السبت، 28 سبتمبر 2019

«ناقةُ صالحة» لسعود السنعوسي... قصة حب صحراوية


أحمد مجدي همَّام

تجربة صغيرة قام بها الروائي الكويتي سعود السنعوسي (1981)، في مفتتح روايته الخامسة "ناقةَ صالحة" الصادرة حديثًا في طبعة مصرية مشتركة بين "تنمية" و"الدار العربية للعلوم ناشرون"، عندما جعل العنوان الفرعي "الوصول أكثر مشقة من الرحيل" يتكامل مع الجملة الافتتاحية : "..قال الشيخ لصبيه الأجير..".

مع كل صفحة كان بيت الشعر الشهير للمنخل اليشكري: "أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري" يرد على بالي، متماسّاً بشكل مباشر مع مسار الرواية، التي تحكي الوجه الآخر لحكاية الشاعر الكويتي دخيل بن أسمر (1880 – 1979) وحكاية قصيدته الشهيرة "الخلوج" وقصة الحب التي جمعته بابنة خاله صالحة آل المهروس..

بادية غرب الكويت

شرق إمارة جبل شمّر، حيث قبائل التخوم التي قد تنقسم في الولاء بين داعمين لحلف آل صباح وآل سعود في معركة الصريف (1901) ضد آل الرشيد، وتنقسم وانقسمت فيما قبلها وبعدها من معارك، وفي تلك البيئة القاحلة ذات الأعراف الأمضى من القوانين، يُتهم الشاعر دخيل بن أسمر بالتغزل في ابنة خاله وهجاء عمها، بقصيدة ملفّقة، ألفها شاعر آخر هو فالح آل مهروس، شقيق صالح، وهذا الأخير الذي ظفر بصالحة، عملاً بالعرف القائل: "العم ولي والخال خلي". بعد أن قضت الأعراف بنفي دخيل بن أسمر، أو هروبه، أو اختياره للمنفى.

تتقاطع الخيوط بين دخيل وصالحة مرات عدة، تبدأ بمحاولة ناجحة من دخيل، الخبير الصحراوي، لجعل ناقة خلوج (ثكلى) كثيرة النواح، تتبنى حوار أنثى يتيمة هي "ناقة صالحة"، هكذا وُشمت الجِمال في الحكاية إلى آخرها، فجمل يقتل ابن صالحة، وآخر يقود دخيل إلى خيمتها بعد أن شردت من قبيلتها إلى الصحراء قاصدة الكويت، وآثار سير  ثالث تدل صالحة على فالح وناقته السريعة ودورهما الغامض في مقتل صالح وإهداء جمله إلى دخيل بعد معركة الصريف.

يموت صالح جريحًا بعد الرجوع من معركة الصريف إلى معسكر حلفائه في الكويت، ويموت ابنه وابن صالحة برفسة من الناقة الخلوج الخائفة من عواء الذئاب، ويسجن دخيل متهمًا بقتل صالحة وابنها. هناك حس بوليسي جلي يندلع منذ اللحظات الأولى من السرد، وتلميحات متفرقة بأن الشيخ محمد المروي عنه بضمير الغائب في الفصول الأولى هو نفسه الراوي العليم دخيل بن أسمر.

اللعب باللغة

يمكن الإشارة إلى اللغة في "ناقة صالحة" باعتبارها ضمن أبطال العمل، فالسنعوسي، يطرح في روايته الواقعة في 173 حكايته عبر لغة مميزة، صُمّمت خصيصاً لتعطي القارئ هذا الإحساس بالفضاء الصحراوي المترامي، والهجير، والقيظ، وأزمنة موغلة في البعد والنسيان: "لم أفتقد شيئًا إلا مفازة لا يُرى آخرها، وخيامًا متناثرة في العراء مثل حبات خالٍ ترصع ظهر فتاة عارية، وعواء ذئاب الليل، وعزيف رمال تسوقها الزوابع، وعيون الماء العذب، وغناء حادي الإبل، وتمايل أعناق جماله طربًا مع الحداء، وأرضًا تلفظ كمأها في الربيع، وأراضي خيراء بعد ليالٍ مطيرة، ونطيط اليرابيع الوجلة في الليل، ونبتات الرمرام يستظل بها الورل، أو يحك جسده بأوراقها يبرئ نفسه من لدغة عقرب أو حية رقطاء، وحليب نوق بطعم الورد، ونقوش الحناء في كفوف بنات القبيلة" (ص 34).

الأدوات اللغوية لم تقتصر على مفردات بنت بيئتها لتبني الفضاء المكاني في الرواية، وإنما امتدت الصنعة، لتوظف بعض المفردات القديمة، والمهجورة -والمفهومة من خلال السياق- في خدمة الإيهام بالزمن الماضي، لتعطي هذا الإحساس بالقِدم، بل وقد تدفع القارئ ليفتح أي معجم أو قاموس فقط ليتأكد من أن ما فهمه من السياق صحيح، وليضيف لقاموسه الشخصي مفردة جديدة.

جر السنعوسي اللغةَ الفصحى، إلى الصحراء، أقعدها في وسط الفلاة حتى حمصتها الشمس، عطّشها وألبسها ثيابًا بسيطة خفيفة تكاد تكون زاهدة، تشبه البيئة القاحلة. ثم إنه أمعن في تنويع مستويات اللغة والأسلوب، للتمييز بين الراويين: العليم الذي يحكي بزمن المضارع وصول الشيخ محمد إلى الكويت التي ينقبض قلبه منها ويضطر -منزعجًا- إلى أن يعدل عقاله المائل على عادة أهل الصحراء بعكس أهل الكويت. والرواة بضمير الأنا: دخيل بن أسمر ثم صالحة آل المهروس، كل بلسانه، بالزمن الماضي، في معادلة تقنية دقيقة وفعالة.

التنويع الذي طال زمن السرد أيضًا، منح حكاية دخيل وصالحة وبينهما الناقة، المرسال، الخلوج، الأم، والقاتلة بالرفس. عمقًا، ومساحة للتراسل، ومنحها الأربعين عامًا التي تدور خلالها مجريات القصة الشائكة بين العاشقين اللذين وقفت الأعراف القبلية في وجه حبهما ومنحت الفتاة لابن عمها صالح بدلاً من حبيبها وابنها خالها دخيل.

هذه الحيل اللغوية، تضافرت مع الصحراء، الفضاء المكاني، ومع فقر معرفتنا العامة بدخيل بن أسمر، ليرتقوا بـ"ناقة صالحة" لتلامس أطراف الحكايات الأسطورية وقصص الحب الخالدة التي لا تكتمل أبدًا والمشفوعة بالأشعار والبطولات ولوعة المسافات، يضاف إليها الافتتاحيات الشعرية مع بداية كل قسم بالرواية، والمقتبسة جميعها من الشاعر الكويتي دخيل الخليفة (1964)، إلا أنها أسطورة تاريخية، نادرة التوثيق، ومنسوجة بتخييل عارم لسد فجوات الحكاية الأصلية، وبأسلوب سردي حرفي يعكس الجهد المبذول في الرواية ويعكس بالمثل تمكن سعود السنعوسي من أدوات السرد وتقنياته إلى حد السهولة والبراعة.

تتشابك كل العناصر السابقة، على كل المستويات، الحكاية وأبعادها وتماسها بالواقع والتاريخ. اللغة، ومستوياتها، تقنيات السرد، وبناء الرواية، لتنتج في المنقضى المعادلة السردية الذكية "ناقة صالحة".

ثمة ملحق بعد ختام الرواية عبارة عن اقتباس طويل من فصل بعنوان "بادية الكويت" من كتاب: "أسماء تاهت في الصحراء: فهرس ديار شبه الجزيرة العربية" الجزء الثاني، لنزّال بن فيصل الحاكم، يشرح الفصل جذور الحكاية، لناحية الجغرافيا والأنساب، موضّحًا أن "ناقة صالحة" مبنية على أسس ذات جذور واقعية إلا أنها مطمورة في النسيان.

رابط المقالة على موقع رُمَّان

«ناقةُ صالحة».. أسئلة الحب والغربة



محمود عبدالشكور

رواية قصيرة تستلهم حكاية صنعت قصيدة أودعها كاتبها حنينًا إلى وطن ومحبوبة لن تعود، يضع الواقع البذرة، ويستكمل الرواة الحدوتة الشعبية، ويحفظون القصيدة، ويجد كاتبًا نابها فى القرن الحادى والعشرين، فى كلِّ ذلك، ما يطرح أسئلةً كثيرة، فيصنع قصته عن الحب والفراق، والغربة فى الوطن وخارجه، وعن الشاعر الذى سجن، والقصيدة التى حلّقت بأجنحة الحرية.

أتحدث عن رواية «ناقة صالحة» لسعود السنعوسى، وقد صدرت فى طبعتها المصرية عن الدار العربية للعلوم و(مكتبة تنمية)، تستعيد الرواية قصة حب ضائعة، وحكاية شاعر مغترب، ولكن الكاتب يجرد الحكاية الشعبية من أساطيرها، لعله أراد أن يقول إن أسئلة الحكاية متكررة، وهى أيضًا أسئلة ملموسة وواقعية ومعاصرة.

أبطال سعود السنعوسى مغتربون بمعنى ما، حتى لو كانوا من أهل المكان، هم مختلفون فكرًا وسلوكًا عن غيرهم، وهذا سبب من أسباب اغترابهم، ودخيل بن أسمر بطل «ناقة صالحة» وهو شخصية حقيقية، وشاعر معروف، جاء قديمًا إلى إمارة الكويت مظلومًا مطاردًا من قومه، حكاية حبه لم تكتمل مع ابنة عمه صالحة، التى زوجوها لابن خالها. الشاعر العاشق، الذى كان يمكن أيضًا أن تحمل الرواية اسمه، سيئ الحظ منذ وُلد، فى الإمارة يسجن من جديد بسبب حادث عبثى وغامض، عندما يخرج من سجنه يجدهم يبنون سورًا حول الإمارة، غربة على غربة، وناقة تبكى وليدها تجعل الشاعر يكتب قصيدة، تصبح المحبوبة وطنًا، وهو يبكى الاثنين معًا.
صالحة أيضًا مختلفة منذ البداية، لها قلب أنثى وجرأة ذكر، ابنة وحيدة تكتشف الحياة، بعد موت زوجها تبدأ رحلة استعادة دخيل، مرة أخرى رحلة إلى إمارة الكويت، تفضل القصص الشعبية قصص الحب التى لا تكتمل، تصنع منها فنًا وحكايةً عابرة للأجيال، يبدو ظهور الموت بطريقة عبثية فى الحكايات الرومانسية أمرًا حتميًا، الوصول أكثر مشقة من الرحيل، وفى هذه الحكايات لا يوجد وصول.

تترك صالحة أرضها، ويترك دخيل أرضه، ولكنهما لا ينعمان أبدًا بنهاية سعيدة، دخيل بالذات لا يستطيع ألا يزور إمارة الكويت، لأن له فيها قلبًا، ولكنه لا يستطيع فى نفس الوقت أن يعيش فيها باستمرار، جدل لا ينتهى بين الحب والغربة، وبين قيد السجن وفضاء الصحراء، بين حضور السور وبهجة القصيدة، وبين السيوف والرصاص وصوت الرباب.

يلفت النظر أكثر أن الشخصيات، خصوصًا دخيل وصالحة، تتواصل مع الطبيعة والإبل، أكثر مما تتواصل مع البشر، الطريقة التى رسمت بها علاقة صالحة مع ناقتها، مثلًا، جعلتهما متشابهتين؛ بدايةً ونهايةً، وضع الإنسان فى بيئته، والتفاصيل المدهشة التى رسمها سعود لمجتمع الصحراء والقبيلة، يمكن مقارنتها مع أعمال مهمة مثل عالم رواية «التبر» لإبراهيم الكونى، دور الطبيعة والحيوان أساسى؛ لأنه فى صميم المعنى والفكرة.
لم يجد سعود السنعوسى نفسه مضطرًا لإضافة أى أساطير، فالأسطورة حاضرة فى الحب نفسه، فى القوة التى منحها لصالحة ودخيل، الأسطورة حاضرة فى العلاقة الوثيقة بين حيوات ومصائر الإنسان والحيوان، وحاضرة أيضًا فى بقاء الحكاية والشعر مع فناء أصحابها، الواقع الذى لا يتغير، ويعيد طرح أسئلة قديمة باستمرار، وكأنه يدور حول نفسه، يبدو أسطوريًا على نحو ما، إنه الماضى الذى يحكم الحاضر.

«ناقة صالحة» أكثر من أن تكون حكاية حب حزينة، دخيل باسمه وبحظه وبحيرته، يطارده إحساس بالنبذ والفشل، وهو أيضًا معلٌق بين عالمين، وهويتين، وعملين، واسمين، غربته دائمة، وأسئلته بلا إجابات، وعندما تتكرر فى الرواية عبارة «العلم عند الله»، فإن الكاتب يمنح بذلك حكايته غموضًا يتطلب مشاركة القارئ فى التأمل، وفى استكمال الفجوات، وفى البحث عما وراء القصة، وهناك سيجد حتمًا أسئلة قديمة ما زالت معاصرة.
قصيدة وأغنية على الربابة، وقصة حب غابرة تعود منثورة وثرية بتفاصيلها، فانظر وتأمل رحلةً لا تكتمل أبدًا، وعمرًا ينقضى تحت سنابك قسوة التقاليد، وانظر وتأمل امرأة كالوطن، وناقة تبكى، وجرحًا لا يندمل، وفى قلب الصورة شاعر صنع من المأساة أغنية، وتحدى الموت والخذلان، بخلود الشعر والقصيدة.




ناقةُ صالحة: تعبير السنعوسي عن التراث

رواية ناقة صالحة


ضُحى صلاح

طُرحت قبل عدة أيام الرواية الجديدة للكاتب الكويتي الشاب سعود السنعوسي تحت عنوان "ناقةُ صالحة"، وصدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون، ثم تلتها الطبعة المصرية بالتعاون مع مكتبة "تنمية".

فور صدور رواية سعود أصبحت حديث القرَّاء، أحبها البعض وكرهها البعض الآخر وقال البعض إنه يحاول نسخ أسلوب إبراهيم الكوني، لكن قبل الدخول في تلك التفاصيل دعونا نُعرفكم بـ"سعود السنعوسي".


منه هو سعود السنعوسي؟

 
سعود السنعوسي

سعود السنعوسي هو روائي وكاتب كويتي من مواليد 1981، فاز بعدد من الجوائز الأدبية أبرزها الجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها السادسة عن روايته "ساق البامبو" عام 2013، التي حصلت بدورها على جائزة الدولة التشجيعية في الكويت عام 2012، له عدد من الروايات المميزة مثل "سجين المرايا" و"فئران أمي حصة" و"حمام الدار"، كما تُرجمت بعض أعماله لعدة لغات مثل الإنجليزية والإيطالية والكورية والصينية.

ما الذي يقدمه سعود السنعوسي في عمله الجديد؟

"للإبِل طباعٌ صعبة مثلَ حياتِنا، وفيَّةٌ إن أحبَّت، ولكنها مزاجية، وتغور الإساءة في قلبِها ولا تُسامِح من يسيء إليها، وصالح خير من يعرف ذلك.. فلأحدِ أسلافِنا قصةٌ متوارثة، حين أساءَ لبعيرِه صعب المراس، أثقلَ عليه وآذاه في مأكلِه ومَشربِه بعدما شاخ.. تربَّصَ له البعيرُ في أحد أسفارِه معه وحيداً بعيداً مقطوعاً عن القبيلة، وطارده حتى هربَ جدُّنا الأكبر إلى رأس تلٍّ عالٍ في الصَّحراء.. ظلَّ يُراقبُ البعيرَ الهائج في الأسفل يتحرَّى لحظة هدأتِه أو غيابه بعد طول انتظار.. أضناهُ العَطَشُ في التَّلِّ الصَّخري، وقرَّرَ النُّزولَ في اليوم الرَّابع.. وافاه البعيرُ في الأسفلِ.. عضَّه في كتِفِه وبرَكَ فوقه يهرسه"، سعود السنعوسي "ناقةُ صالحة".

المكان بادية الكويت، والزمان هو مطلع القرن العشرين، المجتمع قبلي، والرواية صغيرة بلغة مكثفة، والقصة هي قصة حب قديمة كما يجب أن تكون، محبة وفراق ثم محاولة لالتقاء، فقبيلة "صالحة" ترفض زواجها بابن خالها "دخيل" وتُجبرها على الزواج من ابن عملها "صالح"، وككل عاشق خائب يرحل ابن الخال، لكن القدر في النهاية يفسح لها طريقًا للقاء، فترتحل مع ناقتها ممنية نفسها بتحقيق الحلم.

لا ينكر السنعوسي أنه استلهم أحداث الرواية من أغنية قديمة تُعزف على الربابة تُدعى "الخلوج"، وهي تصف ناقة تفقد وليدها في أثناء الوضع

كيف عبر سعود السنعوسي عن التراث؟

رواية "ناقة صالحة" ليست رواية تراثية، كما أنها ليست رومانسية وإن اتخذت ذلك القالب، إنها رواية عن الأفراد الحالمين، المغتربين حتى في أوطانهم، الذين لا يستطيعون تحويل "هُناك" إلى "هُنا".

لا ينكر السنعوسي أنه استلهم أحداث الرواية من أغنية قديمة تُعزف على الربابة تُدعى "الخلوج"، وهي تصف ناقة تفقد وليدها في أثناء الوضع، إذن الاستلهام ورُبما جزء من اللغة يتعلق بالتراث قليلًا ليس أكثر.

