الأربعاء، 5 سبتمبر 2018

"فئران أمّي حصّة" لغة تجرح القلب والرّوح

أ.د/ يوسف حطّيني – ناقد وأكاديمي فلسطيني – جامعة الإمارات

    أن تقرأ رواية فائزة بجائزة مهمة مثل جائزة البوكر، فذلك يضعك أم استلاب استباقي، استلاب يجعلك تستسلم لمجهول قاد مجموعة من المتخصصين إلى منحها تأشيرة دخول مواربة إلى عقل القارئ وقلبه وروحه.
وللحقّ فإنني أعترف أنني تأخرت كثيراً في قراءة رواية "فئران أمّي حصة" لسعود السنعوسي، على الرغم من الإطراءات والتشجيعات التي سمعتها بخصوصها من الأصدقاء، غير أنني حين حانت فرصة الفراغ من الضروري سارعت إليها؛ لأجد فيها رواية تجرح قلب القارئ بمبضع السرد.
    يعطي السنعوسي أهمية كبرى للعتبات التي تتعدد قبل السرد الأول(كتكوت وفؤادة وزور ابن الزرزور)، وقبل أقسام الرواية الأربعة (أحمد مشاري العدواني، وخليفة الوقيّان، وسعاد الصباح، وعلي السبتي). وتنعي جميعها الإنسان الذي لم ينتبه بعد للفئران القادمة، وللدمار المنتظر الذي سيخلّف القتلى بالآلاف؛ حيث تَبَّاعُ الجيف الذي "له جسد العقاب ورأس البومة ولون الغراب"، ص302، حاضر في لحظة الاقتناص. وعلى الرغم من أن نجم سهيل يبزغ في نهاية الرواية، فإنّ هذا البزوغ لا يعدو نصراً رومانسياً حالماً على وضعٍ تنفيه حكاية الرواية، عبر أقسى تجلياتها الذي تمثل في وفاة الطفل حسن ابن حوراء، بما يعنيه ذلك من موت لكل أمل في المستقبل.
    ولولا النخلات الثلاث التي بقيت صامدة "اخلاصة وسعمرانة وبرحيّة، أو بنات كيفان كما تسميها صاحبة البيت العجوز"، ص31، على الرغم من سطوة الزمان والمكان؛ لأمكن القول: إنّ المرء ربما لن يقرأ في حياته رواية أكثر تشاؤماً من "فئران أمّي حصة"؛ ذلك أنّ إيقاعات الرواية تدق طبول الرعب والهجران والفقد، وتستلب كلّ صورة للأمل؛ إذ صار الخوف يتسلل إلى قلوب الجميع حتى والدة السارد التي "لم تعد كما كان يصفها والدي مناكفاً: ناظرة في المدرسة وفي البيت، صارت قلقلة تنتفض كلما ارتطم باب الحوش الحديدي بفعل الريح، وتردّد دويّه في الشارع، تصرخ إذا أطلق صبية الحي ألعابهم النارية، احتفالاً بفوز فريق كرة قدم"، ص11. كما صار الهجران جزءاً من هوية المكان/ السرّة التي صارت مدينة أشباح، ص ص23ـ24، وغدا إحصاء المفقودات أكثر ضرورة من إحصاء الموجودات بعد حرب استعادة الكويت:
"عاد خليط شارعكم كما ألفتموه.. الجميع عدا! صرت تحصي ما لم يعد موجوداً في وطنك الجديد. تحسب الأشياء التي أخذتها معها قوات الاحتلال انسحاباً؛ روح أمك حصة، بصر فوزية، وجود تينا ورائحة زيت جوز الهند، حضور خالك حسن، حرف الراء في لسان ضاوي، صيحات أبي سامح الفلسطيني: بَرِّدْ.. بَرِّدْ...."، ص259.
نضيف إلى ما سبق لغة الشحن الطائفي التي تقبّض القلب، وهي _ وإن كانت لغة الشخصيات لا لغة السارد _ تنبش قبوراً لغوية متفسخة أرى أننا بغنى عن نبشها، وربما كانت الرؤية العامة للرواية (وهي رؤية داعية للتصالح والتسامح والانصهار في بوتقة الإسلام السمحاء) غير قادرة على مسح آثار كلمات تقرّع الآذان بلا رحمة، من مثل السياقات التالية:
•    "لا أنصحك بدخول الجابرية في هذا الوقت (...) الرافضة يتربصون بنا"، ص66.
•    "الله يلعنهم، نواصب، أنجاس"، ص68.
•    قال صادق، إن عمي عباس يقول: إن أهل البيت يلعنوننا. سألته مندهشاً: أهل بيت عمي عباس؟ ردّ ضاحكاً: لا يا حمار. أهل البيت اللي يعبدهم عمي عباس وخالتي فضيلة وأمي زينب، وصادق وحوراء"، ص75.
وحتى لا نغمط الرواية حقّها من الناحية الفنية، فإننا نشير إلى قيامها على مجموعة من التوازيات البنائية؛ حيث تنقسم إلى أربعة أقسام تتوازى فصولها بين "الفئران الأربعة" و"يحدث الآن"، إضافة إلى توازيات يقيمها السارد بعناية بين الماضي والحاضر، وبين لغتين تنتميان إلى ذلكما العصرين على نحو ما نرى في السياق التالي: "أعرج نحو سيارتي، ألم ساقي لا يحتمل، جوقة الأطفال في رأسي تغني: "والفلوس عند العروس"، عروس الخليج. أتلفت حولي، لا شيء يشبهها، أهرب من تسمية قديمة، أهرب من كل شيء، أعاود النظر باتجاه سيّارتي، "والعروس تبي عيال"، ص19.
نضيف إلى ذلك التوازي بين لغة السرد والأغنية الشعبية، وبشكل خاص ص ص 17ـ22، وبين لغة السرد ولغة الشعر، ص ص80ـ 81، وبين لغة السرد والقرآن الكريم،ص 347.
وتمتاز لغة السرد عامة بالشعرية الفائقة خاصة في بداية السرد الروائي ونهايته، غير أنّها تنحدر إلى لغة ذهنية حين تقترب أكثر من المذهبية، فتتحدث عن الرافضة والنواصب والفرس والخوارج والوهابية والخنازير. ولعلّ أكثر المقاطع شاعرية وأثراها لغة ذلك المقطع الذي يرصد رد فعل عائشة والدة فهد على وفاته بين يديها:
_ "تقرّب خالتي عائشة شفتيها إلى أذن ولدها، تهمس: فهد حبيبي اصحى.. مطبّق السمك جاهز.. تدسّ كفّها في الرز داخل القدر، تقتطع جزءا من السمكة، تنتقيه بحرص، تضحك، تردّد لازمته: مياو! تقرّب كفّها إلى شفتيه: يا الله بسم الله"، ص434.
_ "تحسب انّه ع مزاجك تموت؟ أذبحك.. والله أذبحك، إذا متت وخلّيتني"، ص435.
ولعلّ من المناسب الإشارة إلى أنّ الروائي يطعّم لغته بالسائد الاجتماعي الذي يرصد الوعي الشعبي من جوانبه المختلفة؛ فهو يبين مدى تحكم الفرد الذكر بأخته وخضوعه لزوجته، من خلال رصد موقف صالح من إكمال فوزية تعليمها الجامعي، فقد منعها من ذلك، على الرغم من أنه لم يمنع زوجته من ممارسة التعليم؛ فهي في مدرسة بنات!! لذلك تقول فوزية في غيابه: "أسد عليّ.. دجاجة مع زوجته"، ص45 وثمة موقف ذكوري آخر لصالح نفسه؛ إذ يحث فهداً على تطليق حوراء بعد أن اضطرت إلى بتر ثديها.
وثمة إشارات أخرى إلى الألعاب الشعبية، حيث يحمل فهد كرة بحجم كرة التنس، ويجمع حجارة: "لعله يتجهّز للعبة "عنبر" مع صِبية الشارع"، ص13، وإلى بائع الصرّة الذي "يفكّ رباط صرّته الزرقاء، المرقّعة بقطع من كلّ الألوان، يفرشها فوق لبيلاط"، ص59. وإلى العادات والتقاليد وطرق حساب الأعمار في الزمن الغابر، فحين يسألون حصة: كم عمرك؟ تذكر أن أمها أخبرتها: "جيتي يا حصيصة للدنيا سنة الطبعة، أو عقبها بسنة سنتين، عقب ما غرقت المراكب في مغاصات الخليج"، ص186.
كما أنّ ثمة إشارات أخرى إلى الإيمان الغيبي، وتسخير كل مشاهد الطبيعة لذلك الإيمان؛ حيث تمدّ حصّة سبّابتها "باتجاه القفص: شوف شوف، تحثّني أنظر إلى الدجاجات تناجي ربّها في السماء، تحمده على سقياها. يكفهرّ وجهها فجأة: حتى الدجاج يعرف الله.. ليت ربي يهدي زوجة أبو سامي"، ص57.
إنّ رواية "فئران أمي حصّة" رواية مشغولة بدقة، فهي تفيد من التوازيات البنائية الممكنة، وتستثمر لغة شاعرية في مساحات واسعة من السرد الروائي، وتفيد من توظيف البعد الاجتماعي للغة، غير أن حجارة المذهبية التي تمثّلها الشخصيات خدشت زجاج اللغة؛ وخدشت كذلك روح القارئ الذي ربما كان يبحث عن مكان ما خارج الجحيم.
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
فئران أمّي حصة: سعود السنعوسي، الدار العربية للعلوم: ناشرون، ومنشورات الضفاف، بيروت ـ الرياض، ط5، أبريل، 2015م
عندما يسأل السارد زينب: "من تشجعين.. إيران أم العراق.. التفتتا إليّ، أجابتني أمّي حصة: هذه حرب، الله يجيرنا، ما هي مباراة كرة قدم، يا خبل"، ص ص116ـ 117.

الاثنين، 27 أغسطس 2018

"فئران أمي حصة": مرافعة إنسانية ضد الكراهية




أ.رشا سلامة


لربما توقّع البعض من الكاتب الكويتي سعود السنعوسي أن يُفرِد صفحات روايته "فئران أمي حصة"، التي يزيد عددها على الأربعمئة من القطع المتوسط، كلها لمناقشة الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة في الكويت.

من يفترض ذلك لا يعرف السنعوسي جيداً ولا يعرف كثيراً عن اهتماماته الإنسانية الواسعة، وفي الوقت ذاته، لا يعرف دواخل الصنعة الأدبية التي تبتعد شأواً بعيداً عن لغة البحوث والتقارير المكثفة والخطاب المباشر.

من يعرف السنعوسي، يدرك جيداً دماثة خلقه وتحفظه في الحديث، لكنه في الوقت نفسه شاب كويتي منفتح فكرياً ولا يقبل الرواية السياسية الرسمية على علّاتها من دون تمحيصها ولا حتى الرواية الدينية من دون تدقيق. وهو شخص بعيد عن العنصرية والتصنيفات والفرز؛ بل يكاد يهجس بهذا الأمر. لذا، فإنه لا يعدم الحيلة في معالجة المواطن الكويتي والعربي عموماً من الفكر العنصري، كما أنه يفتح ملفات كثيرة عالقة حول العلاقة مع الآخر، كما هو الحال بالنسبة لعلاقة الكويتي والفلسطيني في أعقاب مؤازرة الرئيس الراحل ياسر عرفات احتلال الكويت، وما تمخّض عن هذا من خطاب عنصري؛ بل ومحاولات إيذاء لفلسطينيين لا ناقة لهم ولا جمل بخطأ القيادة آنذاك.


الرمزية والإبهام

في معالجته العنصرية الطائفية والمذهبية، استخدم الكاتب الرمزية تارة، من خلال الأسماء والتطرّق للصحابة ومقولات الأطفال المبهمة، ليأخذ الخطاب نحو جهة المباشرة في مرات قليلة، لكنه في الأحوال كلها، استخدم لغة أدبية على سوية مشهود لها منذ الرواية السابقة "ساق البامبو"، وإن كان يؤخذ عليه الإطالة في مرات كثيرة، رغم كون الأحداث ممكن أن تختزل في صفحات أقل، وبما لا يدع القارئ عرضة للملل.

نَسَبَ السنعوسي معظم حُمّى السعار المذهبي الذي استعر في الكويت للغزو العراقي، وهو لم يغفل العوامل الأكثر عمقاً من قبيل الخطاب الديني التهجّمي وانتصار الثورة الإيرانية، وما إلى ذلك من عوامل، لكنه لم يضعها بالتساوي مع العامل الأول، وإن كان مفهوماً تماماً أنّ الغزو والاحتلال، وما إلى ذلك من كوارث سياسية، تهوي بالمجتمعات بطريقة مروّعة، ولعل التطرف الديني يكاد يكون المُخرَج الأبرز في حينها.

الخلاصة حول هذه النقطة، أنّ السنعوسي ينتصر للإنسانية بالمجمل؛ إذ أنصف في "ساق البامبو" العمالة الوافدة وتحديداً الآسيوية وقرع جدران الخزان في المجتمع الكويتي في ما يتعلق بالخطاب العنصري الرائج، ليأتي في رواية "فئران أمي حصة" بمزيد من دعوات التسامح، لكن هذه المرة ليس حيال الوافدين فحسب، وتحديداً الفلسطينيين، بل بين الكويتيين أنفسهم: سنة وشيعة.

لا يجمّل الخطاب العنصري

لا يُجمّل السنعوسي الخطاب العنصري وإن تحايل عليه في مستهلّ الرواية؛ بل هو يذهب لإحراج مستخدمي هذا الخطاب، من خلال صفحات العمل اللاحقة. يُسمّي الأمور بمسمّياتها ويُطلق على الأحداث التاريخية توصيفاتها الحقيقية، ويصل بمطلقي هذا الخطاب لنتائج منطقية وفكرية تبرهن على تساوي الجميع ليس من حيث المواصفات فحسب؛ بل والخسارات، كل هذا بقالب روائي محبوك بعناية، وفي هذا جانب قوة أيضاً وجانب إضافة للمرافعة الإنسانية التي يقوم بها كاتب ما؛ إذ إن الكاتب الرديء لا يفعل بترافعه المليء بالأخطاء التاريخية واللغوية والركاكة الأدبية سوى التأثير سلباً على القضية التي يتناولها. لذا، بالوسع القول إنّ السنعوسي إضافة غنية للأدب القائم على فكرة نبذ العنصرية والتمييز والدعوة للتسامح.

هذه النوعية من الأدب باتت بمثابة الوصفة السحرية لمن يرغبون بالوصول للعالمية ولقوائم الروايات المرشحة لجوائز على مستوى عالٍ؛ إذ ما من شيء يقلق العالم حالياً ويؤرّقه بقدرالعنصرية المتفشية. والسنعوسي لا يعوزه الذكاء لالتقاط هذه الحقيقية، بالإضافة لتفصيلات أخرى تزيده فرادة من بينها أنه خليجي، في وقت لا يجد فيه المتلقي أنّ الروائي الخليجي يحظى بالرواج ذاته الذي يحظى به نظيره العربي (احتكاماً في مرات كثيرة لصور نمطية لدى الشعوب العربية عن بعضها البعض). السنعوسي قَلَبَ المعادلة بالكامل، وجاء بروايتين على سوية عالية تحدثتا عما هو مسكوت عنه، بالإضافة لكونه برهن على إنسانيته العالية ومواقفه القومية العربية بأمثلة عدة منها ذهابه إلى فلسطين ومدّه جسور التواصل الكثيرة مع المثقفين الفلسطينيين في أنحاء العالم كافة، وليس في فلسطين فحسب، عدا عن محاولته، عبر كتاباته، تصحيح كثير من الصور النمطية عن شعوب عربية مثل العراق، على سبيل المثال.

ليست رواية السنعوسي القائمة على فكرة المذهبية والطائفية ذات فرادة على هذا الصعيد فحسب؛ بل يُحسب لها أنها عرّفت القارئ العربي على كثير من مفردات الحياة الخليجية والثقافة الشعبية فيها، بعيداً عن الصورة النمطية المهيمنة التي تجسّد الكويتيين، تحديداً، بالشعب الاستهلاكي البعيد عن الهمّ العربي، وهو ما أسهمت فيه الدراما الكويتية على وجه الخصوص.

الرواية الممنوعة في بلد صاحبها

مُنِعت رواية السنعوسي في الكويت، كما ثارت أصوات كثيرة عليها، على الرغم من كون هذه البلاد اكتوَت بنيران الطائفية مثل؛ البحرين والسعودية والعراق ولبنان وغيرها. لذا، بالوسع قول إن نظرة السنعوسي محلية نعم، لكنها تطمح لما هو أبعد من هذا؛ أي ثمة بُعد عربي في الأمر بل وعالمي، وهذا ما جعله يتصدّر المشهد الخليجي روائياً. وإذا ما قورن بين السنعوسي والسعودي عبده خال، فإنّ الأخير كتب رواية لا تقل أهمية حَمَلَت عنوان "ترمي بشرر"، لكنها لربما لم تحظَ بكل هذا الرواج والصدى في البلاد العربية، ليس لتطرّقها لشأن سعودي داخلي، بالعكس؛ إذ كان المعظم مهتماً بسماع تفاصيل من هذا القبيل جرى التعتيم عليها طويلاً، بل لأنّ الكاتب لم يولِ الشقيق العربي أهمية ما في حديثه، لربما بسبب سياق الرواية ولربما أيضاً لقناعاته السياسية الجدلية التي نشرها سابقاً على صفحات التواصل الاجتماعي والتي انتقدت المقاومة الفلسطينية.

على العكس من ذلك، ينحاز السنعوسي للمقاومة العربية عموماً وينبذ الفصائلية ويقتسم مع الشعوب العربية آلامها، وهو ما لم يبرهن عليه عبر الوسائل الآنفة فحسب، بل وعلى صعيد شخصي لدى معظم من تعاملوا معه.

لا يتوقع السنعوسي، في روايته، أن تحلّ المسألة الطائفية بسهولة، ولربما كان من باب التفاؤل أن جعلها تنتهي بالعام 2020، لكن ما كان مخفياً بين السطور، وفداحة ما كاشف المتلقي به من تجذّر للطائفية، يشي أن الأمور ستطول كثيراً، ما لم تُعالَج فكرياً في المقام الأول، قبل أن يكون الحل أمنياً أو سياسياً.



الجمعة، 8 يونيو 2018

معالي وزير الإعلام... عليك حق!



السيد معالي وزير الإعلام المحترم
تحية طيبة وبعد،
كنتُ من بين الذين شملتهم جلسة اللقاء المفتوح في رابطة الأدباء يوم الأحد، الثالث من يونيو 2018، والتي كنت أنت ضيفها حيث قبلتَ دعوة الإخوة في رابطة الأدباء مشكورًا. أعتذر إن أزعجكم حديثي الذي لم يتسنَّ لي أن أتمه احتراماً للسيد مدير الجلسة الذي ما فتئ يذكرنا بــ"وقت معاليه". كان ينبغي أن نتحدث بصراحة، لأننا لم نقتطع جزءاً من وقتنا لحضور "غبقة" رمضانية أو لنطرق باب رابطة الأدباء نطلب الــ"قرقيعان"، إنما جئنا لكي نفضي بهموم الشأن الثقافي في هذا البلد، وقد توسمنا في لقائكم بصيص أمل سرعان ما انسحب. 
نحن اليوم لسنا في بلاط الوالي ولا في زمانه، لكي يبادر أحد الحضور بكيل المدائح لزيارتكم الميمونة، ولسنا في زمن إلقاء الخطب على غرار ما سمعناه في ليلتنا تلك: "التاريخ سيشهد أن قدميك خطت في مبنى رابطة الأدباء!"، ذلك المبنى الذي مرَّت به أسماء صنعت تاريخ الكويت الثقافي، من دون منة، وربما من دون أن يتذكَّر أقدامهم التي مرَّت في ذلك المكان أحد. شخصيات كثيرة، ولا ضير في أن أذكر عينة أتمنى أن تطلع على تاريخ بعضها بما يتيحه وقت معاليكم؛ عبدالله الحاتم، ود.عبدالله العتيبي، وخالد سعود الزيد، ود.خليفة الوقيان، وأحمد السقاف، ود.سليمان الشطي وشخصيات أخرى لا تقل قيمة.
أنتَ لست مسؤولاً عن بعض المداخلات التي بالغ بعضها بتبجيل زيارتك، ولا يد لك بمهرجان الكاميرات وحامليها الذين حالوا دونك ودون رؤية جزء كبير من الحضور، وبلا شك أنك لست مُلاماً إن كان هاجس بعض أساتذتنا الحاضرين "بسطة" الكُتُب في سوق الجمعة، ولا علاقة مباشرة لك بقضية ناشر احتال على كاتب! إنما أنت مطالب، ولا شك، بإعادة النظر في ردودك. ذكرت لك في مداخلتي الموجزة، عطفاً على مداخلة الأستاذة الروائية ليلى العثمان بشأن خوفها على الشباب من الإحباط، أقول إنني ذكرت أن لا خوف على الشباب لأن الشباب المبدعين قادرون على إثبات أنفسهم، إنما الخوف هو على وجه الكويت الثقافي الذي بات مختطفاً لا يشبه كويتاً نعرفها، وبخلاف البعض ممن يطالب بدعم الوزارة قلت إن المبدع الكويتي ليس بحاجة إلى دعم وزارة الإعلام بقدر ما هو بحاجة لأن تكف الوزارة يدها عنه! فالمبدع الكويتي اليوم يحقق نجاحاً تلو آخر من دون دعم الدولة، والكاتب الكويتي يحظى بتقدير الجميع في كل مكان... إلا الكويت، حيث تتعسف الوزارة بتطبيقها للقانون عبر جهازها الرقابي. ذكرت لك أننا اليوم نجوب العالم نشارك في المهرجانات الأدبية والثقافية منكسي الرؤوس بسبب الوضع الثقافي البائس الذي تعيشه الكويت، تتبادر لنا تلك الصورة كلما سئلنا في الخارج: "ماذا جرى للكويت؟!". قلت لك إنه في الوقت الذي يبذل فيه سمو الأمير جهوداً جبارة لتكريس اسم الكويت في المحافل الدولية، تقوم وزارة الإعلام بانتهاج طريق مغاير! ذكرت لك تلميحاً أن هناك برامج تسيء لإخوتنا العرب، وتصورهم بصور هزلية لا ترضي أحداً يبثها تلفزيون الدولة الرسمي و... حفاظاً على "وقت معاليه" تركت لك المايكروفون.
يقول معاليكم: "أتحدى من يشير إلى برامج من ذلك النوع يبثها تلفزيون الدولة الآن"، كأنما تدفعون عنكم اتهاماً على ما تم بثه قبل توليكم الوزارة في ديسمبر 2017.
نحن – وقت كتابة هذه السطور- في الثامن عشر من رمضان، أي بعد عرض ثماني عشرة حلقة من أحد البرامج التي يبثها تلفزيون الدولة الرسمي وأنتم تتولون مسؤوليات وزارة الإعلام، والذي تلقى استياءات كثيرة من داخل الكويت وخارجها، وقد أظهرت بعض الحلقات شخصيات عربية بشكل ساخر ومقزز كأن يلطخ الممثلون وجوههم بالأصباغ الداكنة تمثيلاً لبعض الأعراق في دولة شقيقة، أو أن يبالغ الممثلون بالسخرية من تراث أحد الشعوب العربية التي نكن لها كل تقدير، وقد أظهرها التلفزيون الرسمي بصورة لا يرضى بها أي إنسان محترم. فلا داعي للحديث عن التحدي معالي الوزير مادمت لست على علم بما يبثه الجهاز الذي ترأسه.
تقول في ردك إنك تستغرب مصطلح "التعسف بتطبيق القانون"، كأنما وزارة الإعلام ليست سيدة الوزارات باللجوء إلى تلك السبل، كأن يستثنى البعض من تطبيق القانون ويتم تطبيقه بما لا تحتمله النصوص القانونية وفقاً للوائح إدارية سنَّتها وزارة الإعلام. فهل يدري معاليكم أن لجنة التظلمات التي ابتدعتها الوزارة لذر الرماد في العيون بادعاء دفع الظلم عن المتظلمين؛ لا تقرأ النصوص الممنوعة في الأساس؟ إنما تلجأ إلى قراءة تقرير الرقيب الذي يعتمد على اقتطاع الجُمل من سياقاتها، والذي بناءً عليه تم منع النّص من قبل لجنة سابقة! فيتم تحصين قرارات المنع من دون قراءة! فكيف يكون التعسف؟
أما بشأن حساسيتكم من عبارة "نجوب العالم منكسي الرؤوس"، واعتراضكم على الوصف بأن: "ما عاش من يقول إن الكويتي ينكس رأسه"، فمثل هذه الردود مقبولة من مشجع فريق كرة قدم متحمس، لم تكن في موضعها، وأقول إن الكويتي كغيره من أبناء جلدته، يتأثر وينتفض ويغضب أو ينكس رأسه حنقاً أو كظماً لغيظه أو لشعوره بالظلم، أو إن وجد نفسه يصارع مع زملائه من أجل صورة بلده ووجهه الثقافي غير قادر على إعطاء وطنه حقه بسبب عبث بعض المسؤولين عبر قرارات غير مسؤولة!
جاءت الكلمات أعلاه، لأن على معاليكم حقاً، ولي حق في تتمة مداخلتي، وتعقيبي على ردودكم.
ختاماً، إن سمح "وقت معاليه" بقراءة السطر الأخير؛ أشكر لكم رحابة صدركم، وقبول دعوة الإخوة في رابطة الأدباء، والشكر موصول للرابطة على إقامة هذا اللقاء المفتوح.
وأعتذر أعتذر عن أي سوء تعبير.

الأربعاء، 16 مايو 2018

قراءة عراقية لرواية الكاتب الكويتي السنعوسي “فئران أمي حصة”

علي شاكر

اهتمامي بمشروع الكاتب الكويتي سعود السنعوسي أبتدأ قبل سنوات قليلة فقط، تحديدا بعد صدور روايتي “كافيه فيروز” التي قرّبتني من واقع النشر في العالم العربي وجعلتني أدرك كم التغيرات التي طرأت عليه خلال العقد الماضي، المقولة العتيدة عن القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد ودورها المحوري في المشهد الأدبي لم تعد دقيقة فلا معالم الحياة في تلك الحواضر بقيت مثلما كانت ولا طبيعة نتاج مؤلفيها وشغف أهلها بالقراءة استمرا على حالهما … كل شيء تغيّر سريعا، وان بقيت بيروت تطبع، لكن ما تطبعه العاصمة اللبنانية اليوم أمسى خاضعا لاشتراطات ومعايير مدن الخليج، السوق الأهم للكتب العربية في عصرنا.

كثرة من روائيي اليوم تكتب وعيونها على الجوائز الضخمة التي تمنحها المؤسسات الثقافية السعودية والاماراتية والقطرية، تحاذر من الاقتراب من قائمة المحظورات المعروفة في تلك الدول وتغازل كل آمن ومرغوب من قبل مستهلكيها … النشر في نهاية المطاف صناعة وتجارة، وكأي صناعة وتجارة أخرى، يخضع هو أيضا لاشتراطات سوقه المنشودة واحتياجاتها، أمر قد لا نتفق معه أو نجده منصفا، لكنه واقع الحال الذي يحكمنا كما تحكم الثقافة الأمريكية السائدة ملامح التجارب الابداعية في الغرب، أو جزءا كبيرا منها  

قرأت رواية “ساق البامبو” ضمن محاولتي لاستشراف سمات المنتج الأدبي لمؤلفي المنطقة واستوقفني أنها، بخلاف روايات خليجية أخرى كنت قد اطلعت عليها، لم تحصر شخوصها وأحداثها بين جدران القصور الرخامية الفارهة ولم تتخذ من تأوّهات العاشقين وزفراتهم ودموعهم محورا وحيدا لحبكتها … وجدت نفسي أمام مشروع حي نابض وجريء، متفاعل مع محيطه المحلي والاقليمي بل والعالمي أيضا، وان أخذت على الكاتب النهايات التوافقية التي رسمها لأبطال عمله، والتي جاءت مخالفة لما اقتضاه التطور الطبيعي لمسار السرد فيه

“فئران أمي حصة” رواية المؤلف التالية أدهشتني بنضجها وشراستها، كسر سعود السنعوسي فيها التابوهات وتحرّر من هاجس ارضاء مجتمعه ذي التقاليد الصارمة فرسم صورة قاتمة لما يمكن أن تقود اليه العصبية الطائفية والعرقية من فوضى وخراب واقتتال بين أبناء البلد الواحد (ربما بوحي مما هو حاصل فعلا على أرض جار الكويت الشمالي العراق، وبلاد عربية أخرى) ما أوقعه في مشاكل مع هيئة الرقابة التي حظرت عرض وبيع العمل في المكتبات الكويتية … لفتني أيضا حرص السنعوسي على التجديد في الشكل والهيكل، وان كنت أفضل لو أن التنقّل بين الأزمان في الرواية قد اقتصر على مواضع أقل للحفاظ على وحدة وتماسك بنيانها، بدلا من التقطيع المتكرّر الحاصل

يجب أن أعترف هنا أن اطلاعي على “فئران أمي حصة” لم يكن سعيا وراء المتعة أو بغرض تقييمها وان تحقق الأمران في المحصلة، قرأتها لأني كنت أبحث عن نص يتيح لي معرفة رواية الطرف الآخر لما حدث عندما قرر صدام حسين غزو جارتنا الجنوبية التي كانت وسائل اعلامها حتى أسابيع قليلة قبل الاجتياح تلهج بذكره وتشيد بمآثره … اقتحام جيشنا الصدمة للكويت وضمّها كمحافظة جديدة للعراق وكل ما تزامن معه وتبعه من نهب وقتل وحصار اقتصادي امتد لسنوات طويلة ثم السقوط المدوّي لنظام الحكم والوضع الكارثي الذي تلاه كان ككرة ثلج هائلة سحقت في تدحرجها أحلام ومصائر ملايين العراقيين الذين مات من مات منهم فيما توزّع الباقون بلاد الشتات في أصقاع الأرض المختلفة

استرجعت ما حلّ بنا وببلدنا خلال العقود الماضية في طريقي الى المكتبة العامة في أوكلاند حيث أعتدت العمل على نصوصي ومصارعتها، بدأت بمراجعة ما سطّرته على حاسوبي النقّال خلال اليوم الماضي عندما لمحتني بعض سيدات نادي الكتاب العربي ووجّهن لي دعوة كريمة للانضمام الى حلقة نقاشهن لرواية “فئران أمي حصة” التي ستجري في قاعة جانبية صغيرة في المكتبة، فلم أملك سوى التلبية

 حقيقة أن عضوات النادي عراقيات مثلي، بل أن بعضهن من البصرة، المدينة الأقرب الى الكويت والتي لم يسبق لي زيارتها للأسف، زادت من فضولي لمعرفة رأيهن في العمل … حديث احدى الحاضرات عن رمزية النخلات الثلاث المذكورة في الرواية وتشابه أسمائهن في اللهجتين الكويتية والبصراوية كان استهلالا موفّقا وجميلا للجلسة، عقّبت سيدة أخرى على الأمر بتوضيح الوشائج التي ربطت بين الشعبين عبر العصور فقد كانت البصرة في مطلع وأواسط القرن العشرين حاضرة الجنوب الزاهرة التي اعتاد الموسرون من أبناء الكويت والخليج على زيارتها بغرض الاستجمام والترفيه والتبضّع من أسواقها العامرة قبل أن يستولي حزب البعث على مقاليد السلطة في العراق في الستينيات، فانعكست الآية وصارت الكويت التي شهدت في تلك الفترة انتعاشا اقتصاديا بفعل وفرة واردات تصدير نفطها مقصدا للبصراويين وسوقا أثيرا للكثيرين منهم

أصغيت صامتا لحديث السيدات عن البصرة التي دمّرتها الحروب المتعاقبة وتذكّرت ما قاله لي صديق أردني زار  المدينة مؤخرا عن حال شوارعها وأحيائها المزري حتى يخيّل لمن يتجوّل فيها أنه قد انتقل الى واحدة من قرى الهند أو أفريقيا النائية

“بدأت بقراءة الرواية بوجل،” قالت احدى السيدات … “خشيت أن يسقط مؤلفها في فخ التعميم فيهاجم كل العراقيين ويأخذهم بجرم هم أبرياء منه، أو على الأقل معظمهم، لكنني احترمت فيه حيادية الطرح وموضوعيته”

بالفعل، كان ذلك من الأمور التي لفتتني في النص وكذلك عضوات النادي الأخريات اللاتي تأثّرن لقصة الصائغ العراقي التي وردت ضمن الأحداث، اذ لجأت اليه فتاة كويتية لبيع حليها وتدبير مبلغ الرشوة المطلوب منها مقابل السماح لها بلقاء أسير في سجون النظام في البصرة، فقام الرجل المسن باعادة ذهبها اليها مع رزمة من النقود، ثم همس في اذنها قائلا:

“الله يساعدكم!”

مرور السنعوسي على حوادث النهب التي طالت المستشفيات الكويتية اعاد الى ذهن واحدة من السيدات تفاصيل واقعة كانت شاهدة عليها خلال عملها في سلك التدريس، اذ انبرت زميلة لها ذات يوم لتبرير الغزو وما تلاه من سرقة لمحتويات الدور والدوائر بكونها أفعال مشروعة نصّت عليها تعاليم الاسلام، فهي غنائم حرب ولا حرج في الاستحواذ عليها … علّقت الحاضرات على الموضوع بأن كثيرا من الأسر العراقية في تلك الفترة حرّمت على نفسها شراء البضائع الكويتية التي غزت أسواقنا بغزارة لم نشهد لها مثيلا من قبل

احتلال صدام حسين للكويت حدث مفصلي ترك بصمته الواضحة على مسار شخوص “فئران أمي حصة”، لكنه ليس كل الرواية وسيكون من المجحف قراءتها كنص عن الغزو فقط، مضت عضوات النادي في تحليل مدلولات العمل وملامح شخوصه بينما استغرقتني الأفكار والذكريات عن تلك الأيام العصيبة التي مررنا بها وشعور مكتوم بالخزي ما فتئ يلازمني على الرغم من براءتي من الجرم وحقيقة أن المجازر التي ارتكبها النظام العراقي السابق بحق شعبه تفوق في حجمها وبشاعتها ما أصاب أهل الكويت بمراحل عدة … بالاضافة الى توثيقها المتوازن لما حدث واتخاذها من الماضي منصة لقراءة المستقبل، يُحسب لعمل سعود السنعوسي الأخير أنه صدر في توقيت حرج تزامن مع حالة مريعة من الاحتقان المذهبي سادت المنطقة وأوشكت على طمس حقائق التأريخ فيها حتى أننا نرى اليوم من اتخذ قرار الغزو وكان المسؤول الأول عن فظائعه وقد تحول في أعين الكثيرين الى شهيد وبطل مغوار وايقونة للمجد العربي الضائع

 

مهندس معماري وكاتب عراقي/ نيوزلندي
رابط المقال على موقع رأي اليوم

الاثنين، 30 أبريل 2018

حكم قضائي ودرس في "الأدب"

بعد إلغاء قرار منع "فئران أمي حصة"
حكم قضائي ودرس في "الأدب "


ليلاس سويدان

حكم آخر ينتصر فيه القضاء الكويتي لحرية الرأي والتعبير، ويلغي قرار منع رواية «فئران أمي حصة»، للروائي الكويتي سعود السنعوسي. هي جولة أخرى رابحة ضد تعسف الرقيب ومفهوم الرقابة، الذي يظن البعض أن له مكاناً في عالم لم يعد يستطيع أحد فيه أن يلاحق فكرة أو رأياً، وإن ظن أن بإمكانه أن يتحصن خلف «قرار إداري» أو «فكر» أعور سائد، أو حتى استثارة مشاعر وطنية أو دينية أو أخلاقية بشكل غير موضوعي.

ما هو مذكور في حيثيات حكم المحكمة الإدارية، برئاسة د. نواف الشريعان بحسب ما ورد في الزميلة «الجريدة»، مادة قانونية وحقوقية عظيمة ووثيقة، تؤكد على «كفالة حرية التعبير هي أصل في النظام الديموقراطي» التي أشار لها الدفاع وانتصرت لها المحكمة، فقد أكدت في حيثيات الحكم «إلى أنه لما كانت الرواية تحمل معاني هادفة حاصلها الدعوة إلى التوحد والتمسك بالقيم الأصيلة والعريقة والتراث الخالد ومقت الطائفية ونبذها، وأتت صياغتها سليمة وأفكارها منسقة متراصة في سرد قصصي متناغم يشير إلى إبداع متمسك بالثمين من الأفكار والمعاني، طارحاً الغث منها، وتسلسلت أحداثها في أسلوب روائي متناسق، فإن الخلاف على بعض ما قد يرد بها يظل في إطار تقييمها كعمل فني لا يعبر بالضرورة عن وجهة المؤلف بقدر ما هو رصد لواقع برؤيته قد يعتريه أي من الصواب أو الخطأ»، وكانت مذكرة الدفاع قد أشارت إلى إساءة استخدام السلطة بمنع رواية السنعوسي، واتهامها بخدش الآداب العامة، والتحريض على مخالفة النظام العام، ومخالفة القوانين وارتكاب الجرائم ولو لم تقع! فقد قالت في إحدى فقرات ورقة الدفاع «ولما كان السبب غير صحيح جملة وتفصيلا، حيث خلت الرواية السالفة الذكر من ثمة إساءة لنظام المجتمع في الكويت، فلم يتبين المعلن إليهم بصفتهم، الصفحات التي وردت بها تلك الإساءة المزعومة، وبما يجعل القرار المطعون عليه قد شابه عيب الإساءة في استعمال السلطة ومخالفة القانون».

واضاف الدفاع أن «القرار الإداري لم يفطن إلى ذلك، وقضى بمنع الرواية من التداول، فعنه يكون قد أصابه عيب إساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون»، ولفتت مذكرة الدفاع النظر إلى نقطة مهمة هي تجاهل إعلان الروائي سعود السنعوسي بمنع روايته خلال الفترة القانونية، التي تتيح له رفع دعوى إلغاء منع الرواية، وهي ستون يوماً من تاريح نشر القرار الإداري، وهي نقطة اخرى تشكل صفعة للجنة الرقابة، التي طالما اشتكى الكتاب من عدم تقديمها لهم كتاباً بحيثيات المنع، أو إعلامهم بشكل واضح بالمنع.

مهمة الروائي


مذكرة الدفاع، التي قدمها المحاميان بسام العسعوسي وفهد البسام، أشارت إلى هذه النقطة، والتي كانت شرطا لقبول الدعوى، ودافعا عن الرواية بقولهما «الرواية لا تمثل إلا رؤية وتوضيحاً للجانب غير المرئي في حياة المواطنين داخل دولة الكويت، وهذه هي مهمة الروائي». من اللافت أن تنتصر المحكمة لدور الروائي، بما ذكرته في ورقتها وورقة المحامين، ومن الجميل أن يكون جدل القاضي والمحامي حول معنى الإبداع والرواية والخيال ومهمة الروائي، وأن ينتصر الاثنان لحرية الرأي والتعبير والإبداع، فهناك قضايا يتبرع محامون برفعها لمنع كتاب، وأحكام تصدر لمصادرة حرية الكلمة.
لن تنتهي قضية الرقابة بحكم الفسح لرواية أو عدة كتب، ولكن اللجوء للقضاء يضع القضية في مكانها الصحيح في ظل غياب رأي عام أو جماعات ضغط تجعل من موضوع حرية الكتاب قضيتها التي تشتغل عليها بقوة. هذه الجهود الفردية هي ما سيصنع يوما التيار العام والوعي بمعنى حق الكلمة، وهي الإرث الذي سيستند إليه يوما ما المنتصرون على الرقابة بمعناها العام الذي تتوزع تفاصيله على سلوكيات الأفراد وحرياتهم وخياراتهم الفردية.

ما زال ملف الرقابة مفتوحاً



الروائي الكويتي سعود السنعوسي صرح لـ القبس معلقا على قرار المحكمة:

هذا حكم مهم لا شك، ولعل حيثيات الحكم جاءت أكثر أهمية من الحكم ذاته، رغم ضرورته، ورغم شعوري بالرضا الكبير إزاء حكم القضاء الكويتي، فإن الأمر الأهم بالنسبة لي ولزملائي ممن تعرضوا لتعسف رقيب وزارة الإعلام بل وللكويت التي عبث الجهاز الرقابي بسمعتها وتاريخ إسهاماتها الثقافية، الأهم هو ما جاء في حيثيات الحكم في قضية رواية «فئران أمي حصة» التي تصدى لها مكتب المحامين بسام العسعوسي وفهد البسام، وتأكيد المحكمة وإصرارها على أنها «تستند إلى قيم المجتمع وتقاليده، وتأكد حضارته وميراثه الفكري والفني والأدبي، مؤكدة حق ممارسة حرية التعبير وإن تجاوزت حد المألوف»، آملا أن يعي المسؤولون في وزارة الإعلام أهمية ما جاء في حيثيات الحكم، وحجم المسؤولية التي تقع على عاتقهم إزاء مستقبل الحريات في الكويت عوضا عن مصادرة الأعمال التي يُحتفى فيها في كل مكان عدا وطن المبدع من دون مسوغات حقيقية. الخلل في القانون لا شك، وفي آلية تطبيقه من قبل موظفي الإعلام رغم كل ما يُشاع حول التسهيلات التي تقدمها الوزارة مثل ما يسمى بلجنة التظلم التي حصنت قرارات المنع أكثر بأضعاف من إجازة بضعة أعمال لا تذكر، إذ من المعيب أن يكتفي ويعتمد أعضاء لجنة التظلم على تقارير لجنة الرقابة التي منع على أساسها العمل من دون تكليف أنفسهم بقراءة الأعمال المقدمة للتظلم وإعادة النظر في قرارات منعها. بالحكم في هذه القضية لا تنتهي مشكلة الرقابة، حيث يبقى ملف الجهاز الرقابي مفتوحا لحين يسترد زملائي حقهم في نشر أعمالهم داخل الكويت وتعديل القوانين الجائرة بمصادرة الحريات .

الوقيان: حكم تاريخي



وقد علق الأديب والباحث، د. خليفة الوقيان، على الحكم بقوله «هذا هو الحكم التاريخي الثاني، الذي يلغي فيه القضاء الكويتي قراراً جائراً لوزارة الإعلام، بمنع تداول رواية. وتأتي عظمة هذا الحكم وأهمية دلالاته بقوله إن المحكمة (تستند إلى قيم المجتمع وتقاليده، وتأكيد حضارته وميراثه الفكري والفني والأدبي، مؤكدة حق ممارسة حرية التعبير. وإن تجاوزت حد المألوف.(
واعتقد أن الواجب المهني والأخلاقي والحصافة السياسية توجب تغيير الاتجاهات والقيادات، التي خالفت مبادئ الدستور، كما خالفت قيم المجتمع، التي أشار إليها حكم المحكمة، وأشاعت ثقافة كبت الحريات وقمع الإبداع الفكري والفني والأدبي.
إن هذا الحكم، الذي يلغي قرار وزارة الإعلام بمنع تداول رواية الكاتب سعود السنعوسي، والحكم الذي سبقه، وقضى بإلغاء قرار منع تداول رواية الكاتبة دلع المفتي، يوجب تحرّك النواب ومؤسسات المجتمع المدني ورجال القانون لوقف وزارة الإعلام عند حدها في قمع الإبداع الفكري والفني. أما القضاء الكويتي الشامخ فقد انتصر للحريات التي كفلها الدستور. ومن قبل قيم المجتمع الكويتي وتقاليده القائمة على الانفتاح والتسامح ومقاومة ثقافة الغلو والانغلاق».


«المحكمة الإدارية» تلغي قرار «الإعلام» بمنع «فئران أمي حصة»



 كتب الخبر: حسين العبدالله




ألغت المحكمة الإدارية، أمس، برئاسة المستشار د. نواف الشريعان قرار وزارة الإعلام قبل عامين بمنع رواية "فئران أمي حصة" للكاتب سعود السنعوسي، والسماح بتداولها مجدداً في الكويت، وذلك لعدم سلامة القرار.

وقالت المحكمة، في حيثيات حكمها، إنه لما كانت الرواية تحمل معاني هادفة حاصلها الدعوة إلى التوحد والتمسك بالقيم الأصيلة والعريقة والتراث الخالد ومقت الطائفية ونبذها، وأتت صياغتها سليمة وأفكارها منسقة متراصة في سرد قصصي متناغم يشير إلى إبداع متمسك بالثمين من الأفكار والمعاني، طارحاً الغث منها، وتسلسلت أحداثها في أسلوب روائي متناسق، فإن الخلاف على بعض ما قد يرد بها يظل في إطار تقييمها كعمل فني لا يعبر بالضرورة عن وجهة المؤلف بقدر ما هو رصد لواقع برؤيته قد يعتريه أي من الصواب أو الخطأ.

واعتبرت "الإدارية" أن استجلاء الأفكار لا يكون إلا بطرحها لتجد سبيلاً لنقدها بعد الوقوف على كنهها، لئلا تبقى حبيسة خيال مؤلفيها في إطار مفهوم لا يغيب يتمثل في أن الحرية المسؤولة هي دواء الفتنة الطائفية، وأنه قد اندثرت إلى غير رجعة مصادرة الرأي وحجب الفكر وترويج فقر الفكر، والأديان والعقائد السماوية تدعم وترسي حرية الفكر والإبداع، طالما لا تنال من أصولها الثابتة ومبادئها الراسخة.

وأضافت أن المحكمة وهي تبسط على المنازعة الماثلة ميزان العدل، تستند إلى قيم المجتمع وتقاليده، وتأكد حضارته وميراثه الفكري والفني والأدبي، مؤكدة حق ممارسة حرية التعبير وإن تجاوزت حد المألوف، طالما كان هذا التجاوز لا ينال من ثوابت الأمة وعقيدتها، ومستهدفاً تناول الواقع الاجتماعي في ظل ما يموج به العالم من متغيرات.

وخلصت المحكمة إلى أنها بعد قراءتها الرواية وتبيان ما حوته من أفكار وعبارات لا تجد فيها خروجاً عن الأصول الثابتة في الشرع الحنيف ومعتقداته وما طوته الشرائع السماوية قاطبة، ولا خدشاً للحياء والآداب العامة، ويضحي من ثم جديراً القضاء بإلغاء قرار الجهة الإدارية المطعون عليه بمنع نشرها، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها السماح بنشر وتداول رواية "فئران أمي حصة".