الأحد، 29 مايو، 2016

وارث لغة البحر



تصوير: Kheridine Mabrouk

البحر أجمل ما يكون
لولا شعوري بالضياع
لولا هروبي من مدينتي الظمأى وخوفي أن أموت
عريان في الأعماق أو في بطن حوت
إني أحاذر أن أموت (*)      

     وحده البحرُ يشبه البحرَ في بلادي، مُذ كان ومُذ كانت. يطلُّ من الشرق، يحملُ الشمسَ فوق أمواجه كلَّ نهار، قبل أن تتلقَّفها الصحراء وتُغيِّبها في الطرف الآخر البعيد. وحده البحر ضدّ أي ثابتٍ صامتٍ متواطئ باستسلامه لنا، ضد أن نغيِّره وقتما شئنا. وحده بهدير موجه يصيُح بنا مذكِّرا بأنه لا يقبل إلا أن يكون البحر، مهما غيَّرنا الحياة وغيَّرتنا على ساحله. لا يرضى بغير اسمه، ولا يحمل اسمًا جديدًا شأن الشوارع والمناطق والأبراج التي تتبرأ من أسمائها  وهويّاتها كلِّ موسم، تتَّخذ أسماءً بديلة، يصير السوق القديم مجمَّعا تجاريًا، والمدرسة مؤسسة حكومية، ويستحيل البيت العربي ذو الردهات برجًا سكنيًا. أماكن جديدة. وليدة. تتركنا بذاكرة معطوبة بلا تاريخ ولا ذاكرة ولا هوية.
     أنا ابن اليوم. ابن جيلٍ لا يعرف عن البحر عدا ما أنصتَ إليه في حديث الجدَّات وحكاياتهن. أحنُّ إلى ما لم أعِشه يومًا إلا في ذاكرةٍ موروثة. الأزرق الذي خرجت جدَّاتي إلى سواحله، يحملن الصُّرَر فوق رؤوسهن، يغسلن الثياب والأواني بمائه. حاضن الدرِّ والأسماك والأسرار. حامل أسلافي فوق سُفنهم الشراعية إلى الهند وسرنديب وزنجبار. بطل كلّ الحكايات القديمة والأساطير. الطيِّب الشرير. المنصف الظالم السخيّ الوفيّ الغدار. هو الملاذ إذا ما ضاقت بي بلادٌ ما عدتُ أعرفها. الجلوس على ساحله يفوق الكفايةَ إذا ما أدرتُ ظهري إلى ما لم يعد يُشبهني. إذا ما بحثتُ عني في مدرستي القديمة باسمها الجديد ولا أجدني، واحدنا لا يتعرَّف الآخر. إذا ما طفتُ شوارع قطعتُها بدرَّاجتي الهوائية صغيرًا، تحمل اللافتات فيها أسماء رجالٍ لا أعرفهم ولا يعرفونني.
     هو البحر الذي ما زال. أقرفصُ على رماله الرطبة. أتخيلني بين ذراعيّ جدَّتي، تخوض في مائه حتى منتصفها، تتشرَّبه عباءتها، تُغطِّسني فيه، تُطهِّرُ بمائه المالح جُرحًا خلَّفه ختاني في الشهر الأول لمولدي، يومَ وقفتْ أمي بعيدًا على الشاطئ تضمُّ كفَّيها أسفل ذقنها، تنظر إلينا لا تملك حقَّ اعتراضٍ على عاداتٍ لم تعد تشبه زمنها، ولا بيديها أن تفضَّ ما يشبه اتفاقًا بين جدَّتي والبحر؛ على أن يكون الأزرق حاضرا في جميع مناسباتنا، يعمِّدنا ويباركنا بملحه.
     أتذكرني، ابن السادسة، أضربه بذراعيّ وساقيّ، أدفعني إلى سطحه، ولا تُسفر محاولاتي عن شيء عدا ملء رئتيّ بمائه. أستنجد بأبي الذي يدفعني بعيدًا عنه، يرفعُ صوته يخيِّرني بين الموت غرقًا أو أن أصير رجلا يجيد السباحة.
     صرتُ رجلا يجلس اليوم على الرمل يناجي زرقة الذاكرة. يستعيد حادثة غرقه الأولى. لسعة قنديل بحرٍ لم يُشفِه منها خَلٌّ أبيض وصفته له جدَّته يدعكُ به موضع الألم. قواقع و"زبابيط" ونجمات بحر جَمَعها صغيرًا، وسمكة أولى اصطادها، خيَّبت ظنَّه يوم وجدَ أحشاءها فارغة من خاتم ثمين. ومحَّارة دسَّ اصبعه الصغيرة في لزوجة لحمها يبحث عن لؤلؤة لم يجدها يومًا.

أمَسَكتَ مِفلقة المحَّار
في الفجر مرتجفًا لتكتمل القلادة
في عُنُقِ جاريةٍ تنام على وسادة
ريشيةٍ في حضن سيِّدها
ورائحة المحَّار في إزاركَ البحري تعبق
والبِحار مملوءة دُرًّا سيملكه سواي (*)

     هو البحر الذي أعرف. رغم أنني لم أُمسك مِفلقة المحَّار يومًا أبحثُ عن لؤلؤةٍ يفوق ثمنها حياتي وحياة الغاصةِ على ظهر السفينة. هو البحر الذي أفهمه وراثةً. لا يجيد الإنصاتُ إلى حكاياته إلا من تعمَّد بمائه وأتقن لغته. وأنا وارث لغة البحر مُنذ التحقتُ بمدرسة جدَّتي العتيقة. أتهجَّى حروفه في كلماتٍ تخرج من بين شفتيها رطبةً، لها صوتُ صرير أخشابٍ أكلها الملح أسفل أقدام بحَّارةٍ أنصاف عراةٍ، حمَّصت الشمسُ جلودهم. بحَّارة تتهادى سفنهم فوق صفحة الماء، بين مغاصات الخليج، على إيقاع تصفيقهم، يغيضون الجوع والخوف والتعب، يهزأون بها رقصًا وغناءً. ترتفع أصواتهم بالـ"هولو" والـ"يامال"، قبل ما يُحضِّر الغاصةُ لنزولهم منازل الغوص: "نزلنا منزل مبارك وأبرَك دار.. على الهير والمحَّار".
     في الوقت الذي كانوا فيه بعيدًا هناك، كانت النسوة، في مكاني هذا، بعباءاتهن على الساحل ينتظرن أزواجهن وأبنائهن، يحملن الطبول ويرفعن الصوت. يحصين شهور الغياب الأربعة وقد أوشكن على دخول الخامس انتظارًا. يناشدن البحر لأن يتوب عن نيَّة غدرٍ إن كان في باله أن يفعل: "توب توب يا بحر/ أربعة والخامس دَخَل/ جيبهم، طالبينك جيبهم/ ما تخاف من الله يا بحر؟!".
     ها أنا اليوم أمامك، في أعياد بلادي لا أجدُ سواك يُشبهنا، ولا وجهة لي غيرك أقتربُ منها وأهمس: كل عام وأنت بخير.
     يهدأ موجك. تمنحني ما لا تمنحه لغيري. تكشف لي صورًا قديمة لسفنٍ تُقفل عائدة إلى سواحلي، أنصتُ إلى أصوات بحَّارتها، يصاحبها هدير موجك، ينشدون:

ها نحن عدنا نُنشِدُ الـ "هولو" على ظهر السفينة
من رحلة الصيف الحزينة
ها نحن عدنا للمدينة (*)
سعود السنعوسي
                                                                                   فبراير 2015
 صحيفة الأهرام المصرية
__________________

(*) من ديوان "مذكرات بحَّار"، محمد الفايز

الاثنين، 21 سبتمبر، 2015

كتابات حول رواية "فئران أمي حِصَّة" لـ سعود السنعوسي






احموا الناس من الطاعون!

عبدالمجيد سباطة، الجزيرة

أسئلة الطاعون!

ممدوح رزق، دنيا الوطن

 

"فئران أمي حِصّة" تحذّر من طاعون الطائفية في الكويت

 موسى برهومة

 

