الثلاثاء، 18 أغسطس، 2015

حينما تكره البلادُ نفسها!


مقالة خاصة بالمدونة:



     هذا ما أشعر به، شعورٌ يقارب اليقين، أن هذه البلاد تكره نفسها، حينما ألتفتُ ولا أجد فيها ما يُشبهها. بلادٌ تتبرأ من ذاكرتها. تتنكَّر لماضيها. تخجل من هويتها. كُلُّ ما في هذه البلادِ لم أعد أعرفه. أنا أفهم شعوري بالحنين إليها وقتَ سفري، ولكنني لا أفهم لماذا أشتاقُها وأنا فيها!

     لا شارعنا القديم يحمل اسمه، ولا مدرستي الابتدائية، ولا المتوسطة، ولا حتى الثانوية. أمضي في شوارع أعرفها بحثًا عني، هربًا من زمن مسخ، ولا أجدُني. أمضي إلى ما هو أكثر قِدَمًا. أبحثُ عن حَمَّارٍ وعربةٍ خشبية، وأرجوحةٍ تُشبه أرجوحتي القديمة في قرية "يوم البحَّار"، أجدُ القرية في غير مكانها، وقد صار اسمها "قرية الموروث الثقافي الكويتي"، وأجدُ أن الحَمَّار صاحب العربة والأرجوحة قد غادرا المكان مع اسمه القديم.

     أنا أفهم ضرورة تحديث بعض مباني الدولة مواكبةً للزمن، ولكنني لا أفهم الدافع من وراء تغيير الأسماء الذي تنتهجه الدولة منذ سنوات. من الذي أسقط لافتةً عتيقة في كيفان، تعرفني وأعرفها، تحملُ اسم "شارع إشبيليا"، لتقيم أخرى تحمل اسمًا آخر؟ أمضي في الشارع ألوذ بحديقة "الأندلس" التي احتضنت طفولتي، وإذ بها تحملُ لافتةً باسمها الجديد "واحة كيفان". لا مكان لطفولتي هنا، ألتجئ إلى مكان أمضيتُ فيه زمنًا في مراهقتي، ديوانية في شارع أبو حيان التوحيدي في الروضة، لا تزال موجودة ولكن أبوحيان انصرف يحمل لافتته مُفسِحًا مكانها لأخرى تحمل اسم غيره. أقودُ سيارتي أتوق لاسمٍ قديم. لا أجد. ما الذي يدفع مدرستي "النجاح" لأن تحتفظ بكل تفاصيلها ما عدا اسمها الذي أعرف، وقد اتخذَت لها اسمًا جديدا؟ لماذا أقابلُ مدرستي الثانوية "صباح السالم" في السُّرة كلما جرَّني الحنين، أعرفها ولا أعرفها وقد صارت ثانوية بغير اسمها؟ أعود إلى بيتي في آخر اليوم غريبًا، وفي داخلي شيءٌ يصرُخ: أعيدوا لي ذاكرتي!

     أتابع منذ سنواتٍ اغتيال ذاكرتنا في صمت، وفي كلِّ مرَّةٍ أمنّي نفسي بأنها الأخيرة، وها أنا قبل ساعاتٍ أشاهدُ عُمَّالا أمام ثانويةٍ ليست بعيدة من بيتي، يُزيلونَ لافتةً عتَّقها الزمن، تحملُ اسم "الأصمعي"، حتى صار الشارع يُسمَّى باسمها. الثانوية التي حملت الاسم منذ ثلاثٍ وأربعين سنةً، وقتَ انتسبَ والدي إلى دفعتها الأولى سنة تأسيسها، وقتَ كانت المنطقة برَّا خاليا من الشوارع تقطعه حافلات التلاميذ تثير الغبار من حولها. أراقبُ العُمَّال يرفعون لافتةً جديدة أعلى سور المدرسة، وأنا أشهد ما يجاوزُ مسح ذاكرتي إلى ما يطال ذاكرة أبي.

     أشيحُ ببصري بعيدًا عن لافتات وأسماء وأماكن لم نعد نعرفها. وأتذكَّر سنواتٍ مضت، في زمن الاحتلال، حينما استحالت مناطقنا السكنية؛ السالمية، سلوى، الخالدية والشويخ وغيرها.. إلى مناطق بمسمَّيات جديدة؛ حي النصر، حي الخنساء، الجمهورية والرشيد. قد تبدو المقارنة ظالمة، ولكنني لا أقارن هنا، إنما أبحث عن سبب. أتفهَّم عزم المحتلِّ بأن يمسخ ذاكرتنا حتى لا نعود نحن، أما وأن نرتكب الفعل بأيدينا، فهذا ما لا أجدُ له مبرِّرًا غير أن هذه البلاد تكره نفسها.

     كيف لأصحاب القرار، أعضاء المجلس البلدي أو وزير التربية أو أيًا كان، أن يعصفوا بذاكرة وتاريخ بلد بقراراتهم هذه؟ أنا لا أفهم! شيءٌ كبير بأن يحمل الشارع أو المدرسة اسميهما منذ ما يقارب الخمسين عامًا في بلدٍ تاريخه قصير بمقياس الأُمم. وكأن قصر هذا التاريخ لا يكفيكم، لتقتطعوا منه المزيد، ولتؤسِّسوا ذاكرةً جديدة تبدأ من الصفر!

     أطلقوا الأسماء تخليدًا لذكرى من ترونه يستحق، وكثيرٌ منهم يستحق، لا اعتراض على أن تمتن الدولة لأبنائها، ولكن في جديدِ بنيانِكم، عِوَضًا عن مسخ ذاكرتنا، حتى صرنا لا نعرفنا!


سعود السنعوسي
17 أغسطس 2015 

الأربعاء، 12 أغسطس، 2015

سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر!


  يبدو للكثير أنني تأخرت في إبداء رأيي حول منع رواية "فئران أمي حِصَّة"، أو أن نشر نصِّي هذا جاء في غير أوانه، خصوصاً لمَن انتظر مني تصريحاً حول مصير العمل مع الرقيب منذ تقدمت به إلى قسم رقابة المطبوعات في وزارة الإعلام.
كنت قد اتخذت قراري بألا أتحدث في الموضوع ما لم يكن القرار قد صدر رسميّاً، رغم رفع النسخ من رفوف المكتبات فور صدور العمل في فبراير الماضي. ولهذا أسباب عدّة؛ أولها أنني لا أرغب في الظهور كمن يركب موجة المنع ليسوّق للعمل المشاع منعه، ثانيها، أنني أخشى إن أنا أعلنت منع العمل عبر صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي، ولي فيها متابعون من داخل الكويت وخارجها، فأحسبني كمن يطعن وطنه، وأنا لا أريد أن أفتح صفحاتي لتعليقات تتجاوز انتقاد الرقيب إلى الهجوم على بلد أنتمي إليه بسبب سياساتٍ رقابية عمياء، وقد نالني بعضها.
وثالث هذه الأسباب، أن أغلب الصحف التي اهتمت بالأمر من خارج الكويت، وهو سبب كافٍ ليضاعف رغبتي في التزام الصمت، ورابعها، أنه خلال الشهور الخمسة الماضية، كانت الرواية كما يقول الرقيب "ليست ممنوعة وليست مجازة"، كونها، ولخمسة شهور، لدى لجنة الرقابة تبحث في شأنها!


مجازر الرقابة

اليوم، وبعد أن صدر القرار رسمياً، يمكنني أن أقول رغم تردّدي للأسباب السالف ذكرها. لن تؤثر قرارات المنع المعيبة على رواج أي رواية، بل قد يمنحها انتشاراً أكبر حتى مما تستحق، وهو ما أراه قد منح روايتي زخماً أكثر مما تستحق. إنما للقرار هنا وقعٌ كبير على صورة هذا البلد، إن كان من بيديه الأمر يعقل، وعلى نفوسنا نحن الكتّاب الشباب على وجه الخصوص. ولأن مجازر الرقابة لم تعصف بعملي الأخير وحسب، فأنا، هنا، لا أكتب عن تجربتي وحدي مع الرقيب، بل أكتب نيابة عن زملائي ممن أصابت أعمالهم مجازر الرقابة، وحسبي أنهم يسمحون لي، ليس دفاعاً عنهم، بل غيرة على وطن بات مختطفاً لا يشبه وطناً نعرفه "قديماً" منبراً للحريات.
 نحن جيلٌ نشأ على ثقة تحاذي الغرور بمقدار الحرية الذي كانت تتمتع به بلادنا، كما حالفنا حظ مزامنة فُتات زمن النهضة، وكما نشاهد كلما أدرنا وجوهنا إلى الوراء؛ حرية الرأي، وهي حقٌ أصيل، كفلها الدستور منذ 1962.
 نحن جيلٌ نشأ على هذه الحرية متمثلة في مجلس الأمة، رغم كل ما طاله من محاولات لعرقلته عبر تاريخه، حرية المسرح الذي كان يقسو بنقده محبةً، يقول ويصرخ وينتقد ويسمي الأشياء بمسمياتها. حرية الديوانيات والمجالس التي كانت تقول ولا تخشى. حرية الصحافة التي كانت منبرا حقيقيا للتعبير عن الرأي قبل فرض الرقابة المسبقة في الثمانينات.
نحن جيلٌ نشأ على حنظلةِ الفلسطيني ناجي العلي في رسوماته، الذي احتفت به صحف الكويت وأعدته مكسباً، ينتقد بحريةٍ في الداخل والخارج قبل تخلينا عنه. نحن جيلٌ افتتح صباحاته مع "لافتات" العراقي أحمد مطر الذي ضُيِّق عليه في بلاده، واحتفت به الكويت وبتجربته واستفادت من وجوده ليكرِّس ويكون مثالاً لمفهوم حرية الرأي فيها قبل أن يذرف دمعته عند الطائرة التي حملته بعيدًا.
نحن جيلٌ يعيش على أطلال ثقافية كانت نبراساً آمن بها الوطن منذ حُلمه بأن تكون له مجلة ثقافية لكل العرب، يوم استعانت الكويت بالمصري أحمد زكي ليؤسس مجلة "العربي"، لتقول للعالم: هنا وطن، يؤمن بالثقافة والفن والأدب، اسمه الكويت.
نحن جيلٌ تلقى جلَّ ذائقته المسرحية من مسرحيات قدَّمها الروَّاد زمن إيمان هذا الوطن بأبي الفنون، حينما مهَّد للمصري زكي طليمات طريقًا يؤسِّس فيه مسرحا حقيقيا نعيش اليوم على إرثه.
نحن جيلٌ يتابع اليوم، بحسرة، تلك النصوص المسرحية العربية التي تنتقد السلطات الظالمة والجهل والتعصب، وهي نصوص مسرحية مُنعت من العرض في بلادها وعُرضت في الكويت زمن نهضتها وحُلمها في أن تكون، نتابعها بوجع، ونسأل "من بيديه الأمر" كيف صيَّرتَ الكويت إلى قطة تأكل أبناءها، ولماذا دفعت هذا الوطن - الذي فتح ذراعيه لكل أولئك المبدعين العرب الكبار- لأن يضيِّق اليوم على أبنائه؟
 الوجع ليس ذاتياً هنا حول كتاب يُمنع أو يُجاز، الوجع هو أنك تشاهد بلادك مختطفة لا تشبه بلاداً تعرفها. وربما، لا يُجدي إلقاء اللوم كاملاً على رقيب مغلوب على أمرِه مهزوز الثقة أبعد ما يكون عن القراءة والثقافة، وظيفته تقوم على تأويل النَّص وتطبيق قانون عقيم. فالرقيب لا يمنع من أجل المنع، فهو يدرك تماماً أن قرارات المنع صورية، وإن حقَّقت هدفها بسحب الكتب من المكتبات. الرقيب لا يملك شجاعة اتخاذ قرار الإجازة، لأنه يخشى المجتمع، والمجتمع هنا هو الرقيب الحقيقي حين نشاهد الفرد في المكتبات يسائل صاحب المكتبة بمجرد ما يستفزَّه غلافٌ أو عنوان، مثلما يسائل عضو البرلمان وزير الإعلام: "هل هذه الكتب مجازة؟".

ورغم أننا نأمل بعضو مجلس الأمة أن يصون حرياتنا، ويسنُّ لنا قوانين تحمينا من جهل الرقيب أو خشيته، نجده يمارس العكس. ولعل سابقة استقالة وزير إعلام وإقالة الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، قبل سنوات، بسبب كتبٍ تمت إجازتها دفعت بعض أعضاء البرلمان إلى استجواب الوزير، خير شاهد على أن الرقيب الحقيقي هو نحن عبر أناسٍ منحناهم سلطةً ليمارسوها ضدنا.
نحن  في حاجة إلى نائب يعمل على تشريع قوانين تردُّ لهذا الوطن صورةً نحسبها مشرقة. نحن لسنا في حاجة إلى نوَّابٍ يطالبون بحظر دخول معروف الرصافي وجلال الدين الرومي إلى البلاد رغم موتهما منذ سنوات طويلة، لنصير نكتة سمجة أمام العالم.
  أعود إلى عضو لجنة رقابة المطبوعات، أضعف حلقات سلسلة الرقابة المجتمعية المهترئة، إنصافاً لك وإدانةً، أقول، عبر قرارات منع تستند في معظمها إلى جمل مبتورة من سياقها يرفعها إليك موظف مختص، أنت مجرد صورة مختزلة لمجتمع في معظمه يخشى الحرية، ويرفض الرأي الآخر. لذلك من شأن تغريدة في "تويتر" أن ترعبك لتراجع نفسك بقرارات سابقة لإجازةِ بعض الكتب، لتصدر قراراتٍ جديدة بمنع تداولها، وبعضها كلاسيكيات عالمية، منعُك إياها - في زمن الفضاء المفتوح وسحبها ومخالفة المكتبات وتغريمها أموالاً طائلة- جعل منا، بسببك، أضحوكة أمام العالم.
 قد أبدو كمن يتنصَّل من مسؤوليته بعدم توجيه هذه الرسالة إلى شخصٍ بعينه؛ رقيب أو عضو برلمان أو وكيل وزارة أو وزير إعلام أو المجتمع كله، ولكن لإيماني بأن من بيديه الأمر هو كلنا، أوجِّه هذه الرسالة إلى... "من بيديه الأمر" بدءاً من وزير الإعلام وانتهاءً بالمواطن العادي الذي هو أنا، لعل أحدنا أو كلانا يدرك ويستجيب.
  دعنا نحبُّ هذا الوطن على طريقتنا. دعنا، إذا ما ضاقت بنا السُّبل، نفرُّ إليه بدلاً من فرارنا منه. دعنا إذا ما سافرنا ننصت إلى الآخرين يقولون بأن الكويت، بدلاً من "كانت" الكويت. دعنا إذا ما اصطحبنا زائراً إلى مكتباتنا، ووجد أن نصف قائمة كتبه المطلوبة ممنوعة، لا نردُّ عليه صمتاً حين يسأل: "ما الذي جرى للكويت؟!".
دع القارئ الكويتي يقتني نتاجنا من رفوف مكتبات وطنه بدلاً من شرائها من مكتبات العالم. دعنا نزيلُ غصَّة في حلوقنا ونحن نحمل وطننا على أكتافنا ونجوبُ دول العالم ونلاقي من الحفاوة ما لا نجده فيه. دعنا نشعر بأن هذا الوطن يحبُّنا عوضاً أن ينظر واحدنا إلى الآخر وفي صدره كلمةٌ يحبسها: "خصمك وطنك!".
 وأخيراً، دعنا نكفُّ عن مطالبتك بكل تلك الأشياء، لأن الطلب في حدِّ ذاته معيب، ولأن حرية التعبير من حقِّنا أولا، ولأن كلانا، نحن وبلادنا، صرنا نثير الشفقة!

