الأربعاء، 16 مايو 2018

قراءة عراقية لرواية الكاتب الكويتي السنعوسي “فئران أمي حصة”

علي شاكر

اهتمامي بمشروع الكاتب الكويتي سعود السنعوسي أبتدأ قبل سنوات قليلة فقط، تحديدا بعد صدور روايتي “كافيه فيروز” التي قرّبتني من واقع النشر في العالم العربي وجعلتني أدرك كم التغيرات التي طرأت عليه خلال العقد الماضي، المقولة العتيدة عن القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد ودورها المحوري في المشهد الأدبي لم تعد دقيقة فلا معالم الحياة في تلك الحواضر بقيت مثلما كانت ولا طبيعة نتاج مؤلفيها وشغف أهلها بالقراءة استمرا على حالهما … كل شيء تغيّر سريعا، وان بقيت بيروت تطبع، لكن ما تطبعه العاصمة اللبنانية اليوم أمسى خاضعا لاشتراطات ومعايير مدن الخليج، السوق الأهم للكتب العربية في عصرنا.

كثرة من روائيي اليوم تكتب وعيونها على الجوائز الضخمة التي تمنحها المؤسسات الثقافية السعودية والاماراتية والقطرية، تحاذر من الاقتراب من قائمة المحظورات المعروفة في تلك الدول وتغازل كل آمن ومرغوب من قبل مستهلكيها … النشر في نهاية المطاف صناعة وتجارة، وكأي صناعة وتجارة أخرى، يخضع هو أيضا لاشتراطات سوقه المنشودة واحتياجاتها، أمر قد لا نتفق معه أو نجده منصفا، لكنه واقع الحال الذي يحكمنا كما تحكم الثقافة الأمريكية السائدة ملامح التجارب الابداعية في الغرب، أو جزءا كبيرا منها  

قرأت رواية “ساق البامبو” ضمن محاولتي لاستشراف سمات المنتج الأدبي لمؤلفي المنطقة واستوقفني أنها، بخلاف روايات خليجية أخرى كنت قد اطلعت عليها، لم تحصر شخوصها وأحداثها بين جدران القصور الرخامية الفارهة ولم تتخذ من تأوّهات العاشقين وزفراتهم ودموعهم محورا وحيدا لحبكتها … وجدت نفسي أمام مشروع حي نابض وجريء، متفاعل مع محيطه المحلي والاقليمي بل والعالمي أيضا، وان أخذت على الكاتب النهايات التوافقية التي رسمها لأبطال عمله، والتي جاءت مخالفة لما اقتضاه التطور الطبيعي لمسار السرد فيه

“فئران أمي حصة” رواية المؤلف التالية أدهشتني بنضجها وشراستها، كسر سعود السنعوسي فيها التابوهات وتحرّر من هاجس ارضاء مجتمعه ذي التقاليد الصارمة فرسم صورة قاتمة لما يمكن أن تقود اليه العصبية الطائفية والعرقية من فوضى وخراب واقتتال بين أبناء البلد الواحد (ربما بوحي مما هو حاصل فعلا على أرض جار الكويت الشمالي العراق، وبلاد عربية أخرى) ما أوقعه في مشاكل مع هيئة الرقابة التي حظرت عرض وبيع العمل في المكتبات الكويتية … لفتني أيضا حرص السنعوسي على التجديد في الشكل والهيكل، وان كنت أفضل لو أن التنقّل بين الأزمان في الرواية قد اقتصر على مواضع أقل للحفاظ على وحدة وتماسك بنيانها، بدلا من التقطيع المتكرّر الحاصل

يجب أن أعترف هنا أن اطلاعي على “فئران أمي حصة” لم يكن سعيا وراء المتعة أو بغرض تقييمها وان تحقق الأمران في المحصلة، قرأتها لأني كنت أبحث عن نص يتيح لي معرفة رواية الطرف الآخر لما حدث عندما قرر صدام حسين غزو جارتنا الجنوبية التي كانت وسائل اعلامها حتى أسابيع قليلة قبل الاجتياح تلهج بذكره وتشيد بمآثره … اقتحام جيشنا الصدمة للكويت وضمّها كمحافظة جديدة للعراق وكل ما تزامن معه وتبعه من نهب وقتل وحصار اقتصادي امتد لسنوات طويلة ثم السقوط المدوّي لنظام الحكم والوضع الكارثي الذي تلاه كان ككرة ثلج هائلة سحقت في تدحرجها أحلام ومصائر ملايين العراقيين الذين مات من مات منهم فيما توزّع الباقون بلاد الشتات في أصقاع الأرض المختلفة

استرجعت ما حلّ بنا وببلدنا خلال العقود الماضية في طريقي الى المكتبة العامة في أوكلاند حيث أعتدت العمل على نصوصي ومصارعتها، بدأت بمراجعة ما سطّرته على حاسوبي النقّال خلال اليوم الماضي عندما لمحتني بعض سيدات نادي الكتاب العربي ووجّهن لي دعوة كريمة للانضمام الى حلقة نقاشهن لرواية “فئران أمي حصة” التي ستجري في قاعة جانبية صغيرة في المكتبة، فلم أملك سوى التلبية

 حقيقة أن عضوات النادي عراقيات مثلي، بل أن بعضهن من البصرة، المدينة الأقرب الى الكويت والتي لم يسبق لي زيارتها للأسف، زادت من فضولي لمعرفة رأيهن في العمل … حديث احدى الحاضرات عن رمزية النخلات الثلاث المذكورة في الرواية وتشابه أسمائهن في اللهجتين الكويتية والبصراوية كان استهلالا موفّقا وجميلا للجلسة، عقّبت سيدة أخرى على الأمر بتوضيح الوشائج التي ربطت بين الشعبين عبر العصور فقد كانت البصرة في مطلع وأواسط القرن العشرين حاضرة الجنوب الزاهرة التي اعتاد الموسرون من أبناء الكويت والخليج على زيارتها بغرض الاستجمام والترفيه والتبضّع من أسواقها العامرة قبل أن يستولي حزب البعث على مقاليد السلطة في العراق في الستينيات، فانعكست الآية وصارت الكويت التي شهدت في تلك الفترة انتعاشا اقتصاديا بفعل وفرة واردات تصدير نفطها مقصدا للبصراويين وسوقا أثيرا للكثيرين منهم

أصغيت صامتا لحديث السيدات عن البصرة التي دمّرتها الحروب المتعاقبة وتذكّرت ما قاله لي صديق أردني زار  المدينة مؤخرا عن حال شوارعها وأحيائها المزري حتى يخيّل لمن يتجوّل فيها أنه قد انتقل الى واحدة من قرى الهند أو أفريقيا النائية

“بدأت بقراءة الرواية بوجل،” قالت احدى السيدات … “خشيت أن يسقط مؤلفها في فخ التعميم فيهاجم كل العراقيين ويأخذهم بجرم هم أبرياء منه، أو على الأقل معظمهم، لكنني احترمت فيه حيادية الطرح وموضوعيته”

بالفعل، كان ذلك من الأمور التي لفتتني في النص وكذلك عضوات النادي الأخريات اللاتي تأثّرن لقصة الصائغ العراقي التي وردت ضمن الأحداث، اذ لجأت اليه فتاة كويتية لبيع حليها وتدبير مبلغ الرشوة المطلوب منها مقابل السماح لها بلقاء أسير في سجون النظام في البصرة، فقام الرجل المسن باعادة ذهبها اليها مع رزمة من النقود، ثم همس في اذنها قائلا:

“الله يساعدكم!”

مرور السنعوسي على حوادث النهب التي طالت المستشفيات الكويتية اعاد الى ذهن واحدة من السيدات تفاصيل واقعة كانت شاهدة عليها خلال عملها في سلك التدريس، اذ انبرت زميلة لها ذات يوم لتبرير الغزو وما تلاه من سرقة لمحتويات الدور والدوائر بكونها أفعال مشروعة نصّت عليها تعاليم الاسلام، فهي غنائم حرب ولا حرج في الاستحواذ عليها … علّقت الحاضرات على الموضوع بأن كثيرا من الأسر العراقية في تلك الفترة حرّمت على نفسها شراء البضائع الكويتية التي غزت أسواقنا بغزارة لم نشهد لها مثيلا من قبل

احتلال صدام حسين للكويت حدث مفصلي ترك بصمته الواضحة على مسار شخوص “فئران أمي حصة”، لكنه ليس كل الرواية وسيكون من المجحف قراءتها كنص عن الغزو فقط، مضت عضوات النادي في تحليل مدلولات العمل وملامح شخوصه بينما استغرقتني الأفكار والذكريات عن تلك الأيام العصيبة التي مررنا بها وشعور مكتوم بالخزي ما فتئ يلازمني على الرغم من براءتي من الجرم وحقيقة أن المجازر التي ارتكبها النظام العراقي السابق بحق شعبه تفوق في حجمها وبشاعتها ما أصاب أهل الكويت بمراحل عدة … بالاضافة الى توثيقها المتوازن لما حدث واتخاذها من الماضي منصة لقراءة المستقبل، يُحسب لعمل سعود السنعوسي الأخير أنه صدر في توقيت حرج تزامن مع حالة مريعة من الاحتقان المذهبي سادت المنطقة وأوشكت على طمس حقائق التأريخ فيها حتى أننا نرى اليوم من اتخذ قرار الغزو وكان المسؤول الأول عن فظائعه وقد تحول في أعين الكثيرين الى شهيد وبطل مغوار وايقونة للمجد العربي الضائع

 

مهندس معماري وكاتب عراقي/ نيوزلندي
رابط المقال على موقع رأي اليوم

الاثنين، 30 أبريل 2018

حكم قضائي ودرس في "الأدب"

بعد إلغاء قرار منع "فئران أمي حصة"
حكم قضائي ودرس في "الأدب "


ليلاس سويدان

حكم آخر ينتصر فيه القضاء الكويتي لحرية الرأي والتعبير، ويلغي قرار منع رواية «فئران أمي حصة»، للروائي الكويتي سعود السنعوسي. هي جولة أخرى رابحة ضد تعسف الرقيب ومفهوم الرقابة، الذي يظن البعض أن له مكاناً في عالم لم يعد يستطيع أحد فيه أن يلاحق فكرة أو رأياً، وإن ظن أن بإمكانه أن يتحصن خلف «قرار إداري» أو «فكر» أعور سائد، أو حتى استثارة مشاعر وطنية أو دينية أو أخلاقية بشكل غير موضوعي.

ما هو مذكور في حيثيات حكم المحكمة الإدارية، برئاسة د. نواف الشريعان بحسب ما ورد في الزميلة «الجريدة»، مادة قانونية وحقوقية عظيمة ووثيقة، تؤكد على «كفالة حرية التعبير هي أصل في النظام الديموقراطي» التي أشار لها الدفاع وانتصرت لها المحكمة، فقد أكدت في حيثيات الحكم «إلى أنه لما كانت الرواية تحمل معاني هادفة حاصلها الدعوة إلى التوحد والتمسك بالقيم الأصيلة والعريقة والتراث الخالد ومقت الطائفية ونبذها، وأتت صياغتها سليمة وأفكارها منسقة متراصة في سرد قصصي متناغم يشير إلى إبداع متمسك بالثمين من الأفكار والمعاني، طارحاً الغث منها، وتسلسلت أحداثها في أسلوب روائي متناسق، فإن الخلاف على بعض ما قد يرد بها يظل في إطار تقييمها كعمل فني لا يعبر بالضرورة عن وجهة المؤلف بقدر ما هو رصد لواقع برؤيته قد يعتريه أي من الصواب أو الخطأ»، وكانت مذكرة الدفاع قد أشارت إلى إساءة استخدام السلطة بمنع رواية السنعوسي، واتهامها بخدش الآداب العامة، والتحريض على مخالفة النظام العام، ومخالفة القوانين وارتكاب الجرائم ولو لم تقع! فقد قالت في إحدى فقرات ورقة الدفاع «ولما كان السبب غير صحيح جملة وتفصيلا، حيث خلت الرواية السالفة الذكر من ثمة إساءة لنظام المجتمع في الكويت، فلم يتبين المعلن إليهم بصفتهم، الصفحات التي وردت بها تلك الإساءة المزعومة، وبما يجعل القرار المطعون عليه قد شابه عيب الإساءة في استعمال السلطة ومخالفة القانون».

واضاف الدفاع أن «القرار الإداري لم يفطن إلى ذلك، وقضى بمنع الرواية من التداول، فعنه يكون قد أصابه عيب إساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون»، ولفتت مذكرة الدفاع النظر إلى نقطة مهمة هي تجاهل إعلان الروائي سعود السنعوسي بمنع روايته خلال الفترة القانونية، التي تتيح له رفع دعوى إلغاء منع الرواية، وهي ستون يوماً من تاريح نشر القرار الإداري، وهي نقطة اخرى تشكل صفعة للجنة الرقابة، التي طالما اشتكى الكتاب من عدم تقديمها لهم كتاباً بحيثيات المنع، أو إعلامهم بشكل واضح بالمنع.

مهمة الروائي


مذكرة الدفاع، التي قدمها المحاميان بسام العسعوسي وفهد البسام، أشارت إلى هذه النقطة، والتي كانت شرطا لقبول الدعوى، ودافعا عن الرواية بقولهما «الرواية لا تمثل إلا رؤية وتوضيحاً للجانب غير المرئي في حياة المواطنين داخل دولة الكويت، وهذه هي مهمة الروائي». من اللافت أن تنتصر المحكمة لدور الروائي، بما ذكرته في ورقتها وورقة المحامين، ومن الجميل أن يكون جدل القاضي والمحامي حول معنى الإبداع والرواية والخيال ومهمة الروائي، وأن ينتصر الاثنان لحرية الرأي والتعبير والإبداع، فهناك قضايا يتبرع محامون برفعها لمنع كتاب، وأحكام تصدر لمصادرة حرية الكلمة.
لن تنتهي قضية الرقابة بحكم الفسح لرواية أو عدة كتب، ولكن اللجوء للقضاء يضع القضية في مكانها الصحيح في ظل غياب رأي عام أو جماعات ضغط تجعل من موضوع حرية الكتاب قضيتها التي تشتغل عليها بقوة. هذه الجهود الفردية هي ما سيصنع يوما التيار العام والوعي بمعنى حق الكلمة، وهي الإرث الذي سيستند إليه يوما ما المنتصرون على الرقابة بمعناها العام الذي تتوزع تفاصيله على سلوكيات الأفراد وحرياتهم وخياراتهم الفردية.

ما زال ملف الرقابة مفتوحاً



الروائي الكويتي سعود السنعوسي صرح لـ القبس معلقا على قرار المحكمة:

هذا حكم مهم لا شك، ولعل حيثيات الحكم جاءت أكثر أهمية من الحكم ذاته، رغم ضرورته، ورغم شعوري بالرضا الكبير إزاء حكم القضاء الكويتي، فإن الأمر الأهم بالنسبة لي ولزملائي ممن تعرضوا لتعسف رقيب وزارة الإعلام بل وللكويت التي عبث الجهاز الرقابي بسمعتها وتاريخ إسهاماتها الثقافية، الأهم هو ما جاء في حيثيات الحكم في قضية رواية «فئران أمي حصة» التي تصدى لها مكتب المحامين بسام العسعوسي وفهد البسام، وتأكيد المحكمة وإصرارها على أنها «تستند إلى قيم المجتمع وتقاليده، وتأكد حضارته وميراثه الفكري والفني والأدبي، مؤكدة حق ممارسة حرية التعبير وإن تجاوزت حد المألوف»، آملا أن يعي المسؤولون في وزارة الإعلام أهمية ما جاء في حيثيات الحكم، وحجم المسؤولية التي تقع على عاتقهم إزاء مستقبل الحريات في الكويت عوضا عن مصادرة الأعمال التي يُحتفى فيها في كل مكان عدا وطن المبدع من دون مسوغات حقيقية. الخلل في القانون لا شك، وفي آلية تطبيقه من قبل موظفي الإعلام رغم كل ما يُشاع حول التسهيلات التي تقدمها الوزارة مثل ما يسمى بلجنة التظلم التي حصنت قرارات المنع أكثر بأضعاف من إجازة بضعة أعمال لا تذكر، إذ من المعيب أن يكتفي ويعتمد أعضاء لجنة التظلم على تقارير لجنة الرقابة التي منع على أساسها العمل من دون تكليف أنفسهم بقراءة الأعمال المقدمة للتظلم وإعادة النظر في قرارات منعها. بالحكم في هذه القضية لا تنتهي مشكلة الرقابة، حيث يبقى ملف الجهاز الرقابي مفتوحا لحين يسترد زملائي حقهم في نشر أعمالهم داخل الكويت وتعديل القوانين الجائرة بمصادرة الحريات .

الوقيان: حكم تاريخي



وقد علق الأديب والباحث، د. خليفة الوقيان، على الحكم بقوله «هذا هو الحكم التاريخي الثاني، الذي يلغي فيه القضاء الكويتي قراراً جائراً لوزارة الإعلام، بمنع تداول رواية. وتأتي عظمة هذا الحكم وأهمية دلالاته بقوله إن المحكمة (تستند إلى قيم المجتمع وتقاليده، وتأكيد حضارته وميراثه الفكري والفني والأدبي، مؤكدة حق ممارسة حرية التعبير. وإن تجاوزت حد المألوف.(
واعتقد أن الواجب المهني والأخلاقي والحصافة السياسية توجب تغيير الاتجاهات والقيادات، التي خالفت مبادئ الدستور، كما خالفت قيم المجتمع، التي أشار إليها حكم المحكمة، وأشاعت ثقافة كبت الحريات وقمع الإبداع الفكري والفني والأدبي.
إن هذا الحكم، الذي يلغي قرار وزارة الإعلام بمنع تداول رواية الكاتب سعود السنعوسي، والحكم الذي سبقه، وقضى بإلغاء قرار منع تداول رواية الكاتبة دلع المفتي، يوجب تحرّك النواب ومؤسسات المجتمع المدني ورجال القانون لوقف وزارة الإعلام عند حدها في قمع الإبداع الفكري والفني. أما القضاء الكويتي الشامخ فقد انتصر للحريات التي كفلها الدستور. ومن قبل قيم المجتمع الكويتي وتقاليده القائمة على الانفتاح والتسامح ومقاومة ثقافة الغلو والانغلاق».


«المحكمة الإدارية» تلغي قرار «الإعلام» بمنع «فئران أمي حصة»



 كتب الخبر: حسين العبدالله




ألغت المحكمة الإدارية، أمس، برئاسة المستشار د. نواف الشريعان قرار وزارة الإعلام قبل عامين بمنع رواية "فئران أمي حصة" للكاتب سعود السنعوسي، والسماح بتداولها مجدداً في الكويت، وذلك لعدم سلامة القرار.

وقالت المحكمة، في حيثيات حكمها، إنه لما كانت الرواية تحمل معاني هادفة حاصلها الدعوة إلى التوحد والتمسك بالقيم الأصيلة والعريقة والتراث الخالد ومقت الطائفية ونبذها، وأتت صياغتها سليمة وأفكارها منسقة متراصة في سرد قصصي متناغم يشير إلى إبداع متمسك بالثمين من الأفكار والمعاني، طارحاً الغث منها، وتسلسلت أحداثها في أسلوب روائي متناسق، فإن الخلاف على بعض ما قد يرد بها يظل في إطار تقييمها كعمل فني لا يعبر بالضرورة عن وجهة المؤلف بقدر ما هو رصد لواقع برؤيته قد يعتريه أي من الصواب أو الخطأ.

واعتبرت "الإدارية" أن استجلاء الأفكار لا يكون إلا بطرحها لتجد سبيلاً لنقدها بعد الوقوف على كنهها، لئلا تبقى حبيسة خيال مؤلفيها في إطار مفهوم لا يغيب يتمثل في أن الحرية المسؤولة هي دواء الفتنة الطائفية، وأنه قد اندثرت إلى غير رجعة مصادرة الرأي وحجب الفكر وترويج فقر الفكر، والأديان والعقائد السماوية تدعم وترسي حرية الفكر والإبداع، طالما لا تنال من أصولها الثابتة ومبادئها الراسخة.

وأضافت أن المحكمة وهي تبسط على المنازعة الماثلة ميزان العدل، تستند إلى قيم المجتمع وتقاليده، وتأكد حضارته وميراثه الفكري والفني والأدبي، مؤكدة حق ممارسة حرية التعبير وإن تجاوزت حد المألوف، طالما كان هذا التجاوز لا ينال من ثوابت الأمة وعقيدتها، ومستهدفاً تناول الواقع الاجتماعي في ظل ما يموج به العالم من متغيرات.

وخلصت المحكمة إلى أنها بعد قراءتها الرواية وتبيان ما حوته من أفكار وعبارات لا تجد فيها خروجاً عن الأصول الثابتة في الشرع الحنيف ومعتقداته وما طوته الشرائع السماوية قاطبة، ولا خدشاً للحياء والآداب العامة، ويضحي من ثم جديراً القضاء بإلغاء قرار الجهة الإدارية المطعون عليه بمنع نشرها، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها السماح بنشر وتداول رواية "فئران أمي حصة".

الثلاثاء، 10 أبريل 2018

“فئران أمي حصة” لسعود السنعوسي.. رواية مليئة بالرموز..

بقلم: د.محمد حمدان

قبل ما يقارب الثلاثين عاماً شاهدت مسلسل “على الدنيا السلام” الكوميدي الكويتي. كنتُ وقتها صغيراً جداً.. وكان القلاف يضحكني بطريقته بلفظ اسم بطلتي المسلسل محظوظة ومبروكة. ولربما يمكنني القول بأنه يستحيل على أي من أبناء جيلي ممن ولدوا وعاشوا في الكويت ألا يدخلوا جو هذه الرواية بسهولة. كل شيء فيها، ذلك الإغراق في ركن المكان الذي تخضع له الرواية، تلك الذكريات القديمة من أغنيات، وأحداث كحوادث المقاهي الشعبية وخطف الجابرية وبطولة الصداقة والسلام إلى ذلك الصيف الأسود عام 1990.
إن السنعوسي يذكرنا بتقديمه للتاريخ من خلال الرواية بالتقديم التاريخي الموظف بامتياز في الروايات الروسية. تولستوي مع الحملة الروسية في الحرب والسلام على سبيل المثال لا الحصر. ويذكرنا حتى بمسلسل آخر وظف فيه التقديم التاريخي بشكل ممتاز وهو “ليالي الحلمية” المصري الشهير والذي كان من تأليف أسامة أنور عكاشة.
مما لا شك فيه، اهتمام السنعوسي بالتقنية الروائية. فهو يعرض فكرته من خلال استخدامه لثلاث أزمنة في ذات الوقت. ولكي ينجح في ذلك قام باستخدام حيلة لطيفة.. أن البطل “كتكوت” قد كتب رواية اسمها “إرث النار” وكان السنعوسي يعرض لنا فصلاً من أحداث الزمن الحاضر –وهو المستقبل بالنسبة لنا- يليه فصل من رواية إرث النار. والجميل هنا، هو أن رواية إرث النار قد كتبها كتكوت عن حياته بالفعل.. إنما عن الزمن الماضي. أي أن تتالي الزمن بين الفصول يكون كالتالي: حاضر، ماضي، حاضر وهكذا. وقد يسبب هذا بالإضافة للإغراق المكاني واستخدامه للذاكرة الشعبية الكويتية صعوبة للقارئ غير المطلع على الثقافة الكويتية. وهذا يبرر لنا صعوبة النصف الأول من الرواية على الكثيرين ممن قرؤوها.
عام 1990 كان مفصلياً في تاريخ الكويت. ومما لا شك فيه. أن أحداث غزو العراق للكويت كانت صدمة عنيفة للوعي الكويتي. فالكويت ما قبل 1990 ليست هي ذاتها ما بعده أبداً.. ومن الجميل أن نرى ذلك معكوساً على بنية الرواية فنجد أن تسلسل الزمن الذي أشرتُ إليه سابقاً يختل حين يصل لهذا الزمن.. لنجد الفصول تتوالى عن ذات الزمن وهو فترة إحتلال العراق للكويت –سبعة شهور- إلى فترة التحرير. وما بعد التحرير يرجع التسلسل الزمني كما كان قبل فترة الغزو. وفي الواقع، كان عام 1990 مفصلياً للأمة العربية بأكملها.. ومن المثير للسخرية مدى الضرر الذي أدت إليه للقضية الفلسطينية خاصة مع الموقف الرسمي لمنظمة التحرير الداعم علناً لغزو الكويت. رغم أن القضية الفلسطينية كلها قائمة على قاعدة عدم أحقية احتلال دولة لأخرى في العصر الحديث ! كما أنه لم يمكن لأوسلو أن تكون لولا حادثة غزو الكويت. بعد غزو الكويت لم تعد فلسطين ذاتها. فقد أصبحت الضفة الغربية وغزة فقط في عيون القيادة الفلسطينية. في مشهد كاريكاتوري يعيد للأذهان كاريكاتور ناجي العلي الشهير الذي يصور فيه خيبة الأمل الفلسطينية من محمود درويش حين دعا للتعايش العربي اليهودي في ظل دولة واحدة. بعد عام 1990، لم تتوقف الخيبات بالتوالي..
للرواية تقسيم آخر، وهو من خلال الفئران الأربعة؛ شرر، لظى، جمر، وأخيراً مع رماد. وهؤلاء هم فئران أمي حصة.. وهي الحكاية التي لم تحكها حصة الجارة العجوز للكتكوت حين كان كتكوتاً حقاً. وحين كبر الكتكوت ليصبح ديكاً “منتوفاً” لا يقوى على شيء سوى الصياح قرر أن يكتب رواية إرث النار ليحذر الناس من الفئران تماماً كما فعلت فؤادة المجنونة في مسلسله المفضل القديم.
بدأت الرواية من مشهد كئيب في الحاضر وهذا الحاضر لا يشكل سوى أحداث يوم واحد فقط من ذلك المستقبل الكريه الذي يحذرنا السنعوسي منه لو بقيت الأمور على ما هي عليه. هو مشهد غامض.. حيث الكتكوت قد تعرَض إلى ما يشبه الحادث.. بركبة مرضوضة بقوة.. وسن مفقود.. وآلام في مؤخرة رأسه.. وسيارة مهشمة.. ولا يوضح لنا السنعوسي حقيقة ما حدث إلا في آخر قسم من الرواية.. رماد.
نلاحظ مدى ضحالة علاقة الكتكوت بوالده الذي يحتكر المال جلّ اهتمامه؛ فهذا الرجل الذي يتحسر على النفط الذي احترق في نهاية الغزو.. ويهتم بسوق المال أكثر من اهتمامه بكل ما يحدث من حوله. أما تأثير والدة الكتكوت فهو ينحصر بالتغليظ على ولدها بالأيمان العظيمة. هي تحبه بلا شك وتحرص عليه. ومن المثير أن نشاهد مدى تأثر وتعلّق الكتكوت بجيرانه والعجوز حصة بالذات مقارنةً بذويه.. ولربما كانت تلك الشهور الـسبع التي قضاها في منزلهم يبيت في غرفة العجوز حصة دور كبير في ذلك.
كتكوت وأيوب يمثلان أفراداً أصحاء، لا يستطيع الطاعون الإقتراب منهما وهما لتلك “البركة” يستطيعون شم تلك الرائحة الكريهة الحمضية التي تنبيء بوجود فئران في الجوار ! ومن الملفت أن نرى أن تنشئة كتكوت وأيوب هي لربما المسؤولة عن مثل هذه الحصانة ضد طاعون الطائفية. لكن، هناك نماذج أخرى في الرواية؛ صالح ابن حصة العجوز ووالد فهد من جهة.. ومن جهة أخرى؛ عباس ابن زينب ووالد صادق. وهما جارا الكتكوت وكان ثلاثتهم الكتكوت وفهد وصادق يقضون وقتهم معاً معظم الوقت في طفولتهم. إذن، صالح هو رجل سني قبلي.. متقلب في تعصبه حسب الزمن.. فهو زمن عبد الناصر كان متعصباً له وزمن قادسية صدام كان متعصباً له.. وما بعد 1990 بدأ في التعصب لمذهبه. بينما عباس رجل شيعي.. كان من البداهة أن ينحاز لصف الدفاع المقدس “اسم الحرب العراقية الإيرانية بالنسبة للشيعة”. لكن، هنا تكمن مشكلة حقيقية. كان العراق يحارب إيران ليس من منطلق مذهبي. بل لتصفية حساب قديم مع إيران ويحدث أن الوقت فيما بعد الثورة الإيرانية عام 1979 مناسباً جداً للعراق كي يصفي ذلك الحساب.. وبدأ في ذلك بالفعل عام 1980. حيث أنه من المعروف أنه وبسبب ثورة 1979 كان الجيش الإيراني في أضعف حالاته بسبب تصفية الجنرالات الموالين للشاه وإعادة هيكلة شاملة للجيش الإيراني فيما بعد الثورة. أي أن الحرب لم تكن لأسباب طائفية. فقد كان الجيش العراقي يحتوي على السني والشيعي يحاربان معاً جنباً لجنب ضد إيران. لكن ما حدث فيما بعد هو أن تم توظيف المذاهب لشحذ الهمم في دعم كل طرف.
من البديهي لكل العرب أن يقفوا خلف العراق. ومن البديهي أن تستغل القوى العالمية هذه الحرب لبيع الأسلحة وكلنا يعرف فضيحة إيران غيت زمن ولاية الرئيس رونالد ريغان الثانية والتي تم الكشف عنها حيث أن الولايات المتحدة التي كانت تدعم العراق علناً بالسلاح كانت أيضاً تبيع السلاح لإيران ! ما يهم هنا، هو أن عباس رغم أحداث المقاهي الشعبية واختطاف الجابرية كان متعاطفاً مع إيران. مع إحترامي الشديد لأي اعتبارات مذهبية. لكن، ألا يعتبر هذا السلوك خيانة لو كان في دولة أخرى وظروف أخرى ؟ التعصب مكروه على أي حال بكل تأكيد. وسلوك عباس هذا لا يجعل صالح رجلاً مخلصاً لوطنه أكثر. فعقلية التعصب لدى عباس هي ما دفعته لموالاة إيران.. وصالح يمتلك ذات العقلية إنما يحدث أن لها اتجاهاً مختلفاً. هذا كل شيء. ورغم أنهما قد أسرا أثناء الغزو العراقي للكويت. إلا أن ذلك لم يغير شيئاً في عقليتهما.. ومن المؤسف جداً أن نرى الحالة الوحيدة التي اتفقا فيها هي حين طردا أبا نائل الفلسطيني من منطقتهم بعد التحرير. وحينها برر صالح موقفه لابنه بأنه يطبق مبدأ أنا وابن عمي على الغريب. كم فعلت السياسة بنا الأفاعيل ! أعجبتني محاولة السنعوسي الموضوعية مع الجميع، فأظهر الطرف المخلص من الفلسطينين في الكويت.. وأظهر الطرف الخائن.. أظهر الجانب الجيد من أهل بلاده.. كما أظهر سلوكهم المشين. كما أظهر العراقي الغازي المجرم، وأظهر العراقي الشهم الذي قام بإعطائهم نقود الرشوة كي يتمكنوا من زيارة صالح وعباس في سجن البصرة. إنه من الطبيعي أن يكون الأمر كذلك في كل قوم. أليست تلك هي الحال دوماً ؟ فلا قوم يحتكرون الخير كله أو الشر كله. لكن ما يحدث هو أننا نزر وازرة بأخرى في كثير من الأحيان. وهكذا وصم كل العراقيين بالعار لدى الكويتيين مما اضطر من ينتمون لأصول عراقية من الكويتيين أنفسهم أن يخفوا ذلك.. كما فعل صادق حين كان يشير إلى جدته زينب العراقية أنها من الإحساء. حتى زينب المسكينة، أصبحت تحاول جاهدة إخفاء لهجتها التي تفضحها.. وتضطر لمشاهدة المسرحيات التي تسخر من العراقيين كعراقيين لا كغزاة إلى الدرجة التي لم تعد لها القدرة على التحمل لتغادر المكان متحدثة بلهجتها العراقية أنه لا، العراقيون ليسوا هكذا.. بينما كان صالح غارقاً في ضحكاته. وبذات المنطق طرد “الزلمات” من الكويت. لقد أعجبتني عزة نفس أبي نائل وكرامته حين طرد فلم يفتح المجال لهما للكلام.. بل عبّر عن قراره بالخروج من الكويت إلى الأردن برغبته هو. إنها ثقافة الكراهية وأن نسم القوم كلهم بجائرة قام بها بعضهم. إنها ثقافة “لكي لا ننسى” الموجهة بشكل أعمى اتجاه التعميم. لا عجب، ان تكون فوزية هي المبصرة بينهم في الظلام كما حدث فيما بعد.
للحرية دوماً ثمن، ولهذا كان الأمر حين عاد البرلمان مرة أخرى في الكويت أسيء استخدام هذه الحرية بشكل كبير.. حيث كانت كل طائفة تنشر الكراهية المذهبية في المجتمع من خلال الإعلام وغيرها. لتقترب الفئران أكثر وأكثر. ليصل الأمر حداً خطيراً بعد سقوط بغداد 2003 في الغزو الأمريكي لها.. بدأت الأمور تتفاعل بسرعة أكبر في الكويت.. وازداد الأمر خطورة مع الثورات العربية الأخرى.. والتي تحولت فجأة إلى حرب طائفية بدورها !
من السهل على العقل العربي الانجراف مع التعصب. أياً كان مرده. أليست تلك هي الجاهلية التي حذرنا منها عليه أفضل الصلاة والسلام ؟ إنها ليست مقصورة على القبيلة أو النسب.. إنها تمتد للقوميات والمذاهب وكل انتماء. ألم يتنقل صالح بين تعليق صورة صنم وأخرى إلى أن انتهى إلى صنم اسمه المذهب في قلبه ؟ تلك هي الحال دوماً.. إن العربي يبحث دوماً له عن صنم جديد.. فلم تهدم كل الأصنام يوم فتح مكة.. بقي صنم واحد في قلب العربي. قد يكون متوارياً عن الأنظار، لا يرى. لكن، يمكن له النمو والانتشار إذا ما وجد له تربة خصبة في ذلك القلب وتمت من بعد ذلك تغذيته. ومن المثير أن نرى السنعوسي يرجعنا إلى الإرهاصات الأولى لبذرة الطائفية –الفئران- حين نجد ذلك الطفل الضخم يتنمر على صادق بالمدرسة ويسأله مستنكراً: وهل أنت عربي ؟ وفي ذلك إشارة لأصول صادق لكونه من الذين هاجروا من بلاد فارس –قبل أن تصبح إيران اليوم- إلى الكويت وأصبحوا كويتيين. إذن، فالأصل حقاً جاهلي، لأن التمييز يبدأ من هنا، من القبيلة والنسب قبل أن يتخذ شكله المذهبي اليوم. ويمكننا أن نرى ذلك في أماكن أخرى وغير متعلقة بالدين. ففي الأردن مثلاً لا نزال نجد من يميز بين أردني وفلسطيني رغم أنهما من نفس الدين والمذهب ولربما هما نسيبان كذلك مثل فهد وصادق.
هل يمكنني حقاً أن أجرؤ بحصر هذا على العقلية العربية ؟ إطلاقاً، فقد قرأتُ أن العقلية المتعصبة ضد السود مثلاً تأخذ وقتاً طويلاً جداً للتعافي من فكرة التمييز ضد السود المزروعة عميقاً في لا وعيهم. وهي مشكلة أصيلة في مجتمع كالولايات المتحدة على سبيل المثال التي ورغم تحرير العبيد منذ أكثر من 100 عام إلا أننا لا نزال نسمع عن أحداث متفرقة لرجل أسود يقتل بدم بارد على يد شرطي أبيض وأعمال شغب فيرغسون ليست ببعيدة. نعم، فالفئران لها أنواع مختلفة. ولا يهم أيها يصلنا.. فأي واحد منها أكثر من كافٍ ليصيبنا بالطاعون.
نرجع لروايتنا، هذا الإرث الثقيل لصالح وصادق وصل أخيراً لولديهما فهد وكان يظهر بينهما بين فترة وأخرى رغم أنهما أصدقاء ورغم حقيقة أن فهد يحب أخت صادق.. حوراء. ثم نجد نموذجاً آخر وهو ضاري أو كما يلفظها “ضاوي” ابن الشهيد حسن. والذي كان من المقاومة الكويتية ضد الغزو العراقي. وهو في ذات الوقت خال كتكوت. والذي استحال فيما بعد لرجل ذا فكر “قاعدي” قبل أن يعود عن ذلك ويوافق على أن يكون إلى جانب كتكوت وأيوب وفهد وصادق كـ”عيال فؤادة”. وهي الجماعة التي اتفق الخمسة على تشكيلها بتأثير كتكوت وأيوب للتحذير من الفئران !
أعجبني اهتمام السنعوسي بالأثر النفسي للصدمات العصبية التي تمر فيها شخوص الرواية.. تلك الراء التي استحالت واواً لدى ضاري بعد أن رأى العراقيين يقتلون اثنين من المقاومة الكويتية أمام بيته.. وتلك الرغبة الجامحة لحوراء بأن تستأصل ثديها الأيمن الذي قتل ابنها البكر خطأً حين ناما وهي ترضعه. حوراء لم تعد لحياتها إلا بعد أن استأصلته حين استجاب جسدها لرغبتها تلك في لاوعيها وأصيب ذلك الثدي الأيمن بالذات بالسرطان. وكم كانت سعيدة حين قال لها الطبيب آسفاً بأنه قد يضطر لاستئصاله لها.. فشكرته وهو لا يدري لماذا. بينما ضاري لم يتعافَ أبداً مما تركه ذلك المشهد حتى مات حرقاً وهو صائم بحريق أشعلته الفئران.
الرواية مليئة بالرمزيات التي لا نهاية لها، ابتداءً من اسم كتكوت ذاته.. وهو الاسم الذي أطلقته عليه فوزية ابنة حصة وعمة فهد. والرمزية هنا في أن حصة كانت تخبره أن الفئران لا تستطيع مهاجمة بيض الدجاج إلا المكسور منه.. ذلك الذي يسيل منه الزلال.. وبما أن الكتكوت قد خرج من البيضة بالفعل فإنه ليس بإمكان الفئران أن تتمكن منه أبداً.. وهذا بالضبط ما كان. وحكاية سهيل وشهاب الصديقان اللذان دخلت بينهما الفئران ففرقتهما إلى الأبد. قد يكونان الأصدقاء فهد وصادق.. أو كتكوت ذاته وفهد ومع تلك النهاية المأساوية التي آلت إليها الرواية في مشهدها التوضيحي للمشهد الذي بدأت فيه. والمثير في هذا المشهد أن تعلّق الكتكوت بخرافات مثل قلب النعال يكون وجهه للأرض.. خوفاً من أن تسقط علينا السماء ! منعه من أن يمنع الكارثة من الحصول فيما بين فهد وصادق. إن كان ثمة سقوط للسماء حقاً على حياة الكتكوت فهو قد حصل بالفعل مما حدث بين فهد وصادق في تلك اللحظة. وأخيراً المشهد الأخير الذي انتهت به الرواية والذي نرى فيه كيف أن كتكوت وأيوب “فقط” أي الذين لا تمسهم الفئران هاجموا بالفعل الفئران بينما كانت تتقاتل فيما بينها. وتنتهي الرواية بالفعل بالأمل الذي يأتي بأنهما قد ينجوان منها حقاً من خلال فعل الركض.
هل هذه الرواية تمثل نبوءة مشؤومة لما هو قادم ؟ إطلاقاً، إنها صرخة تحذير.. الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون. ولربما أسمع في الخلفية عبد الحسين عبد الرضا بشعره الأبيض وشواربه المميزة البيضاء وهو يقول بصوت حزين، مبحوح: “نبي نعيش”. كنتُ قد رأيتُ الكويت في دمار مرةً على شاشات التلفاز في برامج كـ”لكي لا ننسى” من قبل ولا أراني الله فيها دماراً بعدها أبداً.. هي وسائر الوطن.. اللهم آمين.. لقد حدد السنعوسي في هذه الرواية ما الذي يجب عدم نسيانه بالنسبة للكويتيين فيقول: تمسد رأسي. تعدد الأشياء التي لا تريد لي نسيانها؛ لا تنسى أن الكويتيين عملوا في جمع القمامة بعدما كانوا ملوكاً في بلادهم. لا تنسى أننا أصبحنا لاجئين في ليلة وضحاها في شتى بقاع الأرض. لا تنسى أن بعضنا، رغم إعانات الحكومة في المنفى، عاش على التبرعات طيلة أشهر الإحتلال. لا تنسى أن البعض ضحى بحياته من أجل وطنه. لا تنسى أننا نسينا كل خلافاتنا واختلافاتنا من أجل بلادنا. لا تنسى أنك لا تساوي شيئاً من دون وطنك. ثم أخيراً، والأهم، لا تنسى أن الدنيا تدور ! هذه العبارات، يمكننا تعميمها مع تحوير بسيط لتوائم سائر الوطن على اتساعه. أحاول بالعادة الإختصار في مراجعاتي، لكن مع عمل من هذا النوع.. يستحيل عليّ فعل ذلك.
باختصار، هذه الرواية في غاية الأهمية.. وفي غاية الذكاء. وإن كانت خصوصية الثقافة الكويتية قد تجعلها صعبة بعض الشيء لمن هو ليس على إطلاع مسبق عليها. لكنني أعتقد حقاً أنها ستصبح وتظل طويلاً علامة بارزة في الرواية العربية.
سعود السنعوسي، شكراً لكَ بحق. أنا سعيد للغاية لكَ وبكَ. كل التحية والإحترام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد حمدان: كاتب أردني. ولد في الكويت، وتلقى تعليمه الثانوي في الأردن عام 1998 ليدرس بعدها الصيدلة في جامعة فيلادلفيا. له في الرواية:
“ •سمات بشرية لا نفتخر بها”، 2012 
“ •عن ظهر قلب”، 2016

الثلاثاء، 20 مارس 2018

السنعوسي في مصيدة فئران كامو

بقلم: دانة كامل الشيخ


أنا أعرف ما لا تعرفه هذه الجماهير المتهيجة، والتي كان بإمكانها أن تتعلم أن جرثومة الطاعون لا تموت، بل تنام فقط.
* الدكتور ريو في رواية "الطاعون" لــ ألبير كامو

عندما حصل الروائي الكويتي سعود السنعوسي (1981) على جائزة "بوكر" العربية عن روايته "ساق البامبو"، انقسم النقاد والصحفيون والكتاب بين مرحب ومتحفظ، فالمتحفظون يرون أن الرواية لم تكن تستحق كل هذا الصخب، فيما يرى المرحبون أنها لفتة كريمة من الجائزة لموهبة "خليجية" شابة استطاعت أن تطرح قضية التعامل العنصري مع عاملات المنازل في الكويت ودول الخليج العربي، وهي قضية "مشينة" تحتل حيزًا ليس بالقليل في تقارير حقوق الإنسان.

     لكن شيئًا مختلفًا قدمه سعود السنعوسي في روايته "فئران أمي حصة"، الممنوعة كويتيًا وخليجيًا، بطرحه منتجًا "فنيًا" يكاد يكون متكاملًا، بدءًا من العنوان وتصميم الكتاب، وتأريخ حربي الخليج الأولى والثانية وحتى توظيف الدراما الكويتية والأغاني الخليجية العاطفية منها والوطنية في الرواية، التي تتحدث عن فترة الحرب العراقية – الإيرانية وحرب الخليج وترسم مستقبل الكويت والخليج العربي في عام 2020.
كما أن الذكاء –غير المعلن- في الرواية تمثل في بعدها الأدبي بالتقاط "فئران" الأديب الفرنسي آلبير كامو في روايته الشهيرة "الطاعون". وإن كانت فئران كامو تتحدث عن مدينة وهران في فترة الاستعمار الفرنسي، والتي رآها النقاد إسقاطًا للحالة الاجتماعية والنفسية على الشخصية الأوروبية عقب الحرب العالمية الثانية، فإن فئران السنعوسي تتحدث عن الحالة الطائفية التي بدأت تظهر على استحياء فترة الحرب العراقية– الإيرانية في الثمانينيات حتى أصبحت واقعًا فجًا بعد ما بات يعرف بـ"الربيع العربي".

     تبدأ "فئران أمي حصة" بصفحاتها 437، والصادرة عن "الدار العربية للعلوم" في لبنان، عقب تفجيرات المقاهي الشعبية في الكويت عام 1985، والتي اتهم بارتكابها نشطاء إيرانيون انتقامًا من دعم الكويت للحرب العراقية – الإيرانية المعروفة بـ"معركة القادسية الثانية"، في محاولة لإسقاط معنى ديني وقومي باستحضار قادسية سعد بن أبي وقاص، في ضم بلاد فارس للدولة الإسلامية الوليدة آنذاك.

     الشخصية الرئيسية في رواية "فئران أمي حصة" الملقبة بـ"كتكوت" يبدأ طفلًا في السابعة من عمره، يكتشف آثار هذه الحرب على تركيبة أترابه في المدرسة والحي، فجاريّه حولا بيتهما إلى جدارية أحدها تمجد "روح الله الخميني" قائد الثورة الإسلامية في إيران، فيما تزين جدران جاره الثاني صور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو ما كان له أثر في تنشئة أصدقاء كتكوت.

     عمد سعود السنعوسي إلى توظيف ذكي وساخر إلى حد المرارة لعناوين الصحف الرئيسة الصادرة في الكويت، والتي تؤكد نبرة قوية لوزير الخارجية آنذاك –وهو الأمير الحالي لدولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح- الذي رفض إقامة قواعد عسكرية في بلاده، فيما يصدح وزير الدفاع الكويتي في واشنطن قائلًا "حلو عن سمانا وبحرنا". حتى أن السنعوسي استحضر أغانٍ كويتية وطنية لمهرجان "الصداقة والسلام"، والذي احتفى بما عُد حينها نصرًا للعراق على إيران، ولقبت صدام بـ"سيف العرب"، إذ تقول إحدى الأغنيات التي أداها الفنانان عبد الله رويشد وعبد الكريم عبد القادر: "هلا بسيف العرب ينحط على يمناي/ هلا بللي حكى التاريخ عن أصله/ هلا بللي زرع نخله/ وسقاها من شط العرب ماي".

وسطرًا فسطرًا، وحربًا فحربًا، تبدأ الصور تتساقط من جدران جاريه، وتبدأ الهوية تتقزم أكثر فأكثر في قلبي صديقيه، وتسقط فلسطين كقضية العرب الأولى، ويصبح الفلسطينيون يتحولون من صورة الشعب الذكي الشجاع البطل، إلى صورة قاتمة توصف بالخيانة والغدر بسبب موقف منظمة التحرير الفلسطينية من حرب الخليج الثانية. ففي أول حصة مدرسية يطلب من أطفال المدرسة تشويه صور أعلام الدول العربية التي وقفت مع العراق في الحرب، وتوارى العلم الفلسطيني خلف لون قاتم من الحبر الأسود.
تعد شخصية "أمي حصة" ضمير الرواية في "فئران أمي حصة"، وهي جدة لجار وصديق عٌمر "كتكوت"، وهي كالجدات زاخرة بالحكمة والأمثال الشعبية وقصص ما قبل النوم. كثيرًا ما كانت تروي قصصًا عن الفئران، الكائن القذر بحسب توصيفها، والذي يترك "برازه" ذي الرائحة النتنة تحت السجاد وفي زوايا البيت، وعلى الرغم من عدم مشاهدة الفئران بصورة جلية، إلا أن الجدة كانت تؤكد أنها لابد أن تكون هناك.

زاد من شعبية "الفئران" في مخيلة الكاتب مسلسل "على الدنيا السلام" من بطولة حياة الفهد وسعاد العبد الله، وهو عمل درامي كوميدي لكنه يستنطق شخصيات سوداوية خاصة أن أحداثه تجري في مشفى للأمراض العقلية، ومن بين تلك الشخصيات معلمة التاريخ فؤادة التي تؤكد في كل مرة أنها "التاريخ كله، وأحذركم من الآن، الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون". فهذه الشخصة المنضوية في قالب كوميدي عام، كانت في الحقيقة تستنطق طاعون ألبير كامو، محذرة أن هذا المرض الذي يفتك بالأمم بعد خيبات كبيرة وحروب طاحنة، لا بد أن يجد له موطيء قدم في العالم العربي الذي تفتته الهويات القاتلة.
تُقسم رواية "فئران أمي حصة" إلى ثلاثة أجزاء سُميت بأسماء ثلاثة فئران، هم شرر وجمر ولظى، وكل فأر يتحدث عن فترة بدأت فيها "الفتنة" الطائفية والعرقية تتفشى في الكويت. فبدءًا من "عربي وأعجمي"، مرورًا بمع وضد "صدام"، وانتهاءًا بـ"سني شيعي". لكن، ليس الماضي "الفانتازي" هو ما تسبب في منع الرواية – بل ما رسمته الفئران الثلاث في المستقبل، إذ يرى السنعوسي أن نار الطائفية التي استعرت في العراق وسورية لا بد أن تطرق باب الخليج العربي قريبًا.

الكاتب سعود السنعوسي يبرهن على نبوءة فؤادة بأخذ القارئ في جولة في الماضي عن طريق ذكريات الطفولة في حربي الخليج، ثم يعقبها مباشرة بمشهد مستقبلي متخيّل لكنه "نتيجة منطقية" لمعطيات الأحداث السابقة ما يحدث "رعبًا" من الغد لدى المتلقي.
في "طاعون" كامو، تنتهي معظم الشخصيات ولا يكاد يبقى سوى "مغسّل الموتى" والطبيب، أما "طاعون" السنعوسي فلا يبقي إلا "تبّاع الجيف"، وهو نسر يأكل الجثث، حتى أنك تشعر وأنت تنهي الصفحات الأخيرة من "فئران أمي حصة" بظلّه الثقيل المشبع بالموت!

الأحد، 18 فبراير 2018

حَمَامُ الدار.. ومناوشة اليقين

بقلم: مروة سمير



من مميزات رواية حَمَامُ الدار «أُحجية ابن أرزق»، للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، أنه يمكن تأويلها بأكثر من طريقة، وتأملها بأكثر من منظور، فقد تجدها أحيانًا تتجاوز التصنيف الأدبي لتُمثل لوحة فنية تجريدية مُلهمة، لوحة يخيم عليها اللون الأزرق وما يحمله من دلالات، أزرق هو الأب القاسي.. البحر المخيف.. الكابوس المؤلم.. والسماء التي تبتلع الأحبة.
ثم تعيش لوحة أخرى من الألوان ترسمها الكلمات، مع الحمامة فيروز.. حمامة رمادية اللون يميزها لمسة فيروزية اللون حول عنقها، تماما كالبطل الكهل «عِرزال» بملابسه الرمادية ووشاح عنقه الفيروزي، كأنه إنعكاس لها، وحيث الماضي دائما هو الأمس، وكأن الزمن دائري في سلسلة متشابهة الأحداث، فيبدو سيره بظهره كلما دخل الغرفة يحمل أكثر من مغزى.
أما الاستهلال الذي أتى باقتباس من الرواية البديعة “الحمامة” للكاتب الألماني باتريك زوسكيند، كان بداية موفقة للغاية لدخول العمل.
“حمام الدار لا يغيب، وأفعى الدار لا تخون”
تبدأ صباحات «عِرزال أزرق» باتصال مع طليقته ليطمئن على صغيريه، فتقطع الاتصال ما أن تسمع صوته: «اركض يا جبان!»، نفس الجبن الذي يتهم به الحمامة فيروز كلما اختفت في الأزرق تاركة فرخيها الصغيرين، فيخشى هلاكهما ويحاول منحهما الحياة بكل الطرق الممكنة.
«وحده السؤال مِنحة العقل ومِحنَته»
قد تبدو الفكرة الرئيسية للرواية معضلة كاتب لا يستطيع إنهاء قصته، فيتدخل مستعينًا بالأبطال ليحاول فهم شخصياته التي تمردت عليه.
لكن ما يمنح العمل تفردا واضحًا، توالى الرموز والاسقاطات أمام رمزية الكاتب العليم بكل شيء، الذي تمنحه شخصياته الورقية تقديس إلهي، ينظر إليه بعضهم عبر السقف غاضبا من صمته رغم أنه يرى كل شيء، ويتطلع إليه البعض الآخر برجاء ورهبة آملا في الخلاص.
يدور بين الشخصيات صراع ما بين الإيمان بأن أقدارنا كتبت دون حيلة لنا، وبين الإصرار أننا نحن من نرسمها.
فماذا إن تبدلت الأدوار وأصبح البطل المُختلق هو المؤلف.. هو الرواي؟
بين ماضي مؤلم لعرِزال ومستقبل غير معلوم، تمر الأحداث بلغة رائعة، مفعمة المشاعر، بشخصيات مرسومة ببراعة، محلية الأجواء، وبإشارات في بداية الفصول تَحكي قصة أخرى بين السطور.
“كيف للحزن أن يتخذ من الجمال ثوبًا على هذا النحو من السحر؟!”
تصل الرواية لأفضل حالاتها في نصفها الثاني مع «منوال» وانعكاس الحكاية بأكملها، ليُشجيك الألم ويَسكنك هديل الحمام.
تتجمع قطع «أُحجية ابن أزرق» في الفصول الأخيرة، لتعيد اكتشاف الأحداث كلها من جديد، وترى الوجة الآخر للشخصيات، تستشف من بين السطور سر قسوة الأب، وحزن غناء فيروز، يَمُسّك وجع غياب زينة ورحال، يعود بك الزمن لنقطة البداية مرارًا.. ويتلاعب بك، تتضح الأحجية نوعًا، لكنها لا تمنحك يقين الأجوبة.
قد يبدو العمل غامضا لمن ينتظر حبكة تقليدية بسيطة، لكنه في غاية الجمال والإمتاع لمن يبحث عن خيال جديد، بديع، بلوحات فنية تُثري الروح، وبجمال لغة السرد ورهافة المشاعر التي تحملها الكلمات.
“حمام الدار يغيب.. وأفعى الدار تخون!”
حَمَامُ الدار عمل يتميز بجمال غير تقليدي، وإبداع متفرد، يحمل مناوشة الشك باليقين، شك الوجود.. ويقين العودة. 

الثلاثاء، 13 فبراير 2018

عن مرايا سعود السنعوسي التي تحطمها ساق البامبو

بقلم: لينا العطَّار





     غالباً ما يُصَنَّف الروائيون حسب نوع الروايات التي يكتبونها، فيرتبط اسمهم بنوع الأدب الذي تقرؤه لهم، فمن الطبيعي أن يخطر لك أدب السجون عندما تسمع اسمع أيمن العتوم، أو الميتافيزيقيا عندما يقال أحمد خالد توفيق، أو الرومانسية الاجتماعية عندما تقرأ اسم بثينة العيسى، ونجيب محفوظ هو الأديب العبقري الذي يكتب عن الحارة الشعبية والمجتمع المصري، لكن بعض الأدباء وهم نادرون حقاً لا تستطيع أن تضع ما يكتبونه في أي خانة..

     سعود السنعوسي أحد هؤلاء الكتّاب وأبرزهم، ورغم حداثة سنه العمرية والأدبية، إلا أنه حجز لنفسه مكانة مهمة بين الأدباء الكبار، ومكانة مميزة عند القراء الذين صاروا ينتظرون أعماله بفارغ الصبر، وأعتقد أني واحدة من كثيرين تعرفوا عليه بعد فوزه بجائزة البوكر للرواية العربية عام 2013 عن روايته (ساق البامبو) حين قررت بعدها أن أقرأ أعماله كلها التي نشرها لأكتشف أنه لم ينشر سوى رواية واحدة هي سجين المرايا، وقد يبدو هذا غريباً في زمن بات فيه النشر أمراً متوافراً وقد يكون من السهل لأي شخص كتب عبارتين على وسائل التواصل الاجتماعي أن ينشرهم في كتاب والأمثلة على هذا كثيرة، لكن الكاتب الحقيقي هو الذي يعرف قيمة الكلمة أولاً وقيمة الكتاب الذي سيحمل كلماته، ويقدّر القارئ الذي سينشر له لأنه الهدف أولاً وأخيراً بالنسبة لأي كاتب، ونحن هنا أمام كاتب يقدس الكلمة، ويجعل منها وسيلة وصول لكل شخص، بقلبه وعقله.

سجين المرايا – جائزة ليلى عثمان للرواية 2010

 

     رواية رومانسية للوهلة الأولى لكنها دراسة معمقة للنفس الإنسانية حين تحب وحين تكره..حين ترى نفسها أسوأ مافي الكون، أو أفضل مافيه..حين تقرر الخروج من قوقعتها وتكسير كل المرايا التي حولها والتي لم تعكس إلا صوراً سيئة وخاطئة عن الحياة، فكان عليه أن يحطمها ويخرج من سجنها ليرى العالم بمنظور جديد..فتكون المحاولة الأولى لهذا التحطيم فاشلة، بل تحكم السجن الذي يعيش فيه ليكون عليه أن يقوم بما لم يقم به من قبل كي يخرج هذه المرة.
لم تكن تجربتي الأولى مع السنعوسي، لكني استمتعت بها كثيراً ورأيت من خلالها أديباً فذاً وخيالاً خصباً بالأحداث والتشبيهات ومشاعر عميقة استطاع إيصالها لنا بكل براعة.

ساق البامبو 2012 – جائزة البوكر للرواية العربية 2013


     اشتُهِر من خلالها، والتي قرأها جميع الشباب، المذهل في تلك الرواية كان بساطة أسلوبها وعفويته التي عبرت عن مذكرات شاب كويتي فليبيني عاد يبحث عن والده ووطنه، فلم يجد أياً منهما.
الخدعة التي تفوق إليها متأخراً في نهاية الرواية وتظل تتساءل: هل كان الكاتب يكتب بنفسه أم يترجم مذكرات عيسى!..لتجد نفسك أمام كاتب استطاع أن يتجسد شخصيته تماماً حتى ذاب فيها..حسناً بالتأكيد يحمل كل كاتب جزءاً من شخصياته، ويضع في كل منهم بعضاً من روحه ينقلها للقارئ كجزء من الاتفاق الضمني بين القراء والكتاب، لا يمكن أن تخفي الكثير عن قارئك.

فئران أمي حصة 2015


     الرواية التي أثارت ضجة كبيرة وسُحبت ومُنِعَت من الأسواق، يمكن تصنيفها ضمن روايات الديستوبيا، والتي ترى من خلالها حاضراً ومستقبلاً مؤلماً في البلاد العربية، غصة رافقتي طيلة صفحات الرواية، اجتياح الكويت والتشابه المرعب بينه وبين الحاضر في بعض الدول العربية وبين المستقبل الذي توقعه للأبطال، لم يعطينا أي معلومة أو تلميح عن اتجاه البطل المتكلم، فقط بقي ضائعاً بين صديقين كل منهما من اتجاه، يقفان معاً في بعض الأوقات وقد تصل بهما الأمور إلى قتل أحدهما الآخر في مرات أخرى.
الفواصل الزمنية في الرواية والقدرة على التنقل بين زمن وآخر حيث أن الرواية تدور في ثلاث أزمنة متوازية بطريقة لم تربك القارئ أبداً بل كانت محكمة وواثقة جداً.

حمام الدار.. أحجية بن أزرق 2017


     حمام الدار لا يغيب، وأفعى الدار لا تخون..لكن أحياناً يغيب حمام الدار بعيداً، وتخون الأفعى وتختل كل الموازين.
هنا فاق كل التوقعات واختلت كل الموازين الأدبية عنده، كأن ذلك الكاتب المجنون في داخله في خرج وتمرد على الورق وقد حطم كل القيود الأدبية وخرج لنا برواية أقل ما يقال عنها أنها غريبة..لكنها كانت رائعة، نفس الغصة التي رافقتني في فئران أمي حصة، ونفس الألم في النهاية، لكن هنا يضاف عليه محاولة جاهدة مني طيلة الصفحات لفهم واستيعاب الأحداث والشخصيات وربطها ببعضها البعض، وهذا ما لن تستطيع فعله في النهاية، ليأخذنا خياله الواسع إلى مناطق لم نألفها من قبل ولم يسبق لنا أن نخوض فيها في الأدب العربي.
أربع روايات يتقارب الفاصل الزمني بينها، وتتباعد الحكايات ويبني لنفسه في أرض الخيال قلاعاً من أدب راقٍ، تتنوع باختلاف الفصول..أسلوب محكم لا يمكن مجاراته، وبناء أدبي عميق وصياغة متمكنة من قلم يعرف جيداً كيف تخطو كلماته على الورق بثقة عالية جداً وتماسك قلّ نظيره.
عبء ثقيل يقع على سعود السنعوسي لروايته القادمة، فالقارئ لم يتوقع منه الأفضل فقط، بل أن يفاجئه أيضاً، فلم يعد القارئ يقبل بالعادي، وهذا للأسف شرط ضمني آخر بين القارئ والكاتب سيكون على السنعوسي أن يلبيه وألا يخيب أمل القارئ، ولا أعتقد أنه سيفعل، فالتأخر في النشر بالنسبة للكاتب ثم النجاح بهذه الطريقة المبهرة، علامة تبشر بخير وتنبئ أنه اختزن الكثير ليقدمه لنا، فمازال في جعبته الكثير من الحكايا والأحاجي التي سيحكيها لنا.