قراءة في رواية: فئران أمي حصّة لـ سعود السنعوسي

 تسنيم دهب


سؤال الهوية.. واستشراف الآتي 

د. دوش بنت فلاح الدوسري، الجزيرة


الانشطارات الطائفية في العالم العربي، رواية "فئران أمي حصة" أنموذجًا

معاذ بني عامر، ذوات

"فئران أمي حصة" في مصيدة الرقابة!
ربى زياد الشوشي، ثقافات

"فئران أمي حصة" زرقاء اليمامة التي لا يصدقها أحد!
محمد فاير جاد - بوابة الأهرام

"فئران أمي حصة".. الهروب نحو الجحيم!
زينب الدرازي


من قتل فئران 2020؟!
نزيهة غربال - بيت الخيال


السنعوسي في مصيدة فئران كامو
دانة كامل الشيخ - صوت ألترا

"فئران أمي حِصَّة"
أمل إدريس هارون - الكتابة

السرد المقلوب في "فئران أمي" حِصَّة
باسم سليمان - جريدة "العالم" العراقية

الرقيب وهولاكو و"فئران أمي حصة"
بثينة العيسى - مجلة الصدى

ما تقوله "فئران أمي حصة"، ما تمتنع عن قوله
المغيرة الهويدي - ألف

عالجوا الطاعون بفئران أمي حصة
خالد منتصر - المصري اليوم

هل تنبأت "فئران أمي حصة" بما هو آت للكويت؟
موقع أوبن
كيف تسللت فئران أمي حصة؟!
أسامة عبد الرحمن

"فئران أمي حصة".. رواية السؤال عن محو الآخر!
محمود عبدالشكور - التحرير

رواية فئران أمي حصة.. الطاعون القادم لا محالة!
نورا ناجي - أراجيك

"فئران أمي حصة".. ومن جديد زرقاء اليمامة تحذرنا من مسيرة الأشجار!
نضال ممدوح - كتب وكتاب

رواية "فئران أمي حِصَّة" كل الطرق تؤدي إلى صراع الهويات
علي كاظم داود - القدس العربي

"فئران أمي حِصَّة".. أيامنا السوداء البديعة!
إبراهيم عادل زايد - التقرير


سعود السنعوسي يروي الطاعون العربي
منى الشرافي تيم - الحياة اللندنية

سعود السنعوسي في "فئران أمي حصة" يقرع الخزان ويصرخ "احموا الناس من الطاعون"!
بديعة زيدان - جريدة الأيام الفلسطينية


"فئران أمي حصة" تثير هلع الخليج العربي
هشام مكين - دوت مصر

"فئران أمي حصة" لسعود السنعوسي.. إرث النار
نازك بدير - جريدة السفير


مراجعة كتاب: "فئران أمي حِصَّة"
أنس سمحان - ملتقى أفلاك الثقافي

الأحد، 20 سبتمبر، 2015

قراءات في رواية "ساق البامبو"





 

 

 

‘The Bamboo Stalk’, by Saud Alsanousi  

Financial times, by Azadeh Moaveni


Kuwait, the Biduns, and Ethnic Prejudice in ‘The Bamboo Stalk’


Review of The Bamboo Stalk by Saud Alsanousi

Yasmine Seale, Academia

The Bamboo Stalk

Robin Yassin-Kassab 

 

A life uprooted and replanted

Nahrain Al-Mousawi, Qantara.de

 

 

المراوغة السردية في رواية البوكر بين الكلاسيكية والحداثية

ممدوح فرَّاج النَّابي، القدس العربي، 27 يوليو 2014

ساق البامبو والهجنة السردية

 سعاد العنزي، القدر العربي، 15 يوليو 2014

 غيمة ماطرة تستحضرها أرض بكر

أيمن العتوم، نوفمبر 2013

جدل الذات وآخرها الحميم في رواية "ساق البامبو"
محمد جميل أحمد، إيلاف، 29 ديسمبر 2013

حساب ختامي لعام 2013 و"ساق البامبو"

زينب منتصر، موقع الأسبوع، 24 ديسمبر 2013 

"ساق البامبو"

فوزية شويش السالم، جريدة الجريدة، 23 ديسمبر 2013 

رواية "ساق البامبو" لسعود السنعوسي: نموذج مثالي للتنوّع السيميائي

د.براهيم خليل، موقع قاب قوسين،  19 ديسمبر 2013

 

The Bamboo Stalk: Exploring Kuwaiti Society and ‘The Double Absence’

 By Caterina Pinto, Arablit, 10th Dec 2013

على قدم وساق، "ساق البامبو"

حياة الياقوت، حيات دوت نت، 6 نوفمبر 2013

 ساق البامبو.. تناقض في مصفوفة القيَّم!

د.محمد الرميحي، مجلة الكويت، سبتمبر 2013

الأناناس لا ينمو في الصحراء  

باسمة العنزي، جريدة الراي، 22 أكتوبر 2013

من ضاع الديك إلى ساق البامبو  

سليمان الشطي، مجلة الكويت، يوليو 2013

بين ميندوزا وغنيمة!

عبدالرحمن بجاش، الثورة، 28 نوفمبر 2013

زمن ما قبل الذاكرة – قراءة في رواية ساق البامبو
صحى عبدالرؤوف، جريدة عمان، 24 نوفمبر 2013

ساق البامبو
خالد منصر، الوطن، 10 نوفمبر 2013

 محاولة فاشلة للكتابة عن ساق البامبو
فهد عافت، آراء دوت كوم، أكتوبر 2013

 فلتة السنعوسي
د.ثروت
الخرباوي، جريدة الوطن، 22 سبتمبر 2013

 "ساق البامبو": عندما تدير لي الكويت ظهرها أهرب إلى الفلبين
د.محمد بن مسلم المهري، جريدة القدس العربي، 20 سبتمبر 2013

عندما نسكن الأمكنة وتنفينا، تحيا فينا ونموت عنها
نسرين رجب، سكون، 9 سبتمبر 2013

الساق المنبتة
عبدالله إسحاق، البيان، 8 سبتمبر 2013
 
الساق مرة أخرى
عبدالله إسحاق، البيان، 18 سبتمبر 2013

 "لا هو فلبيني ولا هو كويتي"
د.محمد حسين اليوسفي، البيان، 5 سبتمبر 2013


 البطل المنشق بين أبيه الكويتي وأمه الفلبينية
إبراهم فرغلي، جريدة الحياة، 30 يونيو 2012

إبداع الشباب الكويتي يفجر مشكلة الهوية
صلاح فضل، جريدة المصري اليوم، 4 مارس 2013

سيد محمود حسين، جريدة الأهرام، 24 مارس 2013
 
شريف صالح، جريدة الحياة، 18 مايو 2013

ساق البامبو.. الحياة ليست في المكان الآخر
طامي السميري، جريدة الرياض، 2 مايو 2013

ميلودراما كويتية تستحق بوكر عن جدارة!
وارد بدر السالم، 10 يونيو 2013

ساق البامبو.. أو أزمة الجذر المنبت

بهاء جاهين، جريدة الأهرام، 11 يونيو، 2013

"ساق البامبو" لـسعود السنعوسي فائض الحكمة
محمد أنقار، القدس العربي، 25 يوليو 2013

ساق البامبو.. احتقار اللغة والإنسان
عمار باطويل، هنا حضرموت، 29 مايو 2013
 
محمد بن عبدالرزاق القشعمي، جريدة عكاظ، أغسطس 2013

عدنان حسين أحمد، جريدة الشرق الأوسط، 12 يونيو 2013
 
عبده وازن، الحياة، 25 أبريل 2013

هدى عيد، السفير، 25 يونيو 2013

مودي بيطار، الحياة، 6 مارس 2013
 
"ساق البامبو" مكانان وحكاية اغتراب
أحمد الشريقي، الجزيرة، 30 ديسمبر 2012

"ساق البامبو"
وليد أبوبكر، الأيام الفلسطينية، 13 يوليو 2013

"ساق البامبو" والمجتمع الكويتي
عماد الزغل، دنيا الرأي، 13 يوليو 2013

أحمد الصراف، القبس، 22 أكتوبر 2012

د.عبدالله السفياني، نوافذ، 7 مايو 2013

ساق البامبو وجمالية الفن الروائي
جميل السلحوت، المعهد العربي للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 17 يونيو 2013

"ساق البامبو" أم فلبينية وأب كويتي، ولكن من هو خوسيه؟
هبة الله الغلاييني، تشرين، 22 يوليو 2013

"ساق البامبو" لسعود السنعوسي: تيه الأوطان والأديان والأسماء
جينا سلطان، النهار، 1 يوليو 2013

ساق البامبو.. أزمة الهوية وتفوق الرواية في الخليج
انتصار البناء، جريدة الوطن البحرينية، العدد 2731

ساق البامبو ورأس مبدعها
جاسم بودي، جريدة الراي الكويتية، 26 أبريل 2013

ساق البامبو: المؤلف والمؤلف الضمني والسخرية والنماذج البدئية
عادل الأسطة، الحرية، 22 مايو 2013

"ساق البامبو".. نداء إنساني عميق لشاب يبحث عن شرعية اجتماعية
محمد الحسيني، جريدة الأنباء الكويتية، 2 فبراير 2013

حديث عابر حول "ساق البامبو"
د.نجمة إدريس، جريدة الجريدة، 23 أبريل 2013

"ساق البامبو" أهمية النظر إلى الوراء
د.حسن رشيد، الدوحة، يونيو 2013
ساق البامبو.. السنعوسي وسمفونية التيه
د.رباب كساب، المواطن، 5 يونيو 2013

رواية "ساق البامبو" وإشكالية الهوية والاغتراب
عامر هشان الصفّار، أقلام

الذات العربية والآخر الآسيوي في "ساق البامبو"
رشيد العناني، القدس العربي، 27 مايو 2013

"ساق البامبو" فوز مستحق
معن البياري، جريدة الدستور الأردنية، 25 أبريل 2013
مروان ياسين الدليمي، ألف ياء، 29 أبريل 2013

الفردوس مفقودا.. الفردوس مستعادا في رواية "ساق البامبو"
ريم غنايم، قديتا، 19 مارس 2013

"ساق البامبو" عربي-فلبيني يبحث عن جذوره
الإمارات اليوم، 30 يناير 2013

ساق البامبو الأخضر والبوكر اليانع
مريم الشحي، جريدة الرؤية الإماراتية، 26 أبريل 2013

ساق البامبو.. الاغتراب بزوايا مدوَّرة
رولا عبدالله، الكتابة، 2 أبريل 2013

"ساق البامبو"
محمد ولد محمد سالم، الخليج، 5 أبريل 2013

البامبو الكويتي
سالم اليامي، اليوم، 1 مايو 2013

ساق البامبو بين البطل الضد وهدم الامبراطورية
ممدوح فراج النابي، جريدة التحرير المصرية، 1 سبتمبر 2013

قراءة في ساق البامبو
إسراء المازمي، جريدة الرؤية الإماراتية، 12 يونيو 2013

البحث عن الجذور
ملوك الشيخ، المجلة، 2 مايو 2013

ساق البامبو.. البحث عن الذات
محمد بن زياد، جزايرس، 17 يونيو 2013

الثلاثاء، 18 أغسطس، 2015

حينما تكره البلادُ نفسها!


مقالة خاصة بالمدونة:



     هذا ما أشعر به، شعورٌ يقارب اليقين، أن هذه البلاد تكره نفسها، حينما ألتفتُ ولا أجد فيها ما يُشبهها. بلادٌ تتبرأ من ذاكرتها. تتنكَّر لماضيها. تخجل من هويتها. كُلُّ ما في هذه البلادِ لم أعد أعرفه. أنا أفهم شعوري بالحنين إليها وقتَ سفري، ولكنني لا أفهم لماذا أشتاقُها وأنا فيها!

     لا شارعنا القديم يحمل اسمه، ولا مدرستي الابتدائية، ولا المتوسطة، ولا حتى الثانوية. أمضي في شوارع أعرفها بحثًا عني، هربًا من زمن مسخ، ولا أجدُني. أمضي إلى ما هو أكثر قِدَمًا. أبحثُ عن حَمَّارٍ وعربةٍ خشبية، وأرجوحةٍ تُشبه أرجوحتي القديمة في قرية "يوم البحَّار"، أجدُ القرية في غير مكانها، وقد صار اسمها "قرية الموروث الثقافي الكويتي"، وأجدُ أن الحَمَّار صاحب العربة والأرجوحة قد غادرا المكان مع اسمه القديم.

     أنا أفهم ضرورة تحديث بعض مباني الدولة مواكبةً للزمن، ولكنني لا أفهم الدافع من وراء تغيير الأسماء الذي تنتهجه الدولة منذ سنوات. من الذي أسقط لافتةً عتيقة في كيفان، تعرفني وأعرفها، تحملُ اسم "شارع إشبيليا"، لتقيم أخرى تحمل اسمًا آخر؟ أمضي في الشارع ألوذ بحديقة "الأندلس" التي احتضنت طفولتي، وإذ بها تحملُ لافتةً باسمها الجديد "واحة كيفان". لا مكان لطفولتي هنا، ألتجئ إلى مكان أمضيتُ فيه زمنًا في مراهقتي، ديوانية في شارع أبو حيان التوحيدي في الروضة، لا تزال موجودة ولكن أبوحيان انصرف يحمل لافتته مُفسِحًا مكانها لأخرى تحمل اسم غيره. أقودُ سيارتي أتوق لاسمٍ قديم. لا أجد. ما الذي يدفع مدرستي "النجاح" لأن تحتفظ بكل تفاصيلها ما عدا اسمها الذي أعرف، وقد اتخذَت لها اسمًا جديدا؟ لماذا أقابلُ مدرستي الثانوية "صباح السالم" في السُّرة كلما جرَّني الحنين، أعرفها ولا أعرفها وقد صارت ثانوية بغير اسمها؟ أعود إلى بيتي في آخر اليوم غريبًا، وفي داخلي شيءٌ يصرُخ: أعيدوا لي ذاكرتي!

     أتابع منذ سنواتٍ اغتيال ذاكرتنا في صمت، وفي كلِّ مرَّةٍ أمنّي نفسي بأنها الأخيرة، وها أنا قبل ساعاتٍ أشاهدُ عُمَّالا أمام ثانويةٍ ليست بعيدة من بيتي، يُزيلونَ لافتةً عتَّقها الزمن، تحملُ اسم "الأصمعي"، حتى صار الشارع يُسمَّى باسمها. الثانوية التي حملت الاسم منذ ثلاثٍ وأربعين سنةً، وقتَ انتسبَ والدي إلى دفعتها الأولى سنة تأسيسها، وقتَ كانت المنطقة برَّا خاليا من الشوارع تقطعه حافلات التلاميذ تثير الغبار من حولها. أراقبُ العُمَّال يرفعون لافتةً جديدة أعلى سور المدرسة، وأنا أشهد ما يجاوزُ مسح ذاكرتي إلى ما يطال ذاكرة أبي.

     أشيحُ ببصري بعيدًا عن لافتات وأسماء وأماكن لم نعد نعرفها. وأتذكَّر سنواتٍ مضت، في زمن الاحتلال، حينما استحالت مناطقنا السكنية؛ السالمية، سلوى، الخالدية والشويخ وغيرها.. إلى مناطق بمسمَّيات جديدة؛ حي النصر، حي الخنساء، الجمهورية والرشيد. قد تبدو المقارنة ظالمة، ولكنني لا أقارن هنا، إنما أبحث عن سبب. أتفهَّم عزم المحتلِّ بأن يمسخ ذاكرتنا حتى لا نعود نحن، أما وأن نرتكب الفعل بأيدينا، فهذا ما لا أجدُ له مبرِّرًا غير أن هذه البلاد تكره نفسها.

     كيف لأصحاب القرار، أعضاء المجلس البلدي أو وزير التربية أو أيًا كان، أن يعصفوا بذاكرة وتاريخ بلد بقراراتهم هذه؟ أنا لا أفهم! شيءٌ كبير بأن يحمل الشارع أو المدرسة اسميهما منذ ما يقارب الخمسين عامًا في بلدٍ تاريخه قصير بمقياس الأُمم. وكأن قصر هذا التاريخ لا يكفيكم، لتقتطعوا منه المزيد، ولتؤسِّسوا ذاكرةً جديدة تبدأ من الصفر!

     أطلقوا الأسماء تخليدًا لذكرى من ترونه يستحق، وكثيرٌ منهم يستحق، لا اعتراض على أن تمتن الدولة لأبنائها، ولكن في جديدِ بنيانِكم، عِوَضًا عن مسخ ذاكرتنا، حتى صرنا لا نعرفنا!


سعود السنعوسي
17 أغسطس 2015 

الأربعاء، 12 أغسطس، 2015

سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر!


  يبدو للكثير أنني تأخرت في إبداء رأيي حول منع رواية "فئران أمي حِصَّة"، أو أن نشر نصِّي هذا جاء في غير أوانه، خصوصاً لمَن انتظر مني تصريحاً حول مصير العمل مع الرقيب منذ تقدمت به إلى قسم رقابة المطبوعات في وزارة الإعلام.
كنت قد اتخذت قراري بألا أتحدث في الموضوع ما لم يكن القرار قد صدر رسميّاً، رغم رفع النسخ من رفوف المكتبات فور صدور العمل في فبراير الماضي. ولهذا أسباب عدّة؛ أولها أنني لا أرغب في الظهور كمن يركب موجة المنع ليسوّق للعمل المشاع منعه، ثانيها، أنني أخشى إن أنا أعلنت منع العمل عبر صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي، ولي فيها متابعون من داخل الكويت وخارجها، فأحسبني كمن يطعن وطنه، وأنا لا أريد أن أفتح صفحاتي لتعليقات تتجاوز انتقاد الرقيب إلى الهجوم على بلد أنتمي إليه بسبب سياساتٍ رقابية عمياء، وقد نالني بعضها.
وثالث هذه الأسباب، أن أغلب الصحف التي اهتمت بالأمر من خارج الكويت، وهو سبب كافٍ ليضاعف رغبتي في التزام الصمت، ورابعها، أنه خلال الشهور الخمسة الماضية، كانت الرواية كما يقول الرقيب "ليست ممنوعة وليست مجازة"، كونها، ولخمسة شهور، لدى لجنة الرقابة تبحث في شأنها!


مجازر الرقابة

اليوم، وبعد أن صدر القرار رسمياً، يمكنني أن أقول رغم تردّدي للأسباب السالف ذكرها. لن تؤثر قرارات المنع المعيبة على رواج أي رواية، بل قد يمنحها انتشاراً أكبر حتى مما تستحق، وهو ما أراه قد منح روايتي زخماً أكثر مما تستحق. إنما للقرار هنا وقعٌ كبير على صورة هذا البلد، إن كان من بيديه الأمر يعقل، وعلى نفوسنا نحن الكتّاب الشباب على وجه الخصوص. ولأن مجازر الرقابة لم تعصف بعملي الأخير وحسب، فأنا، هنا، لا أكتب عن تجربتي وحدي مع الرقيب، بل أكتب نيابة عن زملائي ممن أصابت أعمالهم مجازر الرقابة، وحسبي أنهم يسمحون لي، ليس دفاعاً عنهم، بل غيرة على وطن بات مختطفاً لا يشبه وطناً نعرفه "قديماً" منبراً للحريات.
 نحن جيلٌ نشأ على ثقة تحاذي الغرور بمقدار الحرية الذي كانت تتمتع به بلادنا، كما حالفنا حظ مزامنة فُتات زمن النهضة، وكما نشاهد كلما أدرنا وجوهنا إلى الوراء؛ حرية الرأي، وهي حقٌ أصيل، كفلها الدستور منذ 1962.
 نحن جيلٌ نشأ على هذه الحرية متمثلة في مجلس الأمة، رغم كل ما طاله من محاولات لعرقلته عبر تاريخه، حرية المسرح الذي كان يقسو بنقده محبةً، يقول ويصرخ وينتقد ويسمي الأشياء بمسمياتها. حرية الديوانيات والمجالس التي كانت تقول ولا تخشى. حرية الصحافة التي كانت منبرا حقيقيا للتعبير عن الرأي قبل فرض الرقابة المسبقة في الثمانينات.
نحن جيلٌ نشأ على حنظلةِ الفلسطيني ناجي العلي في رسوماته، الذي احتفت به صحف الكويت وأعدته مكسباً، ينتقد بحريةٍ في الداخل والخارج قبل تخلينا عنه. نحن جيلٌ افتتح صباحاته مع "لافتات" العراقي أحمد مطر الذي ضُيِّق عليه في بلاده، واحتفت به الكويت وبتجربته واستفادت من وجوده ليكرِّس ويكون مثالاً لمفهوم حرية الرأي فيها قبل أن يذرف دمعته عند الطائرة التي حملته بعيدًا.
نحن جيلٌ يعيش على أطلال ثقافية كانت نبراساً آمن بها الوطن منذ حُلمه بأن تكون له مجلة ثقافية لكل العرب، يوم استعانت الكويت بالمصري أحمد زكي ليؤسس مجلة "العربي"، لتقول للعالم: هنا وطن، يؤمن بالثقافة والفن والأدب، اسمه الكويت.
نحن جيلٌ تلقى جلَّ ذائقته المسرحية من مسرحيات قدَّمها الروَّاد زمن إيمان هذا الوطن بأبي الفنون، حينما مهَّد للمصري زكي طليمات طريقًا يؤسِّس فيه مسرحا حقيقيا نعيش اليوم على إرثه.
نحن جيلٌ يتابع اليوم، بحسرة، تلك النصوص المسرحية العربية التي تنتقد السلطات الظالمة والجهل والتعصب، وهي نصوص مسرحية مُنعت من العرض في بلادها وعُرضت في الكويت زمن نهضتها وحُلمها في أن تكون، نتابعها بوجع، ونسأل "من بيديه الأمر" كيف صيَّرتَ الكويت إلى قطة تأكل أبناءها، ولماذا دفعت هذا الوطن - الذي فتح ذراعيه لكل أولئك المبدعين العرب الكبار- لأن يضيِّق اليوم على أبنائه؟
 الوجع ليس ذاتياً هنا حول كتاب يُمنع أو يُجاز، الوجع هو أنك تشاهد بلادك مختطفة لا تشبه بلاداً تعرفها. وربما، لا يُجدي إلقاء اللوم كاملاً على رقيب مغلوب على أمرِه مهزوز الثقة أبعد ما يكون عن القراءة والثقافة، وظيفته تقوم على تأويل النَّص وتطبيق قانون عقيم. فالرقيب لا يمنع من أجل المنع، فهو يدرك تماماً أن قرارات المنع صورية، وإن حقَّقت هدفها بسحب الكتب من المكتبات. الرقيب لا يملك شجاعة اتخاذ قرار الإجازة، لأنه يخشى المجتمع، والمجتمع هنا هو الرقيب الحقيقي حين نشاهد الفرد في المكتبات يسائل صاحب المكتبة بمجرد ما يستفزَّه غلافٌ أو عنوان، مثلما يسائل عضو البرلمان وزير الإعلام: "هل هذه الكتب مجازة؟".

ورغم أننا نأمل بعضو مجلس الأمة أن يصون حرياتنا، ويسنُّ لنا قوانين تحمينا من جهل الرقيب أو خشيته، نجده يمارس العكس. ولعل سابقة استقالة وزير إعلام وإقالة الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، قبل سنوات، بسبب كتبٍ تمت إجازتها دفعت بعض أعضاء البرلمان إلى استجواب الوزير، خير شاهد على أن الرقيب الحقيقي هو نحن عبر أناسٍ منحناهم سلطةً ليمارسوها ضدنا.
نحن  في حاجة إلى نائب يعمل على تشريع قوانين تردُّ لهذا الوطن صورةً نحسبها مشرقة. نحن لسنا في حاجة إلى نوَّابٍ يطالبون بحظر دخول معروف الرصافي وجلال الدين الرومي إلى البلاد رغم موتهما منذ سنوات طويلة، لنصير نكتة سمجة أمام العالم.
  أعود إلى عضو لجنة رقابة المطبوعات، أضعف حلقات سلسلة الرقابة المجتمعية المهترئة، إنصافاً لك وإدانةً، أقول، عبر قرارات منع تستند في معظمها إلى جمل مبتورة من سياقها يرفعها إليك موظف مختص، أنت مجرد صورة مختزلة لمجتمع في معظمه يخشى الحرية، ويرفض الرأي الآخر. لذلك من شأن تغريدة في "تويتر" أن ترعبك لتراجع نفسك بقرارات سابقة لإجازةِ بعض الكتب، لتصدر قراراتٍ جديدة بمنع تداولها، وبعضها كلاسيكيات عالمية، منعُك إياها - في زمن الفضاء المفتوح وسحبها ومخالفة المكتبات وتغريمها أموالاً طائلة- جعل منا، بسببك، أضحوكة أمام العالم.
 قد أبدو كمن يتنصَّل من مسؤوليته بعدم توجيه هذه الرسالة إلى شخصٍ بعينه؛ رقيب أو عضو برلمان أو وكيل وزارة أو وزير إعلام أو المجتمع كله، ولكن لإيماني بأن من بيديه الأمر هو كلنا، أوجِّه هذه الرسالة إلى... "من بيديه الأمر" بدءاً من وزير الإعلام وانتهاءً بالمواطن العادي الذي هو أنا، لعل أحدنا أو كلانا يدرك ويستجيب.
  دعنا نحبُّ هذا الوطن على طريقتنا. دعنا، إذا ما ضاقت بنا السُّبل، نفرُّ إليه بدلاً من فرارنا منه. دعنا إذا ما سافرنا ننصت إلى الآخرين يقولون بأن الكويت، بدلاً من "كانت" الكويت. دعنا إذا ما اصطحبنا زائراً إلى مكتباتنا، ووجد أن نصف قائمة كتبه المطلوبة ممنوعة، لا نردُّ عليه صمتاً حين يسأل: "ما الذي جرى للكويت؟!".
دع القارئ الكويتي يقتني نتاجنا من رفوف مكتبات وطنه بدلاً من شرائها من مكتبات العالم. دعنا نزيلُ غصَّة في حلوقنا ونحن نحمل وطننا على أكتافنا ونجوبُ دول العالم ونلاقي من الحفاوة ما لا نجده فيه. دعنا نشعر بأن هذا الوطن يحبُّنا عوضاً أن ينظر واحدنا إلى الآخر وفي صدره كلمةٌ يحبسها: "خصمك وطنك!".
 وأخيراً، دعنا نكفُّ عن مطالبتك بكل تلك الأشياء، لأن الطلب في حدِّ ذاته معيب، ولأن حرية التعبير من حقِّنا أولا، ولأن كلانا، نحن وبلادنا، صرنا نثير الشفقة!

 

نشرت في جريدة "الجريدة" الكويتية.
سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر! Web
سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر! PDF