الثلاثاء، 10 نوفمبر، 2009

أجمل هدية وأسوأ خبر!


سعود السنعوسي:

كاد شهر أكتوبر أن يمضي بهدوء وسلام، دون أن يسجل أي أحداث غير عادية، بالنسبة لي على الأقل. ولكنه، وفي اليوم الأخير غير رأيه فجأة، وكأنه أبى أن يسلم عهدة الأيام لنوفمبر دون أن يضع النقطة الأخيرة على سطر حياة إنسان علمنا كيف تكون الحياة.
في مساء 31 أكتوبر، وقبل أن أتجه لسريري، كنت أتصفح موقع إيلاف الإخباري، وهو محطتي اليومية قبل النوم. وفيما كنت على وشك الانتهاء من قراءة العناوين الرئيسية وقع نظري على خبر في زاوية الصفحة الإلكترونية، شدتني الصورة قبل أن أقرأ عنوان الخبر. صورة تبعث في النفس الهدوء، لست أدري لماذا، ولكن ربما بسبب الهدوء الذي ميّز صاحبها، فقد طُبعت صورته في ذهني هادئا كما هو دائما في حلقات برنامجه الشهير "العلم والإيمان". بعد مشاهدتي للصورة، اتجهت بنظري أسفلها حيث الخبر: وفاة المفكر والكاتب المصري مصطفى محمود.
لسبب ما، اتجهت نحو مكتبتي الصغيرة بدلا من أن أتجه للسرير بعد قراءتي للخبر. توقفت أمام الرّف الخاص بمؤلفاته أقرأ عناوينها، وأسترجع بعضا مما علمني إياه هذا المفكر والأديب في صغري. تذكرت "رحلتي من الشك إلى الإيمان" وما صادفته في هذه الرحلة من أمور مثيرة كانت غائبة عن ذهني. واسترجعت عبارات من "حوار مع صديقي الملحد" ذلك الصديق الذي يمهد له الشيطان دروبا تفضي إلى نفوسنا ليستقر فيها زارعا الشك. في ذلك الكتاب – حوار مع صديقي الملحد – كم من طريق قطعه الدكتور مصطفى محمود أمام شكوكي ونقص علمي وإيماني ليمهد لي دروبا تفضي إلى الحقيقة. أتنقل بناظريّ من غلاف إلى آخر، مسترجعا مشاهد وأحداث استقرت في ذاكرتي في مكان عصي على النسيان إدراكه، مغامرته في "الغابة" وما نقله لنا من مشاهد مثيرة وحقائق ومعلومات بعد رحلته إلى غابات إفريقيا. وما دار من حوارات وما صُوّر من مشاهد في "زيارة للجنة والنار" وغير ذلك الكثير والكثير مما جاء في مؤلفاته القيمة.
رغم صغر حجم مؤلفات الدكتور مصطفى محمود التي لا تتعدى غالبيتها الـ 100 صفحة أو أكثر من ذلك بقليل، إلا انها غنية فكريا وذات قيمة كبيرة تطرح تساؤلات وتفتح أبوابا لم يطرقها العقل أحيانا. وقراءة كتبه – رحمه الله – لا تنتهي بمجرد الفراغ من قراءة الصفحة الأخيرة، بل ان قراءة كتب الدكتور مصطفى محمود تبدأ أحيانا فور الفراغ من قراءتها، إذ تتحول الحياة من حولنا إلى أسطر تحمل العديد من الأسئلة والحقائق التي نبهنا وأشار لها الراحل في كتبه.
يقول الدكتور مصطفى محمود: "ان قيمة الإنسان هي ما يضيفه للحياة بين ميلاده وموته" ونحن الآن، بعد رحيله، يمكننا أن ندرك قيمة هذا الرجل بقدر ما أضاف لهذه الحياة بين ميلاده ورحيله.
كنت منذ فترة طويلة أبحث عن حلقات برنامج "العلم والإيمان" للدكتور مصطفى محمود، وقد وجدت منها لقطات مختصرة جدا على الإنترنت، إلا انها كالقطرة في محيط حلقاته التي وصل عددها إلى حوالي الـ 400 حلقة. وفي أغسطس الماضي، أوصيت أخي الذي كان في القاهرة أن يبحث لي عن حلقات البرنامج كاملة، وكانت أفضل هدية قد حصلت عليها في عام 2009 هي تلك العلبة الصغيرة الأنيقة التي تحمل بداخلها 58 قرص DVD لكل حلقات برنامج "العلم والإيمان". حملتها بين يديّ وأخذت أتفحص محتوياتها برفق مدركا بأن ما أحمله بين يديّ كنز لا يقدر بثمن. حدث ذلك قبل حوالي شهرين من وفاته رحمه الله. وهكذا، شاءت الظروف أن يرحل الدكتور مصطفى محمود في السنة التي تلقيت بها هديته الجميلة!
الصورة والصوت في أقراص الـ DVD لم يكونا بتلك الجودة المرجوة، والكاميرا كانت ثابتة طوال الحلقة، بل وحتى الدكتور مصطفى محمود يبدو – كما هو دائما - جامدا في جلسته لا يتحرك به في الغالب سوى شفتيه. على ان كل تلك الأمور لم تنتقص من قيمة الحلقات بشيء، حيث ان أهم ما في حلقات البرنامج هو ما ينطق به من معلومات لا تزال مذهلة رغم مرور كل تلك السنوات على بث البرنامج.
في ذلك المساء، في اليوم الأخير من أكتوبر الماضي، بينما كنت أمام مكتبتي الصغيرة، وقبل أن أقفل عائدا إلى سريري، مرّرت أصابعي على كتبه والتقطت من بينها كتاب "لغز الموت"، هو ذلك الموت الذي غيّبه، وشرعت بقراءة بضعة أسطر مما جاء فيه: "كل منا يحمل جثته على كتفيه .. إنه حادث غريب .. أن يصبح الشيء لا شيء .. ثياب الحداد .. والسرداق .. والموسيقى .. والمباخر .. والفراشون بملابسهم المسرحية .. ونحن كأننا نتفرج على رواية .. ولا نصدق ولا أحد يبدو عليه أنه يصدق ..حتى المشيعين الذين يسيرون خلف الميت لا يفكرون إلا في المشوار .. وأولاد الميت لا يفكرون إلا بالميراث .. والحانوتية لا يفكرون إلا في حسابهم .. والمقرئون لا يفكرون إلا في أجورهم .. وكل واحد يبدو أنه قلق على وقته أو صحته أو فلوسه .. وكل واحد يتعجل شيئا يخشى أن يفوته .. شيئا ليس الموت أبدا."
رحمك الله يا دكتور مصطفى محمود وأسكنك فسيح جناته، لطالما أحببناك، ولكنه الموت، وأنت القائل: "الحب قصة جميلة .. الموت مؤلفها". قد تنتهي القصة، أو تموت، ولكن، تبقى العبر خالدة لا تموت، ويبقى أبطالها بيننا بأفكارهم وكلماتهم النابضة بالحياة بين دفات الكتب.
نشرت في: