الأربعاء، 18 يوليو، 2012

ألسِنة الإسفلت

سعود السنعوسي:
مجلة الكويت عدد 345 يوليو 2012

     فور فراغي من زيارة الأماكن التي خططت لزيارتها منذ كنت في الكويت.. تاج محل.. قلعة آغرا.. متحف غاندي ومنزله ودكّة حرق جثمانه.. جامع مسجد.. حديقة القصر الرئاسي.. ومنارة قطب، أو "كوتوب مينار" كما يسمونها هناك. تحمّس سانجاي، سائق الفندق، لاهتمامي بكل التفاصيل من حولي، ليريني، على حد قوله، ما لا يستطيع السائح العادي رؤيته: "بما أنك روائي، سوف أريك أشياء جديدة لا أريها السيّاح عادة". كان كثيرا ما يردد حينما يحدثني عن بلاده: "عذرا سيّدي أنا لست مثقفا.. لم أكمل تعليمي". لا يدرك هذا الـ سانجاي كم كان مثقفا، إن لم يكن حكيما بالنسبة إليّ. سألني، عندما كنا في السيارة: "ماذا تعرف عن الهند؟". أجبته، مزهوا، بكل ما أعرف، بدءًا بالهندوسية وكتبها المقدّسة، المهابهارتا والرامايانا، مرورا بـ مهاتما غاندي وطاغور وجواهر لال نهرو.. نهر الغانج ومعابد هانومان، وصولا إلى أميتاب باتشان وأفلام بوليوود. أطلق سانجاي زفرة طويلة يقول: "حسنا.. أنت لا تعرف أكثر مم يعرفه الناس في الخارج". استطرد يسأل: "هل ترغب برؤية الهند التي لا أحب أن يراها الغرباء؟". هززت رأسي متحمسا. أردف: "قد يساعدك هذا على كتابة شيء ما".
     في منطقة لست أدري أين موقعها في خارطة الهند. ولكنها ليست بعيدة عن نيودلهي العاصمة، كنت وسانجاي. نزع معطفه ذا الأزرار الذهبية، ثم أخفى قبعته السوداء وقفازيه أسفل مقعد السيّارة: "كي لا ينتبه أحد إلى وجود سائح"، قال مبررا.
     منطقة فقيرة جدا، ولكنني أحببتها.. جدا. أحببتها لأنها تظهر بصورتها الحقيقية. صادقة. تعرف فيها حكايات الناس من وجوههم. الابتسامات على وجوه الأطفال العراة. القرود بأعداد البشر، أحدها يسرق شيئا ما من رجل عجوز، لعله رغيف خبز. الحرية التي تتمتع بها الأبقار الهزيلة في الشوارع من دون أن يبدي سائقو السيارات والدراجات النارية تذمرهم. الكلاب الضالة المسالمة تسرح بين البشر بأعداد هائلة. الرصيف يكاد لا يظهر لونه الحقيقي تحت البقع البنية الداكنة للـ بان الذي يبصقه الهنود في كل مكان. مظلات صغيرة يجلس تحتها البعض يعرض سلعه. والغربان في كل مكان، في الأرض والسماء وبين الناس، أميّز، رغم ضجيج الشارع، نعيقها. لا يجمع بين كل تلك المخلوقات في ذلك المكان سوى.. الجوع.
     كوني أحببت المكان، لا يعني أنني لم أشعر بالألم لذلك البؤس الذي يعيشه البعض. قلت لـ سانجاي، أثناء عودتنا إلى السيّارة: "الديموقراطية في الهند، كما أعرف، في أكمل صورها.. ألا تصلح ديموقراطيتكم أحوال البشر؟". أجاب باسما: "لو أننا لا نخاف الشارع!".
     حدّثني سانجاي أثناء الطريق، في حين كان يشير بيده إلى يمين الشارع ويساره حيث المساحات الشاسعة على مد البصر. وراء تلك المساحات أعداد هائلة من البشر. الحكومة تخشى أن تمد الشوارع إلى قراهم، فقد يكون الشارع سببا في وصولهم إلى المدن، وإذا ما تمدّن أولئك البشر سوف يعرفون حقوقهم، يطالبون بها. يضيّقون على الحكومة. أهل هذه القرى يخافون الشارع أيضا. هم لا يريدون للحكومة أن تمد الألسِنة الإسفلتية إلى قراهم، خوفا من أن يفقدوا أبناءهم إذا ما أصبحت الطريق سالكة إلى المدينة. وإذا ما ترك الأبناء القرى.. تبور الأرض وتموت الحيوانات.
     نظر سانجاي إليّ عبر مرآة الزجاج الأمامي للسيارة. سأل: "كيف هي الشوارع في الكويت؟". أجبته بصوت عال: "تصل إلى كل مكان". أردفتُ بصوت خفيض: "ولكن الديموقراطية..!".

نشرت في:



البطل المنشق بين هوية والده الكويتي وأمه الفيليبينية

بقلم: إبراهيم فرغلي
الجمعة ٢٩ يونيو ٢٠١٢

 
«لا يوجد مستبدون حيث لا يوجد عبيد»... بهذه الجملة التي تعود للمناضل الفيليبيني «خوزيه ريزال» يُصدِّر الكاتب الكويتي الشاب سعود السنعوسي روايته الجديدة «ساق البامبو»، الصادرة عن الدار العربية للعلوم-ناشرون، وهي عتبة جيدة لهذا النص، من حيث اختيار قائلها، البطل الفيليبيني الذي تسبب في قيام ثورة تحرير الفيليبين برواية، وبالمقولة المقتطفة عن الاستبداد والعبيد. مع ذلك فليس النص عن الاستبداد والعبيد بقدر ما يتناول استبداد البشر بعضهم ببعض.
وعلى رغم أن هذه هي الرواية الثانية للسنعوسي عقب روايته الأولى «سجين المرايا» التي دشن بها نفسه ككاتب موهوب وواعد، إلا أنها تمتلك الكثير من عوامل النضج الفني، بداية من اختيار المضمون، وكيفية تناوله سردياً، عبر خلق عالم زمني ومكاني شاسع يتوزع على جزر الفيليبين التي تشكل جسم ذلك البلد وبين الكويت في زمنها الراهن والمعاصر.
بطل الرواية «عيسى» كما يطلق عليه أهل الكويت، الذي ينتمي نسباً الى والده الكويتي راشد الطاروف، هو أيضاً «هوزيه مندوزا» كما يعرفه أهل أمه في الفيليبين التي نشأ فيها وعاش حتى شبابه، فقيراً، موزعاً بين هويته التي يعرف، كفيليبيني مسيحي، من عائلة بسيطة، وهويته الأخرى التي لا يعرف عنها شيئاً ككويتي ابن أحد شهداء تحرير الكويت خلال فترة احتلال الأخيرة من قبل العراق.
يقول هوزيه في بداية الرواية انه واحد من مئات من بشر يولدون بصدفة لقاء عابر، وعادة لا يعرفون لهم أباً، سوى أنه كان رجلاً أو شاباً خليجياً. لكن قدره الذي جعل من أبيه رجلاً مختلفاً تزوج الأم، واضطر الى التخلي عنها فقط بسبب ضغوط المجتمع والقبيلة، هو الذي تسبب في عودته شاباً يافعاً إلى بلاد أبيه وفاء للوعد الذي كان والده قد قطعه على نفسه.
تتنقل الرواية، عبر ساردها إذاً بين ثقافتين، وأظن أن المؤلف نجح نجاحاً باهراً في تقمص البيئة الفيليبينية وتراثها الثقافي في وعي الراوي، وفي الوقوع على نبرة صوت خاصة لكنها صادقة لهذا الفرد الذي لا يعرف العربية. ولكنه يعرف انه ينتمي الى ثقافتها في شكل ما، المسيحي الذي لا يعرف الإسلام لكنه يعي أنه ينتمي إليه على نحو ما. وأظن أن المواضع السردية التي تحمل الصراع الفكري والوجودي لهوزيه حول حقيقة هويته، وحقيقة معنى الدين بالنسبة إليه، خصوصاً بعد انتقاله الى المجتمع الكويتي من المناطق الشديدة الثراء في هذا العمل.
ومن خلال الراوي الذي نشأ في حي فقير في شمال مانيلا، مع جده لأمه ميندوزا، والذي حمل اسمه، مصارع الديوك السيئ الطباع، المقامر، الناقم على ابنتيه وعلى حياته كلها، والذي يعيش وحيداً في منزل صغير قريب من منزل بناته، نتعرف إلى تفاصيل من ثقافة الفيليبين، والحياة اليومية لأهلها، والمعتقدات والأساطير الخاصة بهذا التراث، وكيف ينمو بها وعي طفل ينشأ فيها. وعلى البيئة والجغرافيا التي تتنوع بين المروج والغابات والكهوف والصخور التي تتلون جميعاً باللون الأخضر، والتي يتتبعها من دون أن يغفل رتوش ربط الماضي الذي عاشه أهل الفيليبين ليتحرروا من المستعمر الإسباني بعد قصة كفاح كتبها ابطال الفيليبين مسيحيين ومسلمين، ثم يتنقل لاحقاً في امتداد هذه البيئة الفريدة بين البحار والشواطئ الزرقاء.

ومن هذه الطفولة البائسة مع خالته وابنتها ميرلا وشقيقه من زواج أمه الثاني، الذي يتعرض لحادث يؤدي به إلى الحياة لاحقاً مشلول الإرداة والعقل، يتشكل وعي الطفل الذي تتحدد أولوياته ومشاعره واختياراته في الحياة بناء على هذه النشأة. ويتعلق عاطفياً بابنة خالته ميرلا، ثمرة ليلة حب عابرة بين أمها وأحد الأجانب الذي اختفى لاحقاً تاركاً جيناته فقط علامة لا تمحى على هوية ابنته ميرلا فيليبينية الملامح الشقراء التي تتمرد على امها وعلى الحياة وتعيش ساخطة على كل شيء، كارهة حتى جنس الرجال بسبب سقطة أمها. وهو ما يقف حائلاً بينها وبين ابن خالتها خوزيه، أو عيسى كما سيعرفه أهله في الكويت لاحقاً.
تتعرض الرواية لتفاصيل استقلال عيسى عن الحياة مع جده وخالته، خصوصاً بعد خروج ميرلا من البيت غاضبة على أمها إثر مشادة نشبت بينهما، حيث يعمل بائعاً جوالاً ويتعرف إلى شاب من أصل صيني يعيش في الحي الصيني في مانيلا، ويسكن معه، وتدور بينهما مجموعة من الحوارات حوال البوذية والمسيحية وحول الهوية والفقر. وهي الحوارات التي تكشف جانباً آخر من ثقافة الفيليبين المفتوحة على الثقافات الأخرى، المتعددة كما أغلب الثقافات الآسيوية المترسخ في وعي أهلها مفهوم التسامح.
يحضر شخص الروائي اسماعيل فهد اسماعيل عابراً حين تبدأ أم خوزيه (جوزفين) في البحث عن زوجها الكويتي راشد الذي انقطعت أخباره فجأة عقب الغزو، فتستدل على اسماعيل الكويتي، بصدفة محضة (اسماعيل فهد اسماعيل عاش في الفيليبين بالفعل عقب الغزو لمدة سبع سنوات)، ومنه ستعرف أنه كان صديقاً له، وواحداً من أعضاء المقاومة الكويتية في فترة الغزو. وسوف تتبين لاحقاً أن راشد قد استشهد.
تبدأ قصة بحث الإبن عن جذوره في الكويت، فيعود إلى أحد أصدقاء ابيه، وهو غسان، أحد رجال المقاومة، لكنه من فئة البدون. وهنا يتعرف خوزيه أو عيسى إلى ملامح من بيئة أبيه، ويتعرف القارئ أيضاً إلى واحدة من أبرز معاناة قطاع كبير من الشعب الكويتي الذي حرمته ظروف تاريخية وصدف مدهشة من أن يحمل الجنسية، ولكنها تفتح باب السؤال واسعاً عن معنى المواطنة أساساً في مجتمع كهذا.
الرواية تقدم تشريحاً اجتماعياً مفصلاً للمجتمع الكويتي، ولمحات عن ابرز المحطات التاريخية التي شهدها المجتمع الكويتي في تاريخه المعاصر، وترصد الفارق بين مجتمعين، كان الأول يبدو اكثر تسامحاً مع ذاته وانفتاحاً، ثم مجتمع آخر متشكك في كل شيء، منغلق على ذاته. وتقدم نقداً اجتماعياً لاذعاً للمجتمع الكويتي، في الفترة التي أعقبت الغزو، راصدة التغيرات التي لحقت بالمجتمع وشكلت الكثير من التباينات الطبقية، التي امتدت آثارها حتى الزمن الراهن، كما تخترق الصمت السردي المضروب حول المجتمع الكويتي، المسكوت عنه تقريباً، لتكشف القيود التي يضعها البشر بعضهم على بعض بسبب التراث القبلي والعائلي. وتظهر على نحو خاص القيود التي ترزح تحتها الطبقات الأكثر ثراء والعائلات الكبيرة اجتماعياً في الكويت، وربما في منطقة الخليج.
إن أبرز سمات هذه الرواية هي انفتاحها على الآخر، وتأكيدها مفاهيم التسامح وطرح الأسئلة حول الهوية من منطلق يعيد فك العقد الطائفية والطبقية، وإعادة الأشياء أو التعقيدات الطائفية والطبقية إلى أصولها الأولى حين يتم تأملها من وعي الراوي المختلف، الذي يعد وافداً على مجتمعه، يشعر أنه ينتمي إليه بحكم بنوّته لأبيه، فيما يواجه منفرداً الأبواب التي تنغلق أمام وجهه واحداً بعد الآخر من دون أي ذنب اقترفه تجاه هذا المجتمع.
تتسم الرواية التي تقع في نحو 400 صفحة من القطع المتوسط، بإحكام سردي، وبلغة رشيقة معتنى بها، وبتمكن من التفاصيل، والانتقال بين الشخصيات والأزمنة الروائية، ما يؤكد الجهد البحثي والمعايشة التي بذلها الكاتب سعود السنعوسي للثقافة الفيليبينية والمجتمع في الفيليبين. وهي في ظني إضافة مهمة للرواية الكويتية المعاصرة وللرواية العربية الجديدة عموماً، وأظن أن اسم سعود السنعوسي سيكون واحداً من الأسماء البارزة في فضاء السرد العربي في المستقبل القريب جداً.

نشرت في:




تسلط البعض لا يمكن حدوثه إلا عن طريق جبن الآخرين!

تم النشر في 2012/07/14
بقلم: علي أحمد البغلي

ذهلت، كما ذهل الآلاف مثلي، عند قراءة ما نشرته صحيفة الجريدة يوم الجمعة الموافق 13 يوليو 2012، بأن وزارة الصحة في عهدها الميمون الحالي بقيادة وزيرها د. علي العبيدي، أرسلت 5200 حالة علاج للخارج فقط لا غير في ظرف 3 أشهر! أي في عهد الوزارة الأخيرة، ومجلس 2012 المحكوم ببطلان شرعيته! الخبر ان ثبتت صحته يحمل في طياته «بلاوي» لا تحدث إلا في هذا الوطن، الذي يتسلط فيه البعض ليس لقوة شخصيته أو عمق طرحه أو ثقله الجماهيري، ولكن يتسلط فقط لخوف وجبن من يواجهه! البلاوي التي حملها لنا الخبر تقول إن أحد النواب فقط حصل على 1200 حالة علاج في الخارج، معظمها موجود علاجها في الداخل، ولا أظن أنني أو أنكم ستستخدمون أو تشحذون أذهانكم في الوصول إلى اسم ذلك النائب.. فهو ذو الصوت العالي، النائب المتخصص في الإطاحة بالشرفاء من الوزراء، النائب الذي يسمى في أوساط الناخبين «إمبراطور الواسطة»، والتي وصلت أخيراً إلى أقرب المقربين له من دون وجل أو خجل كما أعلمنا بالمستندات أحد كبار الإعلاميين الكويتيين! ليقوم وزير الصحة الحالي، وكما يقول الخبر، بتمهيد الطريق له ولأمثاله، ويطيح بأقدر وأكفأ وأكثر قياديي وزارة الصحة خبرة وشجاعة في قول الحق وقول لا في وجهه ووجه أمثاله، ليضع بدلاً منهم قيادات يسهل التأثير عليها، تلميعاً لبعض النواب، ليأتوا مرة بعد أخرى، ويحيلوا حياتنا وحياة الوزارات التي لا تخضع لأوامرهم ونواهيهم وطلباتهم إلى جحيم! وفي ذلك لنا بعض الوقفات:

***

ــ الوقفة الأولى لرئيس الوزراء سمو الشيخ جابر المبارك:

يا بو صباح «من يهن يهن الهوان عليه»، وقد رأيت تجارب من سبقك، فبكثر إطاعته لهم أكثروا من إهانتهم له وناصبوه العداء حتى أطاحوا به! نذكرك بقرار خيار شراء 18 طائرة من شركة «آلافكو» الملغى، لأن بطل الأمة قال إن هناك عمولات! لتنحدر الخطوط الجوية الكويتية إلى الحضيض وهو مستقرها الآن، إلى أن يصدر قرار شجاع منكم متحرراً من عنتريات أولئك النواب.. نذكرك بـ 600 مليون دينار غرامة إلغاء عقد الداو كيميكال... إلخ.

يا بو صباح إذا صح خبر جريدة الجريدة وهي مصدر موثوق بالنسبة لكم، ومن يديرها يعتبر من كبار مستشاريكم! كما يعرف القاصي والداني، أو كما يشاع من دون نفي من أحد.. فهذا يعني أن وزيركم يريد شراء رضاء الحفنة المؤزمة عليه.

***

أما الوقفة الثانية، فهي لاخواني أعضاء اللجان الفرعية والاستشارية العليا للعلاج في الخارج، أقول لهم بكل صدق وإخلاص، حكِّموا ضميركم يا شباب، لا تهمكم أوامر وزير أو النواب.. وضعوا نصب أعينكم المصير الذي آل إليه زملاؤكم ومن سبقكم في مثل هذا المنصب المثير للجدل، مدير إدارة العلاج في الخارج السابق ومعاونوه، فالوزير فوَّض سلطاته للوكيل، والوكيل غير مسؤول عن قراراتكم، لأنه يصدق عليها فقط. أما النائب، فهو يطلع ببياض الوجه، وحسن السمعة، والدعوات له بدوام النجاح وطول العمر، أما أنتم فقد يكون مصيركم، إذا لم تراعوا الضمير والعدل والمساواة بين المواطنين الفصل من الوظيفة والسجن والتشهير! وهي نصيحة أسديها لكم خالصة لوجه الله تعالى، وأكرر هنا مرة أخرى «تسلط البعض لا يمكن حدوثه إلا عن طريق تراخي الآخرين، ولم نعهد بكم ذلك لا سمح الله».

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

***

هامش:

عنوان مقالي هو مقولة «لخوسيه ريزال» (1896 - 1862) وهو من أبرز الأبطال القوميين في الفلبين وأشهر من قاوم الاستعمار الأسباني.. وقد اطلعت عليها من القصصي الكويتي الرائع سعود السنعوسي في رائعته «ساق البامبو»، وهي قصة عن شاب يولد لأب كويتي وأم فلبينية خادمة قبل الغزو، فيعيش في كنف أهله في إحدى غابات الفلبين إلى أن يصبح شاباً في 16 من عمره، فيساعده رفيق والده في المقاومة (وهو من البدون) في الحصول على الهوية الكويتية والرجوع إلى بلد والده، لأن والده يموت في الأسر العراقي... القصة دراما واقعية إنسانية أكثر من مؤثرة كتبت بالفلبينية وترجمت إلى العربية، ونشرتها «الدار العربية للعلوم ناشرون 2012».

نشرت في:
 



«آفاق» أكثر من مجرد مكتبة

تم النشر في 2012/06/02

بقلم: د.حامد الحمود

شهدت مكتبة «آفاق» خلال الأسبوعين الماضيين احتفالين بتوقيع كتابين: الأول كان يوم السبت 19 يونيو، والثاني بعد ذلك بأسبوع. الأول كان توقيع عبدالوهاب الحمادي لروايته الأولى «الطير الأبابيل»، والثاني كان توقيع الزميلة سعدية مفرح لديوانها الجديد «كم نحن وحيدتان: يا سوزان». وقد تمكنت من حضور الاحتفال الثاني. ولقد تميزت «آفاق» باحتضان مثل هذه الاحتفالات منذ انتقالها الى مجمع التلال منذ أقل من سنتين. واحتضان مثل هذه الاحتفالات يعتبر جزءا من مشروعها بأن تكون المكتبة أكثر من دكان لشراء الكتب، والذي يعتبر محاكاة أو تمثلا لتغيرات طرأت على تسويق الكتب في العالم أجمع. فبعد ثورة الشبكة العنكبوتية وتوافر الكتب بأسعار منخفضة، كان لا بد للمشتغلين في بيع الكتب عبر المحلات التقليدية أن يحولوا مراكز بيعهم الى أماكن تسلية. فتحولت المكتبات التجارية الى مقاه تستضيف المبدعين ليقدموا انتاجهم الثقافي، وموفرة للجمهور القهوة والشاي حتى الوجبات الخفيفة. هذا وان كان لهذه التغيرات أهداف تجارية، الا أنها كذلك عبر وسائل تخدم الثقافة والابداع. ففي مثل هذه المكتبات يذهب العميل للقراءة ولشراء الكتب، ويمكن أن يشرب القهوة أو أن يتناول وجبة خفيفة. كما يمكنه شراء أقراص مدمجة لأفلام أو موسيقى.

ولعل من أهم ما تقدمه «آفاق»، التي لا تسمح لها البلدية ببيع الشاي والقهوة والوجبات الخفيفة، أنها تجمع المهتمين بالثقافة – هذا ما شعرت به بعد أن صعدت الدرج يوم السبت 26 يونيو الى الدور الثاني، حيث التقيت عند مدخلها بالشاب سعود السنعوسي الذي بادرني بالتحية، فسألته إن كانت روايته «ساق البامبو» التي نشرت أخيراً قد وصلت «آفاق»، فأخبرني أن ذلك سيكون خلال أيام قليلة. وكنت قد قرأت عن موضوعها في احدى الصفحات الثقافية، وهو عن طفل يولد لأم فلبينية وأب كويتي. تنفصل الأم عن الأب وتأخذه الى موطنها، مربية اياه على الديانة الكاثوليكية. ويبدو أن الطفل الذي كان نادى والده بالآذان بأذنيه بعد مولده، يشب متسائلا عن موطن والده. ولو كنت أنا الذي كتبت الرواية، فسأجعله يرجع الى الكويت ليرفض من أهل والده لأسباب تتعلق بالميراث. هذا واعرف أن هذا الشاب الكويتي سعود السنعوسي، ولكي يكون متمكنا من موضوعه، أقام في الفلبين لفترة محدودة لمعرفة عادات هذا الشعب ليتمكن من بناء الحوار داخل روايته «ساق البامبو».

وبعد أن دخلت «آفاق» حصلت على نسختي من «كم نحن وحيدتان: يا سوزان» والتقطت معها كتيبا عن الفيلسوف الألماني فيورباخ من تأليف هنري أفرون وترجمة ابراهيم العريس. وبدأت أقرأ فيه منتظرا بداية الاحتفال. وكما هي العادة عند أغلب الفلاسفة الألمان، نشأ فيورباخ في بيئة دينية محافظة. وأراد منه والده أن يدرس اللاهوت. لكنه تمرد على والده ودرس الفلسفة وتتلمذ على يد هيغل في جامعة برلين. ونشر كتاب «أفكار حول الموت والخلود» عام 1830 باسم مستعار وبعد أن بدأ التدريس في جامعة ايرلنغن، أخبره والده: «أنهم لن يغفروا لك أبدا هذا الكتاب، ولن تحصل على كرسي في الجامعة». وكان والده محقا، فقد طرد من الجامعة بل وبعد خمس عشرة سنة، يخاطبه مدير الجامعة «أثبت لي أنك لم تؤلف هذا الكتاب لكي أعيدك الى سلك التدريس».

بدأ الاحتفال بديوان الشاعرة سعدية، بكلمة للأديب عبدالعزيز السريع الذي وصف الشاعرة بأنها امرأة لا تشيخ. ثم بكلمات رائعة للكاتبة بثينة العيسى والشاعر عيد فلاح. وبعد الاحتفال أنتظر دوري للتوقيع. فافتتح الديوان، فأفاجأ بأن سعدية لم تقدم ديوانها باقتباس من أميلي ديكنسون، ولا من والت ويتمان، وهما شاعرتها وشاعرها المفضلان، وانما باقتباس من كوكو شانيل، تقول فيه: «الشيخوخة لا تحمي من الحب، لكن الحب يحمي من الشيخوخة»، ثم أقرا قصيدة «شجرة» تقول:

«تقاوم حركة الرياح

في سبيل سكون البقاء

في نأمة الليل تبكي

في مهد النهار تتدثر بذكرياتها الخضراء

وتغني للعصافير التي اطمأنت

في ما تبقى من خضرتها القليلة»

هذه هي «آفاق»... زبائن غرباء يصعدون ذلك الدرج الأسمنتي ولا يحملون معهم الطائفة ولا العائلة ولا القبيلة.

نشرت في: