هو عين الحقيقة، وإن النص الذي قرأناه أولاً كان وهمًا بوهم، وليس أكثر من نص مرمَّز للحقيقة؟ كتب سعود السنعوسي عن هذا، فأبدع.

ألّف رواية عن مؤلف، يكتب نفسه كشخصية في رواية، فتقوم هذه الشخصية، بتأليف رواية عن مؤلفها، ليتجلى لنا أنها هي المؤلف الحقيقي والآخر هو الشخصية الروائية!

رواية حمام الدار تقع في فصلين رئيسين، هما العهد القديم، والعهد الجديد، وبينهما ساعة تأمل، كمرحلة انتقالية غاية في الأهمية، تشبه فترة نبوّة يقام فيها الناموس، ويعاد إلى الأمور نصابها، وإلى العقل صوابه، وإلى الإيمان ثوابته.

تبدأ الرواية بمقدمة، منها المبتدى وإليها المنتهى، يكتب فيها سعود عن كاتب اسمه "منوال"، أصابته حالة شغف نادرة، لكتابة رواية جديدة، تحت إلحاح من إحدى الشخصيات التي تراءت له في مخيلته، ولم يستطع كبح إغراء كتابتها، هي شخصية عرزال بن أزرق،  ويسمّي مخطوطه الأولي (نص لقيط).

هذا النص اللقيط، وهو الجزء الأساسي من العهد القديم، عبارة عن خمسة صباحات لعرزال، تحدث في زمنين، الحاضر الذي يصبح فيه السرد على لسان الكاتب راوي القصة "منوال"، والماضي يروى على هيئة مذكرات، معنونة بعناوين مميزة، سرْدُها على لسان (عرزال)، الشخصية المضطربة نفسيًا التي تعيش حياتها بلا جدوى أو معنى أو هدف.

تأتي بعد هذا الفصل، ساعة التأمل الخاصة بمنوال، هذه الساعة المفصلية التي تبدأ فيها واحدة من الشخصيات في (النص اللقيط) وهي شخصية (قطنة)، بالتحاور مع الكاتب "منوال"،  فيأمرها بالذهاب إلى شخصية (عرزال)، لمعرفة سبب عدم انتحاره.
 في هذا الساعة، تتجلى عبقرية سعود السنعوسي  في السرد.

سرد بصيغة الأمر، حيث يأمر "منوال" شخصية (قطنة) أن تقول كذا وكذا، ويخبرها أن رد (عرزال) عليها سيكون كذا وكذا، ويطلب منها الأناة و التمهل والصبر عليه، ويعود ليطلب منها أن تفعل وتقول وتأتمر بأمره، و يخبرها محذّرًا إياها، من ردود و تصرفات عرزال، مع كل تفاصيل مشاعر وعواطف الحوارات المتوقعة بينهما، وذلك في محاولة  من "منوال" لإنهاء النص واختتامه بنهاية منطقية، هو يريدها لكن لا يجرؤ على تنفيذها، حتى لا يلق نص روايته مصيرًا مماثلاً لنصوص سابقة له، ألا وهو البقاء في الدرج السفلي للمكتب بلا نشر.

يُسمح في هذا الفصل لشخصية (عرزال) بالثورة على الكاتب "منوال"، ليتحول (عرزال) بنفسه إلى مؤلف، يعيد كتابة النص اللقيط من وجهة نظره، تحت اسم جديد وهو (نص نسيب).

يبدأ العهد الجديد، الذي يستهلّه عرزال من حيث انتهى "منوال"، من فصل (أثناء ساعة تأمل)،  لندخل في ساعة التأمل الخاصة بعرزال، وفيها يحادث ( قطنة) من جديد، و يخبرها أنه هو الكاتب الحقيقي، أنه هو من كتب النص القديم ولكن بيد منوال وعلى لسانه..(أنا الكاتب الذي خط قصة كاتب عاجز عن إتمام نصه، أنا الذي رأيت كل شيء، وأعرف كل شيء) لنفهم حينها أن الكاتب الحقيقي هو عرزال!

وتبدأ (قطنة) بقراءة النص النسيب الذي كتبه المؤلف (عرزال)، وهو نص موازي لما كتبته الشخصية "منوال" سابقًا في العهد القديم، يحكي فيه عرزال الآن، قصة  "منوال" الحقيقية مع فقد إخوته، التي شفّرها سابقًا بشخصيات رمزية في نصّه اللقيط، ويكرر تصوير الصباحات الخمسة لمنوال، متضمنة ذكرياته من ماضيه، مضيفًا صباحًا سادسًا يحكي لنا فيه كيف فقد "منوال" طفليه (زينة) و(رحال)، ويقرر الكاتب (عرزال) عندها النهاية الأنسب للرواية.

نلاحظ عند تحول منوال وعرزال لشخوص، تماثُل حاضرهما، واختلاف ماضيهما، هذا الاختلاف هو فقط في أسماء الشخصيات وكيانها، ودورها في حياتهما، و لفهم أفضل، علينا قراءة المذكرات في الصباحات الخمسة، المعنونة بنفس العناوين في كلا النصين، لنعرف عندها من هي الشخصية المقصودة في كل ذكرى لعرزال، ونظيرتها وإسقاطاتها في ذكريات منوال.

فمثلاً بصيرة عند عرزال، هي النَفْس عند منوال، التي كلما حاول أن يستنطقها خرست، لكنها تفاجئه بحكمتها عند صمته، كي تذكره بوجودها إن نسيها، هي النفس بإيمانها الذي يقوى حينًا ويضعف حينًا، هي الأمل والشك، والتشاؤم والتفاؤل، بصقة بصيرة التي لا تخطئ هدفها عند عرزال، هي صوت الحكمة الفطرية عند منوال.

أفعى الدار التي لا تخون عند عرزال، هي فايقة العبدة الوفية عند منوال، بوجهها الذي يشبه وجه الأفعى، بسبب تشوه شفتها العلوية وانشقاقها. 

يتحدث عرزال في ماضيه، عن نعجته البربرية (قطنة) المحببة إلى قلبه، وعائلة الحمام التي عشقها، لكن فككها الأب (أزرق) عندما أفلت الحمامتين زينة ورحال، ولم يعثرا على طريق العودة، لتموت الحمامة الأم حزنًا على فراخها، بينما حاضره ضبابي غير مفهوم عن فقده لطفلين توأمين، لا نعرف عنهما شيئًا، وعن حمامة عششت على دكة نافذته مع فرخيها.

بينما يتحدث "منوال" في ماضيه، عن فتاته الأثيرة ( قطنة)، ابنة العبدة فايقة، وعن عائلته التي عشقها، لكن فككها الأب (أزرق)، عندما هاجر مع باقي أبنائه إلى جزيرة أخرى بعد زواجه الثاني، لتموت الأم المكلومة، حزنًا على فراق أبنائها، بينما حاضره هو عائلته التي فقدت حجري أساسها، الطفلان التوأمان زينة ورحال، وعن حمامة عششت على دكة نافذته مع فرخيها أيضًا.

الشخصيتان منوال وعرزال، يعانيان اليتم والأسى، ولوعة فقد الأبناء والأخوة، وحرمان الزوجة، ورتابة الحياة وفراغها من أي رجاء أو أمل، كذلك يوحي لنا السنعوسي، أن "منوال" طفل لقيط، أزرق ليس والدًا له، رغم أنه تكنّى باسمه، فاللؤم الغريب لأزرق عليه، طَرْد العبيد كلهم فجأة وبلا سبب، وزواج أزرق من امرأة أخرى وهجرته مع أبنائه الأربعة، ترك منوال وحيدًا مع الأم، ترديد أزرق لجملة (معزة البيت تحب التيس الغريب)، وجملة ( العبد يحب العبدة)، كلها توحي بريبة علاقته الأبوية مع منوال.

تقنية الراوي في هذه الرواية متنوعة، ففي كل صباح هناك زمن حاضر يُحكى على لسان راوي خارجي هو المؤلف سواء أكان عرزال أم منوال، وسرد للذكريات على لسان البطل عندما نتحول للماضي، ومرة على لسان الراوي يتحدث مع نفسه، ومرة أخرى يتحدث مع شخصية روائية.

يتجلى إبداع سعود وتطوره، في فكرة الرواية المميزة، والتعامل الخلّاق معها، والمعالجة الذكية لها، وهي ليست سهلة الفهم، تحتاج للقراءة مرتين على الأقل للإحاطة بها واستساغتها، واستيعاب دهاليزها، أما الشخصيات فقد جاءت متنوعة، موصوفة بحرفية عالية، بأسماء غاية في التفرد والغرابة، بينما الحبكات الخفية المتعددة في كل فصل، تشدك لقراءة الصباحات التالية، لمعرفة الأحجية وفك شيفراتها.

 اللغة بسيطة بمفردات سهلة، تدفعك للتمسك بحبال كل كلمة وكل فكرة مخافة أن تفلت منك خيوط الرواية، التي يطول قليلاً إيجادها.

ما يُلفت في النص هو اختلاف تركيبة الجُمل باختلاف الزمن، فعندما يصبح الزمن حاضرًا، تكون جمل النص قصيرة لا تتعدى الكلمتين أو الثلاث غالباً، تمنح شعورًا بأن النص عبارة عن شهقات متتابعة، مرهَقة، تقطع أنفاس القارئ.
أذكر هذا المثال:

(ألصق السماعة بأذنه، أشتاق للصغيرين، طليقته لا تريد أن تنسى، أركض ياجبان، ثم اقفلت الخط!)

أما عندما يصبح الزمن ماضياً، يتحول السرد إلى جمل ٍ كاملة سلسة عميقة تمس الروح، أذكر على سبيل المثال هذه المقاطع:

(يصير الرحيل أخف وطأة لو أوجد له مسوغًا، مجانية الفقد تحيله جرحاً مفتوحًا في صيغة سؤال).

(تشممت رائحة طين بيتنا القديم في ثوب غادي وجلد رقبته المتغضن، من شأن عشرين سنة يكبرني بها غادي، أن ترتفع به إلى منزلة أب، وأن تهبط بي إلى منزلة طفل صغير).

(لا العقل يسعفني، ولا الايمان، ولا برزخ الأسئلة بينهما).

(من أين لإخوتك غير الدم صلة تجعلهم اخوة؟

صلة تتجاوز تاريخكم بكل هنّاته وسنوات القطيعة، وقت يعانق واحدكم الاخر، صلة تمنحك في العناق شعورًا آمنًا، بأنك تستعيد جزءًا مبتورًا من جسدك).

رواية بديعة عبقرية  كلوحة من لوحات بيكاسو، سيراها البعض قمة الفن، و البعض الآخر خربشات مقطّعة غير مفهومة، لريشة تائهة.

بالتأكيد ليست موجهة للقارئ البسيط، ولا ترضي جميع الأذواق، بل تستهدف شريحة معينة من القراء، تلك التي  تعطي كل وقتها وتركيزها وصبرها، وتجند كل حواسها وطاقاتها، لفهم متاهة هذه الأحجية العجيبة.

 باختصار هي تجسيد لإبداع العقل البشري اللامحدود.

الكاتب سعود السنعوسي:

روائي كويتي وعضو رابطة الأدباء في الكويت وجمعية الصحفيين الكويتيين، فاز عام 2013 بالجائزة العالمية للرواية العربية عن روايته ساق البامبو.
له عدة أعمال منها: سجين المرايا، ساق البامبو، فئران أمي حصة وحمام الدار.


الأحد، 26 مايو 2019

الإنعكاس و التأويل.. ملاحقة أحجية ابن أزرق في رواية حمام الدار لـ سعود السنعوسي



بقلم تسنيم الحبيب:


إنها فعلا أحجية، رواية تبدأ من حيث تنتهي و تنتهي من حيث تبدأ، تعتقد في بدايتها أنك ستدخل عالم رواية جميلة ترشح منها هموم الكتابة، ومكابدات كاتب يروم إنهاء مخطوطه ، و تقرر أنك ستعاين تجربة جديدة ذات بعد روائي مركب قد لا يمت لهموم الإنسان اليومية بقدر ما يعرض قلقا خاصا ، لكنك بعد ذلك تكتشف أن الناص يُتيهك – متعمدا – في عالم روائي تجريبي لتلاحق مُمكنات الرواية و مكوناتها و تُحبس بالدهشة.

رواية حمام الدار/أحجية بن أزرق للكاتب سعود السنعوسي و الصادرة عن الدار العربية للعلوم رواية جدلية ، قد يجدها البعض مختلفة عن نِتاج الناص السابق، و مغايرة عما يُنشر من روايات ، و بكل صدق أجدها علامة فارقة في خط سير الكاتب ، ذلك أن هذا العمل أظهر الذكاء السردي الفائق للكاتب و بيّن بجلاء عنايته بالتفاصيل و بكل كلمة و تركيب و حدث تضّمنه العمل ، و أكّد أن مامن سطر عبثي في رواية تُخايل المتلقي و تراوغه سطورها و تضطره لتكرار استنطاقها، و أن عليك التقاط كل كلمة لتعبر إلى ما يمكن إدراكه منها.

لا أميل إلى إلصاق تهمة الصعوبة في الرواية، و لا أستطيع القول إنها مستغلقة، و لا أفضل أن أدعي أنها نخبوية و لشريحة خاصة، بل أرى أن هذه الرواية قد تروق للقارئ الذي يحب التنقيب عن روح العمل باجتهاد و معاودة و تكرار، و قد لا تروق اللقارئ الذي يبحث في كل عمل عن حبكة متسلسلة أو حكاية نافذة، يُعزى ذلك إلى إشكالية الذوق و القبول قبل كل شيء.

1/ المكان الممتد و الزمن المحدد و التجريب:

تقوم الرواية على ركيزة الزمن بينما تشرّع أبواب المكان على فضاء أكثر اتساعا، يصلح لأن يكون قالبا مكانيا لا تحدده بيئة ما و إن جاء ببعض أشياء المكان ، كالبيت الكبير و مكمن الغنم و المرسى و حتى أشياء الشخصيات كالعباءة و الديرم، مما يشي ببيئة مألوفة وإن كانت قابلة للتمدد ، بينما ضيّقت الرواية خط الزمن بنحو مختلف : خمسة صباحات، تارة تأمُّل، و قنصة ما قبل التأمل، ولنكون أكثر دقة نقول أن الرواية بكل أزمنتها المذكروة تُبنى على اثنتي عشرة ساعة مس فيها كاتب – في النص – ضبابي و مُحيّر وغير محدد، شرهُ الكتابة، ليواصل حرث الأوراق و يدلق بها كل ما يعرفه وما لايعرفه وما يحاصره من شخصية من شخوص نص أسماه النص اللقيط  ومن ثم لتنقلب عليه تلك الشخصية، وتبقى الرواية تأخذ المتلقي ليختار بكامل وعيه المهيمن بينهما، أن يختار الكاتبَ أم الشخوص أنم يبقى في دهاليز المتاهات بينهما.

خمسة صباحات مسرودة بقالبين، من وجهتيّ نظر ، الكاتب و الشخصية المتمردة ، و قد يظن المتلقي أن هذا ضرب من العبث و أن طبيعة الرواية -أية رواية- لا تحتمل هذا الخروج عن المألوف في السرد ، و أن ذلك يُفقدها روح الحكاية و يشغل المتلقي بالقالب عن القلب والمضمون، لكني وجدت أن ما قدمته رواية حمام الدار بعيد عن العبثية، وليس لإشغال المتلقي بالتجريب، لأن الرواية تقدّم الحكاية لكن عبر صراع مؤثر لتعلق فكرة النص الأساسية و التي تتمحور حول: الفقد والانتظار.

فليست حمام الدار مجرد عمل تجريدي غير طاعن في قلق الكائن و معاناته، إنما هي تغوص في تلك المعناة و لكن بنحو مختلف و ذكي.

حتى في الفصل المعنون بـ أثناء ساعة تأمل والمسرود على لسان شخصية "قطنة" والذي يظهر كأنه فصل مُترف خارج من اعتيادية الوجع الإنساني، حتى في هذا الفصل يقدم الناص أسئلة مقلقة حول الإذعان الإنساني للطاغية ومدى مضاء الروح في تغيير ما رُسم لها، و ما يتكرم به المصير على الثائرين والرافضين للخنوع.

إن مفارقة هذا العمل تظهر في تقديمه لمستوى جديد من التجريب، فبالعادة يقودنا التجريب إلى تفهّم أن الرواية قامت على خلخلة القواعد في سبيل تطوير طبيعتها وتقديم مجموعة أخرى من الخيارات للقارئ، فالشخصيات قد تُأوّل وتُسقط أو تنعكس، لكن هنا في حمام الدار صار لكل شخصية تأويلا، وتأويلا للتأويل، ولكل حدث وجه ووجه للوجه، و إن كنا قد اعتدنا أن تصرخ شخوص الرواية في صانعها فلم نعتد أن تقوم شخصية ما في رواية ما بسرد وقائع حيوات المؤلف و تفاصيل أفعاله.

2/ مع الشخصيات:

لدينا في الرواية شخصيات محددة، ولدينا إنعكاسات لها، وسأذكر هنا الشخصيات حسب فهمي والتقاطي لتفاصيلها.

شخصية النص الأساسية والمحركة لعجلته هي شخصية "ابن أزرق"، الكهل المأزوم، صاحب إرث الذكريات المرة، ووقائع الفجائع الآنية، والتصرفات المريبة والغير مبررة، لكن السؤال الذي يُسعى إليه، هل هو عرزال أم منوال؟ وأيهما يكتب الآخر؟ ومن منهما الصادق في روايته؟ أهو عرزال الذي كتب مذكراته مُرمزة، أم هو منوال الذي سقط في فخ التدليس؟ كلاهما كاتبان أصاب البكم قلميهما، وكلاهما يناوش الآخر ويريد علو الكعب عليه، وكلاهما يسعى في فناء الآخر لتكتمل الرواية.

أعتقد من خلال قراءتي البسيطة و ملاحقتي لتفاصيل الأحجية أن الكاتب الحقيقي هو من قدّم التفسير -أخيرا- لكثير من الأمور الشائكة، وأن الكاتب المزيف فضحته كلمة مثل "أشتاق" في السياق التالي:

"أنا في غرفة المكتب منذ الصباح، أشكو لزوجتي التي "أشتاق" ضيق صدري و حيرتي في أمري".

أو ربما كما يقول عرزال:

"ذلك الموتور منوال، المنسوب لأزرق، الذي كتبتُه مؤلفا كاذبا حتى مقدمته، يكتب عن نفسه ما يشتيه، لم يجرؤ على الاعتراف بأنه انفصل عن منيرة.. استدعاها في نصه زورا مُتخايلا أمام قرّاء محتملين" ص 109.

و كما يؤكد :

"اذهبي إلى شقة منوال، دقي جرس بابه، ادخلي وأخبريه بأنه مجرد شخصية مؤلف ورقية كتبها مؤلف آخر، حاولي أن تقنعيه لأن يُنهي هذا المخطوط انتحارا تجنبا لمصير الدُّرج السفلي" ص 110.

وفي المقابل لدينا شخصيات أخرى لها انعكاسات ورمزيات في النص، العجوز بصيرة التي أظنها صوت مُركز لهواجس و أخيلات منوال، أفعى الدار التي لا تخون و المتمثلة بـ فايقة العبدة البرصاء، قطنة، حمام الدار وهم غائبوها الشائقون، زينة و رحال، و الأم  فيروز.

من الشخصيات أيضا "أزرق" الأب المحير، المحب لزوجته فيروز الساخط عليها، القاسي على عرزال و المتنصل من منوال، ولا أعتقد أن الكاتب اختار عنواني "نص لقيط" و"نص نسيب" عبثا، ولا انتخب دزم مبرر لـ ابن أزرق عينين شهلاوين تشبهان عين العبد الآبق الذي أثار غضب أزرق فطرد كل العبيد بينما أبقى على "فايقة" وابنتها.

أعتقد -من خلال تتبعي للأحجية- أن أزرق هنا يرمز لحبر الكتابة، أو للكتابة بشكل عام،  وأن تلك القسوة البادية من قبل أزرق ما هي إلا امتداد لفكرة الفصل: في لحظة تأمل، وتعزيزا لمفهوم سلطة الكاتب وهيمنته.

في الرواية:

"لم يعد لي مكان هنا فقد استحوذ أزرق على كل شيء" ص 87.

وفيها أيضا:

"علمته المذكرات أن أزرق البغيض على حق دائما وإن خالف كلامه ما يشتهي"، ص 96.

بالطبع يبقى هذا اجتهاد مُحاول في متون النص، ولكل قارئ ضفة ما يسكن إليها، وعلى العموم فإن هذا التشخيص قد يقودنا لسؤال المأزق في الرواية: هل الكاتب طاغية؟ أم أب رؤوف؟

رواية حمام الدار رواية غنية، خاصة، ولا أظن أن مثل هذه القراءة تحيط بها، وبنقاط جمالها التي يجب أن يُشار إليها، لكن يبقى أنها تجربة قرائية مميزة، ومنجز يستحق أن تزوره حمامات القلب مرارا.

الثلاثاء، 1 يناير 2019

سعود السنعوسي في "فئران أمي حصة" .. يقرع الخزان ويصرخ "احموا الناس من الطاعون"!

الكاتبة بديعة زيدان



    ما بين منتصف ثمانينيات القرن الماضي والعام 2020، صال وجال الروائي الكويتي سعود السنعوسي، ومن خلال شخصياته المتخيلة أو القريبة من واقع عاشه أو عايشه وواقع تخيله، متكئاً على أحداث مرت بها الكويت، فحاول قراءة المستقبل بناء على ما مرّت وتمر به المنطقة العربية ككل، ليصل إلى المستقبل الذي ليس ببعيد، أي بعد خمس سنوات من الآن، كما جاء في الرواية، متخيلاً أحداثاً يتوقع حدوثها، وكأنه يتنبأ بالمستقبل.

    في «فئران أمي حصة»، وهو عنوان رواية السنعوسي الجديدة، والتي طبعت منها ست طبعات حتى الآن، منذ صدورها من قرابة الشهرين، كتب ما يمكن وصفه بروايتين في واحدة، إحداهما وصفية إلى حد كبير تحاكي تاريخاً معاصراً عايشه السنعوسي طفلاً، سماها «ارث النار»، مقسماً إياها إلى فصول أربعة، أو «أربعة فئران»: «الفأر الأول .. شرر»، و»الفأر الثاني .. لظى»، و»الفأر الثالث .. جمر»، و»الفأر الرابع .. رماد»، وتسرد جميعها حكايات شخوصه في فترة احتلال العراق للكويت، وما قبلها، وما بعدها، أي في مرحلة طفولة ومراهقة الشخوص، أما الرواية الثانية، إن جاز التعبير، فجاءت تحت عنوان «يحدث الآن»، وهي عبارة عن أحداث متلاحقة في يوم واحد، وبالتحديد في 12 ساعة، خلال يوم غير محدد من أيام العام 2020، تبدأ عند منتصف النهار وتنتهي عند منتصف الليل، موثقاً للمستقبل بالساعة والدقيقة، عبر الشخوص ذاتها، والذين تجاوزوا سن الأربعين بقليل، في الجزء المتخيل من الرواية.

    وأبطال رواية «فئران أمي حصة» ينتمون إلى عائلتين: شيعية عراقية تتمثل في الابن صادق وتوأمته حوراء ووالده صالح الكاره لكل من هو سنّي، وعائلة الجار السنيّة الكويتية، وتتكون من فهد صديق صادق، وعمته عائشة، والجدة التي ينادونها بـ»أمي حصة»، وأيوب، وضاوي ابن خال الراوي الذي هو صديق الاثنين، وفضل السنعوسي ألا يمنحه (الراوي) اسماً بعينه، أما بقية الشخصيات فهي ثانوية، وإن كانت مؤثرة، وتمثلت في الجيران والمعارف من عائلات فلسطينية ومصرية ومن جنسيات أخرى، حيث يجمع كل هذه الشخصيات حي واحد.

    حاول الروائي جاهدا نقل صور أو مشاهد من الحياة الحقيقية في روايته، متكئاً بشكل أو بآخر على مشهد من مسلسل «على الدنيا السلام» لنجمتي الدراما الكويتية حياة الفهد وسعاد العبد الله، والذي  تظهر فيه أيضاً شخصية هامشية من جنسية غير كويتية، تجسد دور مجنونة في مستشفى المجانين الذي جمع الشقيقتين ظلماً، فكانت المجنونة غير الكويتية لطالما تنادي بعبارة سارتر الشهيرة «الفئران آتية .. احموا الناس من الطاعون»، متخذاً السنعوسي من هذه المقولة التي اشتهرت منذ عرض المسلسل في ثمانينيات القرن الماضي، حجر زاوية للانتقال إلى مستقبل مظلم يغلفه الحقد الطائفي داخل المجتمع الكويتي.



    وتحت عنوان «يحدث الآن»، وهي أحداث حصلت في يوم واحد في العام 2020، امتدت منذ الساعة 12 ظهرا، حين يستفيق فهد بعد أن اعتدى عليه احدهم، وتركه مدمى بعد كسر عدد من أسنانه، وقد حطموا سيارته قبل فرارهم ... حين استفاق فهد، لم يجد صادق والراوي (صديقيه)، لتسير الأحداث بعد ذلك عبر رحلة البحث عن الأصدقاء، الذين ظل الاختفاء يرافقهم حتى خواتيم الرواية.

    أما الفصول الأخرى، والتي عنونها بـ»الفئران»، فكانت عبارة عن رواية منفصلة متصلة في آن، شكلت فرشة أو توطئة، تبدو كفترة تمهيدية لما سيأتي لاحقاً، وإن كانت هي المحور الأساس في الرواية.

     بدأت الأحداث في الجزء الثاني من منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ساردا فيها طبيعة العلاقة التي جمعت سكان الحي الواحد من فلسطينيين وعراقيين وكويتيين وجنسيات أخرى، ولافتاً إلى أنه وبالرغم من اختلاف بعض الطقوس الدينية لبعض هذه العائلات بين سنة وشيعة، إلا أن الجيرة والعشرة كانت هي السائدة بل والطاغية لسنوات طويلة، إلى أن حطت بنا طائرة السنعوسي الروائية إلى حيث أحداث الاحتلال العراقي للكويت، وتأثيراتها على سكان الحي، الذين انقلبت حيواتهم رأساً على عقد، حيث ماتت في هذا العام، أي عام الغزو، الأم أو الجدة حصة، التي كان يعتبرها الجميع «بركة» وكبيرة الحي»، فهي بمثابة الأم التي كانت تجمعهم، والتي كانت على الدوام مؤيدة ومتعاطفة بشكل كبير مع القضية الفلسطينية، فكانت تحث حفيدها واصدقاءه على التبرع لدعم فلسطين وأطفال الحجارة بدل شراء الحلويات، حتى باتوا يحفظون وصاياها في هذا الاتجاه.

    كانوا في الكويت قبل الحرب يشيرون إلى العائلات الفلسطينية بـ»الزلمات»، وهو ما تجسد في الرواية عبر الشقيقين «أبو نائل»، و»أبو طه» وأسرتيهما، وكيف كان يعتقد الكويتيون ان الزعتر هو سبب ذكاء الطلاب الفلسطينيين في المدارس محاولين تقليدهم عبثاً.

    وبعد الحرب، وعقب ما شهدته من انقلابات في العلاقات بين أبناء الحي الواحد تبعاً لمواقف الدول السياسية من الغزو، تبدأ بوادر خلافات طائفية بين السنة والشيعة، تفرق العائلات المتحابة والمتعاشرة منذ سنوات، إلا أنه وعلى الرغم من هذه الخلافات، يتفوق الحب إلى حين، في تلك الفترة، حيث أحب فهد ابن العائلة السنية حوراء ابنة العائلة الشيعية، بل إنهما يتزوجان رغم التحفظات الشديدة للعائلتين على هذا الرباط العائلي.. هاتان العائلتان اللتان لم تنهيا بهذا النسب المشاكل الطائفية، بل ازدادت، مع الوقت، حدة المناكفات التي وصلت إلى الضغط على كل من فهد وحوراء للخروج من دائرة النسب غير المرغوب فيه بالطلاق، وخاصة بعد وفاة الحفيد، أي ابن السنيّ والشيعية.

    وفي العام 2008 يؤسس الأصدقاء (أبطال الرواية)، مجموعتهم المضادة للتطرف الطائفي، أطلقوا عليها اسم «أولاد فؤادة».

    و»فؤادة» هي المجنونة التي كانت تردد في المسلسل، آنف الذكر، عبارة «الفئران آتية»، وتحمل مصيدة فئران في يدها، فشكلوا إذاعة إلكترونية وصفحة على شبكة الإنترنت لبث البرامج والأغاني التي تنتصر لذكريات أبناء المجتمع الواحد، بعيداً عن التطرف والتحيز بين سني وشيعي، رافضين الإفصاح عن أسمائهم، أو أي معلومات عنهم، أو حتى عن مقرهم.

    وفي الوقت الذي بدأت فيه التفجيرات، واشتعل الاقتتال بين الطائفتين في العام 2020، كانت الشائعات حول «أبناء فؤادة» تتصاعد، فالموالون للحكومة يصفونهم بالمعارضين، فيما يتهمهم المعارضون بالموالاة، أما الشارع فكان يغرق في الدماء ... دماء أبناء الطائفتين، فالحي الذي كان مليئاً بالحب قبل رحيل حصة، بات مستقراً لآلاف الجثث بعد رحيلها.

     ويفاجئنا السنعوسي في نهاية روايته بالنهاية الصادمة، حيث يصل التطرف مداه، ويتغلغل الصراع الطائفي ليصل إلى «أبناء فؤادة»، فيقتل أحد الصديقين الآخر، فيما يبقى القاتل يصارع الموت في المستشفى، دون الكشف عن مصيره، وكأن السنعوسي يقرع الخزان، أو جرس الإنذار، بأن «انتبهوا أيها الكويتيون، فإن «الفئران آتية»، وأن عليكم أن «تحموا الناس من الطاعون»، في رواية «قاسية وجريئة»، اعتمدت سياسة «التعرية من فرط العشق للوطن»، إن جاز التعبير، وهو ما جعل البعض، ومن باب الفهم الخاطئ على ما أعتقد، يدعو إلى منع تداولها في الكويت، وهو ما حصل بالفعل، وأثار ضجة كبيرة وصل مداها إلى مناقشات مجلس الأمة (البرلمان) الكويتي.

    وتتميز «فئران أمي حصة» بتقنية مغايرة عما اعتمده السنعوسي في روايته السابقة «ساق البامبو» الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) للعام 2013، عبر تشابك روايتين في واحدة، إحداهما مبنية على أحداث عايشها، أو وجد ما يقصها عليه بتفاصيلها، وأخرى متخيلة، مستخدماً لغة سردية محكمة البناء حد الدهشة، ولغة جمعت بين السلاسة وروعة التصوير، ما يدفعني للقول إنها «رواية عبقرية» ستكون علامة بارزة، ولها حضورها الطاغي بلا شك.

21 أبريل 2015

«فئران أمي حصة» .. ومن جديد زرقاء اليمامة تحذرنا من مسيرة الأشجار

الكاتبة نضال ممدوح

     ربما لو قرأ الرقيب رواية “فئران أمي حصة” لأستشرف مبكرا ما رأه “سعود السنعوسي” بنزاهة عيون “زرقاء اليمامة” التي يختص بها المبدع ٬ وربما ما كان اتخذ قراره بمنع تداول الرواية في مسقط رأس مؤلفها ٬ وربما فهم ما كان وراء الكلمات التي صاغها السنعوسي وأتهم بالتشاؤم وهو لا ينقل سوي الواقع القميئ ويطلق صرخته “أنتم لا تبكون موتاكم، أنتم تبكونكم بعدهم. تبكون ما أخذوه برحيلهم. يخلفونكم بلا جدار تتكئون عليه”فربما يفهم ويعيي القادمون القيح والصديد الذي يتخم واقعنا العربي المهترئ.

     كان أول ما قفز إلي ذهني مع الصفحات الأولي من رواية السنعوسي”فئران أمي حصة”أحداث رواية “يوتوبيا” للكاتب المصري أحمد خالد توفيق ٬ ولا أقصد هنا التناص إنما أعني إستشراف ماهو أت ومفارقة اللحظة الراهنة بل والقفز عليها لنسافر إلي قادم الأيام ولن أقول السنوات فهي مجرد شهور فرقت بين نشر الرواية وتفجيرات مسجدي القديح والعنود الشيعيين في المملكة العربية السعودية.

     وإن كان أحمد خالد توفيق حذر في “يوتوبيا” من ثورة جياع يترتب عليها جيتوهات يلجأ إليها المتخمة كروشهم بالثروات التي راكموها علي حساب دماء الفقراء ٬ بينما السنعوسي في فئران أمي حصة يتحدث إلينا من المستقبل تحديدا عام 2020 وتحديده هذا التاريخ لإنفجار الفتن الطائفية والقتل علي الهوية ربما وجده متلقي روايته شديد التفاؤل حيث أجل مشاهد الخراب والدمار وتقسيم المدينة الواحدة إلي مئات الحواجز والمناطق بين مشايعيين كل طائفة وأخري وربما السنعوسي وهو يتابع أخبار تفجيرات القديح والقطيف شعر هو الآخر أنه كان مفرط في التفاؤل وليس التشاؤم كما تناولت الأقلام النقدية الرواية.

   يتوازي السرد عبر زمنين ما كان في طفولة الراوي وأيامه الخوالي وبين “يحدث الآن” الكابوسية الضاغطة علي أنفاسك وأنت تتابعها والتي تدفع الدماء حارة في عروقك بالسؤال الشائك ماذا قدمت الأديان للإنسانية سوي الشقاء والبؤس ٬ كيف فرقت الأديان بين البشر بعضهم البعض وبثت بينهم الحقد والبغضاء وشهوة القتل والإفناء للآخر إن لم يعتنق معتنقي لأنني أملك الحقيقة المطلقة ٬ ذلك الشقاق الذي بثته الأديان لم يقتصر بين ديانة وأخري إنما داخل الدين الواحد ما بين شيعة وسنة ٬ دروز وبرتستانت ٬ كاثوليك وأرثوذكس٬ سيخ وتاميل “أخفي الورقة مجددا أسفل المقعد وأستخرج بدلا منها رزمة منشورات دعوية كتب عليها أبوبكر في الجنة وعمر في الجنة٬ وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة و…وأدير المذياع علي إذاعة الحق ٬ هي الطريقة الوحيدة التي تجنبني الوقوع في مشاكل مع حياد اسمي الذي يصعب معه تحديد طائفة يفترض أن أنتمي إليها ” وحينما يمر إلي الجهة الآخري التي يسيطر عليها معتنقي المذهب الشيعي المخالف :”أري من منتصف الجسر نقطة أمنية قبل آخره ترتفع منها الأعلام الخضراء هذة المرة ٬ أواري رزمة الأوراق أسفل المقعد ٬ أدس إصبعي بخاتم عقيق أحمله دائما في درج السيارة ٬ أدير مؤشر المذياع علي محطة أخري تنطلق منها أصوات جماعية تنشد علي إيقاع منتظم للطم الصدور، أنشودة للأمام الحسين”.


     ولم يتوقف أحد يوما ليطرح سؤال آخر كيف ل حي بن يقظان أن يعرف الله بقلبه لأنه من روحه بدون أنبياء أو رسل بدون ديانة أو وحي ؟وكيف ضللنا جميعا الطريق إليه رغم كل هذة الأديان والأنبياء ولم يتبقي فقط سوي القتل والتدمير ٬ الحرق والدماء والجثث المتعفنة في الطرقات ؟!!.
لم يتعلم أحد من درس الحرب الأهلية اللبنانية بكل كوابيسها ومآسيها ٬ بكل قبحها وقيحها ٬ لم يستعب أحد الدرس من خروج الجميع خاسرين صفري الأيدي ٬ بل لم يعيي أحدا تساؤل الصغير الممتد عبر الرواية “حديقة الحيوان وين” ذاك السؤال الذي غرس في ذهن الصبي ووعيه عن السبب وراء إعتبار العمرية أو العميرية كما ينطقها الأهالي سبة لمن ينتمي إليها أو يقطنها ؟
ولم يلتفت أحد إلي نبؤة “أمي حصة”التي دوما ما كانت تؤكد علي وجود تلك الفئران القبيحة التي تحمل الطاعون ذاك الذي يحصد الأرواح ويهلك القري “ليس ضروريا أن تراها لكي تعرف إنها بيننا !”الطاعون هنا ليس المرض البيولوجي اللعين إنما تلك النعرات الطائفية والتمييز بين أبناء الوطن الواحد علي أساس المذهب أو الدين أو حتي الجنس ٬ طاعون الطائفية الذي لم تبدأ فصوله الحقيقية بعد.

     وبغض النظر عن تصنيف الرواية وجنوحها إلي الفانتازيا أو الخيال أو حتي كما عبر كاتبها عن إنها “دقة لناقوس الخطر “أن إنتبهوا واستيقظوا إلا أن المحك سيكون علي الفعل القادم أو كما في جملة أحمد حلمي في فيلمه ألف مبروك “تعالي نغير الواقع٬ تيجي معايا وانا بغير الواقع ”.

     نجح السنعوسي في إلتقاط التفاصيل الصغيرة الحميمية التي نرتبط بها جميعا علي إمتداد العالم العربي ٬ سواء في بعض المعتقدات التي توراثناها عن التطير فكما نتشائم في مصر من فتح المقص وغلقه فأهل الكويت أيضا يؤمنون بذاك التطير ٬ بائع الأقمشة اليمني المتجول وهو يقطع الطرقات مناديا علي بضاعته من المنسوجات والأقمشة النسائية هو ذاته في مصر وإن كان أقتصر وجوده علي القري والأرياف.

     وكما أننا في الهم عرب لا تختلف ممارساتنا القمعية تجاه بعضنا البعض من مكان لآخر في بلداننا فكما تنهر الأم المصرية أو الأب طفله وهو يطلق أسئلة الدهشة حول وجود الله وأين هو وما هيته ٬ كيف ومن أين يجيئ الأطفال كذلك فعلت والدة الصبي الصغير ووالده ومعلم المواد الدينية في مدرسته.

     حينما تفرغ من رواية “فئران أمي حصة”لن تملك سوي إطلاق زفرة حسرة حارة وإحساس بالعجز عن تغيير ذلك الواقع الصديدي الموبوء بالطائفية والإقتتال بإسم الرب ٬ يأكلك الرعب والفزع من الأيام القادمة وما تحمله لكنك ربما لمحت شبح ضوء في آخر النفق لوجود شخصيات مازالت تحتفظ ببهاء أرواحها النقية وعلي رأسها “أمي حصة” العجوز المفعمة بالحياة النقية من تعامل خادمتها كفرد من عائلتها ٬ تبتاع لها الأثواب ولا يجرؤ أحد علي مقاطعتها وهي تشاهد الأفلام الهندية يوم إجازتها ٬ بائع المثلجات الفلسطيني الذي يتغزل في عربته التي خرجت ثلاثة أبناء من الجامعة جميعهم يتجاورون بعيدا عن أوطانهم لكنهم خلقوا وطنا في المنفي بما بينهم من أواصر محبة ربما إستطاعت يوما أن تقهر طاعون الطائفية المقيتة . 


الأحد، 2 ديسمبر 2018

"حمام الدار".. أحجية فلسفية في قالب أدبي ممتع


هيثم السايس:





"حمام الدار لا يغيب، وأفعى الدار لا تخون"..

كانت هذه تيمة أحدث روايات الكاتب الكويتي سعود السنعوسي، والذي سبق له كتابة العديد من الروايات المؤثرة في عالم روايات العربية خلال الفترة الأخيرة مثل "ساق البامبو"، و"فئران أمي حصة" وغيرهما. إلا أن تلك الرواية التي نحن بصددها "حمام الدار (أحجية ابن أزرق)" الصادرة عن منشورات ضفاف عام 2017،  تختلف كلية عن الروايات السابقة للكاتب في عدد من الأوجه وتقنيات الكتابة والرسالة التي تحملها بين طيات الأحداث.

فقد اعتمد السنعوسي في رواياته العديد من التقنيات الكتابية الروائية التي تميزت كلها بالقدح الذهني، حيث الرواية تحتاج إلى عصف ذهني شديد حتى يتم فهمها بشكل صحيح، وهذا ليس عيباً في الرواية بقدر أنها تحمل لوناً جديداً غير متبع في الرواية العربية إلا نادراً، وهو ما حاول الكاتب أن يعتمد على هذا اللون في إتمام الرواية.

أقسام الرواية .. العهد القديم والجديد:

قسّم الكاتب روايته إلى قسمين منفصلين، يرتبط بعضهما ببعض في الأحداث التي تكاد تكون واحدة لشخصين منفصلين وهما بطلا الرواية عرزال ابن أزرق ومنوال ابن أزرق. وعرزال يمثل العهد القديم، كما يطلق عليه الكاتب، ومنوال يمثل العهد الجديد. إلا ان أحداث العهدين أو قسمي الرواية واحدة تماماً من دون تيمة التكرار، لكنها تعتمد على عدم الفصل بين الخيال والواقع بين الطرفين مع أحداث متداخلة على لسان الشخصيتين ما بين ماضيهما وحاضرهما وربط الماضي بالحاضر بإحترافية شديدة تحسب للكاتب بعيداً عن الملل في أجزاء كثيرة من قسمي الرواية.
والرواية لا تعتمد على الفصول ككل الروايات التقليدية، بل إنها قسمان تتداخل فيهما أجزاء منفصلة للغاية عبارة عن أحداث من الماضي لكل شخصية، تتداخل بدورها مع الحاضر، هذا إلى جانب تعمد الكاتب عدم توضيح الأماكن أو الزمان المحدد، بل تركه لخيال القارئ، حيث تشعر وأنت تقرأ تلك الرواية أن الشخصيات نفسها تكتب نفسها بنفسها خاصة مع تصاعد الأحداث خلال قسمي الرواية.

لغة الرواية وأسلوبها:

في الحقيقة تتميز رواية "حمام الدار" بلغة رصينة جذلة، حيث تبتعد تماماً عن الألفاظ العربية الدارجة في معظم الروايات الحديثة. كما تتميز كلماتها بأنها عربية صحيحة تحتاج إلى شرح في بعض ألفاظها، لكنها في العموم لغة سهلة في معظمها، كما أنها تتميز بوجود تشكيل الكلمات في بادرة لن تجدها في العديد من الروايات. ولعلها من التجديد الذي قصده السنعوسي، أن تصبح الرواية منذ الكلمة الأولى إلى الكلمة الأخيرة عبارة عن نص أدبي قوي يتميز بالتشكيل والتدقيق اللغوي الشديد، وقد تم بذل جهد واضح في هذا التدقيق.

أما عن أسلوب الرواية، فالأسلوب والمعاني المستعارة، إلى جانب التشبيهات الجمالية، رائعة في العديد من أجزاء الرواية مما يضيف رونقاً خاصاً على الأحداث يزيد من رصانة النص الأدبي للرواية بشكل كامل.

ويشعر من يقرأ الرواية أن الأسلوب قادر على جعل القارئ مندمجاً مع الأحداث بالرغم أنها تحتاج إلى تركيز شديد في التقنيات التي اعتمدها الكاتب في كتابة الأحداث، إلا أن هذا الأسلوب التعبيري والجمالي من التشبيهات والاستعارات وغيرها خففت من حدة التقنيات الجديدة والتي لا يعتاد عليها قارئ الرواية العربية وخاصة خلال السنوات الأخيرة.

إلا أن هذا الأسلوب أيضاً قد لا يستسيغه البعض من القراء، الذين اعتادوا على التقليدية في سرد الأحداث والأساليب اللغوية وغيرها من التقنيات التي تكتب بها الروايات، حتى اتهم البعض الكاتب أنه وجّه روايته إلى الصفوة من المثقفين دون الجمهور العادي، وذلك بسبب صعوبة ترابط الاحداث وفهمها من أول مرة، وأنك تحتاج كقارئ عادي أن تقرأها أكثر من مرة حتى ينكشف لغز الرواية.

الرواية مجموعة من الألغاز والأحجية:

لعل اسم الرواية موحي للغاية في قسمه الثاني "أحجية ابن ازرق". الأحجية والألغاز، هي من أعتمد عليها السنعوسي في كتابة الأحداث المتتالية سواء في القسم الأول من الرواية الذي يتحدث عن عرزال أو في القسم الثاني الذي جعل منوال بطله الخاص. فالأحداث عبارة عن أحجية خاصة بالبطلان تحتاج الكشف، إلا أن الكاتب وضع تلك الأحجية والأسئلة والنقاشات النفسية الداخلية نت دون إجابات واضحة محددة، مما جعل القارئ في حيرة من أمره في بعض الأحيان، ومن هنا جاء إتهام الرواية بأنها تحتاج إلى القراءة مرات ومرات من أجل فهمها وحل الألغاز التي بين طياتها، وأنها كتبت خصيصاً للصفوة من الناس.
إلا أن الحقيقة غير ذلك، بالأحجية النفسية التي وضعها الكاتب والتي تحتاج بالفعل إلى قدح زناد العقل مع كل تفاصيل الرواية، تجعل القارئ قد يرى نفسه فيها، وكأنها مرآة له يرى فيها حياته الشخصية. ولعل القارئ يصل من خلال تصاعد الأحداث في القسمين، إلى أن يقر في كينونة نفسه أنه وجد الحل، أو بالأحرى فهم المغزى من رسالة الرواية ككل، والتي يفهمها القارئ وفق معارفه وتفكيره ومنطقه في تفسير الأحداث والذي يختلف من قارئ إلى قارئ، وهو فيما يبدو ما قصده الكاتب من كون تلك الرواية عبارة عن عدد من الأحجيات المشتركة والمتداخلة مع بعضها البعض.

لوحات تشكيلية خدمت النص الأدبي كثيراً:

من مظاهر التجديد في رواية "حمام الدار"، هي اللوحات الفنية التشكيلية التي تميزت بها الرواية سواء الغلاف الخارجي المعبّر تماماً عن فكرة القصة، وهي عبارة عن جسد واحد لوجهين يشبهان بعضهما تماماً. ولعل هذا يقصد به بطلي الرواية عرزال ومنوال إلى جانب وجود نافذة شباك صغيرة نحو السماء الزرقاء. ولعلها ترمز إلى أزرق الكيان المغلف لأحداث الرواية وعليها حمامة تشبه وجهها قليلاً شخصيات الرواية، وهي كناية أن "حمام الدار" جزء أصيل من أحداث عرزال ومنوال طوال أحداث الرواية إلى جانب منضدة عليها كوب القهوة.

ولعل هذه اللوحة التشكيلية المعبّرة، قصدت منها الفنانة التشكيلية الكويتية "مشاعل الفيصل" التعبير عن عرزال ومنوال وحمام الدار بكل صدق وكأن هذه اللوحات جزء من النص الأدبي، وهي في الحقيقة أضافت إلى النص رونقاً وأثراً كبيرين في نفس القارئ المندمج مع أحداث الرواية والخيال المغلف بها.

واللوحات عددها عشر بالإضافة إلى غلاف الرواية المميز باللون البني في الخلفية والرمادي في ملبس الشخصية والمختلط بالأزرق، وهذه ملحوظة أخرى، حيث أن اختيار الألوان مقصود هنا في أحداث الرواية التي تختلط ما بين الرمادي والأزرق. وهذا نجده في النص الأدبي مباشرة في العديد من الأجزاء والحكايات على لسان الأبطال سواء في ماضيها وحاضرها.

أما عدد صفحات الرواية فهي لم تتعدَ المائتي صفحة، وهي أصغر الروايات التي كتبها السنعوسي خلال مسيرته الأدبية، إلا أنها أقوى تاثيراً في الأسلوب والتجديد كما رأينا، وهو ما نحاول إلقاء الضوء عليه خلال مناقشة الشخصيات وبعض من الأحداث والأحجية بها خلال النقاط التالية.

العهد القديم.. نص لقيط على لسان عرزال:

أختار السنعوسي هذا العنوان ليكون عنوان القسم الأول من الرواية والذي أسماه العهد القديم صباحات عرزال ابن أزرق، والتي تعبّر تماماً عن هذه الشخصية التي تحكي ماضيها وحاضرها في لغة متداخلة وتذكر للأحداث في الماضي لمجرد أن يرى الحاضر.

أما عن النص اللقيط، فهو النص الذي وجد من العدم لكاتب يصوّره السنعوسي بأنه يريد أن يكتب ويقدح زناد عقله من أجل إخراج نص من لا شيء وقد نجح على مدار 12 ساعة متتالية على كتابته وهذا كان مدخلاً جيداً للرواية ككل، والتي تبدأ بالصباحات التي يحكيها عرزال إبن أزرق عن حياته السابقة واللاحقة.

أما عن الصباحات "الرمادية" التي يحكيها عرزال، فهي عبارة عن صباحات كسولة مملة من شخص يعاني الإكتئاب في غرفة مهملة لها نافذة على البراح الأزرق والذي لعله هنا ماضي هذا الشخص. ومن خلال حمامات تستقر على النافذة وتغدو وتروح كيفما شاءت لكنها لا تغيب، ومن هنا جاءت تيمة هذه الرواية أن "حمام الدار لا يغيب"، يتذكر عرزال بيته العربي القديم وأباه أزرق والحمامتين "رحال وزينة" واللتين لهما قصة أخرى في العهد الجديد، في شي رائع من تقنيات الكتابة التي قصدها السنعوسي، وحمامة أخرى تدعى فيروز لها صغار تقوم برعايتهم بين الفينة والأخرى.

بطل هذا العهد عرزال يقوم بتذكر الدار وخاصة بصيرة جدة والده، الذي يطلق عليها أنها سيدة قديمة جداً لا يدري هل أنها جدة والده حقاً، أم جدة جدته، تعيش في أسفل السلم للبيت العربي الذي تربى فيه عرزال صغيراً، لكن أباه أزرق لا يرى لها وجوداً، ويتهم ولده أنها من نسج خياله، وهنا تبدأ أحجية إبن أزرق في الظهور، لكن بصيرة على كل حال جزء مهم في الرواية وفي تفسير هذه الأحجية.

ينتقل السنعوسي برشاقة على لسان عرزال إبن ازرق من صباح أول وثانٍ وثالث في محاولة لظهور الأحجية مرة بعد مرة، وتذكر الأحداث الماضية مع الحاضر، وتأثر عرزال بحالته الحاضرة. عرزال هنا شخص منفصل عن زوجته، يرى أطفاله بالكاد كل فترة، يعاني من الإكتئاب والحياة الرمادية والتي تعبر أحداث حياته، ملطخة بالأزرق وهو الماضي المتمثل في أبيه أزرق الذي كان يربّي الحمام على سطح منزلهم. ويتأثر الإبن بالحمام الذي يذهب بعيداً من دون أن يعود كما أخبره والده، لكن الإبن ينسج خيالاته الخاصة حول الحمام، ليصنع عالماً مليئاً بالتساؤلات الأبدية والتي كأنها تساؤلات البشرية جمعاء من لدن آدم حتى يومنا هذا.

العهد الجديد.. صباحات متكررة لمنوال ابن أزرق:

في هذا القسم الثاني من الرواية، يبدأ السنعوسي في الإنتقال إلى منوال إبن أزرق، وهي شخصية جديدة بعيدة عن عرزال، إلا أن الأحداث متكررة إلى حد بعيد. منوال مثل عرزال في كل التفاصيل الحياتية والمعاناة التي يعانيها، وبعد تداخل كبير في الأحداث، نجد أن الحمامتين اللتين هربتا من أزرق في أول الأمر ولم تعودا وهما زينة ورحال ما هما إلا ولدا منوال اللذين ابتعدا عنه نحو الفضاء الأزرق في البحر المتلاطمة أمواجه.
يبدأ منوال بالجملة المتكررة في معظم أحداث الرواية "حمام الدار لا يعود". ثم يحكي الراوي على لسانه حكايته الماضية مع أزرق والحمامات في حكاية تشبه قصة عرزال السابقة، ومع الكثير من الأحداث المتوالية عن حياته مع زوجته السابقة وإبنيه التوأم واللذين للمصادفة اسمهما رحال وزينة وهما الحمامتان اللتان غابتا عن عرزال وأبيه، وكأن هاتين الحمامتين استقرتا عند منوال إلى حين.

تتوالى الأحداث في رشاقة وخفة لغويتين رائعتين تحسبان للسنعوسي حتى تنتهي الرواية بأحداث غير متوقعة، لكنها تتمحور حول أحجية وتساؤلات أخرى عن الحياة وفلسفتها وكينونة العيش فيها، وهي أسئلة وجودية قلما نجدها في نص أدبي ممتع.

في النهاية؛ من خلال تلك الرواية لا يمكن وضع جميع التفسيرات والتأويلات بشكل عام، في إطار خاص أو قالب معين، وذلك لأن القرّاء هم من سيضعون تفسيراتهم الخاصة حول تلك الرواية وما يتعلق بها من تساؤلات إنسانية محضة، فهي مرآة يرى فيها الفرد نفسه من خلال نص أدبي فريد من نوعه غامر به السنعوسي بطرحه على الجميع.

الخميس، 27 سبتمبر 2018

في وداع شجرتي الظليلة في زمن اليباس



       "بو فهد شلونك؟"

       أدريك تسمعني في وقتٍ لا أنصت فيه إلى صوتك. أدريك تفهمني وأنا أبحث عن فهمٍ لمعنى رحيلك على هذا النحو، وأنا الذي ما زلت أحتفظ بقصاصة ورق كنت قد شاهدتها على سطح مكتبك في الصالحية قبل سنوات سبع. قصاصة لا تحمل إلا تاريخ الثامن عشر من أكتوبر 2041. "ما هذه بوفهد؟!". رفعت حاجبيك تضحك: "حلمت البارحة أنني أموت في هذا التاريخ". ولشدة ما أصدقك، آمنتُ بحلمك مطمئنًا.

     أهكذا يخونك قلبك الذي ما خان أحدًا قط؟ ألم نحتفل قبل خمس سنوات بإطفائك السيجارة الأخيرة كيلا يُنهك هذا القلب المنهك أكثر؟

     بوفهد، قبل ثمان سنوات حلمت فيك تموت على خشبة مسرح، هل تذكر؟ كنا أنت وأنا وشخصٌ آخر لا أعرفه اسمه عيسى نمثل أدوارنا أمام جمهور غفير. حملناك، عيسى وأنا، بين أيدينا إلى مستشفى مبارك ولكنك فارقت الحياة عند البوابة. استيقظت أطعن كابوسي بمهاتفتك. "أبي أشوفك"، وأنا الذي لا يموت في أحلامي إلا من أحب. أجبتني كدأبك: "حياك". عانقتك أفضي لك بتفاصيل كابوسي. أجبتني تُطمئن: "هذا بس لأنك تحبني". أشرتَ إلى مخطوط "في حضرة العنقاء والخل الوفي"، تفسِّر وجود المسرح في كابوسي: "لأن الرواية تضمنت المنسي ابن أبيه في مسرح الخليج.. ولأنك تفكر في روايتي"، ولما سألتك عن الشخص الثالث في الكابوس، أشرتَ إلى مخطوط ساق البامبو إلى يسارك: "هذا عيسى الطاروف". ما كان له ليكون، وما كان لي أن أكون، لولا أنك كنت الجزء الفاعل في المشهد.

     من الذي سوف يقبلني القبلة الثالثة كلما فرغت من كتابة رواية؟ أجيء بالمخطوط مطبوعًا، أعانقك، اقبلك اثنتين، تقرِّب خدَّك: "بوسة ثالثة عشان خلصت روايتك".

     بوفهد تذكر؟ كنتَ صحبة رفيقك الأثير، أبي مازن، في العراق. هاتفتني وقتَ كنتُ في أبوظبي أتحرى إعلان جائزة. لم تُطل المكالمة إذ اختصرت: "اِسمع.. عد بالجائزة". أجبتك بأن ما حصدته يفوق الكفاية وأنني.. قاطعتني: "اِسمع.. عد بالجائزة". ولما عدتُ. كنتُ في السيارة بين أمي وأبي اللذين حضَّرا حفلا في البيت يضم أهلي.. كل أهلي. ملتُ بجذعي أمرر رأسي بينهما في المقعدين الأماميين مثل طفل: "يُبه.. ودني الصالحية". عدَّل والدي المرآة أمامي يشاهد وجهي: "ليش؟". ابتسم يشجعني وقتما أجبته: "أبي أشوف إسماعيل".

     لم أنتظر وصول المصعد. ارتقيت السلالم أركض إلى مكتبك، وحقيبة السفر الصغيرة على كتفي ما زالت، مثل طفلٍ هاربٍ من مدرسة كئيبة. لم أجدك لحظتها، ولكن نظارتك الطبية كانت على سطح مكتبك. سألت العاملة سَبيتا عنك فأخبرتني أنك ذهبت لتأخذ شيئًا نسيته في سيارتك. وعند مدخل البناية العتيقة، مقابل مقبرة الصالحية، رفعتَ حاجبيك دهشةً من دون أن تفوه بكلمة إزاء وجودي المفاجئ في وقتي المشغول إلا عنك. ابتسمتُ أقول لك: "جئتك من المطار، ألـمِّك حتى يصير للجائزة معنى". أربكتني حينما ابتعدت بصدرك عني تبحلق في وجهي وتُمسِّد ساعديك: "وقَّفت شعر جسمي يا سعود"، ثم باعدت بين ذراعيك تعانقني.

     كنت تضحك قبل يومين فقط: "بوفهد صوتك متغير!". تجيبني مهونًا: "شوية برد". أذكرك: "بوفهد لا تنسى التطعيم"، كان أوانه وأنت الذي تكره نزلات البرد، تتلافاها بالتطعيم السنوي في مستشفى هادي. ضحكت كثيرًا: "موعد التطعيم بعد يومين والبرد أصابني اليوم!". لم تكن نزلة برد، ولم تكن أنت. أفضيت لإقبال العثيمين قبل يومين وهي تسألك عن مزاجك، يومَ لمحت طيف حزن يبدو نشازًا في ملامحك الباسمة: "ما في شي يونِّس.. لا محليا ولا إقليميا ولا عالميا". وقبل ذلك، حين تخلفت عن زيارتك لما يقارب الشهر، أرسلت لي رسالة تحمل صورة لطائريّ بوم خشبيين، وأسفل الصورة كتبتَ: "بانتظارك". تدريني أحب طائر البوم، وأدريكَ تحب الأفيال، وقد عقدنا ما يشبه اتفاقًا ضمنيًا أن أهديك فيلًا وتهديني بومة بعد عودتنا من أسفارنا. أفضيتَ لي يومها في غمرة ما يشبه حزنًا لا يشبهك: "لن أكتب".

     ألهذا سارعت بالرحيل؟ ماذا عن قرائك؟ ماذا عن أحبابك بوفهد؟ وماذا عن طيور البوم في مكتبي والأفيال في مكتبك وبيتك؟ ماذا عني أنا؟ أنا المريض بالفقد، أنا القلق حتى ساعة أكون في حضرتك أبدِّد سعادة اللحظة قلِقًا أفكر في يوم الرحيل. وها أنا اليوم في ساعة رحيلك أبدِّدُ حزنها باجترار ساعات ابتساماتي معك.

     أجلس الآن وراء مكتبي، أمام "الركن الإسماعيلي" الذي تعرف. أجزاؤك التي تحيط مكنة خياطة جدتي؛ بورتريه، نسخة عن صورة التقطها لك يوسف خليفة، عملت منها نسختين لكلينا في أحد أسفاري، ومجسمٍ صنعه طارق هاشم لوجهك الأحب، وإطارٍ يضم الصفحة الأولى من رواية "في حضرة العنقاء والخل الوفي" مكتوبة بقلمك الرصاص قبل أن تعتزله وتمضي بكتابة رواياتك على الكمبيوتر، وثلاثة من طيور البوم، أحدها في قلادة نزعتها ذات يوم، صديقتك وأستاذتي، ليلى العثمان من جيدها وقالت: "لك"، والآخرين كانا هدية السفر الأخير يوم أرسلت لي: "بانتظارك".

     هل تصدِّق بو فهد؟ لعلي أصدق أنك رحلت لو أنك هاتفتني: "في أمان الله أيها الجميل.. قررت أموت"، مثل كل الأفعال المجنونة التي ترتكبها ولا تسأل أحدًا، وقتَ تجيبني في كل مرَّة تُخرس عَتَبي: "بكيفي!". ولكنك لم تصرح، ولأنك لم تفعل، فإني سوف أنتظرك تبدد كابوسي: "هذا بس لأنك تحبني". أنت لم تجرح أحدًا في حياتك، ويؤلمك إن فعلت من دون قصد، وكنت دائمًا ما تتصل تبرر ما لم يكن خطأً: "البارحة ما نمت.. وحياتك سعود، ضميري أنبني حينما قسوت عليك". فلم هذه القسوة اليوم إسماعيل؟

     حينما استيقظت على خبر رحيلك، أمسكت بهاتفي على السرير أهاتف بكرك أسامة: "أبي أشوفه" ولم أسأله عن صحة الخبر. لملم أسامة كلماته غصبًا: "تعال البيت قبل لا توصل سيارة الإسعاف". لا أدري كيف قطعت الطريق إلى شارع المثنى. ضباب الدمع في عيني وغترتي ملقاة على المقعد إلى جواري كما لو أني أحمل لباسي كفنًا. أقود سيارتي مضيقًا عيني أحاول أن أبصر الطريق وقد نسيت نظارتي الطبية في البيت. أدوس مكبس الوقود بنعل الحمَّام كما لو أني أهشمُ رأس الموت. بين أكيد وأمنية كاذبة كنت في ممر بيتك أتحرى تكذيب خبرٍ في وجوه أحبتك. وجه أسامة وعناقه لم يتركا لي فسحة أمل. لم ينطق ابنك فهد بكلمة، ولكن قبضته المطبقة على كفي قالت كل شيء حين قادني إلى مقعدٍ في غرفة نومك أمام فراشك. التفت في الممر إلى لوحتك الأثيرة، لوحة البحريني عبدلله يوسف "خطوة في الحلم"، ولكن خطوتي العابرة عتبة غرفتك لم تكن خطوة في حلم أبدًا. أي حزنٍ نبيل رافق رحيلك يا أنت؟ أي صمت داهم بيتك؛ الناس ولوحات الجدار والشجيرات في أُصصها الحزينة، والطيور في أقفاصها مفتوحة الأبواب. كنتَ بين أحبتك، أبنائك ورفيق دربك أبي مازن. كنتُ أتوق لعناقٍ أخير ولكنك كنت مستلقٍ على يمينك في وضعٍ جنيني كما لو كنت تعانق نفسك التي غصَّت بمحبيك. أطبقت قبضتي على كتفك على سبيل عناق متاح. وأطلتُ قبلتي على رأسك تحت لحافٍ جبنتُ أن أرفعه. وكنت أنصتُ داخل رأسي، في صمت الحاضرين، إلى أغنية لحَّنها كوكب حمزة، وصغت أنت كلماتها:

     يا صاحبي خلِّني/ يا صاحبي خلِّنا/ أدريك شايل تعب/ وأدريك حاير بنا/ والفرح، آه يالفرح/ والحزن يومه بسنة/ يا صاحبي خلِّني/ يا صاحبي.. خلِّنا.

     خدشتُ هدوءك أدري، سامحني، لحظة بكيتُ وأبكيت. فأنا لا أجيد شيئًا في حضرتك إلا أن أكون ابنك وتلميذك وصديقك الهارب من صيوف الحياة الزائفة وقيظ الأيام الحزينة، أتذرى فيك شجرةً ظليلة حانية تمنحُ ولا تطلب إلا أن نكون سالمين.

فكن سالما في قلوبنا..
كن أبديًا في قلب سعود..