إن تلك الرواية ليست رواية البارحة، إنها رواية الغد، بل وكل غد، وكل تلك القوانين الاجتماعية التي تحكمنا وما زالت تحكمنا، لم تتغير، لأننا تركنا فقط الخيمة خلفنا، وحملنا أوثاننا معنا فوق البعير.

السنعوسي والكوني والصحراء

يرى بعض القرَّاء تشابهًا بين رواية "ناقةُ صالحة" ورواية "التبر" للكاتب الليبي الكبير إبراهيم الكوني، والحقيقة أنه لا يوجد وجه تشابه، ففي روايات الكوني "الصحراء" هي الأسطورة، هي الحاضرة والمهيبة، إنها أيضًا عالم فارغ كرقعة شطرنج خالية من الدلالات، والحيوان فيها أهم عناصر البناء، ويأتي بالتوازي مع الأسطورة.

والأمر يبرز تمام البروز في رواية "نزيف الحجر"، فعالم الكوني كصفحة واحدة، صحراؤه تمتد في كل مكان، تحيط بنا، وتهزمنا.. تهزم الإنسان. الصحراء رمز والحيوانات رمز وابن آدم رمز لدى الكوني والأسطورة تعلو أمام كل شيء.

للحظة قد نجد تشابهًا مع رواية "ناقة الله"، لكن البطولة فيها للحيوان فقط، والقضية فيها هي العودة إلى الفردوس المفقود، الاغتراب والحنين للوطن.

إذا كانت رواية ساق البامبو أشهر روايات سعود السنعوسي، فإن رواية "ناقةُ صالحة" هي الرواية التي دلت بالفعل على مقدرته الأدبية وتمكنه من لغته وأسلوبه

لكن بالتدقيق في عوالم سعود السنعوسي نجد أن عالمه أبسط من ذلك بكثير، فالرواية قصيرة ومكثفة ولغتها مُبهرة، تُشعرك أنها جزء من التراث لكنها ليست كذلك، إنها حكاية بلا أسطورة، فنحن من نصنع الأسطورة ونصنع أوثان المجتمع بأنفسنا، ومن تلك البساطة ينتج التعقيد الذي يُعرفنا بالمجتمع الكويتي، لهذا رواية السنعوسي ليست سطحية مقارنة بروايات الكوني، ولكن كل منهما يسبح في فلكه الخاص وأي مُقارنة تُعقد لن تكون حقيقية أو منطقية.

هل فاجأ السنعوسي قرَّاءه بروايته الجديدة؟

تقول علياء مُحمد وهي صحفية رياضية: "أنا لا أميل لقراءة الأدب العربي الحديث، خصوصًا الأعمال التي تنتمي لفئة الأكثر مبيعًا في مصر، لكن الأمر مختلف مع سعود السنعوسي، لقد قرأت جميع أعماله ولم أستطع شراء الرواية الأخيرة بعد، لكنني بالتأكيد سوف أفعل قريبًا. أكثر ما يجذبني في كتاباته أنها "محلية"، فتلك الروايات تُعبر عن الكويت بشكل أو بآخر، بطريقة سلسة لكنها مُركبة، يبني حواديته في عوائل كبيرة لكنها تعكس شكل المجتمع الكويتي سواء سياسيًّا أم اجتماعيًّا مثل روايته "ساق البامبو"، أيضًا الطائفية مثل رواية "فئران أمي حصة"، حتى في روايته "حمام الدار" التي كتبها بشكل مختلف تمامًا مثل الأحجية كانت قصة واحدة لكنها تُروى بشكل مختلف. لم أشعر بالملل عند القراءة له، مهما زادت أو قلت عدد صفحات أعماله، ورغم كثرة الشخصيات في بعض الروايات، أجد دائمًا سلاسة في تذكرهم، وهذا يميزه، فهو كاتب ماهر، قادر على استعمال أدواته في عدد من الصفحات دون إشعار القارئ بالملل، لهذا أثق أن كل عمل له سوف يكون رائعًا".

يقول البوك-تيوبر محمد شادي "بتاع الكتب": "إذا كانت رواية ساق البامبو هي أشهر روايات سعود السنعوسي، فإن رواية "ناقةُ صالحة" هي الرواية التي دلت بالفعل على مقدرته الأدبية، وعلى تمكنه من لغته وأسلوبه.

بينما يقول البوك-تيوبر سيف حبشي "سلفني كتاب": "اختيار اللغة والكلمات كان مناسبًا جدًا لتلك الحقبة الزمنية التي تدور فيها الرواية، ويمكنني أن أقول إنها المرة الأولى التي تسحرني فيها رواية وتجعلني أعيش في أجوائها تمامًا. ورغم أن أيقاع الأحداث هادئ، فإنه ليس بطيئًا؛ كما أن كون الرواية متعددة الرواة هذا ساعد على تمكننا من النظر للأحداث بطرق مختلفة طبقًا لكل شخصية من الشخصيات".


الاثنين، 16 سبتمبر 2019

ناقةُ صالحة

رواية ناقة صالحة



«ناقةُ صالحة» هي خامس أعمال الروائي الكويتي سعود السنعوسي، وقد صدرت مؤخراً عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» في بيروت.
تتخذ الرواية من بادية الكويت مكاناً جغرافياً في مطلع القرن العشرين، قبل قيام الدولة، تزامناً مع معركة الصريف، إذ ترفض القبيلة زواج «صالحة بنت أبوها» بابن خالها دخيل بن أسمر، وتُجبرها على الزواج من ابن عمها صالح ابن شيخ قبيلة آل مهروس. يَرِد خبرٌ لصالحة أن ابن خالها قد غادر الصحراء إلى إمارة الكويت بعد الحيلولة بينه وبين زواجه منها، ليقيم في الإمارة التي تناصب قبيلته العداء متنكراً باسم جديد، عازماً على بدء حياة جديدة في الحاضرة الساحلية، يعمل في رعي الأغنام.
في ربيع 1901 يترك صالح آل مهروس زوجته وابنة عمه صالحة في الصحراء بصحبة ولدها الرضيع وناقتها «وضحى» ليلتحق بصفوف الهجانة ضمن رجال الكويت في غارتهم على إمارة حائل، ويمتطي جمله «ساري» إلى منطقة الصريف حيث النزاع والمعركة التي تتخاصم فيها قبيلة ابن العم وابن الخال.
تتوارد أخبار الهزيمة لصالحة آل مهروس، وأن زوجها مصاب يُحتضر في إمارة الكويت شرقاً، حيث يقيم ابن خالها، وتعتزم الصبية أن تتبع الشمس، وجهة الكويت، للارتحال إلى الإمارة وهي تمنّي نفسها بلقاء من تحب ولقاء مماثل لناقتها «وضحى» بجمل زوجها «ساري».
تطول رحلة الفتاة مع رضيعها، في الصحراء على ظهر الناقة، في ربيع ماطر تحجب غيومه الشمس كيلا تصل صالحة إلى وجهتها في الشرق. وبين نذير الشمس وبشارة المطر، تواصل الفتاة المضي نحو تحقيق حلمها.

السبت، 7 سبتمبر 2019

سيكولوجيّة الألوان في روايات سعود السنعوسي

كيف تحوَّل الأزرق من الأمان إلى  الوحشة؟
نسمة سمير
 نسمة سمير – المحطة



لا تنفصل حياة البشر عن الألوان منذ ولادتهم وحتى يفنى الكون، إنها تُعد مكونًا هامًا من مكونات الوجود، وهي ليست فقط مقياسًا للذوق واختيار الملابس، بل يمتد تأثيرها على تشكيل الشخصية والحالة النفسية، والتعبير عن الحزن والفرح والأمان والخوف، واستُخْدِمَتْ فى التعبير عن المعتقدات الدينية، وظهر ذلك جليًا فى الحضارات القديمة، حيث استخدمَ المصريُّون فى أعمالهم الفنية ستة ألوان أساسية “الأبيض – الأسود – الأحمر – الأصفر- الأخضر- الأزرق”، ولعبتِ الألوانُ دورًا كبيرًا في ترسيخ مفهوم الطبقية في العالم. على سبيل المثال، كان اللونُ الأزرق مُخَصَّصًا للطبقة العاملة، بينما يرتدي أفرادُ الطبقة الراقية اللونَ الأسود.
الألوان عند سعود السنعوسي

وقع أغلبنا فى فخ تعميم دلالات الألوان، حتى أصبحت قوالب ثابتة، مجرد معانٍ واحدة نستخدمها للتعبير عن أنفسنا، أو عند تفسير معناها فى حلم قد راودنا، ولكنَّ الكاتب الكويتي سعود السنعوسي لم يتبع ذلك النهج، ولم يكن التجريبُ لديه فى اللغة أو السرد أو استخدام الأحجية فقط، لكنه استخدم عجلةَ ألوانٍ خاصة به يشكِّلها كما يحلو له، وظهر تأثُّره بفلسفة اللون فى رواياته فى مواضع كثيرة منها:

تشرق الشمس في منتصف الليل وتردي الظلام قتيلًا… تنفتح الأزهار على الأرض الجليدية، ويتحول البياضُ إلى درجات من اللون الأخضر.
– سجين المرايا

في رواية “سجين المرايا، لم يجعل سعود اللون الأبيض رمزًا  للنقاء بل رمزًا لتجمُّد الحياة، والشمس بمثابة المُخَلِّص الذي يكسر تلك الحالة وينقلها من السكون للنشاط، وحسب المفاهيم البيئية الجليد يكون مرتصًّا على بعضه بشكل أكبر، وتكون كمية الهواء المحتجز قليلة، ولذلك استخدم سعود تعبير الأرض الجليدية ليُوحِيَ بالاختناق، ثم عندما تسقط أشعة الشمس على الأرض الجليدية تعكس لونًا يميل إلى الزرقة وهو أحد مكونات اللون الأخضر، وعند البدء في الذوبان تتنفس الأرض وتزهر.

أحببت اللون الأخضر، لون الحياة، بدرجاته حتى خِلْتُه اللونَ الوحيد فى هذا الكون.
-ساق البامبو

تَأَثَّر سعود فى رواية “ساق البامبو، باللون الأخضر بشكل واضح حتى وصفه بلون الحياة. بالفعل هو لون البدايات؛ فكلّ ما هو أخضر يطمئنُّ إليه قلبُ الإنسان، كما أنه يُسْتَخْدَمُ في الدلالات الثقافية والدينية. على سبيل المثال، يُعتبر الأخضرُ من الألوان الخمسة الرئيسية في الصين، ولون سيارات الطوارئ في اليابان كنوع من التعبير عن السلامة، ولون الأوراق المالية في الولايات المتحدة الأمريكية ليعبِّر عن القوة، ويُرمز به إلى كهنوت الكنيسة، وورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:  (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا).

الحزن مادة عديمة اللون، غير مرئية، يفرزها شخص ما، تنتقل منه إلى كل ما حوله، يُرى تأثيرها على كل شيء تُلامسه، ولا تُرى.
– ساق البامبو

لم يتجه هنا لتشبيه الحزنِ بالأسود كالمعتاد، ولكنه جعله عديمَ اللون مثل الشبح الذي نخشاه ولا نراه، وربما مثل البلاستيدات عديمة اللون التي توجد فى معظم أجزاء النبات البعيدة عن ضوء الشمس، ولا تُرى ولكن يظهر تأثيرها فيما تخزنه من النشا، وكذك الحزن لا يُرى لكن يظهر تأثيره علينا لما يخزنه بداخلنا من ضعف.
إعلان

أشعة الشمس المتعامدة فوقي تستحيل فضاء أحمر داخل جفنيَّ المُطْبِقَيْن.
– فئران أمي حصة

أما في “فئران أمي حصة، اختار اللون الأحمر للتعبير عن الشعور الأول بالحرارة، فعند البدء في تسخين أيِّ جسم؛ فإن أول الألوان ظهورًا هو اللون الأحمر ويمثل أولى درجات الاحتراق، ويعتبره العلماء أبرد الألوان على عكس ما نشعر، حيث إنه عندما ترتفع درجة الحرارة بشكل كبير، فإن الألوان تصبح قاتمة حتى تنتهي باللون الأسود.

وحده الرمادي يشبهه لا لون له ولا ذاكرة… لون النهايات، لون الدخان والرماد وحطام البيوت… لون العدم.
– حمام الدار

في “حمام الدار، استخدم أكثر من لون فى السرد والرمزية، هنا كان اللعب باللون الرمادي يرجع لقدرة تأثير هذا اللون على النفس، وما يخلفه من ارتباك وعدم وضوح، يشبه النهايات التى لا نعرف ماذا سنفعل بعدها؟ هو الناتج عن احتراق جسم بالكامل لم يعد هناك وجود له سوى لون غير مفهوم تتقاذفه الرياح، هذا اللون دائما يشير إلى الخديعة بين حقيقتين يُرْمَزُ لهما بالأبيض والأسود.

اصفرَّ وجهه وهو ينظر إلى غيابهما الوشيك.
– حمام الدار

استخدم سعود فعل “اصفر” ليوحي بوقوع الحدث، واللون الأصفر أكثر الألوان التى تدل على التحول من الشيء لنقيضه، من الحياة للموت، رمز قوي للحزن والفزع والهم والخوف والموت، ويدل على المرض والشُحُوب، صحراء جرداء تبتلع الحياة.

الأزرق بين سعود وبيكاسو

فى رواية “حمام الدار” استخدم سعود سيكولوجية الألوان بطريقة تمزج بين التأثير النفسي و التجربة، ليوضح أن انعكاس الألوان علينا لا ينبع من مدلولها الثابت ولكن من تجاربنا معها، وظهر ذلك بوضوح في ما عرف بـ”الحقبة الزرقاء” عند الرسام العالمي بيكاسو، الذي استخدم الأزرق رمزًا للوحشة والخوف؛ حزنًا على انتحار صديقه الحميم (كاساجيماس) بعد أن رفضته فتاة هامَ بحبها. يقول بيكاسو “إن تفكيري بما حصل لصديقي هو الذي جعلني أرسم بالأزرق”، ومن وقتها وموضوعات لوحات بيكاسو تزداد قتامة وظلمة
.
التجربة عند بيكاسو جعلت اللون الأزرق يتحول من رمز للأمان لدلالة تشير إلى الوحشة، وهو ما حدث مع بطل رواية “حمام الدار، ويتضح ذلك فى الأمثلة التالية:

رمادية داكنة، تجلب الغم للعالم لولا لطخة فيروزية تطوق عنقها.
– حمام الدار

هنا كان اللون الفيروزي وهو أحد ألوان الأزرق كاسرًا للغم وباعثًا للقليل من السعادة والألفة، رغم أن الراوي أعرب عن كراهيته للأزرق طوال سرده للحكايات، بداية من اسم والده الذي كان يقسو عليه، حتى أصبح رمزا للوحشة والخوف بعد ابتلاع السماء الزرقاء للحمامتين زينة ورحّال.

الأزرق منذ الأزل هو لون الغياب والفقد
أراد أن يمضي وراءهما في التيه الأزرق لعله يعيدهما إلى حضنه، نهض عن الأرض، وقف على أطراف أصابعه ينظر بعيدًا. ابتلعتهما الزرقة، لم يعد يراهما
– حمام الدار

كما سلفنا القول أنه اعتبر اللون الفيروزي باعثا للطمئنينة والألفة، وهذا هو المدلول السائد للأزرق بما يوحيه من نقاء وسكينة؛ فهو لون السماء والبحار والأنهار الذي يمنح الجمال والحرية، وهو عكس المنهج السائد فى الرواية باعتبار اللون الأزرق منبع الشر والحزن، لكن ربما أراد سعود أن يخلق جملة رمزية بتلك البقعة الصغيرة على رقبة الحمامة؛ ليقول: إن ما نخافه ربما يصبح يومًا سبيل النجاة الوحيد؛ فالأزرق المخيف كان المنفذَ الوحيد وسط اللون الرمادي القاتم، والذي يُمَثِّلُ الهلاك.

ويتضح هنا أن دلالات الألوان تتغير بفعل التجارب الخاصة وماضي الأشخاص، ربما الأبيض يصبح لون الموت عندما يرتبط بفقدان عزيز، والأسود يصبح لون الفرح عندما يتعلق بذكرى تبعث السرور لنفوسنا، وبالتالي خلق سعود عجلة ألوان خاصة به يستخدمها حسب تاريخ شخصياته وتجاربهم وليس وفقًا للمتعارف عليه، فالألوان المتناغمة الهادئة قد تكون فى جانب آخر عدائية صاخبة.

غالبًا ما يتبع الروائيون منهجًا خاصًا، ولكن سعود السنعوسي اختار منهج اللامنهج القائم على التجريب والجنون وكسر الثوابت الإبداعية، وخلال رواياته تنوعت أدواتُه وطرق استخدامه للغة والسرد؛ مما جعل القاريء يتنظر منه عملًا مبتكرًا في كل مرة، وفي روايته الجديدة ناقة صالحة نتوقع دربًا جديدًا لتمرد السنعوسي على الرضوخ للمنهج التقليدي والتيمات المحددة للنصوص الإبداعية.



الاثنين، 10 يونيو 2019

قراءة في رواية حمام الدار.. د. داليا حمامي

بقلم: د. داليا حمامي


هل يمكن أن يتزعزع الإيمان تحت قسوة تجارب الحياة، ورؤية نتائج ووقائع تخالف كل قانون فطري، وكل طبيعة ألفناها وعرفناها؟

هل باستطاعة كاتب أول وهو سعود السنعوسي، أن يكتب عن كاتب ثانٍ، يؤلف نصًا روائيًا، يكون بطله شخصيةً موازية له، علّه يعلم لم هو لا ينتحر، وينهي حياته العقيمة؟

وأخيرًا، أيمكن أن يتضح لنا أن الشخصية الموازية وروايتها الخاصة بها عن كاتبها؟، هو عين الحقيقة، وإن النص الذي قرأناه أولاً كان وهمًا بوهم، وليس أكثر من نص مرمَّز للحقيقة؟ كتب سعود السنعوسي عن هذا، فأبدع.

ألّف رواية عن مؤلف، يكتب نفسه كشخصية في رواية، فتقوم هذه الشخصية، بتأليف رواية عن مؤلفها، ليتجلى لنا أنها هي المؤلف الحقيقي والآخر هو الشخصية الروائية!

رواية حمام الدار تقع في فصلين رئيسين، هما العهد القديم، والعهد الجديد، وبينهما ساعة تأمل، كمرحلة انتقالية غاية في الأهمية، تشبه فترة نبوّة يقام فيها الناموس، ويعاد إلى الأمور نصابها، وإلى العقل صوابه، وإلى الإيمان ثوابته.

تبدأ الرواية بمقدمة، منها المبتدى وإليها المنتهى، يكتب فيها سعود عن كاتب اسمه "منوال"، أصابته حالة شغف نادرة، لكتابة رواية جديدة، تحت إلحاح من إحدى الشخصيات التي تراءت له في مخيلته، ولم يستطع كبح إغراء كتابتها، هي شخصية عرزال بن أزرق،  ويسمّي مخطوطه الأولي (نص لقيط).

هذا النص اللقيط، وهو الجزء الأساسي من العهد القديم، عبارة عن خمسة صباحات لعرزال، تحدث في زمنين، الحاضر الذي يصبح فيه السرد على لسان الكاتب راوي القصة "منوال"، والماضي يروى على هيئة مذكرات، معنونة بعناوين مميزة، سرْدُها على لسان (عرزال)، الشخصية المضطربة نفسيًا التي تعيش حياتها بلا جدوى أو معنى أو هدف.

تأتي بعد هذا الفصل، ساعة التأمل الخاصة بمنوال، هذه الساعة المفصلية التي تبدأ فيها واحدة من الشخصيات في (النص اللقيط) وهي شخصية (قطنة)، بالتحاور مع الكاتب "منوال"،  فيأمرها بالذهاب إلى شخصية (عرزال)، لمعرفة سبب عدم انتحاره.
 في هذا الساعة، تتجلى عبقرية سعود السنعوسي  في السرد.

سرد بصيغة الأمر، حيث يأمر "منوال" شخصية (قطنة) أن تقول كذا وكذا، ويخبرها أن رد (عرزال) عليها سيكون كذا وكذا، ويطلب منها الأناة و التمهل والصبر عليه، ويعود ليطلب منها أن تفعل وتقول وتأتمر بأمره، و يخبرها محذّرًا إياها، من ردود و تصرفات عرزال، مع كل تفاصيل مشاعر وعواطف الحوارات المتوقعة بينهما، وذلك في محاولة  من "منوال" لإنهاء النص واختتامه بنهاية منطقية، هو يريدها لكن لا يجرؤ على تنفيذها، حتى لا يلق نص روايته مصيرًا مماثلاً لنصوص سابقة له، ألا وهو البقاء في الدرج السفلي للمكتب بلا نشر.

يُسمح في هذا الفصل لشخصية (عرزال) بالثورة على الكاتب "منوال"، ليتحول (عرزال) بنفسه إلى مؤلف، يعيد كتابة النص اللقيط من وجهة نظره، تحت اسم جديد وهو (نص نسيب).

يبدأ العهد الجديد، الذي يستهلّه عرزال من حيث انتهى "منوال"، من فصل (أثناء ساعة تأمل)،  لندخل في ساعة التأمل الخاصة بعرزال، وفيها يحادث ( قطنة) من جديد، و يخبرها أنه هو الكاتب الحقيقي، أنه هو من كتب النص القديم ولكن بيد منوال وعلى لسانه..(أنا الكاتب الذي خط قصة كاتب عاجز عن إتمام نصه، أنا الذي رأيت كل شيء، وأعرف كل شيء) لنفهم حينها أن الكاتب الحقيقي هو عرزال!

وتبدأ (قطنة) بقراءة النص النسيب الذي كتبه المؤلف (عرزال)، وهو نص موازي لما كتبته الشخصية "منوال" سابقًا في العهد القديم، يحكي فيه عرزال الآن، قصة  "منوال" الحقيقية مع فقد إخوته، التي شفّرها سابقًا بشخصيات رمزية في نصّه اللقيط، ويكرر تصوير الصباحات الخمسة لمنوال، متضمنة ذكرياته من ماضيه، مضيفًا صباحًا سادسًا يحكي لنا فيه كيف فقد "منوال" طفليه (زينة) و(رحال)، ويقرر الكاتب (عرزال) عندها النهاية الأنسب للرواية.

نلاحظ عند تحول منوال وعرزال لشخوص، تماثُل حاضرهما، واختلاف ماضيهما، هذا الاختلاف هو فقط في أسماء الشخصيات وكيانها، ودورها في حياتهما، و لفهم أفضل، علينا قراءة المذكرات في الصباحات الخمسة، المعنونة بنفس العناوين في كلا النصين، لنعرف عندها من هي الشخصية المقصودة في كل ذكرى لعرزال، ونظيرتها وإسقاطاتها في ذكريات منوال.

فمثلاً بصيرة عند عرزال، هي النَفْس عند منوال، التي كلما حاول أن يستنطقها خرست، لكنها تفاجئه بحكمتها عند صمته، كي تذكره بوجودها إن نسيها، هي النفس بإيمانها الذي يقوى حينًا ويضعف حينًا، هي الأمل والشك، والتشاؤم والتفاؤل، بصقة بصيرة التي لا تخطئ هدفها عند عرزال، هي صوت الحكمة الفطرية عند منوال.