 

نشرت في جريدة "الجريدة" الكويتية.
سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر! Web
سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر! PDF

 

الخميس، 30 يوليو، 2015

كتابات حول رواية "فئران أمي حِصَّة" لـ سعود السنعوسي



السرد المقلوب في "فئران أمي" حِصَّة
باسم سليمان - جريدة "العالم" العراقية

الرقيب وهولاكو و"فئران أمي حصة"
بثينة العيسى - مجلة الصدى

ما تقوله "فئران أمي حصة"، ما تمتنع عن قوله
المغيرة الهويدي - ألف

عالجوا الطاعون بفئران أمي حصة
خالد منتصر - المصري اليوم

هل تنبأت "فئران أمي حصة" بما هو آت للكويت؟
موقع أوبن
كيف تسللت فئران أمي حصة؟!
أسامة عبد الرحمن

"فئران أمي حصة".. رواية السؤال عن محو الآخر!
محمود عبدالشكور - التحرير


رواية فئران أمي حصة.. الطاعون القادم لا محالة!
نورا ناجي - أراجيك

"فئران أمي حصة".. ومن جديد زرقاء اليمامة تحذرنا من مسيرة الأشجار!
نضال ممدوح - كتب وكتاب

رواية "فئران أمي حِصَّة" كل الطرق تؤدي إلى صراع الهويات
علي كاظم داود - القدس العربي

"فئران أمي حِصَّة".. أيامنا السوداء البديعة!
إبراهيم عادل زايد - التقرير


سعود السنعوسي يروي الطاعون العربي
منى الشرافي تيم - الحياة اللندنية

سعود السنعوسي في "فئران أمي حصة" يقرع الخزان ويصرخ "احموا الناس من الطاعون"!
بديعة زيدان - جريدة الأيام الفلسطينية


"فئران أمي حصة" تثير هلع الخليج العربي
هشام مكين - دوت مصر

"فئران أمي حصة" بسعود السنعوسي.. إرث النار
نازك بدير - جريدة السفير


مراجعة كتاب: "فئران أمي حِصَّة"
أنس سمحان - ملتقى أفلاك الثقافي

الثلاثاء، 13 يناير، 2015

ساق البامبو



خالد منتصر

نادرة هى الروايات التى تجذبك كالمغناطيس فلا تبدأ فيها إلا وتجدك فاغراً عينيك لاهثاً يقتلك الفضول حتى نقطة النهاية فتلتهمها فى نفس واحد، رواية «ساق البامبو» للكاتب الكويتى سعود السنعوسى من تلك النوعية الجاذبة الجذابة، تتخيل من فرط ما فيها من حكمة وتجربة ورؤى أن كاتبها شيخ عجوز تجاوز السبعين وتأخذك المفاجأة حين تعرف أنه أصغر فائز بجائزة البوكر؛ فهو ما زال فى بداية الثلاثينات، ودائماً يحاصرنى سؤال مؤرق مع بداية كل رواية: «هل حقاً هناك جديد ما زال فى جعبة كُتاب الرواية يقدمونه للقراء؟ هل ما زالت هناك أجواء بكر لم نتنفسها بعد وأراض جديدة لم تطأها قدم من قبل؟!»، وأفرح عندما يتحدانى الروائى وينتصر بمخلوقه الروائى الطازج المراوغ، «ساق البامبو» رواية سهلة الهضم بسيطة العرض محكمة البناء خالية من التكلف واستعراض العضلات والبلاغة المنمقة المزيفة الزاعقة، البطل الحائر الباحث عن هوية هل هو عيسى أم خوزيه؟ هل هو مسيحى أم مسلم؟ هل هو كويتى أم فلبينى؟ هل الوطن أهم أم العائلة؟ هل الملامح أهم أم الروح؟ كان يتخيل أنه كساق البامبو من الممكن بمجرد زراعته فى أى أرض سيمد جذوره ويكتسب الهوية، أنه نطفة تكوّنت فى أحشاء خادمة فلبينية لقحها كويتى ثرى، وبالرغم من زواجهما العرفى وأوراق الثبوت واعتراف الأجهزة الرسمية التى نتخيلها أصعب خطوة فإنه كان مثل غسان صديق والده «بدون»، وبالرغم من أن أمه كانت تخشى عليه من الجلوس تحت الشجر حتى لا تنبت له جذور فى الفلبين وتبث فيه حلم العودة للكويت فإن الكويت لفظته وعائلة والده الشهيد أنكرته وتعاملت معه كخادم، وبرغم أن الفلبين أهدته الفقر والبيت الضيق والحاجة والجد الفظ والخالة العاهرة وبنت الخالة المدمنة المثلية فإنها كانت وطنه الذى عاد إليه لأنه كان بالرغم من كل هذا ينبض بالروح والألفة والحياة وعدم التصنع، الرواية ليست مجرد رحلة بحث عن هوية، لكنها رحلة بحث عن وجود وعن اعتراف وعن معنى، حتى الجنون معناه مختلف؛ فلم يستقبله بحفاوة وإنسانية إلا مجموعة الشباب الكويتى ممن كانوا يوصفون بالجنون والذين كانوا يرقصون ويلهون ولكنهم فى النهاية احترموه وتعاملوا معه كإنسان، الرواية مفعمة بالحكم والعبارات الموحية ذات الدلالة والعمق برغم بساطتها وعدم التفافها وتعقيدها، خذ هذه المشهيات الروائية البسيطة قبل أن تتناول عزيزى القارئ وجبة ساق البامبو: ■ الغياب شكل من أشكال الحضور، يغيب البعض وهم حاضرون فى أذهاننا أكثر من وقت حضورهم فى حياتنا. ■ نحن لا نكافئ الآخرين بغفراننا ذنوبهم، نحن نكافئ أنفسنا، ونتطهر من الداخل. ■ الأديان أعظم من معتنقيها. ■ السعادة المفرطة كالحزن تماماً، تضيق بها النفس إن لم نشارك بها أحداً. ■ ليس المؤلم أن يكون للإنسان ثمن بخس، بل الألم، كل الألم، أن يكون للإنسان ثمن. ■ إذا صادفت رجلاً بأكثر من شخصية، فاعلم أنه يبحث عن نفسه فى إحداها؛ لأنه بلا شخصية. ■ اليد الواحدة لا تصفق ولكنها تصفع، والبعض ليس بحاجة إلى يد تصفق له بقدر حاجته إلى يد تصفعه، لعله يستفيق! ■ هل الابتسامة فى نهار رمضان تبطل الصوم؟ تحفر المشاهد المأساوية نقوشها على جدران الذاكرة، فى حين ترسم السعادة صورها بألوان زاهية. تمطر سُحُب الزمن.. تهطل الأمطار على الجدران.. تأخذ معها الألوان.. وتُبقى لنا النقوش.

الأحد، 27 يوليو، 2014

المراوغة السردية في رواية البوكر بين الكلاسيكية والحداثية

 
 
 
ممدوح فرَّاج النَّابي
 
عبر حيلة سردية تجمع بين الكلاسيكي والحداثي يعمد المؤلف الشَّاب، سعود السنعوسي، في روايته «سَاق البامبو» الحاصلة على جائزة البوكر 2013، إلى طرق المسكوت عنه في مُجتمع تحكمه الأعراف والمواضعات الاجتماعيّة، يئن بمشكلاته الداخلية وأوجاعه، مُتَسلحًا بتقنية شكلية سمحت له بتمرير ما يريده دون التعرُّض للمساءلة؛ لما يتطرق له من نقدٍ للأوضاع السياسية التي كانت مسيطرة أثناء الثمانينيات والتسعينيات، وحالة العداء الشديد للحرية، ومصادرة الآراء، ثمّ المأساة التي فجعت الجميع باحتلال الكويت، والآثار المترتبة عليه (ها)، بالإضافة إلى السُّخرية المريرة من واقعٍ، يظنه البعض فردوسا وهو في الواقع أقرب إلى الجحيم.
مرَّر كل هذا عبرَ حكاية مسرودة سردا كلاسيكيا عن عائلة كويتية (أسرة عيسى الطاروف)، وعلاقاتها الاجتماعية، ونظرتها للمخدومين الذين يعملون لديها، وموقف ربة البيت غنية من علاقات أبنائها، وسعيهم لاختراق تلك المواضعات والأعراف التي تُحييها الأم، ولا تتنازل عنها، في رغبة منها للحفاظ على السُّلم الاجتماعيّ الذي ورثته العائلة. وقد عمد لتمرير حكايته إلى الكثير من الحيل التي من شأنها تعمل على تغريب النص وفصل الذَّات عن الموضوع. بدءًا من إشارته إلى كون النص مترجمًا، ثم إشارته للتعريف بالمترجم إبراهيم سلام، وفي النهاية ورود هاتف المترجم وعنوانه وبريده الإلكتروني، وغيرها من الوسائل الفنية. كما استطاع المؤلف المُستتر وراء الراوي الغائب، أن يقدِّم تشريحا لطبقية المجتمع، وانعكاسات هذه الطبقية على الهوامش، وفي بعض الأحيان مردودها على أبناء الطبقة ذاتها (كما في حالتي راشد وأخته هند الطاروف)، ثم تسليط الضوء على الهوامش والتوابع أو القاع، من خلال الإشارة إلى وضعية العمالة الأجنبية في الكويت، والانتهاكات التي تُمَارسُ معنويا أو بدنيًا أو حقوقيًا في ظلِّ حالة الاستعلاء وسوء معاملة العمالة الوافدة، لأسباب بسيطة، وهو ما يتبعه بانتقام الوافد بالاحتيال والغش، ويصير الاثنان تجسيدًا لعبارة غوسيه «أوغاد ينتقمون من أوغاد» (ص 333). وهي المشكلة التي قد صارت صداعا حقيقيا في مكاتب حقوق الإنسان، وحكايات مزعجة في عناوين صفحات الحوادث. وقد برز جانب كبير منها في سوء معاملة الأم غنية، لجوزافين عندما قَدِمَتْ كمخدومة جديدة، ثم الخدم العاملين في البيت والنظرة المستعلية، واتهامهم بأنهم عديمو الشَّرف، ومن خلالهم (فالأحداث مسرودة كلها بعيون فلبيني/ آخر) نَفَذَ إلى هدم الإمبراطورية وإظهار المثالب التي تستتر خلف الهالة الكبيرة، وأسماء العائلات الكبيرة، التي جعلت خولة في لحظة صفاء تتمنى «لو أننا ننتمي إلى عائلة أخرى» (ص 346)، لكي يتحقق لأفراد عائلتها السّعادة في ظل إدراكها أن كل المميزات التي يمنحها اسم العائلة أمام الغير ما هي «في الحقيقة إلا قيود وقائمة طويلة من الممنوعات»(ص 346).
-1-
يقدِّمُ المؤلف نصه عبر أربعة أقسام، متفاوتة في الطول والقصر، مسبوقة بنبذة عن المترجم (إبراهيم سلام)، ثمّ كلمة للمترجم يوضح فيها ظروف الكتاب، وبعض التوضيحات الخاصة بالفروق اللغوية ودوره ومنهجه في الترجمة، بإلاضافة إلى إشارة ذكية في نهاية النَّص إلى عنوان المترجم، ورقم تليفونه. بالطبع هذه التنويهات التي وضعها المؤلف لم تأت كحُلْية أو زخرف بل كحيلة لسعى المؤلف سعود السنعوسي لإقناع متلقيه بواقعية محكية، في المقام الأول، بعكس الكثيرين من الروائيين الذين لا يملون من نفي صلة المحكي بالواقع. وبنفي صلته بالنص في المقام الثاني، ومن هذه الحيل التي تتوزع داخل السرد، الربط بين واقع الكويت وأحداثه المعاصرة قبل الاحتلال البغيض بقليل إلى ما بعد الاحتلال، وهذا مثبت بالتواريخ التي تشير إلى سياق تاريخي آني، يفور بالأحداث الجسام، وإن كان في الجزء الخاص بالأحداث في الفلبين يرد ذكر تاريخ من النضال الوطني ضد المستعمر الإسباني، وهو ما تأكَّد عبر مسمى البطل الذي جاء كاحتفاء ببطل الفلبين القومي الطبيب والروائي «خوسيه ريزال» الذي قامت الثورة بعد إعدامه. وأيضًا من خلال ورود شخصية الروائي إسماعيل فهد إسماعيل للسرد، حيث ذهاب الأم إليه لسؤاله عنه زوجها بعد انقطاع الأخبار.
يشير كُلّ قسم من الأقسام الأربعة التي جاءت كالتالي: (عيسى قبل الميلاد، عيسى بعد الميلاد، عيسى التيه الأول، عيسى التيه الثاني،و أخيرًا: عيسى.إلى الوراء يلتفت) إلى حالة بطله، وما يعتريه، من تشتُّت، وانسحاق لذاته في رحلة بحثه عن الهُوية والدين، أو ما ينتابه من شعور بالاغتراب من نظرة الآخر له (خاصة في حالة الرفض له). فتتوّزع سيرة البحث عن الهُوية الوجودية والهُوية الدينيّة على أجزاء النص الأربعة، وكأن النص يعكس حالة انقسام الذات في بحثها عن هوتيها وتيهها في تحقيق الريّ الديني بعد حالة الظمأ المعرفي. ومع حالة الاستقلالية التي تبدو عليها وحدات النص، إلا أنها تقابل بنوع من التوحد عبر تدخلات الراوي الضمني والمؤلف الضمني اللذين كانا بمثابة الرابط لجمع هذه العناصر، كحيلة من حيل مقاومة التفتت التي بدت عليها الذات من خلال حالة التماهي التام مع المقولات التي يُصدِّرُ بها المؤلف أجواء نصه، فيتداخل الصوتان صوت المؤلف الضمني المتطابق مع المؤلف الحقيقي (سعود السنعوسي) في رفضه حالة الانهزامية التي بدا عليها البطل وأفراد الحكاية وهذا واضح في المقتبس الأول الذي صدر به الجزء الأول بقوله: (لا يوجد مستبدون حيث لا يوجد عبيد) في سياق فصل يتحدث عن عيسى قبل الميلاد وحالة المهانة التي تعيشها الأسر بسبب ديكاتورية الأب الذي يفرض عليهم العمل في مهن ليست شريفة دون الاعتراض، حتى تأتي الثورة من قبل آيدا التي ترفض أن تكون دجاجة، فكانت ما قامت به آيدا هو تمثل لأيديولوجيا المؤلف الضمني التي بثها التصدير. وقد يكون التصدير سخرية من المؤلف الضمني المتماهي مع أيديولوجيا المؤلف الحقيقي لحال الشخصيات المنهزمة بفعل الآخرين كما يظنون، كما هو الحال في التصدير الذي يعلو الجزء الرابع: «َسَلُّط البعض لا يمكن حدوثه إلا عن طريق جُبْنِ الآخرين»
كما أن ثمة حيل يستخدمها الروائي الشّاب لإقناع متلقيه بواقعية محكية، في المقام الأول، بعكس الكثيرين من الروائيين الذين لا يملون من نفي صلة المحكي بالواقع. وبنفي صلته بالنص في المقام الثاني، وأوّل العناصر، هو الربط بين واقع الكويت وأحداثه المعاصرة قبل الاحتلال البغيض بقليل إلى ما بعد الاحتلال، وهذا مثبت بالتواريخ التي تشير إلى سياق تاريخي آني، يفور بالأحداث الجسام، وإن كان في الجزء الخاص بالأحداث في الفلبين يرد ذكر تاريخ من النضال الوطني ضد المستعمر الإسباني، وهو ما تأكَّد عبر مسمى البطل الذي جاء كاحتفاء ببطل الفلبين القومي الطبيب والروائي «خوسيه ريزال» الذي قامت الثورة بعد إعدامه. وأيضًا من خلال ورود شخصية الروائي إسماعيل للسرد، حيث ذهاب الأم إليه لسؤاله عن زوجها بعد انقطاع الأخبار.
كما لا يمل السَّارد من إدخال لُعْبَة الصُّدفة في سياق أحداثه لِيُنَمّيهَا، فما أن تنقطع أخبار الزوج وماله، تبدأ تساؤلات الزوجة عن مصيره خاصة بعد نشوب الحرب، وتقودها الصدفة إلى بيت الروائي الكويتي إسماعيل الفهد، الذي كان يعيش في الفلبين، لسؤاله عنه خاصة أن راشدا كان كاتبا ومعروفا، وبالمصادفة يحكي لها الروائي أن أخباره انقطعت عنه، كما أنه بالأمس انتهى من دوره في الرواية التي يكتبها، كما أن في اللحظة التي ينقطع فيها آخر خيط للوصول إلى الزوج، يأتي خطاب صديقه غسان الذي يخبرهم بأن راشد اختفى من أيام المعركة، وهو الآن ينفذ وصيته بعودة ابنه إلى بلاده ووطنه، وهو ما يتحقق بالفعل. لكن قبل العودة كان التقى غوسيه أثناء عمله في جزيرة بوراكاري مجموعة من الشاب وقد عَرَف أنهم من الكويت، فحكي لهم أنه كويتي فسخر البعض منه، ونصحه البعض بألا يفكر في العودة إلى الكويت، وتلعب الصدفة التي هنا ننفيها تمًامًا ونطلق عليها هندسة السَّرد، وتوزيع الأدوار كما يقوم المونتير في العمل السينمائي. فالراوي لم يترك خيطًا مده في أول الرواية أو شخصية جاء ذكرها إلا استفاد من بنائها، بتوظيفها في السياق السردي، ومن ثم فالصدفة لا مجال لها فهؤلاء الشباب الذين التقاهم الكاتب أثناء سياحتهم في الفلبين، يلتقي بهم مرة ثانية، بعد عودته إلى الكويت وطرده من بيت الجده بعدما بدأت الأنباء تنسرب إلى خارج حدود القصر، عبر العاملين، وجابر هو واحد من هؤلاء الشباب، ثم الدور الذي يلعبه هؤلاء الشباب، كنموذج فاعل وحيوي؛ حيوي حيث المرح والمتعة التي تطل أينما وجدوا (لاحظ موقفهم في الجزيزة، وعلى الطائرة، وفي الشقة) والفاعل؛ دورهم في مهاجمة الفساد الذي راح يستشري في الكويت بالتصدي لمحاولات شراء المرشحين للمجلس النيابي الأصوات، ووقوفهم إلى جوار الصوت المناصر للحقوق والأقليات هند الطاروف في مفارقة تقلب رأس الأحدث، فتخسر الانتخابات بسبب موقفها من القضية التي وهبت نفسها للدفاع عنها، ألا وهي قضية البدون.
-3-
ليس هناك زمن واحد يسير عليه السرد، وإنما ثمة أزمنة متعددة، بدءًا من الزمن الفيزيقي مرورا بالزمن النفسي الذي له تأثيره الواضح على الشخصيات، أما الزمان الفيزيقي فبعضه قديم أبعد من زمن السرد قد يعود إلى الاحتلال الأسباني للفلبين، والذي يذهب في سبيل مقاومته البطل خوسيه ريزال أو قريب نسبيًا يصل إلى حرب فيتنام التي اشترك فيها الجد وعاد مسلوب الإنسانية، وهناك زمن الاحتلال العراقي للكويت، وتأثيره على المكان وأشخاصه، ثم يأتي زمن عمل الأم في الكويت وهو سابق لزمن الحرب، وأخيرًا زمن عودة عيسى إلى الكويت وهو زمن يقارب زمن انتهاء الاحتلال، مع موت أمير البلاد. بالإضافة إلى الزمن الأسطوري كما تجلى في حكاية الأناناس. كل هذا التعدّد في الزمن وتشظيه، جاء هو الآخر كنوع من تفتيت الذات التي أراد لها المؤلف أن تلتئم، فتوزعت وانشطرت هويتها بين بلاد قابلته بوجوه متعددة، وطن عاشت فيه مع الأم لم يعترف بفلبينيته فنسبه إلى ذلك البلد الذي لم يقبله، وإن أعطاه ماديا ما يثبت وجوده لكن معنويا رفضه.
ليست اللغة المستخدمة بمعزل عن السياق العام للأحداث، فاللغة هي لغة تقريرية في المقام الأول، خالية من أية رموز أو دلالات أخرى خارج السياق الموضوعة فيه، يتحكم فيها الضمير الأنا، فهي أقرب للكتابة عن النفس، فالراوي يسرد بتقريرية وحيادية عن حياته وعن واقع من شاهدهم دون تدخل بل يكاد يكون هو بمثابة كاميرا يرصد ويسجل ما يراه من حوله، فالجملة الاستهلالية التي يبدأ بها النص عارية، تخلو من أية خصائص لغوية ما عدا استخدام الوظائف النحوية.
-4-
ويوازي السَّردُ ـ في مفارقة لها دلالتها ـ بين سَلْب الأهل والعشيرة لهُوية الحفيد، وبين سَلْبِ الأخ والشقيق لهوية الوطن باحتلاله وتشريد أبنائه، لا نقصد من الموازة أن الرَّاوي أراد لسلم القيم أن ينتصر، فاحتلال الكويت له أسبابه السياسية ورواسبها الموغلة في القدم، لكن أعتقد أن الراوي وازى بين الآثار النفسية التي أصابت أبناء الوطن بالشرخ، ولنا في موقف الأمير عند هبوطه من الطائرة بعد التحرير خير شاهد على حالة الاغتراب التي عانها في الوطن البديل حتى تمَّ التحرير، وهو ما عبَّر عنه أمام الكاميرات بـ»يلصق جبينه على الأرض يقبلها ما أن وطأت قدماه أرض وطنه. سقطت الحلقة السوداء المثبتة فوق غطاء رأسه الأبيض أثناء انحنائه، نهض، أعادها إلى رأسه»(190). دون التقليل من حالات مشابهة (نموذج الأديب إسماعيل الفهد الذي قضى سبع سنوات في الفلبيين، أو من قبيل حالات الأسر والاعتقال ثم الاستشهاد، كما هو بارز في نموذج الأب راشد (وإن كان الراوي ذكر أنه وقع أسيرا). وهو ما يقابله موقف عيسى بعد أن وَصل إلى الكويت باحثًا عن وهم أمه بأنه الحياة والمستقبل في بلاد الأب فيشعر كما عبَّرَ «في بلاد أمي كنتُ لا أملك شيئًا سوى عائلة، في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة»(303).
-5-
ليس ثمة شك في أننا أمام نص إشكالي في طرحه لموضوعه رغم ضدية أبطاله، وأن هاجس الهوية باختلاف صيغها السياسية والدينية، كان هو التيمة المهيمنة على النص وبدا النص منها وانتهى إليها، أعقبها الكثير من الخيبة والانكسار، للابطال في تحقيق ظفر معنوي، والخيبة والانكسار في ظني هما القيمة التي قدمها النص كنوع من الجدلية والإشكال مع أيديولوجيا الواقع المسيطرة، في رفضها لممارستها سواء التي فعلتها أيديولوجيا الاستعمار على المستويين: الفلبين، الكويت، أو تلك التي فعلتها الأعراف الاجتماعية القائمة على تفعيل النمط العشائري أو القبلي، برفضها واستهجانها وفضح انتهاكاتها على الصعيدين الغربي والعربي. الشيء الإيجابي الثاني هو طرح المسكوت عنه في المجتمعات العربية لا كنوع من التعرية، بل وضعه موضع المساءلة والمناقشة، لا الهروب منه أو حتى كجلد للذّات.
 
المصدر: صحيفة القدس العربي

الأربعاء، 25 يونيو، 2014

غيمة ماطرة تستحضرها أرض بكر



بقلم أيمن العتوم


مقدِمة:

كما لو كنتَ مُهيّأً لدمعةٍ قادِمة بفعل شوقٍ داخليّ وحنين جارف ، وكما لو كان القلب ليس في مدى اختلاله مُلكًا لك فيهتزّ مثل جناح عصفورٍ في ليلةٍ شتويّة قارسة ، وكما لو كان الوجع حاضرًا في كلّ حينٍ ، ومرتسمًا في ثنايا كلّ عبارة ، ومختبئًا تحت رفّة كلّ حرف ، وكما لو كنتَ مستعدًّا لأن تتخلّى عنك لتتشكّل بوجوهٍ عدّة ، وأرواحٍ متعدّدة ، وهيئاتٍ مُتباينة ، وكما لو كنتَ غيمةً ماطرة تستحضرها أرضٌ بِكرٌ مُجدِبة فيحدث التّلاقي الّذي يُعيد الحياة إلى الأرض بفِعل الكرم الفِطريّ في الغيمة . مثل هذا كلّه هو ما يحدث لِمَنْ يقرأ رواية الكويتيّ: (سعود السنعوسيّ) البديعة: (ساق البامبو).



مُلخّص:

الرّواية تتحدّث عن شخصيّة بطلها: (هوزيه) أو (خوسيه) أو (عيسى) الّذي يُولَد في الكويت لأبٍ كويتيّ هو (راشد) ، وأمّ فلبّينيّة هي (جوزافين) كانت تعمل خادمةً في بيتِ أهل زوجها ، تنشأ بينهما علاقة المُستمِع بالمتُحدّث ، تُصغي المرأة ويبوح الرّجل بما لم يتمكّن ربّما من البوح به حتّى لأقرب النّاس إليه: (أمّه)، فتنشأ بينهما علاقة حُبّ صامتة، تتُوّج بزواجٍ عرفيّ، ينتج عنه إنجابٌ لم يكن في الحُسبان لولا تلك اللّحظة العابرة في مركبٍ قديم بعُرض البحر يقضي فوقه الأبوان الليلة الّتي ستشهد على ولادة شخصيّة البطل (عيسى). يُخفي الأب (راشد) عن أمّه (غنيمة) خبر زواجه العرفيّ بــ (جوزافين)، ولكنّ الأمّ تعرف أنّ الخادِمة حاملٌ من انتفاخ بطنها، تُباغِتها بالسّؤال مُقرّرة سلفًا أنّ الخادمة قد مارست الفاحشة مع واحدٍ من الخدم ، يتدخلّ (راشد) في لحظةٍ فارقة فيعترف أنّ الجنين الّذي في بطن (جوزافين) عائدٌ له، تُنكر الأمّ (غنيمة) بفعل الصّدمة . الإنكار يستمرّ لسنواتٍ وربّما لا ينتهي حتّى ولو انتهت الرّواية . تُنجِب (جوازفين) ابنها (عيسى) ، ثمّ تحدث المصادمات بين الابن (راشد) وأمّه، وينتهي الأمر بحجز تذكرة طائرة لامرأته الفلبّينيّة ليرحّلها هي وابنهما إلى الفلبّين ، واعِدًا أنّ (عيسى) سيعودُ يومًا ما إلى وطنه أو إلى جنّته المفقودة؛ الكويت ، وتظلّ الأمّ على حبّها الجنونيّ الصّامت لراشد وهي في الفلبّين ، وتتلقّى منه الرّسالة تلو الأخرى ، وتقرأ بعضها لـ: (هوزيه) أو (خوسيه) أو (عيسى) وتستمرّ في تمْنية ابنها بالعودة إلى بلاد الأحلام.



في الفلبيّن تظهر شخصيّات جديدة ، مثل جدّ (عيسى) وهو (ميندوزا) الّذي كان ضابِطًا في الجيش وتقاعد ، وأمضى بقيّة حياته في المراهنة على صِراع الدّيكة ، وخالته (آيدا) الّتي كانت بغيًّا وأنجبت ابنتها (ميرلا) الّتي وُلِدت يوم ماتتْ جدّته؛ (ميرلا) الّتي استقرّتْ نُطفتها في رحم أمّها الفلبّينيّة كانت قد انتزعتْ ملامحها من أكثر من يدٍ عابِثة من تلك الأيدي الّتي طافتْ بأمّها؛ غير أنّ وجهًا أوروبّيًا واحِدًا استطاع أن يحتلّ موضع السّيادة ليُشكّل مظهرها الخارجيّ في العينين الزّرقاوَين والوجه الأبيض. تظهر الميول المِثليّة عند (ميرلا) أو هكذا كانت تتظاهر لتصرف عنها (هوزيه) الّذي عشقها عِشقًا أسطوريًّا . تحدث بعض المفاجآت ، وتستمرّ رتابة الحياة في الفلبّين . تبحث الأمّ (جوزافين) عمّن يُساعد ابنها (عيسى) في العودة إلى الكويت ، تستعين بـ (إسماعيل فهد إسماعيل) الرّوائيّ الكويتيّ الّذي استقرّ في الفلبّين بعد تحرير الكويت لستّ سنوات ليكتب روايةً تؤرّخ لزمن الاحتلال ، فيُخبرهما إسماعيل أنّ (راشد) قد وقع في أسر قوّات الاحتلال ، فيما بعد يكتشفان ما هو أبعد من هذه الصّدمة الأوّليّة؛ فلقد استُشهد (راشد) ودُفِن في مقابر جماعيّة مع مجموعةٍ من المُقاوِمين في جنوب البصرة . يظهر (غسّان) صديق أبيه القديم ، ويستخرج له أوراقًا ثبوتيّة يستطيع من خلاله العودة إلى وطن أبيه . في الكويت يعيش (عيسى) غربةً مُضاعفة في وطنه ، وهناك تحدث سلسلة مُتشابكة من المتناقِضات ، يعيشها البطل بكامل تفاصيلها ، ومن خلال هذه المتناقِضات يُوجّه الكاتب سِهام انتِقاده إلى المجتمع الغاصّ بها ، يلفِظ الوطن أبناءه، يقرّر (عيسى) في النّهاية العودة إلى الفلبّين ، لم يكنْ يحمل من إرث الكويتيّين غير صوتِ أبيه ، حتى جدّته (غنيمة) الّتي بكتْ يوم سمعتْ صوتَه الّذي يُشبه صوتَ ابنِها راشد لم تتمكّن من الاحتِفاظ بحفيدها من ابنها الغالي لأنّ المجتمع لا يتقبّل أن يندمج فيها ابنُ الخادِمة ، فيعود (هوزيه) إلى الفلبّين بعد أن يتزوّج من حبيبته (ميرلا) ابنة خالته، وتنتهي الرّواية بهذا ، تارِكةً عددًا من التّشابكات والفلسفات الّتي يُمكن استخلاصُها من الرّواية .



خطايا المُجتَمع: تحفل الرّواية بالنّقد الّذي يوجّهه الرّوائي (سعود السّنعوسيّ) إلى جملةٍ من القيم السّائدة في المجتمع ، ويُقابِلها بالسّخرية حينًا ، وبالمرارة أحيانًا أخرى ، وتارِكًا المساحة حُرّة ثالِثةً للقارئ نفسه ليحكم على هذا المجتمع الّذي تسود فيه هذه المُعتَقدات. أولى خطايا مجتمع عائلة (الطّاروف) وهي العائلة الّتي ينتمي إليها (راشد) والد البطل ، أنّ هذه العائلة لا تقبل بأن تتزوّج من عائلةٍ أخرى ، أو تُزوّج بناتها إلاّ حسب تقاليد صارمة: (قبل أن تقع في الحبّ يجب أن تختار الفتاة الّتي تُحبّها. الرواية ص 37) . تقاليد قد تجرّ الويلات على الأطراف جميعها، فمثلاً راشد نفسه الّذي أحبّ فتاةً في الجامعة لم تقبل أمّه (غنيمة) أن تُزوّجه إيّاها ، ربّما لأنّ عائلة هذه الفتاة ليست بمستوى عائلة (الطّاروف) مِمّا اضطرّ (راشد) المُثقّف والواعي والقارئ أن ينحو بعاطفته تُجاه خادمةٍ لم يكنْ لها من ميزةٍ – كما تذكر الرّواية – إلاّ أنّها أجادت الإصغاء إليه . هذه الخطيئة لم تتوقّف هنا ، بل أدّت إلى طرد الأمّ الفلبّينيّة ، واضطرار (راشد) الزّواج من (إيمان) الّتي لم يعرفها ولم يُحبّها ، وأنجبتْ له (خولة) الّتي كانت هي الأخرى ضحيّة هذه التقاليد ، ومحكومة بقوانين العائلة الظّالمة ، فلم تستطع – مثلاً – أن تُساعد أخاها البطل على الاندِماج في العائلة الممتدّة ، واستسلمتْ أخيرًا للأعراف الّتي هي أقوى منها ، وهربتْ باتّجاه عائلة أمّها ، وأمّها (إيمان) تخلّت عن بيت الطّاروف ، وتزوّجت بآخر ونسيتْ فيمن نسيتْ حتّى ابنتها (خولة) هذه! . من الخطايا كذلك، ما كانت تعتمده الأم الكبيرة (غنيمة) جدّة البطل من التّطيّر، كانت تؤمن بكثيرٍ من الخُزعبلات وتبني على أساسها حياتها ، هذه الخُزعبلات استطاع الكاتب أن ينفذ من خلالها لينتقد هذه الفئة من الجدّات المُترَفات اللّواتي يُنفقن الأموال والسّاعات في تفسير حلم أو مشهدٍ أو موقف .



يختزل الرّوائي البديع (سعود السّنعوسيّ) هذه المشاهد القاتِلة في عبارات مُقتضبة ، ربّما سيكون من المفيد الإشارة إلى بعضها: -”تعرّفتُ من خلال غسان على نوعٍ جديدٍ وفريدٍ من البشر . فصيلة جديدة ونادرة” ص192: هو هنا ينتقد أولئك الصّنف من الكويتيّين الّذي يرون أنفسهم بشرًا لا كسائر البشر . -”إن كان الشّرطيّ سارِقًا… ماذا يفعل اللّصوص إذًا؟” ص 198: هو هنا ينتقد شريحة من اللّصوص الّذين ينتكّرون بزيّ شرطة ويقومون بسرقة نقود النّاس بادّعائهم التّفتيش على هُويّاتهم . -”أبو سيّاف أو جماعته الّذين يموّلون نشاطهم عن طريق السّلب والنّهب وابتِزاز الشّركات ورِجال الأعمال الأثرياء…” ص209: ينتقد الجماعات الجِهاديّة الّتي تقوم بالتّفجيرات في أكثر من مكان ، وتقتل – مثلاً – مُخرج فيلم (الرّسالة) الّذي تعرّف البطل من خلاله على شيءٍ من الإسلام، ويتساءل حين يُقارن بين القاتل (الجماعات الجهاديّة) والمقتول (مخرج فلم الرّسالة) من هو الإسلام منهما أو فيهما؟! -”إذا ما سألكَ أحدُ الجيران أو خَدَمهم… أنتَ الطّبّاخ الجديد” ص 230: هذا ما قالتْه خولة له نقلاً عن جدّتهما (غنيمة)، انظر مستوى الازدِراء الّذي ينظرون به إليه، مع أنّه ابن عائلة الطّاروف، والوحيد الّذي يحمل اسم العائلة: عيسى راشد عيسى الطّاروف . -”لم تكنْ جدّتي توافق على احتِكاكي ببقيّة أحفادها، ولا أن يعرفوا شيئًا من أمري؛ لأنّ السّمكة الفاسِدة كما تقول تُفسِد بقيّة الأسماك” ص 245: انظر إلى هذا المستوى من الدّونيّة الّتي تُعامله جدّته بها . والمقام لا يتّسع لمزيدٍ من الشّواهد على سلسلة من الاحتِقارات والمظالم الّتي تعرّض لها وهو يعيش في الكويت .



خِلاف المُتوقّع: أتقن السّنعوسيّ في هذه الرّواية اللّعب بمشاعر القارئ ، والانتِقال بتوقّعاته من فضاءٍ إلى آخر ، وحبسَ الأنفاس في أكثر من موقعٍ انتظارًا لنتيجةً ظلّ خيالُ القارئ يُطاردها دون أن يُمسِكَ بها ، وهذا يُحسَب له في منزلة التّشويق الّذي هو أحد العناصر المهمّة في التّقنيات المُستخدمة في فنّ الرّواية ، وحسبُنا أن نذكر مثالين أو ثلاثة للتّدليل على هذه النّقطة: -الأوّل: حينَ مات (ميندوزا) ماتت بعده بأسبوع (إينانغ تشولينغ) ، وطوال الرّواية من أوّلها حتّى صفحة 176 ظللنا نظنّ أنّ (إينانغ) ما هي إلاّ امرأةٌ طيّبة عند بعضهم ، وساحِرة عند آخرين كان النّاس يُشفِقون علها أحيانًا بوضع بعض أطباق الطّعام أمام باب غرفتها دون أن يدخلوا الغرفة إمّا خوفًا أو تطيُّرًا ، ولم يَدُرْ في خَلَدنا البتّة المُفاجأت الّتي صُعِقنا بها في نهاية هذه المرأة ، فأوّل المفاجآت أن جدار غرفة (إينانغ) ظلّ طيّ الكتمان حتّى ماتت ، وحينَ دخل بعض الجيران غرفتها رأوا صور الجدّ (ميندوزا) تزيّن هذه الجدران بأشكال مختلفة ، وأوحى لنا الكاتب أنّ (ميندوزا) الجدّ الّذي خدم في سِلك العسكريّة له مُعجَبات ومن ضمنهنّ (إينانغ) ، وهذا ما وقَر في ذهن (ميرلا) أيضًا ، ولكنّ المفاجأة الّتي أطلقتْها (آيدا) كانت صاعقة ؛ إذ تبيّن أنّ (إينانغ تشولينغ) هي أمّه لـ (ميندوزا) ، وحينها لن تستطيع أن تُمسِكَ العبرات الذّارِفات من عينِك وأنتَ تتخيّل مدى قساوة الابن الّذي عزل أمّه في غرفةٍ لا يراها فيها أحدٌ ولا ترى أحدًا طوال هذه السّنين ، وكيفَ كتم عن الجميع تقريبًا خبر أنّه هذه العجوز الّتي تُزدَرى هذا الازدِراء هي أمّه . غير أنّ المفاجأة الأكبر ستكون حينَ يسأل البطل خالته (أيدا): (تلك العجوز والدة ميندوزا… من يكون والده) فيأتي الجواب الصّافِع: (ليس له أب…) وكأنّ الجواب يريد أن يُذكّر البطل بأنّه لا أب له ، وإن كان في الحقيقة موجودًا إلاّ أنّه أبٌ غائبٌ أو مقتولٌ أو مفقودٌ أو سمّه ما شِئت. -الثّاني: حينَ كانت (ميرلا) تصعد مع ابن خالتها البطل (عيسى) أو (هوزيه) أو (خوسيه) أحد المرتفعات الجبليّة الشّاهِقة السّاحرة في الفلبّين اشتعلتْ في نفس البطل الرّغبة الجِنسيّة ، فحاول أن يقترب من (ميرلا) الّتي منعتْه من أن يحقّق رغبته ، في تلك اللّحظة كُنّا نظنّ نحن القرّاء كما استطاع الكاتب أن يُوحي لنا أنّ (ميرلا) رفضتْ (عيسى) ولم تُمكِّنْه من نفسها لأنّ اختلاف الدّين بين الاثنين حال دون ذلك ، ولكنّ المفاجأة أنّها قالت له: (سبب تافهٌ كهذا لن يحول بيني وبين رغبتي لو رغبتُ) (الرّواية ص117) فكانت المُفاجأة تختبئ خلف المقولة الأخرى لها: (لو لم تكُنْ رجلاً…) وهذا وضعْنا أمام ما توهّمْنا في تلك اللّحظة أنّها حقيقة وهي أنّ (ميرلا) مِثليّة ، ولكنّ هذه الفاجأة ذاتها تضمحلّ في نهاية الرّواية إذْ تصعقنا مفاجأةٌ مُغايرة لها تمامًا ، ونكتشف أنّ (ميرلا) ليستْ مِثليّة ، وأنّ الحبّ كان مُتبادلا بينها وبين البطل ، ولكنّه كان صامِتًا من جهتها ، وصارِخًا من جهة بطلها . -الثّالث: أنّ الكاتب أوحى لنا عبر صفحات طويلة في الثّلث الأخير من الرّواية أنّ (ميرلا) غابت عن الوجود فترةً طويلة ، وانقطعتْ رسائلها ، وووقعْنا في وَهْم أنّها انتحرتْ ، وجاء الكاتب لنا بقصّة (إبراهيم سلام) الّذي يُترجم أخبار الفلبّينيّن من العربيّة إلى الفلبّينيّة ، ورمى بين أيدينا بخبر فتاة فلبّينيّة تنتحر ، فينصرف الذّهن إلى أنّها (ميرلا) ، وتموت بالفعل (ميرلا) من ناحية الظّهور في هذا الثّلث الأخير من الرّواية ، إلاّ أنّها تعود للظّهور بشكلٍ مُفاجِئ وصاعِق في النّهاية ، وهي تنعم بالدّفء والأمان مع زوجها وابنهما ، فيقول على لسان البطل: (سأترك ورقتي الأخيرة هذه لأتفرّغ لمشاهدة وجه صغيري المطمئنّ في نومه بين ذراعيّ أمّه) (الرّواية ص396).



السَّبْك الهرميّ والأفقيّ: الرّواية بِناء ، والبناء يحتاج إلى مهندسٍ لبيب ، وبانٍ حكيم ، ومعماريّ ساحر ؛ هكذا صنع (السّنعوسيّ) في روايته ؛ هذا الحشد من الشّخصيّات ، على اختلاف أجناسِها وأعمارها وأمكنتها وأزمانها ، وهذه العلاقات المُتشابِكة بينها كان يُمكن أن تصبح مقتلاً للرّواية لولا أنّها وجدتْ لاعِبًا مُحترفًا قادها في ملعبه الخاصّ عبر ما يقرب من (400) صفحة دون أن يُصيبها الشّلل أو النّمطيّة . ففي السّبك الهرمي انتظمَ الرّوايةَ عمودٌ مِحوريّ دارتْ حوله الأحداث ، وانفرجتْ من حوله العُقَد . وفي السَّبْك الأفقيّ انتظمَ الرّواية خيطٌ ممتدّ كنهرٍ ممتدّ نبتتْ على جانبيه أفكار تلك الشّخصيّات وأوهامها وأحلامها وتناقضاتها . ومِمّا يُحسَب للكاتب أنّه اعتمد فِكرة العُقَد المتعدّدة ، والذُّرا المتنوّعة ، فأنتَ تجد لكلّ مجموعةٍ من الأحداث عُقدتَها الخاصّة ، مِمّا يعني أنّ الرّواية لم تقم على عُقدةٍ واحدة ، مِمّا يعني أكثر أنّ (السّنعوسيّ) أراد أن يُبقي عنصر الدّهشة قائمًا عبر مسيرة الرّواية بأكملها ، وهذا يعني أنّنا أمام حَبْسٍ للأنفاس يتكرّر كلّما صعدْنا ذروةً جديددةً من ذُرا الرّواية! .



العبارات المُكثّفة: حفلتْ الرّواية بالعبارات المكثّفة الّتي تلخّص موقفًا ، أو تختزل فِكرةً ، وبعضُ هذه العبارات تسرّبتْ إلينا من أجل أن يُسرّب من خلالها الكاتب مُعتَقداته وأفكاره ، وهو – وإن بدا موضوعيًّا في كثيرٍ من الحالات هنا أو هناك – إلاّ أنّه قادَنا إلى منطقته المُضيئة الّتي يُريدنا أن نراها سواءً أكان ذلك بمعرفتنا أم من دونها. من العبارات المُكثّفة الّتي تصلح أن تكون عنوانًا لمضامين واسِعة: - “ليس المؤلم أن يكون للإنسان ثمنٌ بخس ، بل الألم كلّ الألم أن يكون للإنسان ثمن” ( ص20 ) . - “قبل أن تقع في الحبّ… يجب أن تختار الفتاة الّتي تقع في حبّها”. ص37 . - “إذا صادفْتَ رجلاً بأكثر من شخصيّة فاعلمْ أنّه يبحث عن نفسه في إحداها؛ لأنّه بلا شخصيّة”( ص61 ). - “مَنْ كان بوُسعه أن يقبلَ بأن يكون له أكثر من أمٍّ سوى مَنْ تاه في أكثر من.. اسم.. أكثر مِن… وطن… أكثر مِن… دين؟!”( ص 102 ). - “نحنُ لا نكافئ الآخرين بغفراننا ذنوبهم، نحن نُكافِئ أنفسنا ونتطهّر من الدّاخل”.( ص167) . - “كلّما شعرتُ بالحاجة إلى شخصٍ يُحدّثني.. فتحتُ كتابًا”( ص259 ) . - “اليد الواحدة لا تُصفّق، ولكنّها تصفع، والبعض ليس بحاجةٍ إلى يدٍ تُصفِّق له، بقدْر حاجته إلى يدٍ تصفعه، لعلّه يستفيق”( ص277 ). - “العُزلة زاويةٌ صغيرةٌ يقف فيها المرء أمام عقله، حيثُ لا مفرّ من المواجهة”( ص302 ) . - “هو الحبّ الّذي يجعل للأشياء قيمة”( ص 304 ) . - “لا يُقدِم على الانتِحار سِوى إنسانٍ جبانٍ فشل في مواجهة الحياة، وإنسانٍ شُجاع تمكّن من مواجهة الموت”( ص 321 ) . - “المرأة بعاطفتها إنسانٌ يفوق الإنسان” ( ص 322 ) . - “بعضُ المشاعر تضيقُ بها الكلمات فتعانِق الصّمت”( ص 350 ) . - “الكلمات الطّيّبة لا تحتاج إلى ترجمة، يكفيكَ أن تنظر إلى وجه قائلها لتفهم مشاعره وإنْ كان يُحدّثك بلغةٍ تجهلها”( ص 354 ) . - “إنّ الّذي لا يستطيع النّظر وراءه؛ إلى المكان الّذي جاء منها لن يصل إلى وجهته أبدًا”( ص383 ) .



وبعدُ.. فإنّ الرّواية أوسع من أن تُحيطَ بها مراجعة عابرةٌ مثل هذه؛ عوالمها الممتدّة والمتداخلة في آنٍ واحدٍ تحفّزك على أن تكتب المزيد، غير أنّه يكفيكَ من السِّوار ما أحاط بالمِعصم، وعليه فهذه تحيّة وتهنئة أُزجيها إلى هذا الرّوائيّ الّذي استطاع أن يُمسِك بخيوط الحكاية، وينثر بيلسانها أمام أيدينا لننظر أيّها أزكى منظرًا، وأبهى جوهرًا، وأبلغ دلالةً.

الاثنين، 21 أبريل، 2014

مراسلنا في القدس




سعود السنعوسي



نصير فالح، مراسلنا في القدس، أعني مراسل تلفزيون الكويت هناك. أحد أصدقاء زيارتي القصيرة إلى فلسطين. هل تسمعني؟ هل تقرؤني؟

جنون الخبر دفعني لأن أمسك بهاتفي أزمع مهاتفتك. أسألك: هل صحيح خبر موتك؟! ولكنك لن تجيب. أجابتني صورتك في هاتفي صمتا. أجابني الأصدقاء نيابة عنك: الله يرحمه.

كنت تسرق الوقت، في كل استراحة أثناء التصوير، تبعد المايكروفون. تحكي لي عن زيارتك الأخيرة إلى الكويت. عن أصدقائك هناك. عن مطعم السمك في المباركية وطبق الزبيدي وعن البحر وشارع الخليج. وعدتني بزيارة أخرى شريطة أن أكون في الكويت.

كنت، كغيرك من الفلسطينيين الذين غمروني بمحبتهم، أثناء عناقك، أحدّثني: "لا أريد سماع خبر استشهادك.. أريد لك حياة تليق بك في وطنك". فكرة الموت مرعبة بالنسبة لي، هيّنة، ربما، بالنسبة لكم، في وطن يتداول فيه الناس كلمة: "استشهد" كما يتداول كلمات يومية: "أكل.. شرب.. ذهب إلى العمل.. نام..". كنتم تتحدثون عن يومياتكم. كنت أحصي تكرار الكلمة: "قبل استشهاد نضال.. لم يكن نادر قد استشهد.. في الوقت الذي استشهد فيه مازن"، حتى صرت أنظر إلى وجوهكم، ترعبني فكرة رحيل أحدكم قبل أن يطمئن إلى تحقيق حلم قديم لوطن لا ينتمي إلى سواه. أنظر إلى وجوه صغاركم.. حمزة.. يامن.. عمرو ونائل. أطرد صورهم من مخيلتي كي لا أتذكرهم. كي يصبح الفقد أخف وطأة إذا ما سمعت خبر فقدان أحدهم.

نصير..
أنت في مكان أفضل. أليس كذلك؟

لست مضطرا بعد اليوم لأن تبحث عن منتج فلسطيني بين منتجات إسرائيلية أقسمت أن تموت دون شراء أيٍ منها. لست مضطرا لتدخين سجائر طعمها كالخشب المحروق تجنبا لسجائر "نظيفة"، قلت لي عنها: "تُقطع يدي قبل أن أشتريها". أنت هناك الآن. في أي مكان. أي مكان أفضل من مكاننا هذا. لا ينقصك شيء عدا مقدرتك على أداء واجب آمنت به. أدريك لست قادرا على أن تنقل صورة للعالم، وأنت الذي كررت القول: "يا زلمة! بدّي العالم كله يشوف شو عم بيصير فينا!".

أتذكر عزمك. تخبرني: "اليوم.. صورنا لتلفزيون الكويت قطعة أرض فلسطينية استولى عليها المحتل في القدس.. خلي العالم يشوف!".

كنتَ تعوّل على العالم..
كنتُ أعوّل على عزمك..
كنتُ أخاف استشهادك..

في يومي الأخير كنت تنتظرني في الفندق. سلمتني أقراص مدمجة لتغطية زيارتي إلى فلسطين. عانقتني طويلا. كنت تربّت على ظهري تقول: نلتقي في الكويت. لو كنت أعلم.. لأطلتُ العناق..

وعدتني أن تكرر الزيارة.. مطعم السمك.. طبق الزبيدي.. لقاء الأصدقاء..
وعدتك أن..
نوبتك القلبية حالت دون أن..

والآن نسيتُ أن.. أسألك يا "زلمة".. هل صحيح خبر موتك؟


نشرنت في آراء