الاثنين، 22 يونيو 2020

“ناقة صالحة”: المثيلةُ بعِلْمِ مصيرها عند الله وشاعرها والصحراء

المثنى الشيخ عطية : بشار الأسد وشكسبير.. مخرج للنظام بقطع غابة بيرنام |  مختارات من الثورة السورية
المثنى الشيخ عطية

العِلم عند الله”، عبارةٌ تتردّدُ في نهاية كل فصلٍ وتستقرّ خاتمةً أيضاً، لروايةٍ تضوع بمسك الصحراء، وإن لم تكن فاتحةً لها؛ لكنها تعوّض ذلك بفتح النهاية على بدايتها، فتكونَ فاتحة خفاء هذا “العِلم” وتجلّياته المفتوحة على التساؤلات بذلك.

رواية “ناقة صالحة” الخامسة للروائي الكويتي سعود السنعوسي، الذي دخل عالم الصحراء بخاتمة “العِلم عند الله”، وفَتَحَ المعلوم المجهول على احتمالات ما يحدث لمنْ يغامر باجتياز رمال صحراء الرواية؛ هي روايةُ تساؤلات التشويق، رغم بساطة وشفافية حكايتها بنسخته التي أضافت متعةً وقيمةً أخرى على ما تعرف منطقة الخليج ما بين السعودية والكويت، من تراث هذه الحكاية.

ولا تثير هذه التساؤلات الاهتمام بواقع مصير بطلة الحكاية وابن خالها الشاعر الذي أحبته وأحبّها وحرمتْه قوانين القبيلة منها بطلب ابن عمها الأحقّ بها لها، وفق هذه القوانين فحسب، وإنما تثير على مستوى آخر هو الأهمّ للرواية، الاهتمام بمغامرات الخيال في الخلق، وتكوين البنية الروائية التي تلمّ وتتيح تداخلاته، على صهوات السّرد التي تتطلّب حنكةً ومعرفةً وخبرةً بامتطاء الصهوات في ظروف الصحراء المتغيّرة المخادعة.

في مفتتح القراءة، ومثلما يفعل الكاتب في وضع مفتتحٍ شعريّ لكلّ فصل من فصول روايته، تناغماً مع طبيعتها التي تعالج حياة البدو ومدى تأثير الشعر فيها، تجدرُ الإشارة، إلى قوة ما يلمَسه القارئ من جهودٍ بحثيّة قام بها الروائي لإغناء وبعث الحياة في روايته، حول الصحراء بشكل خاص؛ بَشَرُها، حيواناتها، رمالها، شمسها، أمطارها، وتفاعلات كل هذه الحيوات التي تبلغُ ذروة تناغمها في الشعر المعبِّر عنها، على أنغام الربابة المصنوعة. وليس عبثاً أن يفصّل الروائي ذلك، من عيدان نباتات الصحراء وجلد حوار الإبل وذيل الفرس، وأنْ يتوِّج ذلك الشعر بأبياتٍ من قصيدة “الخَلوج”، التي افتتح بها الرواية لبطله الشاعر دخيل ابن أسمر، ونسجَها على إيقاع هذه الأبيات، لكي يعبّرَ من خلال خُلوج الناقة الفاجع على ذبيحها، عن فجيعة الأم وفجيعة الإنسان بفقد من يحبّ، وينسجَ بذلك نسختَه الفنية عن الفقد:

غیمتك شَحَّت.  ومالحٍ كلْ موجْ
أعطش، ویا كویت بیرك مالحه
ومنزلك قلبي، وأنا لولا الخَلوج
ما اترك دیاري لدیرة صالحهْ

وتجدرُ الإشارة إلى قوة الصنعة الروائية لدى السنعوسي في خلقه لهذا التناغم، رغم بعض زيادات الإيراد من تفاصيل البحث، ورغم إشكالات معالجة الواقع والخيال ومنظومة السرد، التي يُختلَف ويُتّفق عليها بحكم تجريب الروائي المغامر الذي يطرح التساؤلات.

ـــ على صعيد الحكاية، يكتشف القارئ في الملحق الذي وضعه الكاتب أن شخصيات الرواية هي شخصيات حقيقية واردة بأسمائها الحقيقية، وفق مقابلة المؤرخ الكويتي محمد بن فالح آل مهروس في جريدة الوطن الكويتية، حول حديث والده الشاعر فالح عن معركة الصّريف التي أصيب فيها أخوه الأكبر صالح ابن عم صالحة الذي تزوّجها رغم علمه بحبّها لابن خالها دخيل. وكذلك وفق استقاء الكاتب الأصلَ الواقعي لنسجه الخيالي عن مصير صالحة من كتاب “صحراء العرب” للرحالة الإنكليزي جيه. آر. إدوارد، الذي ذكر فيه لقاءه مع فتاة بدوية حسناء كانت وحيدةً مع طفلها في ربيع عام 1901، واستغرابه من مهاجمتها لدليله وعضّها له من كتفه، محاولةً قتله، من دون ذكره أنها كانت بصحبة ناقة وحوارها.

رواية الكويتي سعود السنعوسي “ناقة صالحة”: المثيلةُ بعِلْمِ مصيرها عند الله وشاعرها والصحراءوعلى هذه الأرضيات نسج السنعوسي خيال روايته عن صالحة التي قامت برحلتها عبر الصحراء من ديارها إلى الكويت لرؤية حبيبها دخيل، وزوجها الذي يُحتضر بين يديه إثر إصابته، وذلك بتحريضٍ من أخيه فالح الذي كان يعشقها، وجاء ليخبرها بهذا مخيّراً لها بين أن تأتي إليه حرّة بإرادتها كما يفضل امرأته، أو تذهب إلى دخيل. وذلك وفق خيال الكاتب المشكّك في أن فالح هو من كان وراء موت أخيه بعد الإصابة، بدلائل: تركه محتضراً بين يدي دخيل أولاً، وطبيعة الرصاصات التي تتطابق مع بندقية الصديق الإنكليزي الداعم لمبارك الصباح وحليفه ابن سعود، لا رصاصات بندقية العدو العثماني الذي يدعم ابن رشيد ثانياً، ويضاف إلى هذا ثالثاً تلفيقه قصيدة هجاء على لسان دخيل يهجو فيها عم صالحة ويتغزل بها، ليتسبب في طرده من القبيلة، وهجرته للعمل في الكويت. وأكثر من ذلك، وفق نسج الكاتب عن فالح، بلسان صالحة، أنّه صرّح لها برغبته في أن تكون له، وبتخليصها منه إذا أرادت، وبأنه هو من أغرى أخاه بالذهاب إلى المعركة، حقداً عليه من تفضيل أبيه له.

وهذا الخيال المشوّق المتداخل بتحليلٍ نفسيّ لشخصية فالح بطبيعة الحال، مع إعطائها صفة الفارس الشاعر الذي يماثل صقره في الحرية والنبل، يثير خيالَ القارئ في التساؤل إذا ما كان مهمّاً أكثر تعميق هذه الشخصية الغنية المتناقضة، وإعطاؤها فصلاً تسردُ فيه تناقضاتها، مثلما أُعطي لدخيل وصالحة في السّرد وتكوين بنية الرواية؛ أو تركها كما تمّ رسمها من قبل الكاتب بمجاهيلها في هذا “العلم عند الله”.

كما يثير هذا الخيال المشوّق حول مصير صالحة خيالَ القارئ في التساؤل حول تفاصيل مأساة مآل الهرس تحت ناقتها وضحى، في ظلّ قوة هذا المصير المطوّر عن رسم علاقة تآخٍ بلغت حدّ المماثلة، وتداخلت بولادة حبّها لدخيل في صورة بالغة التأثير، عن ولادة الحبّ في قلب ولادة الكائنات، وفي ظلّ قوة حالة الناقة الخَلوج التي رسمها السنعوسي بتناغم مع طبيعة الإبل في التعلّق الأبوي الذي يصل حدّ الحقد والانتقام القاتل.

وربما تثار في هذا التساؤل مخيّلة القارئ حول ما إذا كان مهمّاً، طالما هو خيال ولا يعرف أحدٌ ما جرى، خلقَ لقاءٍ لدخيل بصالحة المكلومة على جثة ابنها المقتول خطأً برفسة الناقة، بجانب وضحى الخَلوج على جثة حوارها الذبيح بانتقام صالحة منها على هذا الخطأ، وخلْق استسلام ما لصالحة بعد حوارها معه، إلى مصير الهرس وهي تعلم أنّ وضحى ستفعل ذلك، في عالمها الذي انهار أمامها، بحماقة وصراع وجرائم الذكور. وربما تثار مخيّلة القارئ أيضاً حول تعميق ذاكرة صالحة حول راعي الإبل الذي اغتصبها والتقته مع الإنكليزي، وحول ما يمكن للقارئ أن يتصوّر من مآلات لشخصية صالحة الفريدة، بما يردّ الصفعةَ لغلو الذكورة في قهر النساء، ويحفظ صالحة الحرّة بتاج الشَّموس، جديرةً بتسمية أرض كاملةٍ باسمها.

ـــ على صعيد زمن الحكاية: لا يثار الكثير من التساؤلات حول الزمن الذي أثّر على مصير الشخصيات، وأداره الكاتب باقتدار ناجح أولاً: على صعيد التأثير بطبيعة اصطفافها مثل ما جرى لصالح، وطبيعة وقوعها تحت ظلم الصراعات رغم تجنّبها الدخول فيها، مثل ما جرى لدخيل الذي تمّ اتهامه بالقتل لامرأة تنتمي لقبيلة متحالفة مع الكويت، أحضر جثّتها من الشعاب الغربية، ليدفنها في المدينة كي لا يضيع أثرها في الصحراء مثلما ضاع أثر والده. وتمّ سجنه للشكّ كما يبدو في أنه من قبيلة متحالفةٍ مع العدو، وليس لما يثير البعض في تعلّق ذلك بمسألة ما يسمّى “البدون” في الكويت. كما أداره الكاتب بنجاح ثانياً: على صعيد الاسترجاع والتداخل السلس الذي لا يربك القارئ ولا يضيّعه في تفتيت التسلسل.

ـــ على صعيد التناول الروائي الفني للحكاية: في البنية التي كوّنها الكاتب من خمسة فصول لا تخضع لتسلسل زمني، ويتناوب فيها السرد: (الكاتب، دخيل، صالحة، دخيل، الكاتب)، تثار التساؤلات حول الفصل الثالث الأكبر الذي يحتل أكثر من نصف الرواية، ويسرد فيه الكاتب على لسان صالحة ما حدث لها، وما تعرّضت له حياتُها من تأثيراتٍ صنعت شخصيتها على صورة ما هي عليه. ولا تتعلّق التساؤلات بطبيعة رواية الكاتب الذكر بلسان الأنثى، فالروائيون يفعلون ذلك، باللغة الفصحى أو المحكيّة التي تناسب طبيعة رواياتهم، وقد فعلها الكاتب بلغة لا تضيرها الفصحى بسبب غناها الصحراوي المناسب لموضوعها. وإنما تتعلق التساؤلات بإشغال الخيال فيما إذا كان من الأفضل إيجاد تبرير بنيوي لرواية امرأةٍ ميتة عن نفسها لم تترك أثراً لروايتها سوى الخيال، أو إذا كان من الأفضل ترك ذلك لـ “العلم عند الله”.

وختاماً، على صعيد العلم عند الله في “الخَلوج”، يظلّ التساؤل المشوّق دائراً في بداية الرواية مع سؤال الرجل الذي شكّ في أن الشيخ محمد هو الشاعر دخيل ابن أسمر نفسه، ولم يبال بحكايته، وأصرّ على: “إنما أسألك عن قصّة الناقة الخَلوج؟”.

كما يظلّ التساؤل الدي يستمرّ الكاتب في إدارته بنجاح دائراً في نهاية الرواية مع سؤال صبي الشيخ الأجير طلال له: والخلوج؟ لماذا لم یَعثُر رجالُ بِن صُباح على الخَلوج عند جثّة المرأة.

لم یُجب الشَّیخ، یمشي مولياً ظهره لطلال الذي سأله رافعاً صوته: وهل هناك ثمّة خلوج؟

لم یرَ طلال سبَّابة الشَّیخ محمّد يرفعها إلى السَّماء، ولكنّه سمع إجابةً وقَرَتْ في نفسه: “العلم عند الله”.

وفي كل هذا العلم، مع كل تساؤلات التشويق التي تثيرها رواية “ناقة صالحة” القصيرة، فهي رواية مميزة تحرّض الكتابة حولها، بأضعاف عدد الكلمات عن رواياتٍ تفوقها بأضعاف عدد الصفحات.

سعود السنعوسي: “ناقة صالحة
الدار العربية للعلوم، ومنشورات ضفاف، بيروت 2019
173 صفحة.

«ناقة صالحة».. لقاء في عيون الإبل

بقلم: محمد علواني.


في زمن الحداثة يعود سعود السنعوسي؛ في أحدث رواياته «ناقة صالحة»، وبشكل غير متوقع تمامًا، إلى الصحراء والبداية ليحكي لنا حكاية دخيل بن أسمر؛ ذاك الهائم بالبيداء عشقًا.

أتكون هذه العودة نتيجة شعور بالنوستالجيا إلى ما مضى؟ وتفجع على ما فات؟ أيكون” سعود” ملّ من ثيماته السردية فقرر التغيير، والتمرد على ذاته؟!

رواية ناقة صالحة

ناقة صالحةربما لن نعثر لهذه الأسئلة عن إجابات، لكن ما بوسعنا قوله إن ميزة هذه الرواية تكمن في تفردها، ليس من جهة الموضوع؛ فثمة طائفة من الأدباء والكتاب تعود الآن إلى البادية وأجوائها هربًا من عضات “الحداثة الفائقة”، وطلبًا للشفاء في الصحراء، وإنما يكمن تميزها في تجرؤ سعود السنعوسي على مخالفة التيار العام في الأدب الراهن، بل مخالفة نفسه هو ذاته، والتمرد على ثيماته وبنياته السردية السابقة.

وهو قرر أن تكون روايته مميزة حتى في لغتها، فكتبها بلغة صحراوية بدوية، قل أن يفهما إلا من كان له من البادية حظ ونصيب، فمَن الآن يدرك معنى “ناقة خَلوج”؟! وإن كان الرجل حاول شرح بعض مفرداته مرة أو مرات، إلا أن الشعور الكامن وراء الحروف لن يعثر عليه أو يدركه إلا من عاش في هذه البيئات أو كان له فيها تجربة.

كُتبت هذه الرواية بلغة سردية أقرب إلى النثر، أكان “سعود” يتدرب على قول النثر أم على نثر السرد؟! لا أحد يعلم، لكن مما لا شك فيه أن لغتها كانت فصيحة رائقة؛ خاصة إذا كان القارئ ممن يهوى هذا الضرب من الكلام.

تبدأ الرواية بمشهد واحد وتنتهي به، وما بين البداية والنهاية، يأخذنا سعود في رحلة عبر الصحراء؛ ليعرفنا على دخيل ابن أسمر، وصالحة بنت أبوها، وولدي عمها: صالح وفالح.

وعلى الرغم من أن عدد شخصيات هذه الرواية لا بأس به، إلا أن المرء، قد يقع، عقب إنهاء قراءتها، في حيرة من أمره، متسائلًا: مَن هو البطل هنا؟! “صالحة” أم “دخيل”، أم “فالح”؛ ذاك الذي لم يقبل إلا من أتاه على هواه؟!

كل هذا قد يكون واردًا، وهو أمر خاضع في النهاية لتأويل كل قارئ، إلا أن الأمر الأبرز أن “وضحى” ناقة صالحة بنت أبوها لعبت دورًا أساسيًا في الرواية يدفعني إلى القول إنها هي البطل في الرواية هذه.

لولا “ناقة صالحة” لما كانت هذه الرواية، التي تحكي قصة حب، مستحيلة، في الصحراء بين دخيل بن أسمر وبنت عمته “صالحة بنت أبوها”، لكن، وكأي حب صار أبديًا، لم تتوج هذه القصة بالنجاح؛ إذ قرر الشيخ آل مهروس أن يزوج ابنته “صالحة” لابن أخيه صالح.

لم تظفر “صالحة” مع “صالح” بالعيش السعيد، ورغم أنها حصلت منه على ولد، إلا أنها ظلت مُعلقة بدخيل الذي فر إلى الكويت بعد اتهامه بقول قصيدة يهجو فيها والد “صالحة” هجاءً مُرًا، وهناك _في الحضر حيث لا يعثر على ذاته_ سمى نفسه “محمد الشاوي” ويلوي عقاله، ويعمل في رعي الأغنام على حواف الحاضرة.

يخرج “صالح” لحرب وقعت بين خصمين، ومن سوء الحظ أن قبيلة دخيل بن أسمر كانت الخصم لقبيلة “صالح” الذي يُقتل في الحرب ولن يعود.

تعلم زوجته بالخبر، وبأن دخيل هناك جهة الشرق، فتقرر شد الرحال إليه، تعد العدة، وتحزم خيمتها وتضعها على ظهر ناقتها “وضحى” وتربط وليدها على ظهرها وترحل.

تعاني في السفر الويلات، والمطر الشديد، وتنقلب الأجواء وتعوي الذئاب، فتقرر أن تخيّم في مكان ما من هذه الصحراء اللانهائية ريثما يعتدل الجو وتهدأ الذئاب، وعندما تقرر الذهاب لا تأخذ الناقة نفس القرار، بل تمعن في الأذى فتضرب ولد “صالحة” الصغير في صدره وتكسر عظامه، ويخر صريعًا.

لكن “صالحة” تقرر أخذ ثأرها من ناقتها _التي اعتبرتها بمثابة أخت لها_ فتبقر “الحوُار” _ولد الناقة الصغير_ على مرأى ومسمع من أمه “وضحى”، وتعود إلى خيمتها، ومعها خنجر زوجها “صالح”؛ الذي تركه لها قبل أن يرحل بلا عودة إلى الحرب، يقطر الخنجر دمًا، وهو في يدها، تجلس هناك متجمعة على ذاتها.

لكن الجمل لا يترك ثأره هو الآخر، ويحمل الضغينة في صدره ولا ينسى، حتى قيل في الأمثال: “أحقد من جمل”، وتقرر الناقة أن تنتقم، فتقتل “صالحة” وتدك الخيمة على رأسها.

لم يعثر على الخيمة ومن فيها إلا “دخيل بن أسمر” ذاك الذي كانت تقول عنه أمه “دخيل: حظك قليل وزمانك بخيل”، فلم يعثر على محبوبته “إلا في عيون الإبل” كما قال هو، ذات يوم، لـ “صالحة”، يقرر دفنها في مقبرة بالبلدة القريبة، ويحرص على زيارتها في كل مرة ينزل إلى البلدة، عندما يأتي إلى السوق ليبتاع ويشتري، وهو المشهد الذي افتتح به سعود السنعوسي روايته.


«ناقة صالحة».. لقاء في عيون الإبل

«ناقة صالحة»: الصحراء التي لا نعرف


دينا سعد
دينا سعد


«ناقة صالحة»، حينما تقرأ الاسم تظن أن هناك رمزًا ما. قبل اقتناء الرواية قد تظن أن هناك إسقاطًا لقصة نبي الله صالح وناقته، وأن هناك ربطًا لأحداث قوم صالح بتلك الرواية. ربما تدور أحداث الرواية عن قوم طغاة يقتلون البراءة والنقاء مثلًا؛ لكن ولا أي من تلك التكهنات صحيح. ما أن تُمسك بالرواية وتتناول صفحاتها الأولى ستعرف أن الأمر أبسط من ذلك بكثير، وأن العنوان مباشر وواضح وضوح الشمس في كبد السماء: هناك ناقة، وهناك صالحة؛ ليس أكثر.

بعدما تجتاز لغز العنوان وتظن أنك فطن وأن الأمر يسير ستصطدم بعقبة أخرى: ألا وهي اللغة. في بادئ الأمر ظننت الكاتب يستخدم لغة قبائلية أو بدوية أو ما شابه؛ فصرت أبحث عن معاني بعض الكلمات في معجم عربي، وكانت المفاجأة أنها كلمات عربية فصيحة! أيُّ عربية تلك التي لا أعرف وقد كنت أظنني أستطيع فهم جميع مستويات اللغة المستخدمة في النصوص المُعاصرة وحتى القديمة، إلى أن قرأت «ناقة صالحة» التي ذكرتني لغتها بلغة المعلقات التي تبدو عتيقة مهجورة هناك على أستار الكعبة منذ ما يزيد على الألف عام؛ لكن رغم غرابتها تبدو جذابة، وقورة، تشبه بيئتها الصحراوية الجافة والثرية في نفس الوقت. اللغة رغم صعوبتها بعض الشيء لكنها تضيف للنص أجواء مميزة، وكأنك تستمع لأهل البادية بحق.

صالحة وناقتها

صالحة بنت أبيها، أو ناقشة الحناء، كلها مسميات لفتاة استثنائية، هي كما وصفها حبيبها وابن خالها دخيل:

أحببت حماقاتها وقت ترتكب فعلًا مجنونًا ثم تلوذ متكورة بخيمتها، ولتشتعل الدنيا بالخارج. أحببت غباءها وقت يلتبس عليها فهم أي شيء حتى مشاعرها؛ تطلق جنون ضحكاتها إذا ما داهمها خوف أو حل بها كرب، وتذرف الدمع سخيًا في فورة فرح. أحببت وجهًا ما رأيت مثله قط، يؤاخي بين ملامح النحيب دمعًا وتقطيبة حاجبين، وبين ثغر يكركر. أحببت فيها ثيابها المشجرة المزهرة؛ كما لو أنها تستعيض بالربيع ثوبًا في الصيوف القائظة.

هي فتاة مليئة بالتناقضات تجمع بين الرقة والخشونة معًا. كان لصالحة ناقة تُحبها وتشبهها لحد كبير؛ فصالحة التي ماتت عنها والدتها فور إنجابها وناقتها كذلك ماتت أمها بعد ولادتها. صارت صالحة تتعامل مع ناقتها على أنها مرآتها وأصبح من الصعب التفريق بينهما حتى حينما أراد والدها أن يجعل لضحى ناقة صالحة أمًا بديلة أشفقت صالحة على مفارقة رفيقتها؛ ولكن لحسن حظها كانت الأم البديلة ناقة دخيل، ابن خال صالحة، والذي كان يُكن لها حبًا عظيمًا لكن دون إفصاح.

ربما كان هذا هو اللقاء الوحيد واضح الملامح بين صالحة ودخيل، حينما ذهبا لإجراء عملية معقدة لتضليل مشاعر الناقة الأم التي فقدت صغيرها وإيهامها أن ناقة صالحة هي ابنتها. بعد ذلك اللقاء لم يلتقِ دخيل وصالحة، ولكنه صبرها بأنها ستراه «في عيون الإبل»، كانت الإبل هي تيمة قصة حبهما؛ وربما لذلك زاد تعلق صالحة بناقتها لأنها ترى في عينيها دخيل، ولأنها ابنة بالتبني لناقته.

ككل القصص التقليدية لا يتزوج دخيل بصالحة ويزوجها أبوها لابن عمها لأنه كما يقال «الخال خليّ والعم وليّ». يفر دخيل بعيدًا ويترك قبيلته ودياره لأن واشيًا نظم قصيدة يهجو فيها والد صالحة ونسبها لدخيل. وهكذا انتهت قصة دخيل وصالحة.

صالح زوج صالحة يُكِنّ لها حبًا عظيمًا ولدخيل حقدًا دفينًا حتى في غيابه؛ حتى إن الشكوك تخامره ويذهب بعيدًا إلى أن طفله ليس من صلبه، رغم أن صالحة لم تلقَ ابن خالها سوى ثلاث مرات في عمرها كله، وكانت آخر مرة منذ زمن بعيد. رغم كل الحب الذي يكنه صالح لصالحة إلا أنه يعاملها بجفاء وهي كذلك؛ لكن ما أن تستغرق في النوم أو تدّعي ذلك تراه طفلًا وديعًا ينظر لأمه بتقديس وحب. ترفض صالحة هذه الزيجة وهذا الحب، وحتى طفلها ترفضه، وظلت طويلًا تلفظه من حضنها وكأنها تتبرأ منه.

بعد أعوام تبدو وكأنها ساكنة، يحدث ما يحرك مياه حياة صالحة ويذكرها بنفسها قديمًا، ويعيدها لنقش الحناء التي كانت قد قاطعتها منذ تزوجت صالحًا؛ ثأرًا لحب دخيل للحناء في يديها، فلم تخضبهما من بعده. كان دخيل يحب نقش صالحة للحناء في يدها وليست أي حناء، وكانت صالحة عسراء لا تجيد فعل أي شيء بيدها اليمنى فكانت تترك أمر خضاب يدها اليسرى لأخرى، وحده دخيل لاحظ ذلك وأخبرها أنه يحب نقش الحناء في يدها اليمنى.

تجتر صالحة شريط ذكرياتها هذا حينما تصبح أمام قرار اللحاق بزوجها حيث ذهب، وحيث يوجد دخيل. أهو الخوف على زوجها أم الشوق للقيا دخيل الذي دفعها لخوض مضارب الصحراء وحدها ورضيعها، ومعها ناقتها وضحى ورضيعها كذلك. وضحى تشبه صالحة في كل شيء حتى وإن كان قاسيًا، إلا في تلك المرة حينما تدهم رضيع صالحة بقدميها وتثكل صالحة وتحتفظ هي بأمومتها؛ لكن صالحة لن تتركها تفارقها في حزنها هذه المرة وتنحر صغيرها أمام عينيها كما دهمت هي رضيعها أمام عينيها!

الصحراء كما لم نعرفها من قبل

صحراء سعود السنعوسي غير أي صحراء قرأنا عنها من قبل؛ فهي لا تشبه مثلًا صحراء بهاء طاهر في “واحة الغروب”، صحراء بهاء طاهر كانت بعيني غريب فر إليها هربًا من نفسه واتخذ منها منفى، أما صحراء سعود السنعوسي فصحراء عارف مُقيم ترى فيها الوطن والألفة.

في «ناقة صالحة» توجد صحراء غير تلك التي نعرفها وغير الصورة التي تتوارد في أذهاننا حينما نسمع لفظة صحراء. الصحراء لمن جهلها متاهة، ولهيب شمس، ووحشة ليل، أما في «ناقة صالحة» فالصحراء دافئة كحضن أم، مُلهمة كمقطوعة موسيقية عتيقة، مؤنسة كرفيق مخلص. سكان البادية رغم خشونة حياتهم يمتلكون قلوبًا كبيرة ومشاعر فياضة ويشهد بذلك تاريخ العرب الطويل وأدبهم الجليل في الغزل والشوق؛ لكن حبهم ليس كحب أهل الحضر، فحبهم قاس كظروفهم لا وصل فيه، ولا طول نظر، ولا أمل.

دخيل في «ناقة صالحة» يُمثل الرجل البدوي المثالي؛ فهو العارف بكل مضارب الرعي وكل مقومات حياة البادية، وهو كذلك الشاب العاشق رقيق القلب حيي النفس عفيف الروح الذي برغم حبه لابنة خاله لم يفصح بذلك أبدًا ولم يرفع عينه في عينها سوى مرة واحدة، كان يعشقها بروحه لا بجسده.

هذه الرواية تقربنا إلى حد كبير لحياة البادية، وتجعلنا نراها مألوفة كمدننا التي نحيا فيها؛ فنرى السفر في الصحراء وشق دروبها ليس بتلك الصعوبة، فصالحة امرأة وحيدة ضعيفة خاضته وحدها، نرى أجواءها القاسية يمكن أن تكون حانية عن الكثير من مدننا الصاخبة. كذلك ثياب أهل البادية التي ننظر لها بعين غير فاحصة، ونراهم جميعًا متشابهي في كل البوادي؛ إلى أن نعلم من تلك الرواية أنه في الدولة الواحدة وفي الصحراء الواحدة لكل قبيلة طريقة معينة في ارتداء العقال، وكيف يميزون هم ذلك بسهولة ونحن لا نفعل.

خدعة مُضاعفة

في أحد مقالات الراحل أحمد خالد توفيق في كتابه «اللغز وراء السطور» بعنوان: "دعني أخدعك.. دعني انخدع"، يحكي عن ماهية العلاقة بين القارئ والكاتب وأنه يتم اتفاق ضمني بينهما، أنني أعلم أنك ستخدعني وستصنع لي عالمًا ما، بشخوص ما، وأحداث ما كلها من نسج خيالك؛ لكنني سأتأثر بهم وسأنفعل وأتفاعل مع خيالك وكأنه حقيقة. هذا أمر مفهوم بالنسبة لكل قراء الأدب.

سعود السنعوسي في نصه الذي بين يدينا تمرد على هذه القاعدة وخدعنا حقًا؛ لدرجة أنك قد تظن بنفسك البلاهة وتعيد قراءة النص وتضرب كفًا بكف: ما هذا؟ هذا ما لم نتفق عليه. هذه الخدعة الروائية في نهاية العمل لا تضيف له أي شيء من الناحية الأدبية، لكنها وسيلة من وسائل الكاتب في التمرد على النص وعلى نهايات الروايات التي تنحصر بين مفتوحة ومغلقة. على كل خداع الكاتب لقارئه مثل كذب الطفل على أمه ما يلبث أن ينكشف. الخدعة الروائية في «ناقة صالحة» كانت قاسية هذه المرة، لكن ما أن تفطن للأمر ستبتسم رغمًا عنك وستصر على أن تنخدع، لكن خدعة النص الأولى التي ذكرها أحمد خالد توفيق وتنسى خدعتك الكبرى!

كويت سعود السنعوسي

"في الكتابة حلمتُ أن أحكي وطني بكل وجوهه المتناقضة، ذاكرة زرقاء لوطن أصفر، سواحل وصحراء وأشجار نخيل عطشى، وبيوت شيَّدتها الشَّمس من الطين، سُفُن خشبية عتيقة تتسلَّق جبال الموج إلى الهند وأفريقيا، وقوافل جِمال تجوب الصَّحراء أبداً، وأسواق قديمة لها روائح زفر الأسماك والتوابل والعطور العربية والبخور. بالكتابة أحلمُ أن تكون لي «كويت» تخصُّني، مثل سودان الطيب صالح، وقاهرة نجيب محفوظ، وهند طاغور، وداغستان رسول حمزاتوف، ويابان كاواباتا، وكولومبيا غارسيا ماركيز، وباريس فيكتور هوغو.أحفظ بلادي من النسيان وهي ترتدي كل يومٍ ثوبًا جديدًا من «الكونكريت» الصامت البارد.في الكتابة أحارب النسيان والموت، لأني أخاف أن أَنسى أو أُنسى، فالكتابة تمنحني فرصة مُخاطبة الأحياء بعد موتي، يتعرفون من خلالي إلى زمن بعيد".

سعود السنعوسي

في «ناقة صالحة» ترى جانبًا من كويت سعود السنعوسي الذي طالما حلم بأن يريه لنا؛ فنحن لا نعرف عنها ولا عن دول الخليج سوى النفط، والكثير من النقود، وحياة مرفهة تدفع للكسل والتخمة.

صحيح أن بلاده ليست بحضارة وتراث قاهرة نجيب محفوظ، وليست بتنوع هند طاغور؛ لكنها تملك من الجمال ما يعلمه وحده، هي أيضًا فيها ما فيها من أزمات ومشاكل كبقية دول العالم، لكننا لم نكن نعلم ذلك من قبل. استطاع سعود بعينه المُحبة، المُلمة بطبيعة وطنه ومجتمعه، أن ينقل لنا صورة كاملة عمن تكون الكويت، وكيف كانت، ويكتبها لكي يراها كيف ستكون أو كما يُحب أن تكون.

في «ناقة صالحة» نلمس الرمال بأناملنا، وننيخ الناقة مع صالحة، ونشرف من بعيد على عملية الولادة المتعسرة المفتعلة لناقة دخيل بأعين فضولية مذهولة، ونرى صحراء الكويت لأول مرة.

سعود السنعوسي كاتب مليء بوطنه يحمله معه في كل رواياته، وينثره على الورق وصورته في كل من أوراقه لا تشبه الأخرى، بهذا القدر من التنوع والجمال يمكننا أن نرى الكويت في أدب سعود السنعوسي.





الجمعة، 13 مارس 2020

استنطاق الأشياء... في روايات سعود السنعوسي

تسنيم الحبيب



يشغل نتاج سعود السنعوسي شريحة كبرى من القراء، ذلك أن الكاتب الكويتي قدر أن يكرس تجربته للمستقبلين من الوطن العربي وخارجه عبر تجارب لافتة، كما أنه قدم في الرواية أكثر من لون سردي يجتذب الذائقة العامة مثل ما قدم في: سجين المرايا وساق البامبو وفئران أمي حصة، وما قدمه للقارئ المختلف في حمام الدار وربما ناقة صالحة، ومن الملاحظ أن الناص - من بعد تجربة ساق البامبو - اتجه إلى الاشتغال على تضمين روح الكائن الصامت وإنطاقه بما يخدم فكرة العمل ويفتح أبواباً على عوالم رحبة من التأمل واستنطاق الموجودات ثم إشراكها في بطولة العمل إن لم يكن تضمينها هو روح النص.

الكائن: الرمز والتجسيد

كانت البداية مع فئران أمي حصة، الرواية التي قدم من خلالها الكاتب قلقه الخاص الذي يمس الشارع الكويتي وما يزعزع أمنه من عواصف الطائفية. قامت الرواية بخلق حالة إنذار، وتحذير، في قالب سردي قوامه يوم واحد فقط ينتقل فيه البطل بسيارته بين ضفتين يفصلهما نهر الموت الآسن، ويقوم البطل من خلال هذه الرحلة باستذكار الماضي ونبش الحاضر وترتيب الأحداث التي تشكل في متن الرواية نقاط التحذير والأسباب والنتائج التي أراد أن يلفت لها ضيفه القارئ. في هذه الرواية اعتمد الكاتب على الفئران الأربعة: «شرر وجمر ولظى ورماد» فصارت الفئران أطرافاً متحركة تمشي بالرواية عبر مسارها السردي، وتحمل فوق أجسامها الحكاية وتقرض بأسنانها سور الوطن الآمن.

فمن هو الفأر هنا؟

يعتبر الفأر رمزا للنحس في بعض الثقافات، كما في ملحمة حرب الضفادع والفئران من الثقافة اليونانية، والفأر يُلقي بفكرة سوء الطالع كما في ثقافات أخرى، الكاتب في روايته فعّل فئرانه لتحمل أسس الرواية الضمنية في العمل، وهي التي تحمل عنوان (إرث النار)، وفعّل رمزيتها في حمل الخراب لأرض الوطن.
ثم قدّم الناص حمام الدار، العمل الذي قفز فيه الكاتب على توقعات القارئ عبر اشتغال ذكي ولامع، ليُنطق من خلاله صمت الأشياء والكائنات ويشغل فكرة المتلقي أيضاً.
في حمام الدار لم تكن البطولة للحمام فقط، فقد شاطرت الحمامات المُسافرة كائنات أخرى في بطولة العمل، وفي الواقع لم تكن الكائنات الأخرى - هنا - محصورة بالرمزية بل لنقل: امتدت لتّقدم ما يمكن أن يُسمى برمزية الرمزية!
ففي النص كان الكائن يقدم كرمز ثم كتجسيد ليخلق حالة من التصوّر الحسي والشعوري في الوعي، فتارة تكون قطنة خادمة مستضعفة ومستغلة وتارة تكون شاة بيضاء وتارة تكون امرأة متمردة ومُحرضة على الخلاص من سطوة الكاتب وفي لحظة ما ممكن أن تكون كلها معا، ولا يُعلم إلى ماذا يُمكن أن تؤول بعد ذلك.
«كُنتُ مطرقة مترددة وقت قطّب مؤلفنا حاجبيه. نظر إليّ شاخصاً. تمتم: مممممـ هذه أنت يا قطنة! هززتُ رأسي. حدثيني عنكِ وعما يجري هنا. أجفلتُ. أنا! فرّ صوتي. ابتلعتُ ريقي قبل أن أُردف. كيف لي أن أعرف مالا تعرف؟»
حمام الدار ص: 88
فالكاتب هنا قد تجاوز تجريب الأنسنة، ولم تعد الكائنات محصورة في إطار الرمزية بل تعدى إلى مستويات أعلى من التأثير.
أما في ناقة صالحة، فالأمر أخذ بُعدا أعمق، فقد اعتمد الناص توزيع الحكاية على الشخوص كـ نظائر، فهنالك صالحة الثكلى وهنالك ناقتها (الخلوج)، وذلك التناسخ المُتقن بين الحياتين، اليُتم والتقادم والارتباط والأمومة والجوع ثم التيه والفقد. ثم يدور بنا العمل لتكنيك آخر اعتمده الناص لتوريد فكرة الغربة والنفي والهجرة، وهو ربط رغاء الناقة وما يحمله من رمزيات قديمة وُظفت في الأدب العربي والشعبي أيضا بـ قصائد دخيل بن أسمر «الشخصية التي خلقها حرف الرواية وصدّقنا واعتقدنا بوجودها» ثم بقصائد الشاعر دخيل خليفة، هذا الرغاء المشبع بالحنين ولوعة الفقد ماذا يمكن أن يحمل؟ أيكون هو عينه بوح القصيدة في بُعد آخر من التلقي؟

- أشياء المكان والزمان:

من الممكن أن يتم تقسيم روايات سعود السنعوسي وفق هذه الأزمنة:
- الماضي: كما في ناقة صالحة.
- المعاصر: كما في ساق البامبو وسجين المرايا.
- المستقبل التخيلي كما في فئران أمي حصة.
- اللا زمن: كما في حمام الدار.
ومن الملاحظ أن الروايات كلها أرفدت صورة المكان بتأثيث ذكي يتناغم مع الزمان ومستلزماته، فالسرد في ناقة صالحة يستدعي أشياء الصحراء فنكاد نسمع حواراتها التي تتضافر مع الشخصيات والحدث ليكتمل العمل، كل مكونات الصحراء تحكي، الرمل، رمث النار، الأعشاب المتصبرة، ثم بيت الشّعر والنار الأليفة قربه، المزودة التي يحملها أهل البادية، ترسم في أخيلة المتلقي صورها وتهمس في روعه ببوحها الخاص، وحين ينتقل «دخيل» من البادية إلى الكويت نجد أيضاً أن المكان يعبّر عن نفسه بخصوصياته وأُناسه.
بوح الأشياء هذا نتلقاه في كل أعمال الناص بفنية عالية، ليُحيلنا لحالة التماس الحميم مع روح العمل.

اللغة النابضة:

اللغة كائن متحرك بالأصل، ناطق، نابض وحيوي، لكن يبقى أنه على الناص أن يُحسن الاشتغال عليها وتوظيف تقنياتها حسب أجواء النص، مما لا يُشكل نشازا لدى القارئ أو عزلة، أو إقصاء عن المعنى. في نتاج سعود السنعوسي اللغة ذكية وموظفة بما يخدم العمل، تبدو لغة الناص سيالة في مجراها الذي يروي عروق النص ويقدمه للمتلقي نضرا وشهيا.
ففي فئران أمي حصة بدت المفردات متناغمة مع جو الرواية، الحواريات مُقنعة، المفردات متناغمة مع المكان والزمان والقضية.
وفي حمام الدار كانت اللغة محترفة تشبه كثيرا روح الكاتب الذي يخلق النص اللقيط والنص النسيب ويحيّر القارئ بينهما.
أما في ناقة صالحة فجاءت اللغة موغلة في الأصالة، والتراكيب حملت متلقيها إلى روح البادية، مما خلق حالة من التواصل مع روح العمل.



السبت، 28 سبتمبر 2019

«ناقةُ صالحة» لسعود السنعوسي... قصة حب صحراوية


أحمد مجدي همَّام

تجربة صغيرة قام بها الروائي الكويتي سعود السنعوسي (1981)، في مفتتح روايته الخامسة "ناقةَ صالحة" الصادرة حديثًا في طبعة مصرية مشتركة بين "تنمية" و"الدار العربية للعلوم ناشرون"، عندما جعل العنوان الفرعي "الوصول أكثر مشقة من الرحيل" يتكامل مع الجملة الافتتاحية : "..قال الشيخ لصبيه الأجير..".

مع كل صفحة كان بيت الشعر الشهير للمنخل اليشكري: "أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري" يرد على بالي، متماسّاً بشكل مباشر مع مسار الرواية، التي تحكي الوجه الآخر لحكاية الشاعر الكويتي دخيل بن أسمر (1880 – 1979) وحكاية قصيدته الشهيرة "الخلوج" وقصة الحب التي جمعته بابنة خاله صالحة آل المهروس..

بادية غرب الكويت

شرق إمارة جبل شمّر، حيث قبائل التخوم التي قد تنقسم في الولاء بين داعمين لحلف آل صباح وآل سعود في معركة الصريف (1901) ضد آل الرشيد، وتنقسم وانقسمت فيما قبلها وبعدها من معارك، وفي تلك البيئة القاحلة ذات الأعراف الأمضى من القوانين، يُتهم الشاعر دخيل بن أسمر بالتغزل في ابنة خاله وهجاء عمها، بقصيدة ملفّقة، ألفها شاعر آخر هو فالح آل مهروس، شقيق صالح، وهذا الأخير الذي ظفر بصالحة، عملاً بالعرف القائل: "العم ولي والخال خلي". بعد أن قضت الأعراف بنفي دخيل بن أسمر، أو هروبه، أو اختياره للمنفى.

تتقاطع الخيوط بين دخيل وصالحة مرات عدة، تبدأ بمحاولة ناجحة من دخيل، الخبير الصحراوي، لجعل ناقة خلوج (ثكلى) كثيرة النواح، تتبنى حوار أنثى يتيمة هي "ناقة صالحة"، هكذا وُشمت الجِمال في الحكاية إلى آخرها، فجمل يقتل ابن صالحة، وآخر يقود دخيل إلى خيمتها بعد أن شردت من قبيلتها إلى الصحراء قاصدة الكويت، وآثار سير  ثالث تدل صالحة على فالح وناقته السريعة ودورهما الغامض في مقتل صالح وإهداء جمله إلى دخيل بعد معركة الصريف.

يموت صالح جريحًا بعد الرجوع من معركة الصريف إلى معسكر حلفائه في الكويت، ويموت ابنه وابن صالحة برفسة من الناقة الخلوج الخائفة من عواء الذئاب، ويسجن دخيل متهمًا بقتل صالحة وابنها. هناك حس بوليسي جلي يندلع منذ اللحظات الأولى من السرد، وتلميحات متفرقة بأن الشيخ محمد المروي عنه بضمير الغائب في الفصول الأولى هو نفسه الراوي العليم دخيل بن أسمر.

اللعب باللغة

يمكن الإشارة إلى اللغة في "ناقة صالحة" باعتبارها ضمن أبطال العمل، فالسنعوسي، يطرح في روايته الواقعة في 173 حكايته عبر لغة مميزة، صُمّمت خصيصاً لتعطي القارئ هذا الإحساس بالفضاء الصحراوي المترامي، والهجير، والقيظ، وأزمنة موغلة في البعد والنسيان: "لم أفتقد شيئًا إلا مفازة لا يُرى آخرها، وخيامًا متناثرة في العراء مثل حبات خالٍ ترصع ظهر فتاة عارية، وعواء ذئاب الليل، وعزيف رمال تسوقها الزوابع، وعيون الماء العذب، وغناء حادي الإبل، وتمايل أعناق جماله طربًا مع الحداء، وأرضًا تلفظ كمأها في الربيع، وأراضي خيراء بعد ليالٍ مطيرة، ونطيط اليرابيع الوجلة في الليل، ونبتات الرمرام يستظل بها الورل، أو يحك جسده بأوراقها يبرئ نفسه من لدغة عقرب أو حية رقطاء، وحليب نوق بطعم الورد، ونقوش الحناء في كفوف بنات القبيلة" (ص 34).

الأدوات اللغوية لم تقتصر على مفردات بنت بيئتها لتبني الفضاء المكاني في الرواية، وإنما امتدت الصنعة، لتوظف بعض المفردات القديمة، والمهجورة -والمفهومة من خلال السياق- في خدمة الإيهام بالزمن الماضي، لتعطي هذا الإحساس بالقِدم، بل وقد تدفع القارئ ليفتح أي معجم أو قاموس فقط ليتأكد من أن ما فهمه من السياق صحيح، وليضيف لقاموسه الشخصي مفردة جديدة.

جر السنعوسي اللغةَ الفصحى، إلى الصحراء، أقعدها في وسط الفلاة حتى حمصتها الشمس، عطّشها وألبسها ثيابًا بسيطة خفيفة تكاد تكون زاهدة، تشبه البيئة القاحلة. ثم إنه أمعن في تنويع مستويات اللغة والأسلوب، للتمييز بين الراويين: العليم الذي يحكي بزمن المضارع وصول الشيخ محمد إلى الكويت التي ينقبض قلبه منها ويضطر -منزعجًا- إلى أن يعدل عقاله المائل على عادة أهل الصحراء بعكس أهل الكويت. والرواة بضمير الأنا: دخيل بن أسمر ثم صالحة آل المهروس، كل بلسانه، بالزمن الماضي، في معادلة تقنية دقيقة وفعالة.

التنويع الذي طال زمن السرد أيضًا، منح حكاية دخيل وصالحة وبينهما الناقة، المرسال، الخلوج، الأم، والقاتلة بالرفس. عمقًا، ومساحة للتراسل، ومنحها الأربعين عامًا التي تدور خلالها مجريات القصة الشائكة بين العاشقين اللذين وقفت الأعراف القبلية في وجه حبهما ومنحت الفتاة لابن عمها صالح بدلاً من حبيبها وابنها خالها دخيل.

هذه الحيل اللغوية، تضافرت مع الصحراء، الفضاء المكاني، ومع فقر معرفتنا العامة بدخيل بن أسمر، ليرتقوا بـ"ناقة صالحة" لتلامس أطراف الحكايات الأسطورية وقصص الحب الخالدة التي لا تكتمل أبدًا والمشفوعة بالأشعار والبطولات ولوعة المسافات، يضاف إليها الافتتاحيات الشعرية مع بداية كل قسم بالرواية، والمقتبسة جميعها من الشاعر الكويتي دخيل الخليفة (1964)، إلا أنها أسطورة تاريخية، نادرة التوثيق، ومنسوجة بتخييل عارم لسد فجوات الحكاية الأصلية، وبأسلوب سردي حرفي يعكس الجهد المبذول في الرواية ويعكس بالمثل تمكن سعود السنعوسي من أدوات السرد وتقنياته إلى حد السهولة والبراعة.

تتشابك كل العناصر السابقة، على كل المستويات، الحكاية وأبعادها وتماسها بالواقع والتاريخ. اللغة، ومستوياتها، تقنيات السرد، وبناء الرواية، لتنتج في المنقضى المعادلة السردية الذكية "ناقة صالحة".

ثمة ملحق بعد ختام الرواية عبارة عن اقتباس طويل من فصل بعنوان "بادية الكويت" من كتاب: "أسماء تاهت في الصحراء: فهرس ديار شبه الجزيرة العربية" الجزء الثاني، لنزّال بن فيصل الحاكم، يشرح الفصل جذور الحكاية، لناحية الجغرافيا والأنساب، موضّحًا أن "ناقة صالحة" مبنية على أسس ذات جذور واقعية إلا أنها مطمورة في النسيان.

رابط المقالة على موقع رُمَّان