الأحد، 18 فبراير 2018

حَمَامُ الدار.. ومناوشة اليقين

بقلم: مروة سمير



من مميزات رواية حَمَامُ الدار «أُحجية ابن أرزق»، للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، أنه يمكن تأويلها بأكثر من طريقة، وتأملها بأكثر من منظور، فقد تجدها أحيانًا تتجاوز التصنيف الأدبي لتُمثل لوحة فنية تجريدية مُلهمة، لوحة يخيم عليها اللون الأزرق وما يحمله من دلالات، أزرق هو الأب القاسي.. البحر المخيف.. الكابوس المؤلم.. والسماء التي تبتلع الأحبة.
ثم تعيش لوحة أخرى من الألوان ترسمها الكلمات، مع الحمامة فيروز.. حمامة رمادية اللون يميزها لمسة فيروزية اللون حول عنقها، تماما كالبطل الكهل «عِرزال» بملابسه الرمادية ووشاح عنقه الفيروزي، كأنه إنعكاس لها، وحيث الماضي دائما هو الأمس، وكأن الزمن دائري في سلسلة متشابهة الأحداث، فيبدو سيره بظهره كلما دخل الغرفة يحمل أكثر من مغزى.
أما الاستهلال الذي أتى باقتباس من الرواية البديعة “الحمامة” للكاتب الألماني باتريك زوسكيند، كان بداية موفقة للغاية لدخول العمل.
“حمام الدار لا يغيب، وأفعى الدار لا تخون”
تبدأ صباحات «عِرزال أزرق» باتصال مع طليقته ليطمئن على صغيريه، فتقطع الاتصال ما أن تسمع صوته: «اركض يا جبان!»، نفس الجبن الذي يتهم به الحمامة فيروز كلما اختفت في الأزرق تاركة فرخيها الصغيرين، فيخشى هلاكهما ويحاول منحهما الحياة بكل الطرق الممكنة.
«وحده السؤال مِنحة العقل ومِحنَته»
قد تبدو الفكرة الرئيسية للرواية معضلة كاتب لا يستطيع إنهاء قصته، فيتدخل مستعينًا بالأبطال ليحاول فهم شخصياته التي تمردت عليه.
لكن ما يمنح العمل تفردا واضحًا، توالى الرموز والاسقاطات أمام رمزية الكاتب العليم بكل شيء، الذي تمنحه شخصياته الورقية تقديس إلهي، ينظر إليه بعضهم عبر السقف غاضبا من صمته رغم أنه يرى كل شيء، ويتطلع إليه البعض الآخر برجاء ورهبة آملا في الخلاص.
يدور بين الشخصيات صراع ما بين الإيمان بأن أقدارنا كتبت دون حيلة لنا، وبين الإصرار أننا نحن من نرسمها.
فماذا إن تبدلت الأدوار وأصبح البطل المُختلق هو المؤلف.. هو الرواي؟
بين ماضي مؤلم لعرِزال ومستقبل غير معلوم، تمر الأحداث بلغة رائعة، مفعمة المشاعر، بشخصيات مرسومة ببراعة، محلية الأجواء، وبإشارات في بداية الفصول تَحكي قصة أخرى بين السطور.
“كيف للحزن أن يتخذ من الجمال ثوبًا على هذا النحو من السحر؟!”
تصل الرواية لأفضل حالاتها في نصفها الثاني مع «منوال» وانعكاس الحكاية بأكملها، ليُشجيك الألم ويَسكنك هديل الحمام.
تتجمع قطع «أُحجية ابن أزرق» في الفصول الأخيرة، لتعيد اكتشاف الأحداث كلها من جديد، وترى الوجة الآخر للشخصيات، تستشف من بين السطور سر قسوة الأب، وحزن غناء فيروز، يَمُسّك وجع غياب زينة ورحال، يعود بك الزمن لنقطة البداية مرارًا.. ويتلاعب بك، تتضح الأحجية نوعًا، لكنها لا تمنحك يقين الأجوبة.
قد يبدو العمل غامضا لمن ينتظر حبكة تقليدية بسيطة، لكنه في غاية الجمال والإمتاع لمن يبحث عن خيال جديد، بديع، بلوحات فنية تُثري الروح، وبجمال لغة السرد ورهافة المشاعر التي تحملها الكلمات.
“حمام الدار يغيب.. وأفعى الدار تخون!”
حَمَامُ الدار عمل يتميز بجمال غير تقليدي، وإبداع متفرد، يحمل مناوشة الشك باليقين، شك الوجود.. ويقين العودة. 

الثلاثاء، 13 فبراير 2018

عن مرايا سعود السنعوسي التي تحطمها ساق البامبو

بقلم: لينا العطَّار





     غالباً ما يُصَنَّف الروائيون حسب نوع الروايات التي يكتبونها، فيرتبط اسمهم بنوع الأدب الذي تقرؤه لهم، فمن الطبيعي أن يخطر لك أدب السجون عندما تسمع اسمع أيمن العتوم، أو الميتافيزيقيا عندما يقال أحمد خالد توفيق، أو الرومانسية الاجتماعية عندما تقرأ اسم بثينة العيسى، ونجيب محفوظ هو الأديب العبقري الذي يكتب عن الحارة الشعبية والمجتمع المصري، لكن بعض الأدباء وهم نادرون حقاً لا تستطيع أن تضع ما يكتبونه في أي خانة..

     سعود السنعوسي أحد هؤلاء الكتّاب وأبرزهم، ورغم حداثة سنه العمرية والأدبية، إلا أنه حجز لنفسه مكانة مهمة بين الأدباء الكبار، ومكانة مميزة عند القراء الذين صاروا ينتظرون أعماله بفارغ الصبر، وأعتقد أني واحدة من كثيرين تعرفوا عليه بعد فوزه بجائزة البوكر للرواية العربية عام 2013 عن روايته (ساق البامبو) حين قررت بعدها أن أقرأ أعماله كلها التي نشرها لأكتشف أنه لم ينشر سوى رواية واحدة هي سجين المرايا، وقد يبدو هذا غريباً في زمن بات فيه النشر أمراً متوافراً وقد يكون من السهل لأي شخص كتب عبارتين على وسائل التواصل الاجتماعي أن ينشرهم في كتاب والأمثلة على هذا كثيرة، لكن الكاتب الحقيقي هو الذي يعرف قيمة الكلمة أولاً وقيمة الكتاب الذي سيحمل كلماته، ويقدّر القارئ الذي سينشر له لأنه الهدف أولاً وأخيراً بالنسبة لأي كاتب، ونحن هنا أمام كاتب يقدس الكلمة، ويجعل منها وسيلة وصول لكل شخص، بقلبه وعقله.

سجين المرايا – جائزة ليلى عثمان للرواية 2010

 

     رواية رومانسية للوهلة الأولى لكنها دراسة معمقة للنفس الإنسانية حين تحب وحين تكره..حين ترى نفسها أسوأ مافي الكون، أو أفضل مافيه..حين تقرر الخروج من قوقعتها وتكسير كل المرايا التي حولها والتي لم تعكس إلا صوراً سيئة وخاطئة عن الحياة، فكان عليه أن يحطمها ويخرج من سجنها ليرى العالم بمنظور جديد..فتكون المحاولة الأولى لهذا التحطيم فاشلة، بل تحكم السجن الذي يعيش فيه ليكون عليه أن يقوم بما لم يقم به من قبل كي يخرج هذه المرة.
لم تكن تجربتي الأولى مع السنعوسي، لكني استمتعت بها كثيراً ورأيت من خلالها أديباً فذاً وخيالاً خصباً بالأحداث والتشبيهات ومشاعر عميقة استطاع إيصالها لنا بكل براعة.

ساق البامبو 2012 – جائزة البوكر للرواية العربية 2013


     اشتُهِر من خلالها، والتي قرأها جميع الشباب، المذهل في تلك الرواية كان بساطة أسلوبها وعفويته التي عبرت عن مذكرات شاب كويتي فليبيني عاد يبحث عن والده ووطنه، فلم يجد أياً منهما.
الخدعة التي تفوق إليها متأخراً في نهاية الرواية وتظل تتساءل: هل كان الكاتب يكتب بنفسه أم يترجم مذكرات عيسى!..لتجد نفسك أمام كاتب استطاع أن يتجسد شخصيته تماماً حتى ذاب فيها..حسناً بالتأكيد يحمل كل كاتب جزءاً من شخصياته، ويضع في كل منهم بعضاً من روحه ينقلها للقارئ كجزء من الاتفاق الضمني بين القراء والكتاب، لا يمكن أن تخفي الكثير عن قارئك.

فئران أمي حصة 2015


     الرواية التي أثارت ضجة كبيرة وسُحبت ومُنِعَت من الأسواق، يمكن تصنيفها ضمن روايات الديستوبيا، والتي ترى من خلالها حاضراً ومستقبلاً مؤلماً في البلاد العربية، غصة رافقتي طيلة صفحات الرواية، اجتياح الكويت والتشابه المرعب بينه وبين الحاضر في بعض الدول العربية وبين المستقبل الذي توقعه للأبطال، لم يعطينا أي معلومة أو تلميح عن اتجاه البطل المتكلم، فقط بقي ضائعاً بين صديقين كل منهما من اتجاه، يقفان معاً في بعض الأوقات وقد تصل بهما الأمور إلى قتل أحدهما الآخر في مرات أخرى.
الفواصل الزمنية في الرواية والقدرة على التنقل بين زمن وآخر حيث أن الرواية تدور في ثلاث أزمنة متوازية بطريقة لم تربك القارئ أبداً بل كانت محكمة وواثقة جداً.

حمام الدار.. أحجية بن أزرق 2017


     حمام الدار لا يغيب، وأفعى الدار لا تخون..لكن أحياناً يغيب حمام الدار بعيداً، وتخون الأفعى وتختل كل الموازين.
هنا فاق كل التوقعات واختلت كل الموازين الأدبية عنده، كأن ذلك الكاتب المجنون في داخله في خرج وتمرد على الورق وقد حطم كل القيود الأدبية وخرج لنا برواية أقل ما يقال عنها أنها غريبة..لكنها كانت رائعة، نفس الغصة التي رافقتني في فئران أمي حصة، ونفس الألم في النهاية، لكن هنا يضاف عليه محاولة جاهدة مني طيلة الصفحات لفهم واستيعاب الأحداث والشخصيات وربطها ببعضها البعض، وهذا ما لن تستطيع فعله في النهاية، ليأخذنا خياله الواسع إلى مناطق لم نألفها من قبل ولم يسبق لنا أن نخوض فيها في الأدب العربي.
أربع روايات يتقارب الفاصل الزمني بينها، وتتباعد الحكايات ويبني لنفسه في أرض الخيال قلاعاً من أدب راقٍ، تتنوع باختلاف الفصول..أسلوب محكم لا يمكن مجاراته، وبناء أدبي عميق وصياغة متمكنة من قلم يعرف جيداً كيف تخطو كلماته على الورق بثقة عالية جداً وتماسك قلّ نظيره.
عبء ثقيل يقع على سعود السنعوسي لروايته القادمة، فالقارئ لم يتوقع منه الأفضل فقط، بل أن يفاجئه أيضاً، فلم يعد القارئ يقبل بالعادي، وهذا للأسف شرط ضمني آخر بين القارئ والكاتب سيكون على السنعوسي أن يلبيه وألا يخيب أمل القارئ، ولا أعتقد أنه سيفعل، فالتأخر في النشر بالنسبة للكاتب ثم النجاح بهذه الطريقة المبهرة، علامة تبشر بخير وتنبئ أنه اختزن الكثير ليقدمه لنا، فمازال في جعبته الكثير من الحكايا والأحاجي التي سيحكيها لنا.


الجمعة، 9 فبراير 2018

حمام الدار


د. نيفين مسعد
د. نيفين مسعد


     اصطف الشابات والشبان علي الجانبين في انتظار توقيع الكاتب الكويتي سعود السنعوسي روايته الجديدة "حمام الدار". جلس الكاتب أمام مائدة طويلة تفصل بين طابورٌي الشباب من الجنسين، عنده ينتهي الطابوران أما بدايتهما فتمتد خارج مبنى مكتبة تنمية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب. كان المشهد يفرح القلب ويعطي بصيصا من أمل، وسط تفاهات كثيرة تبحث هذه العقول النضرة عن عمل جديد جاد لروائي جاد، تتهلل ملامح الشباب وهم يأخذون صورا سيلفي بلا حصر مع سعود السنعوسي ويدفعون إليه بنسخ من روايته الأخيرة ليكتب إهداء لعزيزته فلانة أو عزيزه فلان. وسط الزحام الشديد يغلق كل ممرات المكتبة أصادف إحدى طالباتي تعافر في الوصول إلي الداخل وتنجح في أن تحجز لها مكانا في طابور الشابات. هؤلاء القرّاء من كل أنحاء الوطن العربي هم من صنعوا نجومية السنعوسي، من قال إن العملة الرديئة دائما ما تطرد العملة الجيدة من السوق؟ ها نحن أمام عملة جيدة وهاهم الشباب يقبلون على تداولها بثقة كبيرة . جمال المشهد لا ينبع فقط من علاقة السنعوسي بقرائه لكنه ينبع من المكان الذي احتضن هذا المشهد، مكتبة تنمية هي مكتبة يعرف كل من فيها ماذا يبيع، تطلب رواية فيرشحون لك ما يناظرها ويقارنون بين الروايتين بفهم واحتراف، تسأل عن باب من أبواب الأدب العربي فيهدونك إلي ضالتك ويزيدون بعمل أو اثنين من الأدب العالمي ليفتحوا أمامك نافذة على الآخر .

***

      ألتقط نَفَسا عميقا قبل أن أدلف إلى أحدث أعمال سعود السنعوسي "حمام الدار" ، فهذه الرواية تحتاج شهيقا من نوع خاص يليق بها ففيها يبدو السنعوسي كما لو كان قد غيّر جلده، أو نَقَلَ حكيه من طبقة أدبية إلى طبقة أدبية أخرى. لا تشبه "حمام الدار" رواية السنعوسي الأشهر "ساق البامبو" فهي تقع في مسافة بين الواقع والخيال أو بين الحقيقة والوهم، ومع أن فيها بعض روائح من روايته " فئران أمي حصة" إلا أنها أكثر منها تجريدا بما لا يقاس، هي تنويع علي بعض أعمال الأديب الإسباني ميغيل دي أونامونو وبالذات روايته الملغزة " الضباب " التي يتأرجح فيها وعيه بين الوجود وعدم الوجود. هي ليست رواية تصاحبنا في رحلة قطار أو في مسافة انتظار، بالتأكيد هي ليست كذلك.

***

     جوهر الرواية هو علاقة الأديب بشخوص رواياته فهو يشكلها ويرسم أدوارها ويدس نفسه بينها، ثم هو قد يعيد تشكيلها وبعد أن ينفخ روحه في حمامة أو عنزة إذا به يسحبها ليُسكنها بشرا مثلي ومثلك. لكن شخوص الراوي ليست على الدوام سهلة لينة تتقمص الأدوار التي تُكتب لها، فها هي بين الحين والآخر تحاوره وتناكفه.. تتعجل مصائرها حين يقف قلمه علي مفترق نهايتين.. وقد تمضي خطوة أبعد فترفض أن تكون علي الصورة التي اختارها لها وهذا حال أبطال رواية "حمام الدار". في الصباحات الخمسة الأولى من صباحات الرواية يتحرك الكهل الخمسيني عرزال بن أزرق في محيط ضيق بل ضيق جدا، تتكرر أحداثه برتابة شديدة إلى حد تعقُب كل بصقة تبصقها العجوز بصيرة في القصعة المجاورة لها تحت بئر السلم، مهجوس هو بمصير حماماته الست تعود من رحلتها اليومية أو لا تعود وقلبه مشطور نصفين، نصف يهاتفه أنها عائدة لأن يٌمة بصيرة مكمن الحكمة وخبرة السنين تحدثه دائما بأن حمام الدار لا يغيب، ونصفه يصارحه بأن بعضها لن يعود فقد أطلق أبوه أزرق الحمامتين زينة ورحّال على غير العادة بعيدا وراء الحدود، بالفعل لم تعد الحمامتان وماتت بصيرة على فرشها الكالح فلم يحس بها أحد، هل ماتت بصيرة لأن نبوءتها لم تتحقق وغاب حمام الدار الذي قالت إنه لا يغيب أم أن زينة ورحّال رفضا الإياب لدار لم تعد توجد بها بصيرة ؟ في هكذا نص كل الإجابات واردة .

***

     لم يفقد عرزال حمامتيه فقط في المجهول الأزرق لكنه فقد أيضا قٌطنة هذه العنزة شاهقة البياض التي كان يلاطفها فتعطيه لبنها عن طيب خاطر، قتلها هو مستخدما رش بندقيته حين كان أبوه يعلمه الرماية فرماها دون قصد ، حزن .. التاث .. وقبل أن يهرب إلى بئر السلم احتضن قطنة الجريحة بين ذراعيه في مشهد لا أبدع من تصويره . لاحقا سنعرف أن قٌطنة ليست عنزة بل هي أخته أو ابنة عمه أو ابنة خاله والأرجح أنها ابنة العبدة التي اشتراها والده .

***

     وفي الصباحات الست التالية تتغير الأسماء وتتناسخ الأرواح أكثر فأكثر، يتحول عرزال بن أزرق إلى منوال بن أزرق، وتتحول الحمامتان الغائبتان إلى أخوين من إخوة منوال الستة ابتلعتهما زرقة البحر كما ابتلعت زرقة السماء الحمامتين من قبل، وتتحول فيروز إلى أمه التي تعلق بها عرزال وصار حبه لها مبررا إضافيا لقسوة أبيه عليه. فيروز هي الحمامة الأم التي كانت قد وضعت فرخين أسماهما الراوي زينة ورحّال حتى يظل هذان الاسمان يترددان في الدار رغم اختفاء صاحبيهما الأصليين. في هذه الصباحات نتعرف أكثر على العبدة قطنة وعلى والدتها فايقة هذه المرأة الوفية التي توارثتها أسرة منوال/عرزال. كانت فايقة مثل أفعى الدار التي وصفتها العجوز بصيرة بأنها لا تخون، وقد أصابت بصيرة هذه المرة. هل فعلا كره الراوي اللون الأزرق كما قال؟ سألت نفسي هذا السؤال بعد أن وجدت الراوي يعرب عن كراهيته للأزرق الذي هو اسم والده بالغ القسوة والذي هو لون السماء والبحر اللذان غيّبا زينة ورحّال الحمامتين / الأخوين ورغم ذلك كان الراوي يستخدم اللون بكثافة شديدة في كتابته، ثم قدم لي هو الإجابة حين قال إن كل الألوان زرقاء، والأرجح أنه يقصد أن الزرقة تلازم كل ما هو حزين. عموما ليس هذا هو السؤال الوحيد الذي تطرحه الرواية، فهناك أسئلة عن حالة البين بين التي عليها شخصيات الراوي وأحداثه فالعجوز بصيرة ترى وتتكلم ولا تري ولا تتكلم وأبوه يكذب ولا يكذب وأبطاله يتمردون وينصاعون .

***

     إن هذا عمل لا تكفيه قراءة واحدة ولا تمسك بالذي يقصده الراوي من ورائه عين واحدة، أما لغة سعود السنعوسي فرفيعة متقعرة تختار من اللفظ أرصنه ولا تتورع عن نحت مفرداتها الخاصة كما تنحت ملامح الشخصيات فتزيل شامة من هذه الوجنة وتمنح غلظة لهذا الصوت. رواية "حمام الدار" أمتعتني قراءتها ومنحتني أملا في شباب الأدباء.

السبت، 27 يناير 2018

حين تبتكر الرواية طريقة سردها

قراءة - عبدالله الزماي
 

     من يتأمل في أحاديث كبار كتاب الرواية حول العالم عنها سيجد أن ثمة ما هو أشبه بالإجماع والاتفاق على أن الرواية ما هي إلا الطريقة التي نقول فيها الحكاية، من هنا جاء شغف الكتاب في ابتكار طرقهم الخاصة والمختلفة في سرد الحكايات، وأثروا من خلال ذلك بمن أتى بعدهم من أجيال، فمنذ وليام فوكنر في (الصخب والعنف) مثلاً إلى الأثر الذي تركه فيمن بعده ممن يعتبرون أنفسهم تلاميذه مثل غابرييل غارسيا ماركيز في (الحب في زمن الكوليرا) وغيرها، ولم يتوقف عند ذلك وامتد إلى أجيال من الروائيين تلت ذلك سواء ممن تأثروا بماركيز وتقنياته مثل الروائية التشيلية إيزابيل الليندي وغيرها، وهكذا حتى إن الرواية العالمية وصلت إلى مراحل بعيدة وعميقة في التنوع في تقنيات السرد وتعدد أشكاله.
من هذه المقدمة يمكنني الدخول إلى الرواية التي أريد الحديث عنها وهي رواية (حمام الدار) الرواية الأخيرة للروائي الكويتي سعود السنعوسي، وذلك لما تميزت به هذه الرواية من طريقة سرد مبتكرة. تقوم هذه الرواية على لعبة مفترضة بين الشخصيات والروائي وجدل بينهما عن أيهما يصنع الآخر، فكثير من الشخصيات المتخيلة خصوصاً في الأدب الغربي تحولت إلى أيقونات وتحولت عباراتهم إلى أمثلة، والأمثلة على هذا كثيرة مثل (هاملت) و(دون كيخوته) وغيرهما الكثير.
تم سرد الرواية من قبل أكثر من راوٍ «عرزال» و «منوال» لهذا حملت الرواية عنوان (أحجية ابن أزرق) دون تعيين أحدهما، وكذلك الجدل الذي بين شخصياتها في ساعة التأمل وما قبلها، وتقسيمها إلى نص نسيب وآخر لقيط، كل ذلك يدل على أن هذه الرواية صممت وأحكمت وفق بناء نصي مرسوم قبل كتابتها.
وعلى الرغم من أن الرواية انحصرت في بدايتها على نطاق ضيق بين الولد وأبيه وحماماته، وليس غريباً أن يبدأ هذا الفصل باقتباس من رواية (الحمامة) لباتريك زوسكيند لتشابه الأجواء بينهما، لكن الرواية لا تكشف ألغازها مبكرًا وتحتفظ بألعابها السردية ومحاولة إدهاش القارئ حتى آخر كلمة فيها وآخر سطر الذي استبدل فيه الروائي كلمة (تمت) التي اعتدناها في خاتمة الروايات إلى (لن تتم).

حمام الدّار لسعود السنعوسي



"رواية تقطعت أوصالها لتجتمع فيما بعد"

بقلم: نورس كوجر
شاهدت منذ مدة فلم كندي “cube ” لاشخاص محاصرين داخل مكعب ، يجسدون رموز معينة عليك انت (المشاهد ) ان تكتشفها وتصل الى حلها .
أٌحجية بن ازرق هي كذلك .. تجعلك وسط مجموعة من الالغاز والاحجيات عليك ان تجتهد في حلها . رواية لا تشبه ما عاهدنا عليهِ السنعوسي في باقي اعماله سوى اسلوب الصدمة الذي اعتاد علية وقلب الادوار .
هذه الرواية الصادرة حديثا للعام 2017 لا تشبه الاخريات فهي رواية يكتب اشخاصها انفسهم ، يتغلب بعضهم على البعض الاخر. اشخاص يحددون مصائرهم ويقلبون حجر الرواية على عقب . فهل اراد السنعوسي هنا ان يتحدث عن مصائرنا المكتوبة سلفا ! وان يقول لنا باستطاعتكم ان تغيروها وتشذوا عما رُسم لكم ؟! ام انها حكاية لوجودية اكبر تتحدث عن علاقة الخالق بالمخلوق .
“الروائيون مرضى ، ينفسون عن معاناتهم ويستزيدون بالكتابة تعويضا لنقصٍ في نفوسهم ! … أُي سلطة تمنح كاتبكم المزعوم الحق بان يكتبنا وفق ما يريد ..؟ ” انموذج من الرواية
يدور النصف الاول من الرواية عن خمس صباحات ابطالها “الحمام” سفار ، عواد ، رابحة ، غادي ، زينة ، ورحال . تحكي عن حمامات الدار التي لا تغيب وقد..! وافعى الدار التي لا تخون و..
اما النصف الثاني للرواية يتحدث عن ذات الصباحات الـــ خمس ولكن ابطالها ” بشر ” سفار ، عواد ، رابحة ….
ستشعر في اول الامر بالممل والحيرة لانك داخل صندوق مغلق باحكام لا يروم البوح باسراره بسهولة ، كلما تقدمت في الصفحات كلما ازددت حيرة وشك وترقب . حتى تجد نفسك تتسارع لانهائها وايصالك لنهاية تحار فيها . هل السنعوسي من كتب هذه الرواية ؟ ام اشخاصها ؟ ام راوي لا صله له بكل هؤلاء الاشخاص . ام انها مجرد كوابيس قد تحدث في يوما ما ..
يقولون بان الكاتب يمر في مرحلتين من حياته الادبية الاولى يكتب لجمهوره والاخرى يصنع به جمهور ، وهنا كتب السنعوسي لنفسه ليكتشف قدراته السردية وليصنع قارئ متجدد مختلف له الجرئة على التجريب ودخول عوالم لم يسبق له الدخول إليها .
يذكر انها الرواية الرابعة للسنعوسي بعد فئران امي حصة وساق البامبو وسجين المرايا ، عمد السنعوسي هذه المراة على استخدام لوحات داخل روايته تعبر عن تحولات بطل الرواية او المساهمة في توصيل الحالة السردية . لاشخاص جاحظي العيون للرسامة “مشاعل الفيصل ” وهذا يتضح منذ غلاف الرواية لشخص جالس على كرسي منقسم الى اثنين مع غياب قدميه ويديه ، فضلا عن وجود طائر يرقبه عن كثب .

الأحد، 21 يناير 2018

أُحجية ابن أزرق... وصيغة اللون المحتملة!

الرياض-عادل الدوسري


تبدو محاولة من الكاتب لفهم تقلبات الزمن عبر لون يمقته، بكتابة ممهورة بختم الحدث الوقتي العارض، الذي لا يتوقع حدوثه إلا عند افتراضات الأزرق المتعدد الاحتمالات، والمتماوج بتدرجاتٍ متفاوتة. ويمكن القول بأنها تحديق في الفراغ الأزرق، أو تجديف في الهواء أثناء الإصابة بحالة التوقف عن الكتابة، تفتعله الشخصية التي تشكل في -ذهنية القارئ - نقطة خلاف حول أساسيتها في هذه (الرواية).

وبين عهد قديم «لعرزال» ذلك الكهل الممل، إلى العهد الجديد «لمنوال» يتقلب القارئ الحذق بين خيوط الأحداث محاولاً الإمساك بالحدث الرئيسي، حتى يضيق النص ذرعاً بمحاولات (الكاتب) إنهاء مذكراته المرعبة، فتستغيث النصوص بذاكرة عرزال حول ما كتب، قبل أن يؤول بها المآل إلى الدرج السفلي.

لقد كان ابن أزرق لغزاً محيراً يحتاج القارئ إلى تفكيك شفرات سلوكه الغريب ورمزيات الزمكان، وهو ينتقل في الحالات الغامضة، بما يعتريها من التشابه المتناقض، ما يدعو إلى التراجع عن إكمال الفصول قبل التراجع إلى الخلف قليلاً لاستدراك السر في الأحداث السابقة التي تحمل كينونة التفسير، حين تناوش العقل المتيقن جرعات من الشك.

كوابيس زرقاء تتعاقب في تكرار مقيت لصيغة اللون الذي يبتلع رحال وزينة، وفي كل مرة تحدث ذات المصيبة التي تعاود التشكل بتفاصيل جديدة لأصل أحداث مصنوعة من صُدف ويقررها المجهول في النوم، رغم أنها أشياء بلا معنى كما جرى على لسان الكاتب في الصباح الثالث من الرواية. أو على الأقل هذا ما يفترضه المدعو عرزال أثناء تأملاته للحمامة من نافذته، هو الذي امتلأ بالهديل وسرت رعشة دبيبه كتنميل على جسده، حتى كاد أن يسأل الحمامات لماذا تنوح؟ قبل أن يصرف الفكرة عن رأسه؟!

ومن حيث عرزال الذي يرى كل الألوان (أزرق) بينما يمثله الرمادي، فإن الإنسان هنا كان يشهد أكثر من تفسير لوجهه وحالاته ونقائضه السلوكية، فكل شخصية هنا هي بمثابة حالة، والحالة تشكل حدثاً متشعباً، والتشعبات تعني أكثر من تبرير، ربما يتعين على القارئ إيجاده قبل أن يظهره الكاتب نفسه، حتى وإن كان ذلك على سبيل التعاطف، أو التشابه، أو فلنقل من باب التناقض والاختلاف، وبين هذا وذاك بصيرة وقطنة وزينة ورحال الكثير من الأحاجي ووجهات النظر!

ومن تلك الحيثية يصل القارئ إلى القلق الماكث في صباحات (منوال) ومشروعه الروائي الذي يستفيق في أولى أصبوحاته على انفعالات مشتاق. ويراوح في ذات الدائرة من السر المكرر المخفي، ويحكي ذات الأحدوثة باحتمالات منفتحة أو منغلقة وأحياناً متشابهة إلى حد ما. وفي هذه الرواية محاولة تظهر بشكل أو بآخر لمقاومة الفقد الذي يعتريه في نوبات مفاجئة من العمر. والحيلة هنا (كتابة) تظل لغزاً قائماً حتى يكتمل الكابوس ولن تكتمل النهاية!

أحجية ابن أزرق هي عنوان فرعي لرواية الكاتب الكويتي سعود السنعوسي (حمام الدار) التي صدرت في نوفمبر 2017م عن الدار العربية للعلوم ناشرون.


حمام الدار.. صناعة الدهشة باستخدام عناصر قديمة!


هل الأديب مطالب بالكتابة عن موضوعات لم يطرقها أحد من قبل؟ أم أن التيمات واحدة، والفارق هو في كيفية التناول؟
في روايته “حمام الدار”، يقدم سعود السنعوسي -في رأيي- إجابة حاسمة للأمر، فهو لم يعد اختراع العجلة، ولا تحفل روايته بصور مبتكرة لم يسبقه إليها أحد، فالحمام رمز تراثي للفقد، “وبتغني لمين يا حمام؟” سؤال غنائي دائم التردد في الأغنيات المصرية، وصورة الأب الذي ينتظر ابنه الغائب على الساحل كل ليلة سبق وقدمها رأفت الميهي في رائعته “للحب قصة أخيرة” عبر الممثل “عبد الحفيظ التطاوي”.
حتى مسألة الشخصيات الروائية التي تتمرد على قدرها داخل الرواية، وتدخل في عراك مع المؤلف، سبق وقدمها الأدب العربي من قبل، أذكر مثلًا أن القاص والروائي المصري الكبير فؤاد قنديل قدمها في مجموعته القصصية “حدثني عن البنات” في قصة حملت عنوان “أردته جبانًا”.
ما الذي يجعل هذه الرواية مدهشة إذًا؟ ما الذي يجعلها بديعة وأصيلة وليس فيها شبهة اقتباس أو نقل رغم أنك تصادف داخلها عناصر قديمة؟
الإجابة ببساطة تكمن في قدرة سعود السنعوسي على صناعة الدهشة عن طريق إعادة اكتشاف الأشياء التي يظن الجميع أنه لم يعد فيها ما يكشف عنه ، يكمن الجمال في القدرة على الإشارة إلى مناطق لم يرها أحد في نفس الصور الماثلة أمام الأعين طوال الوقت.
لو أن السنعوسي جلس قبل الكتابة مع ناشره ليخبره أنه يريد أن يكتب قصة عن الفقد، عن رجل فقد إخوته، وأمه وأبناءه، لنصحه الناشر أن يعيد النظر في الموضوع الذي طرقه كثيرون قبله، لكن المبهر هنا أن الكاتب الكويتي المهم، يصنع في روايته فقده الخاص، يقتحم عالم المطروق، ويمضي على خط رفيع للغاية، يمكنه من وضع بصمته واضحة ومؤثرة في موضع تكثر فيه البصمات، وبطريقته الخاصة والجديدة على قدم عناصر تكوينها، كأنه يقدم لجمهوره صنف طعام مدهش، لا يصنعه سواه، بنفس المقادير التي يعرفها الجميع، دون أن يعرف أحد طريقته الشخصية في صناعة الوصفة.
الحقيقة أني ممتن للسنعوسي لأن حماماته من لحم ودم وتفاصيل أكثر من أي حمام أخر في أي أغنية عن نوح الحمام، ولأن منوال بن أزرق يختلف عن عبد العزيز -عبد الحفيظ التطاوي-، ولأن فؤاد قنديل ألقى بفكرته في قصة قصيرة، ثم كادت أن تموت، فجاءت حمام الدار لتصنع شيئًا مختلفًا، وتعيد بعث هذا الأسلوب السردي من جديد بمعالجة مختلفة وأكثر تفصيلًا وحبكة من تلك التي استخدمها قنديل قبل سنوات.
ولا أعرف إن كان السنعوسي اطلع على تراث الحمام الغنائي، شاهد “للحب قصة أخيرة”، قرأ قصة قنديل أم لا؟ أغلب الظن أنه لم يفعل، لكن البديع في الأمر أن جمال هذه الأعمال حضر إلى رأسي وأنا أقرأ روايته، فضاعف المتعة ولم يفسد من متعة “حمام الدار” وحدها شيء.
وعلى ذكر متعة “حمام الدار” أود أن أشير إلى التطور الكبير في أسلوب سعود السنعوسي، فالرواية مختلفة عن كل ما قدم سابقًا كمًا وكيفًا، تدخل به إلى منطقة رمزية لم يدخلها من قبل، ويمسك فيها بأدواته باقتدار شديد، فبعد الثناء على اللغة، والسرد، والحبكة إلى أخر هذه الأشياء التي عادة ما يتحدث النقاد عنها، تجب الإشادة برقصاته الجريئة على حبال الأدب، فهو لم يكتف بخط سردي واحد يقيمه بين عرزال ومنوال بطلي روايته، لكنه يتجاوزهم إلى ما هو أعمق، فيحمل روايته الكثير من الرموز الثقيلة، فنجد عبارات مثل “قطنة” الرسولة، والعهد القديم، العهد الجديد، وفصل بعنوان “عرزال” يحمل الكثير من المحاورات الفلسفية التي تعطي الرواية ثقلًا رغم عدم مد السنعوسي لهذا الخط على استقامته، وعودته مرة أخرى إلى خطه الروائي الرئيسي، كأن هذا الفصل من الرواية كان فاصلًا بين عالمين.
وجملة القول هنا أننا أمام عمل يقتنى أنصح به بشدة، أعطيه العلامة الكاملة، وأدفع به إلى يد بعض الروائيين كمثال على صناعة الجديد ببساطة، وبدون “حزق” أو تشنج، أو تعقيد تحت دعاوى الكتابة المختلفة، وكسر التابوهات، إلى أخر تلك الدعاوى التي يحمل بعضها صدقًا كبيرًا ورغبة في التجديد، ويحمل أكثرها فلسًا روائيًا يراد تغطيته، وستر عورته.