أفعى الدار التي لا تخون عند عرزال، هي فايقة العبدة الوفية عند منوال، بوجهها الذي يشبه وجه الأفعى، بسبب تشوه شفتها العلوية وانشقاقها. 

يتحدث عرزال في ماضيه، عن نعجته البربرية (قطنة) المحببة إلى قلبه، وعائلة الحمام التي عشقها، لكن فككها الأب (أزرق) عندما أفلت الحمامتين زينة ورحال، ولم يعثرا على طريق العودة، لتموت الحمامة الأم حزنًا على فراخها، بينما حاضره ضبابي غير مفهوم عن فقده لطفلين توأمين، لا نعرف عنهما شيئًا، وعن حمامة عششت على دكة نافذته مع فرخيها.

بينما يتحدث "منوال" في ماضيه، عن فتاته الأثيرة ( قطنة)، ابنة العبدة فايقة، وعن عائلته التي عشقها، لكن فككها الأب (أزرق)، عندما هاجر مع باقي أبنائه إلى جزيرة أخرى بعد زواجه الثاني، لتموت الأم المكلومة، حزنًا على فراق أبنائها، بينما حاضره هو عائلته التي فقدت حجري أساسها، الطفلان التوأمان زينة ورحال، وعن حمامة عششت على دكة نافذته مع فرخيها أيضًا.

الشخصيتان منوال وعرزال، يعانيان اليتم والأسى، ولوعة فقد الأبناء والأخوة، وحرمان الزوجة، ورتابة الحياة وفراغها من أي رجاء أو أمل، كذلك يوحي لنا السنعوسي، أن "منوال" طفل لقيط، أزرق ليس والدًا له، رغم أنه تكنّى باسمه، فاللؤم الغريب لأزرق عليه، طَرْد العبيد كلهم فجأة وبلا سبب، وزواج أزرق من امرأة أخرى وهجرته مع أبنائه الأربعة، ترك منوال وحيدًا مع الأم، ترديد أزرق لجملة (معزة البيت تحب التيس الغريب)، وجملة ( العبد يحب العبدة)، كلها توحي بريبة علاقته الأبوية مع منوال.

تقنية الراوي في هذه الرواية متنوعة، ففي كل صباح هناك زمن حاضر يُحكى على لسان راوي خارجي هو المؤلف سواء أكان عرزال أم منوال، وسرد للذكريات على لسان البطل عندما نتحول للماضي، ومرة على لسان الراوي يتحدث مع نفسه، ومرة أخرى يتحدث مع شخصية روائية.

يتجلى إبداع سعود وتطوره، في فكرة الرواية المميزة، والتعامل الخلّاق معها، والمعالجة الذكية لها، وهي ليست سهلة الفهم، تحتاج للقراءة مرتين على الأقل للإحاطة بها واستساغتها، واستيعاب دهاليزها، أما الشخصيات فقد جاءت متنوعة، موصوفة بحرفية عالية، بأسماء غاية في التفرد والغرابة، بينما الحبكات الخفية المتعددة في كل فصل، تشدك لقراءة الصباحات التالية، لمعرفة الأحجية وفك شيفراتها.

 اللغة بسيطة بمفردات سهلة، تدفعك للتمسك بحبال كل كلمة وكل فكرة مخافة أن تفلت منك خيوط الرواية، التي يطول قليلاً إيجادها.

ما يُلفت في النص هو اختلاف تركيبة الجُمل باختلاف الزمن، فعندما يصبح الزمن حاضرًا، تكون جمل النص قصيرة لا تتعدى الكلمتين أو الثلاث غالباً، تمنح شعورًا بأن النص عبارة عن شهقات متتابعة، مرهَقة، تقطع أنفاس القارئ.
أذكر هذا المثال:

(ألصق السماعة بأذنه، أشتاق للصغيرين، طليقته لا تريد أن تنسى، أركض ياجبان، ثم اقفلت الخط!)

أما عندما يصبح الزمن ماضياً، يتحول السرد إلى جمل ٍ كاملة سلسة عميقة تمس الروح، أذكر على سبيل المثال هذه المقاطع:

(يصير الرحيل أخف وطأة لو أوجد له مسوغًا، مجانية الفقد تحيله جرحاً مفتوحًا في صيغة سؤال).

(تشممت رائحة طين بيتنا القديم في ثوب غادي وجلد رقبته المتغضن، من شأن عشرين سنة يكبرني بها غادي، أن ترتفع به إلى منزلة أب، وأن تهبط بي إلى منزلة طفل صغير).

(لا العقل يسعفني، ولا الايمان، ولا برزخ الأسئلة بينهما).

(من أين لإخوتك غير الدم صلة تجعلهم اخوة؟

صلة تتجاوز تاريخكم بكل هنّاته وسنوات القطيعة، وقت يعانق واحدكم الاخر، صلة تمنحك في العناق شعورًا آمنًا، بأنك تستعيد جزءًا مبتورًا من جسدك).

رواية بديعة عبقرية  كلوحة من لوحات بيكاسو، سيراها البعض قمة الفن، و البعض الآخر خربشات مقطّعة غير مفهومة، لريشة تائهة.

بالتأكيد ليست موجهة للقارئ البسيط، ولا ترضي جميع الأذواق، بل تستهدف شريحة معينة من القراء، تلك التي  تعطي كل وقتها وتركيزها وصبرها، وتجند كل حواسها وطاقاتها، لفهم متاهة هذه الأحجية العجيبة.

 باختصار هي تجسيد لإبداع العقل البشري اللامحدود.

الكاتب سعود السنعوسي:

روائي كويتي وعضو رابطة الأدباء في الكويت وجمعية الصحفيين الكويتيين، فاز عام 2013 بالجائزة العالمية للرواية العربية عن روايته ساق البامبو.
له عدة أعمال منها: سجين المرايا، ساق البامبو، فئران أمي حصة وحمام الدار.