الأحد، 24 مارس، 2013

«ساق البامبو» رواية كويتية تكتبها بلاغة «المقموعين»

 
سيد محمود حسن - الأهرام
 
فى طريق العودة من الكويت إلى القاهرة كان إلى جوارى على مقعد الطائرة الكاتب الكبير محمد المخزنجى وكنت أمسك برواية «ساق البامبو» للكاتب الكويتى الشاب سعود السنعوسى وأخطط تحت السطور التى لفتت نظرى فيها إلى أن بادرنى المخزنجى، قائلا: هذه رواية تفتح أفقا جديدا أمام الأدب الخليجى عامة والأدب الكويتى بشكل خاص «ثم استطرد « أنها أول اختراق حقيقى للمسكوت عنه فى هذه البيئة التى كان البعض يظن أنها غير قادرة على إنتاج رواية مهمة.

المخزنجى الذى عاش سنوات فى الكويت دون أن يكتب عنها، وضع يده على ملمح مهم فى الرواية التى كتبها صاحبها وهو على مشارف الثلاثين ووضعته ضمن لائحة الكتاب الستة المرشحين لنيل جائزة الرواية العالمية للرواية العربية « بوكر « لهذا العام، وربما كان وجوده فى هذه اللائحة مناسبة مهمة لاكتشاف ما يقدمه وطرحه على مساحة أوسع من القراء والنقاد الذين رأوا فى نصه علامة على تحولات سردية كبرى.
واللافت للنظر أن « ساق البامبو « بموضوعها الإشكالى تضع المجتمع الخليجى إجمالا أمام أسئلة تأجلت الإجابة عنها لسنوات طوال.

السنعوسى، قبل هذه الرواية نشر عدة مقالات وقصصا قصيرة فى جريدة «القبس» الكويتية وكان من بين كتاب مجلة «أبواب» الكويتية منذ 2005 وحتى توقف صدورها فى 2011 ،عضو رابطة الأدباء فى الكويت، وصدرت له قبلها رواية “ سجين المرايا، 2010 “ التى نالت جائزة الأدبية ليلى العثمان العام الماضى، كمال نال السنعوسى هذا العام جائزة الكويت التشجيعية فى الأدب ما يعنى أن البوكر التى يتنافس عليها لن تكون أول بطاقة اعتراف، لكنها قد تكون “ رواية تدشين “ تقدم صاحبها إلى القراء العرب، وهذه ميزة تحسب للجائزة التى تضع المتنافسين عليها فى دائرة تلقى أوسع من الدوائر المحلية «ساق البامبو» كما نفهم من صفحاتها الأولى تشير إلى الذى ينبت فى أى مكان يغرس فيه.

فى الصفحات الأولى يتساءل البطل: لماذا كان جلوسى تحت الشجرة يزعج أمى؟ أتراها كانت تخشى أن تنبت لى جذور تضرب فى عمق الأرض ما يجعل عودتى إلى بلاد أبى أمرا مستحيلا؟.. ربما، ولكن، حتى الجذور لا تعنى شيئا أحيانا.
لو كنت مثل شجرة البامبو.. لا انتماء لها.. نقتطع جزءا من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، فى أى أرض.. لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة.. تنمو من جديد.. فى أرض جديدة.. بلا ماض.. بلا ذاكرة.. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان فى الفلبين.. خيزران فى الكويت.. أو بامبو فى أماكن أخرى.
وهى إشارة مهمة تكشف مأزق بطلها «هوسيه ميندوزا» (هوسيه هو اسم بطل الفلبين الذى ناضل ضد المستعمر الإسبانى)، لكنه يحمل كذلك اسما عربيا هو «عيسى الطاروف» وهو نتاج علاقة زواج ربطت بين أب كويتى وخادمة فلبينية تتشابه قصتها مع مئات القصص التى تعيشها الخادمات الآسيويات فى بلدان الخليج، لكن السنعوسى أعطى لهذه القصة الكثير من العلامات النصية المتميزة التى جعلت من روايته بابا للعب وطرح الأسئلة، ولعل اللعبة الأولى التى نراها ونتورط فيها تأتى من تقنية “ كسر الإيهام “ التى يلجأ إليها فى الصفحة الثانية من الرواية حين يوهم القارىء أن الرواية التى عليه أن يطالع صفحاتها مترجمة عن اللغة الفلبينية، ويضع فى مقدمتها استهلال المترجم وتوضيحاته بأنه ينقل العمل كما جاء من كاتبه، وهى حيلة لتوريط القارئ، من ناحية وربما جاءت ليتجنب السنعوسى “ ألغام الأرض الشائكة التى يطأها فى مجتمعه الذى يعانى صراع الهويات الممزقة، فالمجتمع الكويتى لا يزعم تجانسا ما، بقدر ما ينجح فى ضبط إيقاع تلك الهويات وإدارة الصراعات بداخلها بشكل محسوب.

غير أن الملاحظة الأكثر أهمية فى سياق التعاطى مع الرواية كونها تطرح أسئلة المجتمع الكويتى عبر نموذج يعيش خارجه، فكل ما لدينا عن هذا المجتمع يأتينا عبر الحكايات التى تنقل لـ “ عيسى “ عبر أمه، لكننا نتلمس فيها السياق الاجتماعى والثقافى الذى يؤرقه سواء فى الفلبين التى يعيش فيها أو فى الكويت التى تمثل لدى أمه منارة أو محطة أخيرة ينبغى للابن أن يطأها إنها “ الجنة الموعودة “ التى تبدو سيرة الأم “جوزفين” والابن هووسيه قرابين لها.

وعبر هذا الكشف بالإمكان التعاطى مع الذات الجريحة فى هذا المجتمع الذى يكتشف ألمه وهو يعايش ذاكرة الحرب مع حربى الخليج الأولى والثانية، لكن الابن يستطيع بدوره أن يدير توازنا بين تلك الهويات التى تتصارع عليه فهو ابن الأب الكويتى (المسلم) والأم الفلبينية (المسيحية)، لكنه لا يرتبك أمام الطقس الدينى فهو يرتاد المعابد البوذية فى سياق مجتمعه ويتعمد فى الكنيسة ويبنى شغفه الخاص بالإسلام الذى يمثل ديانة والده الذى ينتظر عودته، ولا يبدو البطل مؤرقا بفكرة الانتماء المغلق بفضل سعيه الدائم للتعامل مع حياته كرحلة اكتشاف الذات وتجاوز تناقضاتها الموروثة، ومن ثم يشكل ما يسميه أمين معلوف “ الهوية الهجين “ التى تشبه الفيسفيساء الملونة التى يطرزها مرة بالألم ومرات بالحنين، ومن الأمور التى تلفت النظر فى العمل، إضافة إلى قيمة التسامح التى تبدو قيمة عليا فى النص، حتى مع الهويات الجنسية لأبطال العمل، وهى أيضا هويات ملتبسة وممزقة تطل المغامرة السردية لكاتبها الذى يجعل من معلمه الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل بطلا روائيا إذ يستثمر سنوات إقامته فى الفلبين ليجعل منه لاعبا عابرا فى النص ووسيلة من وسائل إعادة بناء الذات، وكما فهمت من سيرة السنعوسى نفسه فإن إسماعيل فهد فى الحقيقة، كما فى الرواية كان دليله للكتابة، وعبر لقاء بين إسماعيل فهد فى الرواية وليس الحقيقة يمكن لجوزفين وابنها تلمس مسار للتعرف على مكان الأب الذى يتم أسره خلال الغزو العراقى للكويتى، لكنه قبل أن يموت يترك لصديقه غسان «البدون» وصية لإعادة عيسى-هوزيه إلى الكويت، ليعود الفتى محملا بالأمانى عن الجنة الموعودة. لكنه حين يعود لا يجد قبولا فى هذه الجنة بسبب ملامحه التى تشبه الفضيحة التى يصعب قبولها، لذلك يقرر أن يعود إلى بلد جده، ويتزوج من «ميرلا» ابنة خالته وينجب منها راشد جديداً يحمل اسم الوالد الذى يمثل وعدا بالتنوير الذى يحل كل تلك التناقضات.

وبفضل علامات نصية كثيرة يمكن أن تقرأ تلك الرواية فى ظلال المعنى الذى طرحه جابر عصفور عن “ بلاغة المقموعين “ أو فى سياق الاصطلاح الذى وضعه بيل اشكرفت عن “ الإمبراطورية التى ترد بالكتابة “ فهى رواية يسهل أن ننسبها إلى أدب ما بعد الاستعمار، إنها رواية للمقموعين تكشف عن طبقات من القمع وتطرح أفقا للحل عبر الهوية الهجين التى تنفتح على هويات متعددة وتستثمر ما لديها من تنوع.
المصدر:
 
 
 
 
 
 

الثلاثاء، 12 مارس، 2013

سرد التيمم وشيطان التفاصيل في ساق البامبو

 
باسم سليمان - القدس العربي
 
كان الشعر لدى العرب علمهم الأوحد يدونون به أيامهم السود والبيض وحدثانهم، فهل نطالب الرواية العربية بتلك المهمة الشاقة مع الظن الحامل لليقين أن الرأي السابق فيه الكثير من المكر الديني والسياسي!؟.
مهما استنسبنا للرواية من مهمات لن تكون إلا خطاب فرد أو لنقل قطعة من البزل لوحدها لن تشكل قيمة إلا من خلال القطع الأخرى التي ستشكل لوحة الخطاب الروائي الذي يُخط باللغة العربية، فالمدونة الروائية العربية التي بدأت تعالج قضايا وطنية/ قطرية منذ فترة تعتبر قصيرة بالقياس لتلك التي كانت تشتغل تحت المدّ القومي، بدأت بمقارعة مقدس جديد يضاف إلى الديني والسياسي والجنسي وهو صيغة الدولة التي تشكلت نتيجة لكل التمخضات الدولية والاستعمارية والسياسية والعرقية وما جرى ذلك من تشعبات عديدة أدت بطبيعة الحال إلى عدم تبلور مفهوم المواطنة من حيث أن النتيجة القانونية والواقعية لوجود الدولة تفترض المواطنة التي تذيب كل ما سبق تحت علم واحد لا يخفي تحت وحدته وعلانيته أي رقع أخرى.
سؤال التفاصيل:
رسول حمزتوف قال: العالم يبدأ من عتبة بيتي وهنا نسأل: ماذا عن داخل البيت وشيطان التفاصيل ومعطف غوغول وما يستره من رقع متنافرة متباعدة في كل بلد تكاد تشظيه وتدفع به نحو هاوية لا قرار لها!؟.
ما سبق هو ما تحاوله الموجة الجديدة من الرواية المدوّنة باللغة العربية وهي بالتأكيد مهمة شاقة حيث يصبح التماس مع الشبهات التي يثيرها مفهوم الوطن لا تردعه الحدود بل تصبح الحدود ذاتها شبهة متيقنة لا تدفع إلا بتقطيع من خلاف.
ساق البامبو المكسور:
هي رواية عيسى الذي تتقاسمه جينات الخادمة الفلبينية وراشد الكويتي. عيسى ليس ابن حجر بل ابن عقد عرفي، يستيقظ في بيت جده في الفلبين المدمن على مصارعة الديوك كمجاز آخر لعقابيل الحرب التي عاد منها.
همس أبوه بأذنه شهادة الإسلام ليقذف به بعيداً عن أرض الكويت، ليعيش مع أمه 'جوزافين' وخالته 'آيدا' وابنة خالته 'مريلا' وهنا يسرد عيسى حياة عائلته الفلبينية على لسان أمه لتخبر كيف أصبحت خالته تمتهن البغاء وعن استنزاف جده لحياتهم بمصارعة الديوك وكيف سافرت إلى الكويت وهنا حملت به من قبل راشد ابن الطاروف آخر ذكور العائلة المولع بالثقافة والقراءة والكتابة وولادته وكيف رفض من العائلة ومن جدته ' غنيمة' وكيف رُحلت من الكويت وبعدها دخول الجيش العراقي للكويت ومن ثم استشهاد أبيه ووصيته لغسان لكي يعيده للكويت وأنها دوماً تعده لهذه اللحظة ومع ذلك لم تهمل التنشئة المسيحية له.
يكبر عيسى ويعرف أكثر عن عائلته الكويتية من خلال الصور وبالمقابل يقدم وصفاً صريحاً للواقع الفلبيني سواء عن عائلته أو محيطه والأسئلة التي دارت في رأسه حول الأديان ومن ثم عشقه لمريلا.
وبعد ذلك يأتي إلى الكويت ويتعرف على عائلته التي ترفضه ومن ثم تقبل به على مضض معرجاً على مشكلة الأعراف ووضع الخدم والبدون وما جرى للكويت وأصحاب أبيه خاصة غسان الذي ينتمي لما يُسمى 'البدون' وابنة أبيه خولة وعماته وخروجه من البيت وسكناه لوحده إلى أن ينتهي به المطاف بالعودة إلى الفلبين وزواجه من مريلا وإنجابه أبنه الذي سماه على اسم أبيه راشد وكتابته هذه الرواية التي سيترجمها المترجم إبراهيم سلام.
سرد التيمم:
في القسم الذي يسرده عيسى عن الفلبين يبدو أكثر راحة وهو يقارب المحظورات في حين تبدأ المناورات في الجزء المسرود عن الكويت ولنضرب مثلاً، كيف يبكي غسان أمير البلاد الذي مات ولم ينقله من خانة البدون إلى خانة المواطن!؟ والأمر الأكثر أهمية مقاربته للدين الإسلامي التي بقيت ضمن خطاب عائم لا يغني ولا يُسمن من جوع ومحاولته المستمرة تبرير الرفض من قبل عائلته الكويتية على عادات وحسابات اجتماعية على لسان خولة أو غيرها!؟. المهم فيما سبق هو سرد التيمم لأن المصارحة والغوص في التفاصيل سترتب عواقب كثيرة رغم اللعبة البنائية التي قدمها الروائي سعود السنعوسي عبر العنعنة السردية بأن جعل الرواية متعددة الأسناد وكأنه يوزع المسؤولية أو يضيعها في حين ظاهر الأمر في اللعبة الروائية الحديثة أن هذا الأسلوب يزيد من المصداقية لدى القارئ الذي تجعله الرواية أحد أهدافها بإقناعه بأن المسرود هو من الواقع، فالعقد السردي وإن كان تخيلياً يطمح دوماً لمنافسة الواقع ومجاورته وحتى الحلول محله وهنا نعود لطرحنا في بدايات هذه القراءة عن المقدس الجديد الأشد بأساً من المقدسات التقليدية وهو ماذا عن ما قبل العتبة التي يبدأ بعدها العالم!؟.
مباراة كرة القدم:
من أكثر مظاهر الـ' show ' شعبية، كرة تنتقل بين الأقدام لتستقر في إحدى الشبكات، فتثور ثائرة الجماهير. مباراة كرة القدم يختم عيسى بها روايته بأن يسجل هدفين واحد في مرمى الفلبين وآخر في مرمى الكويت وهنا لم يكمل المباراة التي تنتهي لصالح الكويت وفق الهامش في أسفل صفحة النهاية.
الدلالة التي أراد أن يوصلها الكاتب بأن هذه الرواية مباراة من مباريات كثيرة ستعقبها والنتيجة لن تكون في صالح الكويت، إذاً هو تحذير مضمر بأن المقاربة التي اعتمدت التلميح والتقية إلى شيطان التفاصيل في الكويت ستكون في المرة القادمة أشد وطأة وأن قرني الشيطان رغم كل مساحيق التجميل بدأا بالظهور.
في هذا يُحسب للكاتب تلك النقلة التي جاءت تحذيراً ولم تكن 'كش مات' لكن سؤال البداية عن مهمة الرواية التي تجد لها الكثير من الرواج ألا نستطيع أن نرى فيها مكر المقولة القديمة عن الشعر!؟.
الرواية من مميزات المواطنة:
السياسة لا تعني فقط صناديق الاقتراع وفصل السلطات بل أكثر من ذلك بأن تكون قطعة البزل الصغيرة التي تًسمى المواطن هي البوصلة في تشكيل لوحة الوطن ونزع الرقع الخفية من علم البلاد أي بلاد وعليه من حقنا أن نطالب الرواية بأن تكون مدونة جدلية إلى جانب العلوم الإنسانية الأخرى بمواجهة الطريق الكلاسيكي لعلاقة الفرد بدولته ومجتمعه ومحيطه وعالمه وإنسانيته وكونيته.
'ساق البامبو' رواية سعود السنعوسي، صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون لعام 2012 وهي في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية.

المصدر:




رابط الموضوع في جريدة القدس العربي



الأربعاء، 6 مارس، 2013

التمييز العنصري في رواية «ساق البامبو»

 
لندن - مودي بيطار - الحياة
 
يقدّم سعود السنعوسي روايته الأخيرة «ساق البامبو» سيرة كتبها هوزيه ميندوزا بالفيليبينية وترجمها صديقه ابراهيم سلام الى العربية. الرواية الصادرة عن الدار العربية للعلوم - ناشرون، بيروت، من أفضل الأعمال في القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية التي سيُعلن الفائز بها في آخر آذار (مارس) المقبل. تهجس بالبحث عن الهوية والتمييزين العنصري والطبقي، ويتفحّص كاتبها بلاده بعيني غريب تسمحان له بالانتقاد، وإن انتصر في النهاية لطرحها.
يولد الراوي لخادمة فيليبينية وإبن الأسرة التي تعمل لديها في الكويت. كانت السيدة غنيمة منعت ابنها الوحيد من الزواج بحبيبته لأن أسرتها أقلّ شأناً، ولئن بكت حين رأت حفيدها رفضته خشية تعرّضها للنبذ وامتناع العائلات المساوية اجتماعياً عن الزواج ببناتها الثلاث. يتزوّج راشد جوزفين لكي لا يظلم طفله، ويرحّلهما الى الفيليبين ثم يطلّقها معتذراً. ينوي الصحافي المثالي استعادة ابنه بعد زواج شقيقاته، ويمدّ جوزفين بالمال، لكن رسائله تنقطع بعد اشتعال حرب الخليج الثانية. يُرفض هوزيه، الذي سمّاه والده عيسى، في الفيليبين أيضاً حيث يُلقّب بـ «العربي» على رغم ملامحه الفيليبينية الخالصة. يقول جدّه الفيليبيني إن لا خير فيه، كما تقول جدّته الكويتية إنه لعنة حين يُقتل صديق لوالده في طائرة مخطوفة. أدمن الجد ميندوزا الكحول والمقامرة على صراع الديكة، وقبل ببيع ابنته آيدا جسدها وعمل ابنته الأخرى خادمة لكي يستولي على مالهما. طمحت جوزفين الى إكمال دراستها والحصول على وظيفة محترمة، وخابت حين اضطرت الى العمل خادمة في السابعة عشرة. تتمرّد آيدا على والدها، وتتوقف عن العمل بعد حملها من أحد الأوروبيين الذين تلتقيهم. تنجب ميرلا وتلزم البيت وتدمن الماريوانا وتعاني غضباً دائماً.
تدعو جوزفين طفلها هوزيه تيمّناً بخوسيه ريزال، الطبيب الكاتب الذي عارض الاحتلال الإسباني ورحل قبل هزيمته، وتعمّده كاثوليكياً ثم تهمل تربيته الدينية ليقينها بأن مستقبله في بلاد والده المسلم. يمضي طفولته في حال انتظار لا يعرف معها إذا كان فيليبينياً مسيحياً أو لا. يدرك رغبته الدائمة في التوحّد مع الطبيعة حوله، والتصاقه بالشجر في أرض جده ميندوزا حتى يوشك أن يفقد حواسه، مصدر المعاناة وفق تعاليم بوذا (الصفحة 65). يزور الكنيسة مرة واحدة للتثبيت وهو في الثانية عشرة، ويفكّر بأن قدره قضاء عمره باحثاً عن اسم ودين ووطن (الصفحة 66). عشق الأرض حتى خال أنه شجرة فيها: «لا أستبعد فكرة أن يورق رأسي، أو تنبت ثمرة مانغو خلف أذني». أحبّ الأخضر «لون الحياة» ودعته خالته آيدا السيّد بوذا في حين أزعج جلوسه تحت الشجر والدته كأنها خشيت أن يتجذّر هناك ولا يعود الى وطن أبيه.
قد يكون تحليل أمومة جوزفين ترفاً فكرياً لا يتحمّله صراع البقاء لدى خادمات آسيا وأفريقيا اللواتي يرحلن عن أوطانهن وأسرهن الى العالم العربي، ليعشن أعواماً في بيوت غرباء يسيئون معاملتهن غالباً. تقتنع جوزفين بأن هوزيه هو عيسى في الواقع، وأنه لم يُخلق ليعيش في الفيليبين. تصارحه بأنها ابتعدت قصداً عنه لكي لا تتعلّق به وتعدّ نفسها لرحيله (الصفحة 145). تتزوج ثانية في بلادها وتنجب آدريان الذي يصغره بثلاثة أعوام، ثم تغادر لتخدم أسرة في البحرين ثلاثة أعوام. تترك طفليها في عهدة الشقيقة المدمنة على الماريوانا، لكن الصغير يتعرّض للغرق ويختلّ عقلياً، فيلوم هوزيه، ابن الخامسة، نفسه لأنه لم ينقذ أخاه. في غياب الأم، النفسي والجسدي، سواء كانت في بلادها أو في بلد عربي، تصبح آيدا «الماما» ويبادل الطفل رفض والدته بالمثل. بعد عودتها تُبقي هوزيه مع خالته، وتصحب آدريان الى بيت زوجها الثاني. لا شيء يبرّر اقتناعها بأن طفلها الأول الفيليبيني القسمات كويتي غير رفضها تجربتها في الكويت كاملة، أو تعريف ضعيف عن الأمومة يفرضه العوز، علماً أنها شاركت في الكسب المالي. يعود ضعف النساء الظاهر، على رغم قوتهن الاقتصادية، الى ضعف البلاد مالياً، وفي حال جوزفين، الى اتكال أربعة أشخاص عليها من أسرتها الأولى، إضافة الى ضرورة مشاركتها مادياً في بيتها الزوجي.
ليس رحيل هوزيه، الذي يصبح عيسى أوتوماتيكياً، الى الكويت عودة الى بيئته الطبيعية بأي شكل. شاء والده راشد «عودته» بعد زواج شقيقاته، لكن ما الذي يجعل ابن الخادمة أكثر ملاءمة لأزواج الشقيقات وأولادهم، وكيف يقلّ التأثير في سمعة العائلة ومرتبتها الاجتماعية؟ غسان، صديق الوالد هو الذي يبادر الى تنفيذ وصية راشد، لكن عيسى يشكّ لاحقاً في أن مبادرته لم تكن إلا غطاء للانتقام من أسرة الطاروف التي رفضته زوجاً لأصغر بناتها هند لأنه «بدون» أي غير مجنّس. خولة، أخته من أبيه، وعمّته الكبرى عواطف هما الوحيدتان اللتان تسعدان بوجوده، وتفرضانه على الجدّة. في انعطافة جميلة تحار هند في موقفها منه بين صدقيتها كناشطة في حقوق الإنسان وانتمائها الى أسرة الطاروف المحترمة، لكنها لا تلبث أن تقبله به وتساعده في الحصول على الجنسية الكويتية. لا علاقة للعمر باحتضان الغريب، ابن الخادمة الفيليبينية، الذي ضمن وحده استمرار اسم الطاروف، سواء خطر ذلك لهن أو لا.
يحس عيسى - هوزيه حين يرى البامبو في المزهريات الفاخرة في منزل جدّته أنها مثله في غير محلّها. تقبله هذه في بيتها كمساعد طبّاخ يعيش في ملحق المبنى ويخفي هويته. هو كويتي رسمياً، كما قالت عمّته هند، لكن ماذا يكون عائلياً؟ يبقى في حال انتظار تنهيه جدّته حين تواجه انكشاف أمره، لكنه ينمو ويتحرّر بفضل تجربته. لم يعد وجوده يعتمد على آل الطاروف، بل على اعترافه هو بنفسه وقراره أن الكويت، وهو، مستقلان عنهم. يعرّف نفسه في النهاية بعيداً من الكويت نفسها، ويجد الحب مع ميرلا، ابنة خالته التي قرّرت في مراهقتها أنها مثلية تحدياً لوالدتها ووالدها المجهول. كانت بلا أب مثله ومثل جدّه، وواسى أحدهما الآخر ووجد طريقه.
يعتمد السنعوسي السرد التقريري بلغة بسيطة تخدم النص، لكنها تتمدّد لتتسع للنقاط الثلاث التي راجت في الستينات من القرن الماضي، ولعبارات من نوع «غسلت وجهي ونظفت أسناني» (الصفحة 238). يكثر اللجوء الى الصدفة، فعيسى يقصد الجامع مرّة واحدة ويتعرّف الى منقذه ابراهيم سلام. الشبان الكويتيون الذين يلتقيهم في جزيرة بوراكاي في بلاده يُفاجأ بأحدهم يعيش في المبنى نفسه في الكويت، وبآخر يكتشف أنه ابن الجارة التي تسبّبت بخروجه من منزل جدّته. لا إضافة درامية للكشف أن العجوز «الساحرة» التي عاشت قربهم كانت والدة جدّه في الواقع. وإذ يسافر غسان على الطائرة المخطوفة في الصفحة 50، يقول إنه لا يستطيع السفر لأنه ليس كويتياً في الصفحة 191. يرد في الصفحة 99 أن راشد انضمّ الى المقاومة عند غزو العراق الكويت الذي انتهى بتحريرها بعد 9 أشهر، وفي الصفحة 100 أن قوات الاحتلال تأسره في 1996 بعد خمسة أعوام على الحرب. من اللحظات الجميلة سرقة هوزيه دجاجة وسماعه طنين نحل يؤكّد الكاهن أنه الذنب، وزيارته قبر والده وانفجاره بالبكاء فقط لدى قوله «بابا».
 
المصدر:
 
 
 
 
 
 
 
 

الثلاثاء، 5 مارس، 2013

إبداع الشباب الكويتى يفجّر مشكلة الهوية

د.صلاح فضل - المصري اليوم
 

«ساق البامبو» رواية المبدع الكويتى الشاب سعود السنعوسى تقتحم بجدارة القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، فتقدم نموذجاً مثيراً للكتابة الشابة الجسور القادرة على تناول أشد القضايا حساسية ودقة برؤية واقعية بالغة النعومة والكثافة معا. تحكى قصة فتى مُولّد جاء ثمرة زواج سرى بين شاب كويتى من أسرة عريقة وخادمة فلبينية جميلة، وكيف أجبرت الأسرة الفتاة على العودة إلى وطنها برفقة وليدها درءاً للفضيحة، فعاش الوليد فى محيطه الأسيوى يتشرب ثقافته على أمل العودة لموطن أبيه لاسترداد هويته العربية.
لكن المدهش حقيقة هو قدرة هذا المؤلف الذى لم يتجاوز العشرينيات من عمره على تمثل نسخ الحياة الفلبينية بمئات التفاصيل الدقيقة عن الأماكن والعادات والطقوس والأساطير. وأهم من تلك الفلذات التى يمكن امتصاصها بالقراءة والبحث هو كفاءة تذويبها بسخاء فى تيار دافق من التجارب الحميمة، مما يشف عن خبرة عميقة بوقع المواقف على صفحة الوجدان، وكأن الكاتب قد تناسخ مع نموذج وشرب عوالمه وتنقل مثله فى حيوات عديدة ومهن مختلفة غريبة.
وقد وفق المؤلف فى اصطناع حيلة طريفة لإقناعنا بصدق تمثيله الجمالى لهذه الحيوات، فزعم فى الغلاف الداخلى للرواية أنها من تأليف هذا الفتى المولّد واسمه كما ينطق فى لغته «هوزيه مندوزا» وأنها ترجمة بقلم المدعو «إبراهيم سلامة» عن اللغة الفلبينية، وهى تبدأ بهذه الكلمات «اسمى Jose» هكذا يكتب، ننطقه فى الفلبين كما فى الإنجليزية هوسيه.. وفى العربية يصبح كما فى الإسبانية خوسيه.. أما هنا فى الكويت فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمى حيث هو عيسى.. اختارت والدتى هذا الاسم تيمنا بخوسيه ريزال، بطل الفلبين القومى، الطبيب والروائى الذى ما كان للشعب أن يثور لطرد المحتل الإسبانى لولاه، وإن جاءت تلك الثورة بعد إعدامه فضلاً عن توافق الاسم مع جده الكويتى.
هكذا نرى لعبة الترجمة بين اللغات المختلفة، وهى تقدم مجموعة الشخصيات الورقية المتخيلة باعتبارها المؤلف والمترجم، فتتماهى مع الشخصيات المفترضة واقعياً مثل البطل الفلبينى، لكن ذلك قد يربك بعض القراء ممن لم يتعودوا حيل المبدعين للإيهام بالواقع، فيصورون خطأ أن الرواية مترجمة، ويعزز هذا الوهم أن المؤلف الكويتى قد أحسن تقمص شخصيته وعبر بصدق عن مراحل تكوينها بدقة تثير الحفيظة المقترنة بالإعجاب لدى القارئ المتربص بالكتاب الجدد.
جذور الهوية المثقوبة :
تروى الأم «جوزافين» لابنها كيف أحبت أباه رغم الفوارق بينهما، طبيعى لابد أنه حدث آلاف المرات مخلفاً نتائجه المنطقية «لست أدرى لماذا ولا كيف أحببت راشد، ألأنه كان لطيفا معى فى حين كان الجميع يسىء معاملتى، أم لأنه كان الوحيد فى بيت السيدة الكبيرة الذى يتحدث إلىّ فى أمور غير إعطاء الأوامر، ألأنه كان وسيماً أم لأنه كان شاباً مثقفاً يحلم بكتابة روايته الأولى وأنا التى أدمنت قراءة الروايات؟ كان سعيداً بى كما يقول لأننى مثله أحب القراءة.. كان يكتب مقالاً أسبوعياً فى إحدى الصحف، وقلّما ينشر ذلك المقال بسبب الرقابة المفروضة على صحفهم آنذاك. كان من الكتاب القلائل المعارضين لسياسة بلاده فى دعم أحد الطرفين المتنازعين فى حرب الخليج الأولى». تجسد الرواية بإتقان كيفية اختراق هذه الفوارق الطبقية ومراحل اقتراب الأب بخادمته الحسناء، بعقد عرفى شهد عليه صديقا عمره أولاً، ثم بآخر رسمى عندما اتضح عليها الحمل ليضع أسرته أمام الأمر الواقع بشهامة لا يقوى على تحمل تبعاتها أمام الأهل الأقربين، خاصة أن له أختين تنتظران الزواج، ولن يرضى بهما أحد من مستواهما إن شاع خبر زواج أخيهما بخادمة أسيوية. هى الأعراف التى لا تفهمها الضحية فترحل مجبرة بابنها إلى منبتها الأول فى منزل أبيها سيزوزا، وهو شخصية شبه أسطورية، تهوى مصارعة الديكة، وتنفق كل دخلها عليها، وهى هواية غريبة من آثار الاستعمار الإسبانى للفلبين.
وبينما يحكى الحفيد أنه لم يشعر تجاهه بأى عاطفة سوى الكراهية يرسم شخصيته فى سطور وجيزة.. فى عام 1966م انضم جدى إلى صفوف الجيش الفلبينى المتحالف آنذاك مع كوريا الجنوبية وتايلاند وغيرهما بقيادة الولايات المتحدة فى حرب فيتنام. كان ضمن الجنود المشاركين فى دعم الخدمات الطبية والمدنية هناك. وفى جبال فيتنام سلب الثوار الموالون للشمال إنسانية أبى كما تقول والدتى، لم يخبرنا بما رأى قط، ولكن لابد أنه مر بما لا يمكن وصفه ليعود بهذه الصورة التى كان عليها. كان شديد القسوة، لكنه إذا ما أسرف على نفسه فى شرب «القوبا» انهمر فى بكاء مكتوم، وأخذ يهذى بكلمات تكشف وحدته وخوفه وتعدد حالاته المتناقضة.. ولا ينسى المؤلف أن يذيل الفقرة بشرح لشراب القوبا الكحولى المستخرج من ثمرة جوز الهند، أما الفتى نفسه فقد شب فى بيت جده المحاط بالأشجار، وعشق الجلوس تحتها وقضاء الساعات فى التأمل حتى تناديه أمه منزعجة من خلوته فتجعله يتساءل فى نفسه : «لماذا كان جلوسی تحت الشجرة يزعج أمى، أتراها كانت تخشى أن تنبت لى جذور تضرب فى عمق الأرض ما يجعل عودتى إلى بلاد أبى أمراً مستحيلاً؟ ربما..
ولكن حتى الجذور لا تعنى شيئاً أحياناً، لو كنت مثل شجرة البامبو، لا انتماء لها، نقتطع جزءاً من ساقها نغرسه بلا جذور، فى أى أرض، لا تلبث الساق طويلاً حتى تنبت لها جذور جديدة، تنمو بلا ماض، بلا ذاكرة، لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته، كاياوان فى الفلبين، خيزران فى الكويت، أو بامبو فى أماكن أخرى»، وهكذا تكون أمثولة البامبو تجسيداً رمزياً للفتى ذاته، مثقوب الهوية مثل الساق، مخلوع الجذور، متأرجحاً بين الوطنين مغترباً فيهما، فتتشابك مأساته مع مأساة فصيل كويتى آخر، ينتمى إليه غسان، صديق أبيه الوفى، فهو «بدون» يكون له دور مهم فى تشكيل مستقبله، وتعميق خلخلته عندما يعمل على استعادته للكويت تنفيذاً لوصية أبيه «راشد» فتكون النتيجة أنه يُتهم بالتآمر على الأسرة انتقاماً لرفضهم تزويجه بنتهم لوضاعة وضعه.
مزاج الواقع والمتخيل :
يعجبنى فى هذا المؤلف الشاب ولاؤه لأستاذه إسماعيل فهد إسماعيل، كبير الروائيين فى الكويت، حيث لا يكتفى بأن يهدى له باكورة أعماله الإبداعية الناضجة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيدمجه شخصياً فى أحداثها، حيث يجعل «جوزافين» والدته تهرع إليه فى بحثها المتلهف عن أخبار زوجها المنقطعة بعد الغزو العراقى، فتفاجأ بأن فهد إسماعيل يخبرها بأن مصيره يقبع فى الصفحات التى كان يكتبها حينئذ، إذ يروى فيها قصة مجموعة المقاومة التى عمل بها، وكان معهم زوجها «راشد الطاروف»، حيث وقع فى الأسر، ويوضح المؤلف فى الهامش أن فهد إسماعيل قد أقام فعلاً فى الفلبين بعد تحرير بلاده عدة سنوات، كتب خلالها سباعيته التى يؤرخ فيها للاحتلال بعنوان «إحداثيات زمن العزلة» فيمزج كاتبنا بين متخيله السردى وتداعيات الغزو وآلام التحرير بتلقائية مثيرة تسترعى الانتباه.
ثم تبسط رواية «ساق البامبو» فى قرابة أربعمائة صفحة قصة عودة عيسى أو هوسيه إلى الكويت، إثر مسعى صديق أبيه غسان، تنفيذاً لوصيته بأنه إذا حدث له مكروه يتولى تأمين عودة ابنه لموطنه، ولا نعرف لماذا تأخر فى تنفيذ هذه الوصية عدة سنوات حتى عاد رفات الأب من المقبرة الجماعية التى دفن بها فى العراق، وتبدأ حينئذ ملحمة محاولة إقناع الجدة الصلبة بتقبل انضمام حفيدها إلى الأسرة، والتعقيدات الاجتماعية والإنسانية التى تنجم عن محاولة إعادة اللحمة واسترداد الهوية، حيث يقيم هوسيه فى بيت غسان، فيتعرف كما يقول على «نوع جديد من البشر، فصيلة نادرة، اكتشفت أناسا أغرب من قبائل الأمازون، أو القبائل الأفريقية، أناساً ينتمون إلى مكان لا ينتمون إليه، ألححت بالأسئلة علىغسان كى أعرف منه سر عدم قدرته على السفر، هو (بدون) أكره هذه التسمية التى لا أفهمها رغم ترجمته لها، هو بلا جنسية، يولد أبواه فى الكويت ويولد هو الآخر فيها، لا يعرف أرضا سواها، يعمل فى سلكها العسكرى ويدافع عنها دون أن يكون له حق فى حمل جنسيتها»، مع ذلك يجتهد غسان فى إقناع الأسرة بقبوله، تتنازع الجدة عاطفتان عارمتان : إحداهما الحنين لأثر ابنها الشهيد والأخرى الخوف من التقاليد القبلية وكلام الناس ولوك الألسنة لسيرته إذا علموا أن له ابناً من خادمة فلبينية، ولأن راشد كان قد تزوج بكويتية أخرى وأنجب منها بنتاً «خولة» أصبحت يافعة تقيم مع جدتها فقد فرحت بظهور أخ لها، وأصرت على استقدامه للإقامة معهم، لكن فى ملحق الخدم عند ديوانية الأب حتى لا يختلط بالعمات ولا يكتشف الأصهار ولا الجيران أمره.
يوظف المؤلف قدراً من الدهاء الروائى عندما يجعل سبيل هذا الشاب إلى قلب جدته أمرين : أحدهما صوته الذى يطابق صوت أبيه الراحل مع اختلاف شكله عنه، والآخر هو مهارته التى اكتسبها صغيراً من عمله فى التدليك أثناء نشأته فى بلد أمه، وحاجة الجدة إلى مدلك متمرس لا تستشعر حرجاً فى لمسه لأنه حفيدها فى نهاية الأمر، لكن عماته يتوزعن بدورهن، فإحداهن تميل للعطف عليه لأنها مهتمة بحقوق الإنسان، نتيجة لحرمانها من الاقتران بمن تحب، وهو غسان صديق أخيها، لكن هذا العطف لا يتجاوز الجانب المادى فحسب، دون أن تجرؤ على تبنى كل حقوقه الأدبية، أما العمة الأخرى فهى شديدة القسوة، لأنها تخشى على مكانتها الاجتماعية واهتزاز مقامها أمام أسرة زوجها، وهناك مواقف ومشاهد من هذا الصراع العائلى لا يقوى على تكثيفها سوى الموهوبين؟
مثل هذا النقاش الذى يدور بين أفراد الأسرة بالعربية التى لا يعرفها الابن المولد، وهل يتم قبوله والاعتراف به لأنه الذكر الوحيد الذى يضمن بقاء اسم «الطاروف» حياً، أم يرفض تفادياً للمساس بمكانتهم والنيل من سمعتهم وعراقتهم، ومع أن الشاب لا يفهم الجدل فهو يتابع الحوار ويتعرف على المواقف ويدرك النتيجة التى لم تكن فى صالحه من قراءته للملامح والإشارات، كما يعرض المؤلف بمهارة بالغة مشكلة الدين وتجاذب الثقافات لدى الأبناء المهجنين وتوزعهم الأليم بين موروثات الأمهات ومقتضيات الانتماء لدين الآباء، لكن المؤلف يرتكب خطأ غير مقصود فى حواراته عندما يذكر أنه مدة بقاء المسلمين فى الأندلس ثلاثة قرون تساوى مدة بقاء الإسبان فى الفلبين، وهى استمرت ثمانية قرون.
 ومع أن ختام الرواية يسجل فشل تجربة اندماج الابن الهجين وإحباط مشروع استعادة الهوية ونجاح العمة المتعصبة فى طرده من الكويت مثلما طردت أمه فإن الرواية قد فتحت أفقاً نقدياً واسعاً لأسئلة الهوية والتعبير عن طموح الجيل الجديد فى مراجعة التقاليد الجائرة، وقيام الفن الروائى على وجه التحديد بدوره المؤسس لتجسيد فواجع سطوة هذه التقاليد، لإعادة النظر فى مفارقاتها وتقاطعاتها، وأحسب أن قوة الرواية تكمن فى إقناعنا بشعريتها ومصداقيتها ونبل منظورها للحياة.

المصدر: