الأحد، 27 يوليو، 2014

المراوغة السردية في رواية البوكر بين الكلاسيكية والحداثية

 
 
 
ممدوح فرَّاج النَّابي
 
عبر حيلة سردية تجمع بين الكلاسيكي والحداثي يعمد المؤلف الشَّاب، سعود السنعوسي، في روايته «سَاق البامبو» الحاصلة على جائزة البوكر 2013، إلى طرق المسكوت عنه في مُجتمع تحكمه الأعراف والمواضعات الاجتماعيّة، يئن بمشكلاته الداخلية وأوجاعه، مُتَسلحًا بتقنية شكلية سمحت له بتمرير ما يريده دون التعرُّض للمساءلة؛ لما يتطرق له من نقدٍ للأوضاع السياسية التي كانت مسيطرة أثناء الثمانينيات والتسعينيات، وحالة العداء الشديد للحرية، ومصادرة الآراء، ثمّ المأساة التي فجعت الجميع باحتلال الكويت، والآثار المترتبة عليه (ها)، بالإضافة إلى السُّخرية المريرة من واقعٍ، يظنه البعض فردوسا وهو في الواقع أقرب إلى الجحيم.
مرَّر كل هذا عبرَ حكاية مسرودة سردا كلاسيكيا عن عائلة كويتية (أسرة عيسى الطاروف)، وعلاقاتها الاجتماعية، ونظرتها للمخدومين الذين يعملون لديها، وموقف ربة البيت غنية من علاقات أبنائها، وسعيهم لاختراق تلك المواضعات والأعراف التي تُحييها الأم، ولا تتنازل عنها، في رغبة منها للحفاظ على السُّلم الاجتماعيّ الذي ورثته العائلة. وقد عمد لتمرير حكايته إلى الكثير من الحيل التي من شأنها تعمل على تغريب النص وفصل الذَّات عن الموضوع. بدءًا من إشارته إلى كون النص مترجمًا، ثم إشارته للتعريف بالمترجم إبراهيم سلام، وفي النهاية ورود هاتف المترجم وعنوانه وبريده الإلكتروني، وغيرها من الوسائل الفنية. كما استطاع المؤلف المُستتر وراء الراوي الغائب، أن يقدِّم تشريحا لطبقية المجتمع، وانعكاسات هذه الطبقية على الهوامش، وفي بعض الأحيان مردودها على أبناء الطبقة ذاتها (كما في حالتي راشد وأخته هند الطاروف)، ثم تسليط الضوء على الهوامش والتوابع أو القاع، من خلال الإشارة إلى وضعية العمالة الأجنبية في الكويت، والانتهاكات التي تُمَارسُ معنويا أو بدنيًا أو حقوقيًا في ظلِّ حالة الاستعلاء وسوء معاملة العمالة الوافدة، لأسباب بسيطة، وهو ما يتبعه بانتقام الوافد بالاحتيال والغش، ويصير الاثنان تجسيدًا لعبارة غوسيه «أوغاد ينتقمون من أوغاد» (ص 333). وهي المشكلة التي قد صارت صداعا حقيقيا في مكاتب حقوق الإنسان، وحكايات مزعجة في عناوين صفحات الحوادث. وقد برز جانب كبير منها في سوء معاملة الأم غنية، لجوزافين عندما قَدِمَتْ كمخدومة جديدة، ثم الخدم العاملين في البيت والنظرة المستعلية، واتهامهم بأنهم عديمو الشَّرف، ومن خلالهم (فالأحداث مسرودة كلها بعيون فلبيني/ آخر) نَفَذَ إلى هدم الإمبراطورية وإظهار المثالب التي تستتر خلف الهالة الكبيرة، وأسماء العائلات الكبيرة، التي جعلت خولة في لحظة صفاء تتمنى «لو أننا ننتمي إلى عائلة أخرى» (ص 346)، لكي يتحقق لأفراد عائلتها السّعادة في ظل إدراكها أن كل المميزات التي يمنحها اسم العائلة أمام الغير ما هي «في الحقيقة إلا قيود وقائمة طويلة من الممنوعات»(ص 346).
-1-
يقدِّمُ المؤلف نصه عبر أربعة أقسام، متفاوتة في الطول والقصر، مسبوقة بنبذة عن المترجم (إبراهيم سلام)، ثمّ كلمة للمترجم يوضح فيها ظروف الكتاب، وبعض التوضيحات الخاصة بالفروق اللغوية ودوره ومنهجه في الترجمة، بإلاضافة إلى إشارة ذكية في نهاية النَّص إلى عنوان المترجم، ورقم تليفونه. بالطبع هذه التنويهات التي وضعها المؤلف لم تأت كحُلْية أو زخرف بل كحيلة لسعى المؤلف سعود السنعوسي لإقناع متلقيه بواقعية محكية، في المقام الأول، بعكس الكثيرين من الروائيين الذين لا يملون من نفي صلة المحكي بالواقع. وبنفي صلته بالنص في المقام الثاني، ومن هذه الحيل التي تتوزع داخل السرد، الربط بين واقع الكويت وأحداثه المعاصرة قبل الاحتلال البغيض بقليل إلى ما بعد الاحتلال، وهذا مثبت بالتواريخ التي تشير إلى سياق تاريخي آني، يفور بالأحداث الجسام، وإن كان في الجزء الخاص بالأحداث في الفلبين يرد ذكر تاريخ من النضال الوطني ضد المستعمر الإسباني، وهو ما تأكَّد عبر مسمى البطل الذي جاء كاحتفاء ببطل الفلبين القومي الطبيب والروائي «خوسيه ريزال» الذي قامت الثورة بعد إعدامه. وأيضًا من خلال ورود شخصية الروائي إسماعيل فهد إسماعيل للسرد، حيث ذهاب الأم إليه لسؤاله عنه زوجها بعد انقطاع الأخبار.
يشير كُلّ قسم من الأقسام الأربعة التي جاءت كالتالي: (عيسى قبل الميلاد، عيسى بعد الميلاد، عيسى التيه الأول، عيسى التيه الثاني،و أخيرًا: عيسى.إلى الوراء يلتفت) إلى حالة بطله، وما يعتريه، من تشتُّت، وانسحاق لذاته في رحلة بحثه عن الهُوية والدين، أو ما ينتابه من شعور بالاغتراب من نظرة الآخر له (خاصة في حالة الرفض له). فتتوّزع سيرة البحث عن الهُوية الوجودية والهُوية الدينيّة على أجزاء النص الأربعة، وكأن النص يعكس حالة انقسام الذات في بحثها عن هوتيها وتيهها في تحقيق الريّ الديني بعد حالة الظمأ المعرفي. ومع حالة الاستقلالية التي تبدو عليها وحدات النص، إلا أنها تقابل بنوع من التوحد عبر تدخلات الراوي الضمني والمؤلف الضمني اللذين كانا بمثابة الرابط لجمع هذه العناصر، كحيلة من حيل مقاومة التفتت التي بدت عليها الذات من خلال حالة التماهي التام مع المقولات التي يُصدِّرُ بها المؤلف أجواء نصه، فيتداخل الصوتان صوت المؤلف الضمني المتطابق مع المؤلف الحقيقي (سعود السنعوسي) في رفضه حالة الانهزامية التي بدا عليها البطل وأفراد الحكاية وهذا واضح في المقتبس الأول الذي صدر به الجزء الأول بقوله: (لا يوجد مستبدون حيث لا يوجد عبيد) في سياق فصل يتحدث عن عيسى قبل الميلاد وحالة المهانة التي تعيشها الأسر بسبب ديكاتورية الأب الذي يفرض عليهم العمل في مهن ليست شريفة دون الاعتراض، حتى تأتي الثورة من قبل آيدا التي ترفض أن تكون دجاجة، فكانت ما قامت به آيدا هو تمثل لأيديولوجيا المؤلف الضمني التي بثها التصدير. وقد يكون التصدير سخرية من المؤلف الضمني المتماهي مع أيديولوجيا المؤلف الحقيقي لحال الشخصيات المنهزمة بفعل الآخرين كما يظنون، كما هو الحال في التصدير الذي يعلو الجزء الرابع: «َسَلُّط البعض لا يمكن حدوثه إلا عن طريق جُبْنِ الآخرين»
كما أن ثمة حيل يستخدمها الروائي الشّاب لإقناع متلقيه بواقعية محكية، في المقام الأول، بعكس الكثيرين من الروائيين الذين لا يملون من نفي صلة المحكي بالواقع. وبنفي صلته بالنص في المقام الثاني، وأوّل العناصر، هو الربط بين واقع الكويت وأحداثه المعاصرة قبل الاحتلال البغيض بقليل إلى ما بعد الاحتلال، وهذا مثبت بالتواريخ التي تشير إلى سياق تاريخي آني، يفور بالأحداث الجسام، وإن كان في الجزء الخاص بالأحداث في الفلبين يرد ذكر تاريخ من النضال الوطني ضد المستعمر الإسباني، وهو ما تأكَّد عبر مسمى البطل الذي جاء كاحتفاء ببطل الفلبين القومي الطبيب والروائي «خوسيه ريزال» الذي قامت الثورة بعد إعدامه. وأيضًا من خلال ورود شخصية الروائي إسماعيل للسرد، حيث ذهاب الأم إليه لسؤاله عن زوجها بعد انقطاع الأخبار.
كما لا يمل السَّارد من إدخال لُعْبَة الصُّدفة في سياق أحداثه لِيُنَمّيهَا، فما أن تنقطع أخبار الزوج وماله، تبدأ تساؤلات الزوجة عن مصيره خاصة بعد نشوب الحرب، وتقودها الصدفة إلى بيت الروائي الكويتي إسماعيل الفهد، الذي كان يعيش في الفلبين، لسؤاله عنه خاصة أن راشدا كان كاتبا ومعروفا، وبالمصادفة يحكي لها الروائي أن أخباره انقطعت عنه، كما أنه بالأمس انتهى من دوره في الرواية التي يكتبها، كما أن في اللحظة التي ينقطع فيها آخر خيط للوصول إلى الزوج، يأتي خطاب صديقه غسان الذي يخبرهم بأن راشد اختفى من أيام المعركة، وهو الآن ينفذ وصيته بعودة ابنه إلى بلاده ووطنه، وهو ما يتحقق بالفعل. لكن قبل العودة كان التقى غوسيه أثناء عمله في جزيرة بوراكاري مجموعة من الشاب وقد عَرَف أنهم من الكويت، فحكي لهم أنه كويتي فسخر البعض منه، ونصحه البعض بألا يفكر في العودة إلى الكويت، وتلعب الصدفة التي هنا ننفيها تمًامًا ونطلق عليها هندسة السَّرد، وتوزيع الأدوار كما يقوم المونتير في العمل السينمائي. فالراوي لم يترك خيطًا مده في أول الرواية أو شخصية جاء ذكرها إلا استفاد من بنائها، بتوظيفها في السياق السردي، ومن ثم فالصدفة لا مجال لها فهؤلاء الشباب الذين التقاهم الكاتب أثناء سياحتهم في الفلبين، يلتقي بهم مرة ثانية، بعد عودته إلى الكويت وطرده من بيت الجده بعدما بدأت الأنباء تنسرب إلى خارج حدود القصر، عبر العاملين، وجابر هو واحد من هؤلاء الشباب، ثم الدور الذي يلعبه هؤلاء الشباب، كنموذج فاعل وحيوي؛ حيوي حيث المرح والمتعة التي تطل أينما وجدوا (لاحظ موقفهم في الجزيزة، وعلى الطائرة، وفي الشقة) والفاعل؛ دورهم في مهاجمة الفساد الذي راح يستشري في الكويت بالتصدي لمحاولات شراء المرشحين للمجلس النيابي الأصوات، ووقوفهم إلى جوار الصوت المناصر للحقوق والأقليات هند الطاروف في مفارقة تقلب رأس الأحدث، فتخسر الانتخابات بسبب موقفها من القضية التي وهبت نفسها للدفاع عنها، ألا وهي قضية البدون.
-3-
ليس هناك زمن واحد يسير عليه السرد، وإنما ثمة أزمنة متعددة، بدءًا من الزمن الفيزيقي مرورا بالزمن النفسي الذي له تأثيره الواضح على الشخصيات، أما الزمان الفيزيقي فبعضه قديم أبعد من زمن السرد قد يعود إلى الاحتلال الأسباني للفلبين، والذي يذهب في سبيل مقاومته البطل خوسيه ريزال أو قريب نسبيًا يصل إلى حرب فيتنام التي اشترك فيها الجد وعاد مسلوب الإنسانية، وهناك زمن الاحتلال العراقي للكويت، وتأثيره على المكان وأشخاصه، ثم يأتي زمن عمل الأم في الكويت وهو سابق لزمن الحرب، وأخيرًا زمن عودة عيسى إلى الكويت وهو زمن يقارب زمن انتهاء الاحتلال، مع موت أمير البلاد. بالإضافة إلى الزمن الأسطوري كما تجلى في حكاية الأناناس. كل هذا التعدّد في الزمن وتشظيه، جاء هو الآخر كنوع من تفتيت الذات التي أراد لها المؤلف أن تلتئم، فتوزعت وانشطرت هويتها بين بلاد قابلته بوجوه متعددة، وطن عاشت فيه مع الأم لم يعترف بفلبينيته فنسبه إلى ذلك البلد الذي لم يقبله، وإن أعطاه ماديا ما يثبت وجوده لكن معنويا رفضه.
ليست اللغة المستخدمة بمعزل عن السياق العام للأحداث، فاللغة هي لغة تقريرية في المقام الأول، خالية من أية رموز أو دلالات أخرى خارج السياق الموضوعة فيه، يتحكم فيها الضمير الأنا، فهي أقرب للكتابة عن النفس، فالراوي يسرد بتقريرية وحيادية عن حياته وعن واقع من شاهدهم دون تدخل بل يكاد يكون هو بمثابة كاميرا يرصد ويسجل ما يراه من حوله، فالجملة الاستهلالية التي يبدأ بها النص عارية، تخلو من أية خصائص لغوية ما عدا استخدام الوظائف النحوية.
-4-
ويوازي السَّردُ ـ في مفارقة لها دلالتها ـ بين سَلْب الأهل والعشيرة لهُوية الحفيد، وبين سَلْبِ الأخ والشقيق لهوية الوطن باحتلاله وتشريد أبنائه، لا نقصد من الموازة أن الرَّاوي أراد لسلم القيم أن ينتصر، فاحتلال الكويت له أسبابه السياسية ورواسبها الموغلة في القدم، لكن أعتقد أن الراوي وازى بين الآثار النفسية التي أصابت أبناء الوطن بالشرخ، ولنا في موقف الأمير عند هبوطه من الطائرة بعد التحرير خير شاهد على حالة الاغتراب التي عانها في الوطن البديل حتى تمَّ التحرير، وهو ما عبَّر عنه أمام الكاميرات بـ»يلصق جبينه على الأرض يقبلها ما أن وطأت قدماه أرض وطنه. سقطت الحلقة السوداء المثبتة فوق غطاء رأسه الأبيض أثناء انحنائه، نهض، أعادها إلى رأسه»(190). دون التقليل من حالات مشابهة (نموذج الأديب إسماعيل الفهد الذي قضى سبع سنوات في الفلبيين، أو من قبيل حالات الأسر والاعتقال ثم الاستشهاد، كما هو بارز في نموذج الأب راشد (وإن كان الراوي ذكر أنه وقع أسيرا). وهو ما يقابله موقف عيسى بعد أن وَصل إلى الكويت باحثًا عن وهم أمه بأنه الحياة والمستقبل في بلاد الأب فيشعر كما عبَّرَ «في بلاد أمي كنتُ لا أملك شيئًا سوى عائلة، في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة»(303).
-5-
ليس ثمة شك في أننا أمام نص إشكالي في طرحه لموضوعه رغم ضدية أبطاله، وأن هاجس الهوية باختلاف صيغها السياسية والدينية، كان هو التيمة المهيمنة على النص وبدا النص منها وانتهى إليها، أعقبها الكثير من الخيبة والانكسار، للابطال في تحقيق ظفر معنوي، والخيبة والانكسار في ظني هما القيمة التي قدمها النص كنوع من الجدلية والإشكال مع أيديولوجيا الواقع المسيطرة، في رفضها لممارستها سواء التي فعلتها أيديولوجيا الاستعمار على المستويين: الفلبين، الكويت، أو تلك التي فعلتها الأعراف الاجتماعية القائمة على تفعيل النمط العشائري أو القبلي، برفضها واستهجانها وفضح انتهاكاتها على الصعيدين الغربي والعربي. الشيء الإيجابي الثاني هو طرح المسكوت عنه في المجتمعات العربية لا كنوع من التعرية، بل وضعه موضع المساءلة والمناقشة، لا الهروب منه أو حتى كجلد للذّات.
 
المصدر: صحيفة القدس العربي

الأربعاء، 25 يونيو، 2014

غيمة ماطرة تستحضرها أرض بكر



بقلم أيمن العتوم


مقدِمة:

كما لو كنتَ مُهيّأً لدمعةٍ قادِمة بفعل شوقٍ داخليّ وحنين جارف ، وكما لو كان القلب ليس في مدى اختلاله مُلكًا لك فيهتزّ مثل جناح عصفورٍ في ليلةٍ شتويّة قارسة ، وكما لو كان الوجع حاضرًا في كلّ حينٍ ، ومرتسمًا في ثنايا كلّ عبارة ، ومختبئًا تحت رفّة كلّ حرف ، وكما لو كنتَ مستعدًّا لأن تتخلّى عنك لتتشكّل بوجوهٍ عدّة ، وأرواحٍ متعدّدة ، وهيئاتٍ مُتباينة ، وكما لو كنتَ غيمةً ماطرة تستحضرها أرضٌ بِكرٌ مُجدِبة فيحدث التّلاقي الّذي يُعيد الحياة إلى الأرض بفِعل الكرم الفِطريّ في الغيمة . مثل هذا كلّه هو ما يحدث لِمَنْ يقرأ رواية الكويتيّ: (سعود السنعوسيّ) البديعة: (ساق البامبو).



مُلخّص:

الرّواية تتحدّث عن شخصيّة بطلها: (هوزيه) أو (خوسيه) أو (عيسى) الّذي يُولَد في الكويت لأبٍ كويتيّ هو (راشد) ، وأمّ فلبّينيّة هي (جوزافين) كانت تعمل خادمةً في بيتِ أهل زوجها ، تنشأ بينهما علاقة المُستمِع بالمتُحدّث ، تُصغي المرأة ويبوح الرّجل بما لم يتمكّن ربّما من البوح به حتّى لأقرب النّاس إليه: (أمّه)، فتنشأ بينهما علاقة حُبّ صامتة، تتُوّج بزواجٍ عرفيّ، ينتج عنه إنجابٌ لم يكن في الحُسبان لولا تلك اللّحظة العابرة في مركبٍ قديم بعُرض البحر يقضي فوقه الأبوان الليلة الّتي ستشهد على ولادة شخصيّة البطل (عيسى). يُخفي الأب (راشد) عن أمّه (غنيمة) خبر زواجه العرفيّ بــ (جوزافين)، ولكنّ الأمّ تعرف أنّ الخادِمة حاملٌ من انتفاخ بطنها، تُباغِتها بالسّؤال مُقرّرة سلفًا أنّ الخادمة قد مارست الفاحشة مع واحدٍ من الخدم ، يتدخلّ (راشد) في لحظةٍ فارقة فيعترف أنّ الجنين الّذي في بطن (جوزافين) عائدٌ له، تُنكر الأمّ (غنيمة) بفعل الصّدمة . الإنكار يستمرّ لسنواتٍ وربّما لا ينتهي حتّى ولو انتهت الرّواية . تُنجِب (جوازفين) ابنها (عيسى) ، ثمّ تحدث المصادمات بين الابن (راشد) وأمّه، وينتهي الأمر بحجز تذكرة طائرة لامرأته الفلبّينيّة ليرحّلها هي وابنهما إلى الفلبّين ، واعِدًا أنّ (عيسى) سيعودُ يومًا ما إلى وطنه أو إلى جنّته المفقودة؛ الكويت ، وتظلّ الأمّ على حبّها الجنونيّ الصّامت لراشد وهي في الفلبّين ، وتتلقّى منه الرّسالة تلو الأخرى ، وتقرأ بعضها لـ: (هوزيه) أو (خوسيه) أو (عيسى) وتستمرّ في تمْنية ابنها بالعودة إلى بلاد الأحلام.



في الفلبيّن تظهر شخصيّات جديدة ، مثل جدّ (عيسى) وهو (ميندوزا) الّذي كان ضابِطًا في الجيش وتقاعد ، وأمضى بقيّة حياته في المراهنة على صِراع الدّيكة ، وخالته (آيدا) الّتي كانت بغيًّا وأنجبت ابنتها (ميرلا) الّتي وُلِدت يوم ماتتْ جدّته؛ (ميرلا) الّتي استقرّتْ نُطفتها في رحم أمّها الفلبّينيّة كانت قد انتزعتْ ملامحها من أكثر من يدٍ عابِثة من تلك الأيدي الّتي طافتْ بأمّها؛ غير أنّ وجهًا أوروبّيًا واحِدًا استطاع أن يحتلّ موضع السّيادة ليُشكّل مظهرها الخارجيّ في العينين الزّرقاوَين والوجه الأبيض. تظهر الميول المِثليّة عند (ميرلا) أو هكذا كانت تتظاهر لتصرف عنها (هوزيه) الّذي عشقها عِشقًا أسطوريًّا . تحدث بعض المفاجآت ، وتستمرّ رتابة الحياة في الفلبّين . تبحث الأمّ (جوزافين) عمّن يُساعد ابنها (عيسى) في العودة إلى الكويت ، تستعين بـ (إسماعيل فهد إسماعيل) الرّوائيّ الكويتيّ الّذي استقرّ في الفلبّين بعد تحرير الكويت لستّ سنوات ليكتب روايةً تؤرّخ لزمن الاحتلال ، فيُخبرهما إسماعيل أنّ (راشد) قد وقع في أسر قوّات الاحتلال ، فيما بعد يكتشفان ما هو أبعد من هذه الصّدمة الأوّليّة؛ فلقد استُشهد (راشد) ودُفِن في مقابر جماعيّة مع مجموعةٍ من المُقاوِمين في جنوب البصرة . يظهر (غسّان) صديق أبيه القديم ، ويستخرج له أوراقًا ثبوتيّة يستطيع من خلاله العودة إلى وطن أبيه . في الكويت يعيش (عيسى) غربةً مُضاعفة في وطنه ، وهناك تحدث سلسلة مُتشابكة من المتناقِضات ، يعيشها البطل بكامل تفاصيلها ، ومن خلال هذه المتناقِضات يُوجّه الكاتب سِهام انتِقاده إلى المجتمع الغاصّ بها ، يلفِظ الوطن أبناءه، يقرّر (عيسى) في النّهاية العودة إلى الفلبّين ، لم يكنْ يحمل من إرث الكويتيّين غير صوتِ أبيه ، حتى جدّته (غنيمة) الّتي بكتْ يوم سمعتْ صوتَه الّذي يُشبه صوتَ ابنِها راشد لم تتمكّن من الاحتِفاظ بحفيدها من ابنها الغالي لأنّ المجتمع لا يتقبّل أن يندمج فيها ابنُ الخادِمة ، فيعود (هوزيه) إلى الفلبّين بعد أن يتزوّج من حبيبته (ميرلا) ابنة خالته، وتنتهي الرّواية بهذا ، تارِكةً عددًا من التّشابكات والفلسفات الّتي يُمكن استخلاصُها من الرّواية .



خطايا المُجتَمع: تحفل الرّواية بالنّقد الّذي يوجّهه الرّوائي (سعود السّنعوسيّ) إلى جملةٍ من القيم السّائدة في المجتمع ، ويُقابِلها بالسّخرية حينًا ، وبالمرارة أحيانًا أخرى ، وتارِكًا المساحة حُرّة ثالِثةً للقارئ نفسه ليحكم على هذا المجتمع الّذي تسود فيه هذه المُعتَقدات. أولى خطايا مجتمع عائلة (الطّاروف) وهي العائلة الّتي ينتمي إليها (راشد) والد البطل ، أنّ هذه العائلة لا تقبل بأن تتزوّج من عائلةٍ أخرى ، أو تُزوّج بناتها إلاّ حسب تقاليد صارمة: (قبل أن تقع في الحبّ يجب أن تختار الفتاة الّتي تُحبّها. الرواية ص 37) . تقاليد قد تجرّ الويلات على الأطراف جميعها، فمثلاً راشد نفسه الّذي أحبّ فتاةً في الجامعة لم تقبل أمّه (غنيمة) أن تُزوّجه إيّاها ، ربّما لأنّ عائلة هذه الفتاة ليست بمستوى عائلة (الطّاروف) مِمّا اضطرّ (راشد) المُثقّف والواعي والقارئ أن ينحو بعاطفته تُجاه خادمةٍ لم يكنْ لها من ميزةٍ – كما تذكر الرّواية – إلاّ أنّها أجادت الإصغاء إليه . هذه الخطيئة لم تتوقّف هنا ، بل أدّت إلى طرد الأمّ الفلبّينيّة ، واضطرار (راشد) الزّواج من (إيمان) الّتي لم يعرفها ولم يُحبّها ، وأنجبتْ له (خولة) الّتي كانت هي الأخرى ضحيّة هذه التقاليد ، ومحكومة بقوانين العائلة الظّالمة ، فلم تستطع – مثلاً – أن تُساعد أخاها البطل على الاندِماج في العائلة الممتدّة ، واستسلمتْ أخيرًا للأعراف الّتي هي أقوى منها ، وهربتْ باتّجاه عائلة أمّها ، وأمّها (إيمان) تخلّت عن بيت الطّاروف ، وتزوّجت بآخر ونسيتْ فيمن نسيتْ حتّى ابنتها (خولة) هذه! . من الخطايا كذلك، ما كانت تعتمده الأم الكبيرة (غنيمة) جدّة البطل من التّطيّر، كانت تؤمن بكثيرٍ من الخُزعبلات وتبني على أساسها حياتها ، هذه الخُزعبلات استطاع الكاتب أن ينفذ من خلالها لينتقد هذه الفئة من الجدّات المُترَفات اللّواتي يُنفقن الأموال والسّاعات في تفسير حلم أو مشهدٍ أو موقف .



يختزل الرّوائي البديع (سعود السّنعوسيّ) هذه المشاهد القاتِلة في عبارات مُقتضبة ، ربّما سيكون من المفيد الإشارة إلى بعضها: -”تعرّفتُ من خلال غسان على نوعٍ جديدٍ وفريدٍ من البشر . فصيلة جديدة ونادرة” ص192: هو هنا ينتقد أولئك الصّنف من الكويتيّين الّذي يرون أنفسهم بشرًا لا كسائر البشر . -”إن كان الشّرطيّ سارِقًا… ماذا يفعل اللّصوص إذًا؟” ص 198: هو هنا ينتقد شريحة من اللّصوص الّذين ينتكّرون بزيّ شرطة ويقومون بسرقة نقود النّاس بادّعائهم التّفتيش على هُويّاتهم . -”أبو سيّاف أو جماعته الّذين يموّلون نشاطهم عن طريق السّلب والنّهب وابتِزاز الشّركات ورِجال الأعمال الأثرياء…” ص209: ينتقد الجماعات الجِهاديّة الّتي تقوم بالتّفجيرات في أكثر من مكان ، وتقتل – مثلاً – مُخرج فيلم (الرّسالة) الّذي تعرّف البطل من خلاله على شيءٍ من الإسلام، ويتساءل حين يُقارن بين القاتل (الجماعات الجهاديّة) والمقتول (مخرج فلم الرّسالة) من هو الإسلام منهما أو فيهما؟! -”إذا ما سألكَ أحدُ الجيران أو خَدَمهم… أنتَ الطّبّاخ الجديد” ص 230: هذا ما قالتْه خولة له نقلاً عن جدّتهما (غنيمة)، انظر مستوى الازدِراء الّذي ينظرون به إليه، مع أنّه ابن عائلة الطّاروف، والوحيد الّذي يحمل اسم العائلة: عيسى راشد عيسى الطّاروف . -”لم تكنْ جدّتي توافق على احتِكاكي ببقيّة أحفادها، ولا أن يعرفوا شيئًا من أمري؛ لأنّ السّمكة الفاسِدة كما تقول تُفسِد بقيّة الأسماك” ص 245: انظر إلى هذا المستوى من الدّونيّة الّتي تُعامله جدّته بها . والمقام لا يتّسع لمزيدٍ من الشّواهد على سلسلة من الاحتِقارات والمظالم الّتي تعرّض لها وهو يعيش في الكويت .



خِلاف المُتوقّع: أتقن السّنعوسيّ في هذه الرّواية اللّعب بمشاعر القارئ ، والانتِقال بتوقّعاته من فضاءٍ إلى آخر ، وحبسَ الأنفاس في أكثر من موقعٍ انتظارًا لنتيجةً ظلّ خيالُ القارئ يُطاردها دون أن يُمسِكَ بها ، وهذا يُحسَب له في منزلة التّشويق الّذي هو أحد العناصر المهمّة في التّقنيات المُستخدمة في فنّ الرّواية ، وحسبُنا أن نذكر مثالين أو ثلاثة للتّدليل على هذه النّقطة: -الأوّل: حينَ مات (ميندوزا) ماتت بعده بأسبوع (إينانغ تشولينغ) ، وطوال الرّواية من أوّلها حتّى صفحة 176 ظللنا نظنّ أنّ (إينانغ) ما هي إلاّ امرأةٌ طيّبة عند بعضهم ، وساحِرة عند آخرين كان النّاس يُشفِقون علها أحيانًا بوضع بعض أطباق الطّعام أمام باب غرفتها دون أن يدخلوا الغرفة إمّا خوفًا أو تطيُّرًا ، ولم يَدُرْ في خَلَدنا البتّة المُفاجأت الّتي صُعِقنا بها في نهاية هذه المرأة ، فأوّل المفاجآت أن جدار غرفة (إينانغ) ظلّ طيّ الكتمان حتّى ماتت ، وحينَ دخل بعض الجيران غرفتها رأوا صور الجدّ (ميندوزا) تزيّن هذه الجدران بأشكال مختلفة ، وأوحى لنا الكاتب أنّ (ميندوزا) الجدّ الّذي خدم في سِلك العسكريّة له مُعجَبات ومن ضمنهنّ (إينانغ) ، وهذا ما وقَر في ذهن (ميرلا) أيضًا ، ولكنّ المفاجأة الّتي أطلقتْها (آيدا) كانت صاعقة ؛ إذ تبيّن أنّ (إينانغ تشولينغ) هي أمّه لـ (ميندوزا) ، وحينها لن تستطيع أن تُمسِكَ العبرات الذّارِفات من عينِك وأنتَ تتخيّل مدى قساوة الابن الّذي عزل أمّه في غرفةٍ لا يراها فيها أحدٌ ولا ترى أحدًا طوال هذه السّنين ، وكيفَ كتم عن الجميع تقريبًا خبر أنّه هذه العجوز الّتي تُزدَرى هذا الازدِراء هي أمّه . غير أنّ المفاجأة الأكبر ستكون حينَ يسأل البطل خالته (أيدا): (تلك العجوز والدة ميندوزا… من يكون والده) فيأتي الجواب الصّافِع: (ليس له أب…) وكأنّ الجواب يريد أن يُذكّر البطل بأنّه لا أب له ، وإن كان في الحقيقة موجودًا إلاّ أنّه أبٌ غائبٌ أو مقتولٌ أو مفقودٌ أو سمّه ما شِئت. -الثّاني: حينَ كانت (ميرلا) تصعد مع ابن خالتها البطل (عيسى) أو (هوزيه) أو (خوسيه) أحد المرتفعات الجبليّة الشّاهِقة السّاحرة في الفلبّين اشتعلتْ في نفس البطل الرّغبة الجِنسيّة ، فحاول أن يقترب من (ميرلا) الّتي منعتْه من أن يحقّق رغبته ، في تلك اللّحظة كُنّا نظنّ نحن القرّاء كما استطاع الكاتب أن يُوحي لنا أنّ (ميرلا) رفضتْ (عيسى) ولم تُمكِّنْه من نفسها لأنّ اختلاف الدّين بين الاثنين حال دون ذلك ، ولكنّ المفاجأة أنّها قالت له: (سبب تافهٌ كهذا لن يحول بيني وبين رغبتي لو رغبتُ) (الرّواية ص117) فكانت المُفاجأة تختبئ خلف المقولة الأخرى لها: (لو لم تكُنْ رجلاً…) وهذا وضعْنا أمام ما توهّمْنا في تلك اللّحظة أنّها حقيقة وهي أنّ (ميرلا) مِثليّة ، ولكنّ هذه الفاجأة ذاتها تضمحلّ في نهاية الرّواية إذْ تصعقنا مفاجأةٌ مُغايرة لها تمامًا ، ونكتشف أنّ (ميرلا) ليستْ مِثليّة ، وأنّ الحبّ كان مُتبادلا بينها وبين البطل ، ولكنّه كان صامِتًا من جهتها ، وصارِخًا من جهة بطلها . -الثّالث: أنّ الكاتب أوحى لنا عبر صفحات طويلة في الثّلث الأخير من الرّواية أنّ (ميرلا) غابت عن الوجود فترةً طويلة ، وانقطعتْ رسائلها ، وووقعْنا في وَهْم أنّها انتحرتْ ، وجاء الكاتب لنا بقصّة (إبراهيم سلام) الّذي يُترجم أخبار الفلبّينيّن من العربيّة إلى الفلبّينيّة ، ورمى بين أيدينا بخبر فتاة فلبّينيّة تنتحر ، فينصرف الذّهن إلى أنّها (ميرلا) ، وتموت بالفعل (ميرلا) من ناحية الظّهور في هذا الثّلث الأخير من الرّواية ، إلاّ أنّها تعود للظّهور بشكلٍ مُفاجِئ وصاعِق في النّهاية ، وهي تنعم بالدّفء والأمان مع زوجها وابنهما ، فيقول على لسان البطل: (سأترك ورقتي الأخيرة هذه لأتفرّغ لمشاهدة وجه صغيري المطمئنّ في نومه بين ذراعيّ أمّه) (الرّواية ص396).



السَّبْك الهرميّ والأفقيّ: الرّواية بِناء ، والبناء يحتاج إلى مهندسٍ لبيب ، وبانٍ حكيم ، ومعماريّ ساحر ؛ هكذا صنع (السّنعوسيّ) في روايته ؛ هذا الحشد من الشّخصيّات ، على اختلاف أجناسِها وأعمارها وأمكنتها وأزمانها ، وهذه العلاقات المُتشابِكة بينها كان يُمكن أن تصبح مقتلاً للرّواية لولا أنّها وجدتْ لاعِبًا مُحترفًا قادها في ملعبه الخاصّ عبر ما يقرب من (400) صفحة دون أن يُصيبها الشّلل أو النّمطيّة . ففي السّبك الهرمي انتظمَ الرّوايةَ عمودٌ مِحوريّ دارتْ حوله الأحداث ، وانفرجتْ من حوله العُقَد . وفي السَّبْك الأفقيّ انتظمَ الرّواية خيطٌ ممتدّ كنهرٍ ممتدّ نبتتْ على جانبيه أفكار تلك الشّخصيّات وأوهامها وأحلامها وتناقضاتها . ومِمّا يُحسَب للكاتب أنّه اعتمد فِكرة العُقَد المتعدّدة ، والذُّرا المتنوّعة ، فأنتَ تجد لكلّ مجموعةٍ من الأحداث عُقدتَها الخاصّة ، مِمّا يعني أنّ الرّواية لم تقم على عُقدةٍ واحدة ، مِمّا يعني أكثر أنّ (السّنعوسيّ) أراد أن يُبقي عنصر الدّهشة قائمًا عبر مسيرة الرّواية بأكملها ، وهذا يعني أنّنا أمام حَبْسٍ للأنفاس يتكرّر كلّما صعدْنا ذروةً جديددةً من ذُرا الرّواية! .



العبارات المُكثّفة: حفلتْ الرّواية بالعبارات المكثّفة الّتي تلخّص موقفًا ، أو تختزل فِكرةً ، وبعضُ هذه العبارات تسرّبتْ إلينا من أجل أن يُسرّب من خلالها الكاتب مُعتَقداته وأفكاره ، وهو – وإن بدا موضوعيًّا في كثيرٍ من الحالات هنا أو هناك – إلاّ أنّه قادَنا إلى منطقته المُضيئة الّتي يُريدنا أن نراها سواءً أكان ذلك بمعرفتنا أم من دونها. من العبارات المُكثّفة الّتي تصلح أن تكون عنوانًا لمضامين واسِعة: - “ليس المؤلم أن يكون للإنسان ثمنٌ بخس ، بل الألم كلّ الألم أن يكون للإنسان ثمن” ( ص20 ) . - “قبل أن تقع في الحبّ… يجب أن تختار الفتاة الّتي تقع في حبّها”. ص37 . - “إذا صادفْتَ رجلاً بأكثر من شخصيّة فاعلمْ أنّه يبحث عن نفسه في إحداها؛ لأنّه بلا شخصيّة”( ص61 ). - “مَنْ كان بوُسعه أن يقبلَ بأن يكون له أكثر من أمٍّ سوى مَنْ تاه في أكثر من.. اسم.. أكثر مِن… وطن… أكثر مِن… دين؟!”( ص 102 ). - “نحنُ لا نكافئ الآخرين بغفراننا ذنوبهم، نحن نُكافِئ أنفسنا ونتطهّر من الدّاخل”.( ص167) . - “كلّما شعرتُ بالحاجة إلى شخصٍ يُحدّثني.. فتحتُ كتابًا”( ص259 ) . - “اليد الواحدة لا تُصفّق، ولكنّها تصفع، والبعض ليس بحاجةٍ إلى يدٍ تُصفِّق له، بقدْر حاجته إلى يدٍ تصفعه، لعلّه يستفيق”( ص277 ). - “العُزلة زاويةٌ صغيرةٌ يقف فيها المرء أمام عقله، حيثُ لا مفرّ من المواجهة”( ص302 ) . - “هو الحبّ الّذي يجعل للأشياء قيمة”( ص 304 ) . - “لا يُقدِم على الانتِحار سِوى إنسانٍ جبانٍ فشل في مواجهة الحياة، وإنسانٍ شُجاع تمكّن من مواجهة الموت”( ص 321 ) . - “المرأة بعاطفتها إنسانٌ يفوق الإنسان” ( ص 322 ) . - “بعضُ المشاعر تضيقُ بها الكلمات فتعانِق الصّمت”( ص 350 ) . - “الكلمات الطّيّبة لا تحتاج إلى ترجمة، يكفيكَ أن تنظر إلى وجه قائلها لتفهم مشاعره وإنْ كان يُحدّثك بلغةٍ تجهلها”( ص 354 ) . - “إنّ الّذي لا يستطيع النّظر وراءه؛ إلى المكان الّذي جاء منها لن يصل إلى وجهته أبدًا”( ص383 ) .



وبعدُ.. فإنّ الرّواية أوسع من أن تُحيطَ بها مراجعة عابرةٌ مثل هذه؛ عوالمها الممتدّة والمتداخلة في آنٍ واحدٍ تحفّزك على أن تكتب المزيد، غير أنّه يكفيكَ من السِّوار ما أحاط بالمِعصم، وعليه فهذه تحيّة وتهنئة أُزجيها إلى هذا الرّوائيّ الّذي استطاع أن يُمسِك بخيوط الحكاية، وينثر بيلسانها أمام أيدينا لننظر أيّها أزكى منظرًا، وأبهى جوهرًا، وأبلغ دلالةً.

الاثنين، 21 أبريل، 2014

مراسلنا في القدس




سعود السنعوسي



نصير فالح، مراسلنا في القدس، أعني مراسل تلفزيون الكويت هناك. أحد أصدقاء زيارتي القصيرة إلى فلسطين. هل تسمعني؟ هل تقرؤني؟

جنون الخبر دفعني لأن أمسك بهاتفي أزمع مهاتفتك. أسألك: هل صحيح خبر موتك؟! ولكنك لن تجيب. أجابتني صورتك في هاتفي صمتا. أجابني الأصدقاء نيابة عنك: الله يرحمه.

كنت تسرق الوقت، في كل استراحة أثناء التصوير، تبعد المايكروفون. تحكي لي عن زيارتك الأخيرة إلى الكويت. عن أصدقائك هناك. عن مطعم السمك في المباركية وطبق الزبيدي وعن البحر وشارع الخليج. وعدتني بزيارة أخرى شريطة أن أكون في الكويت.

كنت، كغيرك من الفلسطينيين الذين غمروني بمحبتهم، أثناء عناقك، أحدّثني: "لا أريد سماع خبر استشهادك.. أريد لك حياة تليق بك في وطنك". فكرة الموت مرعبة بالنسبة لي، هيّنة، ربما، بالنسبة لكم، في وطن يتداول فيه الناس كلمة: "استشهد" كما يتداول كلمات يومية: "أكل.. شرب.. ذهب إلى العمل.. نام..". كنتم تتحدثون عن يومياتكم. كنت أحصي تكرار الكلمة: "قبل استشهاد نضال.. لم يكن نادر قد استشهد.. في الوقت الذي استشهد فيه مازن"، حتى صرت أنظر إلى وجوهكم، ترعبني فكرة رحيل أحدكم قبل أن يطمئن إلى تحقيق حلم قديم لوطن لا ينتمي إلى سواه. أنظر إلى وجوه صغاركم.. حمزة.. يامن.. عمرو ونائل. أطرد صورهم من مخيلتي كي لا أتذكرهم. كي يصبح الفقد أخف وطأة إذا ما سمعت خبر فقدان أحدهم.

نصير..
أنت في مكان أفضل. أليس كذلك؟

لست مضطرا بعد اليوم لأن تبحث عن منتج فلسطيني بين منتجات إسرائيلية أقسمت أن تموت دون شراء أيٍ منها. لست مضطرا لتدخين سجائر طعمها كالخشب المحروق تجنبا لسجائر "نظيفة"، قلت لي عنها: "تُقطع يدي قبل أن أشتريها". أنت هناك الآن. في أي مكان. أي مكان أفضل من مكاننا هذا. لا ينقصك شيء عدا مقدرتك على أداء واجب آمنت به. أدريك لست قادرا على أن تنقل صورة للعالم، وأنت الذي كررت القول: "يا زلمة! بدّي العالم كله يشوف شو عم بيصير فينا!".

أتذكر عزمك. تخبرني: "اليوم.. صورنا لتلفزيون الكويت قطعة أرض فلسطينية استولى عليها المحتل في القدس.. خلي العالم يشوف!".

كنتَ تعوّل على العالم..
كنتُ أعوّل على عزمك..
كنتُ أخاف استشهادك..

في يومي الأخير كنت تنتظرني في الفندق. سلمتني أقراص مدمجة لتغطية زيارتي إلى فلسطين. عانقتني طويلا. كنت تربّت على ظهري تقول: نلتقي في الكويت. لو كنت أعلم.. لأطلتُ العناق..

وعدتني أن تكرر الزيارة.. مطعم السمك.. طبق الزبيدي.. لقاء الأصدقاء..
وعدتك أن..
نوبتك القلبية حالت دون أن..

والآن نسيتُ أن.. أسألك يا "زلمة".. هل صحيح خبر موتك؟


نشرنت في آراء

الجمعة، 24 يناير، 2014

السنعوسي في ضيافة محمود درويش فبراير المقبل

 
تستضيف مؤسسة محمود درويش الروائي الكويتي سعود السنعوسي ضمن ندوة أدبية في العاشر من فبراير المقبل للحديث عن روايته "ساق البامبو" الحاصلة على الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" بنسختها الأخيرة.
ويتحدث السنعوسي عن إصداره المتوج بجائزة "البوكر" متتبعاً الظروف التي دفعته إلى كتابة تجربته السردية المفعمة بالإنسانية، والمعروف أن السنعوسي عقب اقتناص الجائزة حصل على تكريم من جهات ثقافية منوعة، وتمت استضافته في ندوات داخل الكويت وخارجها.
ومن جانب آخر، انتقد بعض الكتاب عبر صفحاتهمعلى موقع "فيسبوك" عدم تخصيص ندوة أدبية للروائي سعود السنعوسي ضمن الأنشطة الثقافية والفنية التي تحتضنها جمهورية مصر العربية بمناسبة اختيار الكويت ضيف شرف لمهرجان القاهرة للكتاب لاسيما أن الوفد المشارك في مصر تضمن مجموعة من الكتاب والأدباء وفي مقدمتهم الأديب إسماعيل الفهد وليلى العثمان ود. محمد الرميحي وطالب الرفاعي ود. علي العنزي ود. عبدالملك التميمي والشعراء علي الفيلكاوي وسالم الرميضي وعلي مساعد.
يذكر أن مؤسسة ومتحف محمود درويش تعمل على الحفاظ على تراثه الثقافي والأدبي والفكري وتعميم القيم الثقافية التي تبناها.
 

الأحد، 19 يناير، 2014

عقل ملوي الثقافي يناقش "ساق البامبو"

 
روبير الفارس
 
"عيسى، أو هوزيه، أو خوزيه، لم يعد يهم اسمك، أو معتقدك، فأنت "عيسى".. ذلك الإنسان المجرد الذي جعلك السنعوسي تماماً كـ "ساق البامبو" ليدق بك ناقوس الخطر حول الكثير من المشكلات التي تمر بالإنسانية بشكل عام، والشرق الأوسط والكويت بشكل خاص، مشاكل تتعلق بالهوية وتقبل الآخر وعادات وتقاليد فرقت ولم تجمع"
 
 
 
 
بهذه الكلمات بدأ "حماده زيدان" قاص وروائي مناقشة رواية "ساق البامبو" الحاصلة على جائزة البوكر لعام 2013 للكاتب الكويتي "سعود السنعوسي" تابع زيدان الرواية في مجملها تتميز بالطابع الإنساني، ويبحث فيها الكاتب عن الإنسان المجرد عن طريق عيسى الذي ولد لأم خادمة فلبينية وأب كويتي تشاءمت الجدة فتركت الأم الكويت وسافرت إلى الفلبين تربى "عيسى" كهوزيه وكبر هناك ثم عاد ليبحث عن جذوره حتى لا يصبح ساقاً للبامبو..!!
أعرب "سفيان صلاح" شاعر عن سعادته بالعمل، خاصة العنوان الذي أكد أن الكاتب قد وفق فيه كثيراً لأن نبات البامبو يختلف عن غيره من الأشجار بقدرته على التعايش والانغراس دون الحاجة إلى بذرة وجذور تضرب بامتدادها في الأعماق، فقطعة من "ساق البامبو" كفيلة بزرعه في أي تربة، وهذا ما طمح فيه عيسى أن يغرس ساقه في مجتمع والده الذي لفظه لوجهه الفلبيني وأمه الخادمة.
ومن جهته أشاد  "محمد عبدالهادي" مهندس وصلات، بطريقة السرد التي أخذت الطابع الكلاسيكي بينما التكنيك الخاص بالرواية يجعل من ساق البامبو مقياس جديد لتطور الرواية العربية.
أما "رفعت اللباد" مؤرخ، فقد أكد أن الوطن لدى "عيسى"  كان هو الحلم الذي عاش له طوال حياته في الفلبين، وسقط الوطن عندما سقط الحلم في الكويت، وتم رفضه من عائلته التي أرغمته على العودة للفلبين من جديد.
وأكد "محمد صاوي" أن فلسفة التسامح والتعايش وأزمة الشرق الأوسط في تلك الفلسفة والتي كانت محور البحث في الرواية عندما تحول دور رجال الدين إلى السعي إلى فوقيته على الأديان الأخرى، مما جعل الصراع الديني والعقائدي وحتى الاجتماعي تكون على طبقات وعلى تجريم وتحريم كل فكر للآخر.
أما "فيبي أنور" مترجمة فقد أشادت بتحليل السنعوسي للمجتمع الفلبيني وآلامه وعذاباته كما لو كان فلبينياً خالصاً في توحد بالقضية قليل أن نراه في أعمال أدبية مماثلة.
اختتم الصالون ندوته بالموسيقى حيث عزف الفنان "إبرام المصري" على العود عدد من المقطوعات الموسيقية لعدد من الفنانين.

الجمعة، 22 نوفمبر، 2013

لماذا تعلقت بأدب الرواية؟

 
 
سعود السنعوسي:
 
قيل الكثير عن الرواية، كجنس أدبي، ولا أزعم أنني أنوي الإتيان بما هو جديد في هذه السطور بقدر ما أنوي الإشارة إلى أسباب تعلقي بهذا الصنف الأدبي دون غيره. لماذا تعلقت بأدب الرواية، ولماذا حين أمسكت بالقلم أول مرة كان حلمي أن أكون روائيا؟
رغم صنوف الإبداع والأجناس الأدبية لم يسحرني بينها شيء بقدر الرواية. وحدها قادرة على أن تضم كل صنوف الإبداع في طياتها. وحدها قادرة على احتواء قصة، وشعر، ومسرح، وسينما، بل أجزم، وعن تجربة، بأنها تتجاوز احتواء صنوف الإبداع الكتابية لتضم فنونا تشكيلية، تلك التي كدت أراها رؤية العين في بعض الأعمال الأدبية العظيمة. الرواية، كما أؤمن، حياة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة إن أراد لها مؤلفها أن تكون. وإذا ما وجدتني أسألني ما الذي تقدمه لي الرواية، تأتيني الإجابة من خلالها: «كل ما تستطيع أن تقدمه لك الحياة». الرواية ليست بديلا عنها في الواقع، ولكنها تجاريها وتحاكيها وتتفوق على الحياة عظمة وغنى وقيمة في أحيان كثيرة. في الرواية أسافر من دون أن أبرح مكاني. أسهل أنواع السفر وأقله تكلفة. سفر ممكن عبر المكان، وآخر مستحيل، لا توفره لي مطارات العالم، عبر الزمان. الرواية خبرات وتجارب لم تتح لي فرصة معايشتها فأجدني أعيشها ورقيا. مسحور أنا بهذا الصنف الإبداعي لأنه وحده القادر على احتواء الكثير، مثل الحياة تماما.. فكر، علم، فلسفة، سياسة، أديان، تاريخ، أساطير، فنون و.. حياة.

رجل في الذاكرة
في الحديث عن تجربة كتاب، ألجأ مرة أخرى، للرواية، حيث تلمع من بعيد رواية بعينها. يأتي اسمها في قرارة نفسي ليذكرني إلى وجوده هناك. في مكان سحيق من الذاكرة: «جان فالجان»، حيث يأتي الاسم في ومضة سبقت اسم رواية سطرت سيرته وسيرة زمن ماض، وقبل أن أتوقف عند اسم مؤلفها العظيم.
جان فالجان.. رجل تعرفت إليه، ورقيا، في أواخر سني مراهقتي، نهض من الأوراق ليدخل حياتي، يلغي كثيرا من إرث أحمله قبل لقائه ليؤسس لكثير بعده.
كنت كغيري من أبناء جيلي. نحمل إرثا من الأساطير، وقصص الجدات، ومسرحيات أطفال حضرناها صغارا، ومسلسلات كرتونية شكلت، بصورة أو بأخرى، وعينا. إشكالية الخير والشر في النفس البشرية. انتصار الخير دائما وأبدا. اللون الواحد، غير المحايد، من بين لونين اثنين وحسب، أما أبيض أو.. أسود. شيء من هذا كله لم أجده في رواية «البؤساء»، من بين أول الروايات التي قرأتها.
ما الذي فعله بي هذا الـ«فالجان» حين قرأت الرواية لمؤلفها فيكتور هوغو أول مرة؟ وأي سؤال ألقاه بين يدي قبل أن يسلم الروح في آخر الرواية ليتركني وحيدا فوق أنقاض ما يربو على الـ1500 صفحة قرأتها على مدى أسابيع؟ ولماذا لم يسمعني حين صحت به، عندما أدركت الصفحة الأخيرة، في خيبة: «تعال! قبل أن تذهب قل لي.. من أنت؟». من يكون هذا اللص الصالح الشرير، الأب الطيب السجين الهارب من العدالة، الخائن الوفي، الفقير المعدم العمدة الغني، المنقذ الضحية التائب؟ أسئلة فتنت بها. اقتربت من بعض إجاباتها وبعضها الآخر لا يزال يلح داخل رأسي أستمتع في البحث عنه آملا في ألا أجده أبدا.. أسئلة ليس لها تفسير سوى أن جان فالجان بكل تجلياته وتناقضاته ليس سوى صورة لذلك الكائن المعقد.. الإنسان.
المرء بطبيعته، كما أعرف، ينزع للحكم على الأشياء: هذا خطأ وذاك صواب.. جميل أو قبيح.. ليوصد الأبواب على أسئلة معلقة. وفي رواية «البؤساء» ما كدت أحكم على شخص حتى يتغير حكمي في موقع آخر يبعد مسافة بضع صفحات. فالجان سارق رغيف الخبز.. لص، شئت أم أبيت، ولكنه سرق الرغيف لإطعام أخته التي توشك أن تموت! فما حكمي عليه؟ انتهى حكمي عليه بسجنه في الرواية، وتناسيت ذنبه، ولكنه حاول الهرب قبل إتمام فترة عقوبته! امتدت فترة العقوبة.. هرب.. ورغم ابتعاده وتخلصه من ماضيه بتغيير اسمه وحياته وإطعامه للفقراء وتبنيه «كوزيت» اليتيمة، بقيت في حيرة من أمري حيال ذلك الرجل، لست أدري كيف أنظر إليه، كلما تعاطفت معه أرتكب إثما ذكرني بماضيه رغم كل الحسنات العظيمة. أجدني كارها «جافيير» الشرطي لملاحقته فالجان الهارب من العدالة، والذي أقلقتني مطارداته طيلة صفحات الرواية خوفا على «فالجان»، ثم أعود للحيرة إزاء موقفي العدائي تجاه شرطي لا يقوم بأكثر من تأدية دوره بتطبيق القانون. شرطي انتحر في آخر الرواية غرقا تكفيرا عن ذنب أشك في كونه ذنب. ذنب مطاردة لص طيب هارب من العدالة. أجدني مراوحا بين حيرة وأخرى، بين تعاطف وإدانة، أمام امرأة أنهكها الجوع، طردت من عملها، باعت شعرها وأسنانها لإطعام صغيرتها وما كفاها، فاستسلمت للراغبين في شراء جسدها. أقف عند أصحاب النزل الجشعين. أدينهم، وإذ بهم نتاج زمن فاسد تمخض عن أناس فاسدين. وشخصيات أخرى نثرها «هوغو» في روايته هزت قناعاتي صغيرا، ما عرفت كيف أنظر إليها، لم أنتبه إلى أن مؤلفها قال كلمته الأولى والأخيرة على غلاف روايته قبل أن أبدأ في قراءتها.. «البؤساء».
رواية «البؤساء»، رغم مروري بشكل موجز على الأثر الذي تركته في نفسي قبل سنوات، تمثل الكثير بالنسبة لي بين أهم الكتب التي قرأتها صغيرا. رواية أعادت ترتيب الأشياء من حولي. رواية علمتني أن ألجم لساني قبل أن أنطق بحكمي المطلق على الناس.. «البؤساء»، رواية تعلمت من خلالها أن الإنسان لا يوصف بكلمة واحدة.
إن الأثر الذي أوقعته الرواية في نفسي، قراءة، امتد ليطال حلمي في الكتابة. منذ كنت صغيرا، أحلم أن أقول ما يدور في رأسي رواية. ولأن لا رواية، بالنسبة لي، مثل البؤساء ولا روائي مثل فيكتور هوغو ولا شخصية روائية مثل جان فالجان، فقد كنت أحلم بكتابة رواية عظيمة مثلها، وأن أكون روائيا مثل هوغو، وأن أبتدع شخصية مثل فالجان. لا يهم أن أحقق حلمي هذا، فالجميل في الأمر هو أنني كنت أحلم.. ولا أزال.

في ضيافة فيكتور هوغو

يحدث كثيرا أن تتشكل علاقة، على نحو ما، بين المبدع والمتلقي، تتجاوز حدود الاكتفاء بمتابعة النتاج الإبداعي إلى الاهتمام بالمبدع ذاته. نعجب بأحد المبدعين، فليكن أديبا على سبيل المثال، نبدأ بالقراءة له، ثم نتحول إلى القراءة عنه، ثم نبحث عن كل ما يتعلق به، بيئته ومقتنياته وعلاقاته وحياته بشكل عام. ومن أهم ما يفكر فيه المتلقي أو متذوق الإبداع، كما أتصور، هو المكان الذي يعمل فيه المبدع على صياغة إبداعه. ولعل ذلك أحد الأسباب التي تدعو بعض الدول، التي تحترم مبدعيها، وتاريخها قبل ذلك، بأن تحيل بيوتهم أو الأماكن التي ارتادوها إلى مزارات ثقافية مفتوحة للزوار من متذوقي الإبداع، حيث تتسنى للزائر المهتم فرصة التعرف إلى مبدعيه عن قرب وبشكل مغاير. ولعل منزل فيكتور هوغو، مبتدع شخصية جان فالجان، أو Maison de Victor Hugo كما هو معروف في باريس، هو المزار الثقافي الذي كنت أحلم بزيارته لأتوج تجربتي مع رواية البؤساء وجان فالجان.
هو مبنى مكون من طابقين، مكث في طابقه الثاني «شاعر فرنسا العظيم» نحو ستة عشر عاما بين 1832 و1848. كتب فيه بعضا من أهم وأعظم أعماله في المسرح والرواية والشعر. أتذكر تجربتي في زيارة ذلك المكان بدهشة خليط بين حلم وواقع. المبنى القديم، رغم تحديثه، بطرازه الكلاسيكي. الصوت الصادر عن خشب السلالم وكأنه يئن تحت قدمي. رائحة الأثاث القديم. الألوان الداكنة التي يكتسي بها كل شيء تقريبا، الستائر والأرائك وورق الجدران. في الطابق الأول من المبنى معرض صغير يضم مجموعة من اللوحات التي رسمها هوغو وبعضا من أدواته في الرسم. أما الطابق الثاني فيضم شقته كما كانت، بغرفة الجلوس وأثاثها، وغرفة الطعام بأوانيها القديمة، وغرفة النوم بسرير هوغو العتيق وخزانته ومقتنياته.
لم يكن منزل فيكتور هوغو سكنا له ولعائلته وحسب، رغم أن هذا ما توحي به بعض اللوحات الزيتية العائلية المعلقة على الجدران، والتي تصوره بين أفراد أسرته في صور جماعية. إنما هو بيت تلك الشخصيات التي ابتدعها في أعماله أيضا. في بيت هوغو تكاد لا تفرق بين أصحاب البيت وتلك الشخصيات، فالجدران التي اتسعت للبورتريهات الشخصية لأبناء هوغو، اتسعت أيضا للوحات تصور كوازيمودو أحدب نوترداب، والقواعد التي تحمل أنصاف تماثيل هوغو تحمل أيضا تماثيل أخرى، كاملة، لـكوزيت بطلة البؤساء، تصورها تارة تكنس الأرض، أو تحمل دلوها استعدادا للذهاب إلى البئر ليلا. وعند السلالم تجد جداريات لـجان فالجان كما تخيله الفنانون.
في بيت هوغو، نسيت تماما من هو المبدع ومن هو المبتدع، واستحالت جميع الشخصيات حية، هوغو وأفراد أسرته رغم رحيلهم قبل سنوات طويلة، والناس في اللوحات التي رسمها بريشته، وجان فالجان وكوزيت وبقية شخوصه الروائية التي نهضت من ركام الأوراق لتحجز لها مكانا في هذا البيت الذي انطلقت منه إلى كل مكان.
في جو أشبه بالسحر، في بيت «البؤساء»، عادت لي فكرتي التي أحفظها.. الرواية حياة.. لا أريد إلا أن أكون روائيا..
أن أكتب مثل فيكتور هوغو..
أن أكتب عملا مثل البؤساء..
أن أبتدع شخصية مثل جان فالجان..
مع أمنية جديدة: أن تسكن هذه الشخصية معي.. في بيتي!
_______________________
 (*) ورقة ألقاها الروائي الكويتي سعود السنعوسي، الحائز جائزة بوكر العربية للرواية هذا العام، في الظهران، شرق السعودية، ضمن فعالية «إثراء المعرفة» التي ينظمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي، التابع لشركة أرامكو السعودية.


نشرت في:
 

الثلاثاء، 1 أكتوبر، 2013

فهد عافت: محاولة فاشلة للكتابة عن ساق البامبو


كتب: فهد عافت


     بتماسك قلّ مثيله ، في غير الروايات الخالدة ، تحكي رواية " ساق البامبو " لسعود السنعوسي ، حكاية هوزيه منيدوزا .. كما تقول أوراق النبات ، أو عيسى راشد عيسى الطاروف .. كما تقول أوراق الحكومة ! ، اسم يجلب الشرف .. وجه يجلب العار ! ، ابن الشهيد و المشكوك في عفّتها ! ، المثقف الثريّ و الخادمة التي بالكاد تعرف من أين أتت ! ، الكويتي الفلبيني : مُسلم تتدلّى من ياقته أيقونة الصليب ! ، و في صدره تعاليم بوذا ! ، .. يمارس طقوساً لم يفهمها بعد ، خوفاً من خسارة أشياء لم يؤمن بها بعد !! ، .. حكاية هوزيه / عيسى ، الذي له وجه أمّه و رطوبة انكساراتها ، و صوت أبيه و رائحة جسارته ، في بلاد أمّه لم يكن يملك أي شيء سوى عائلة ، و في بلاد أبيه يملك كل شيء سوى عائلة ! ، حقيقته مزيفة ، و زيفه حقيقي ! ، حين يصحو " يقولُ " فلا يفهمه أحد ، و حين ينام " يفعل " و ليس معه أحد ! ، كلٌّ يعرف ما ينتظره عداهُ ، و عداهُ ينتظره ما يعرفه الكُلُّ !! ، .. لا يحسد أخته الكويتية " خوله " على وفرة ما تملك ، و يحسدُ أخيه الفلبيني " أدريان " على مرضٍ دماغيٍّ أطاح بعقله ! ، ينزلُ في مُلحق منفاهُ ، و يُنفى في مُلحق منزلهِ ! ،.. يحمل تاريخهُ على شكل ترابٍ في قنّينة ! ، و يتمنى لو أن أحداً يفهمه غير سلحفاةٍ ، أو يقوم بتعزيته لموتها ! ، لهذا بكته جدّتهُ " غنيمة " حسرةً ، و لهذا رفضته جدّتهُ " غنيمة " أسرةً ! ، و كل ما سبق رسمه و ما يأتي مما يبدو أنه علامات تعجّبٍ ، ليست إلا سيقان بامبو " خيزران " أو محاولات فاشلة لغرسها ! ، .. الأكيد أن بناء رواية بهذه الهندسة ، لا يتيسّر لغير موهبة أقل ما يمكن أن توصف به النبوغ ، و يا للمهارة في غياب التعسفيّة و المجّانيّة في ترتيب كل هذه الفوضى ، إنه الأسلوب موهبة و البناء دِرْبةً و مِرَاناً ، رغم صغر سن المؤلف و قِصَر تجربته ، لكنها شعلة الفن حين تسري في عروق من تقتنص من الناس ، العبقريات لا تؤخذ بالأقدمية ، العبقريات لا تؤخذ بالأقدمية : أين قرأت هذه المقولة ، نسيت ، لا يهم ، المهم وجوب حضورها هنا ، أكاد أعتذر لاستخداماتي الكثيرة السابقة لها ، كان عليّ أن أنتظر مثل هذه الرواية حتى لو طال الزمن ! ، سعود السنعوسي في روايته " ساق البامبو" أذهلني حقّاً ، مهارة حَبْك ، خفّة ظلّ رغم المآسي الذابحة ، ثقافة و وعي كبيرين فيما يلزم اللغة الخاصة بكل شخصية ، قدرة فائقة على ربط الحدث الروائي بجذر تسجيلي ، التفكير الروائي .. وضَعْ تحت " التفكير الروائي " عشرة خطوط .. ، إيحاء الأسماء و دلالاتها : ساق البامبو و الطاروف تحديداً ، .. يا ألله .. كم هي رواية محفّزة لغريزة القراءة .. ، و لأنها كذلك أكتب ممتنّاً كقارئ : شكراً أيها الروائي الذي جعلتني أتساءل : من أين لك هذه القدرة على صعودي و إنزال دافئ الدمع لمجرد سرد مباراة في كرة القدم بين الكويت و الفلبّين ؟! ، بالمناسبة : أظن أن لاعب المنتخب الفلبيني " ستيفان شروك " أكثر اللاعبين حظّاً و مجداً ، على فقر موهبته ! ، و هناك على النقيض تماماً يجلس غسّان " بدون " مجد ، " بدون " حظ ، " بدون " ... ! ، يدوزن أوتاره : " .. كلّما قلت متى ميعادنا .. ضحكت هندُ و قالت : بعد غد " ! ، ساق البامبو ، واحدة من أفضل الروايات التي قرأتها في حياتي ، و هي فيما لو استسلمت لغواية الجغرافيا : الأفضل و الأعلى شأناً بين كل الروايات التي قرأتها لروائيين من الخليج العربي حتى هذه اللحظة .. ، سوف يكون صعباً عليّ نسيان " جوزا .. جوزافين ! ، منيدوزا ، آيدا ، بيدرو ، راشد ، غنيمة ، هند ، عواطف ، خوله ، تشولينغ ، غسّان ، أدريان ، أم جابر ، و إبراهيم سلام المترجم ! " ، و سأظل منتظراً أحسب السنوات إلى أن يكبر " راشد الصغير " ، أما نسيان " عيسى الطاروف " فهو بالنسبة لي أصعب من الصعب ، يشبه إمكانية نسيان بطل الرواية لـ " ميرلا " و وشم الـ : MM ، .. هكذا تُكتب الروايات ..