الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

توقيع رواية "سجين المرايا"

معرض الكويت السادس والثلاثون للكتاب
توقيع رواية "سجين المرايا"
أرض المعارض - مشرف - صالة "6" - الدار العربية للعلوم ناشرون - جناح 82
يوم الخميس، 27 أكتوبر 2011
الساعة الـ 7:00  مساء
 

الأحد، 18 سبتمبر، 2011

أول شهادة وفاة


قصة قصيرة:
أول شهادة وفاة

     اكتظ صالون المنزل الصغير بالمعزين. هدوء مطبق لولا ذكر الله الذي يتمتم به الناس من حولي، وصوت احتكاك خرز سبحاتهم، وعبارات العزاء التي يرددها المعزون دخولا وخروجا.

     "لماذا حدث ما حدث؟"

     يدخل أحدهم..

- عظم الله أجركم..

     يقول مصافحا. أرد، من دون أن أرى وجهه:

- أجرنا وأجرك.

     "أهو توقها لأن تكون الأولى دائما؟"

     يهم أحدهم بالخروج، رافعا كفه:

- أحسن الله عزاءكم.

     يرد البعض بامتنان:

-  جزاك الله خير.

     هدوء. لا أكاد أسمع سوى بدايات الكلمات.. إنا للـ.. لا حول و.. سبحا.. واحتكاك الخرز بين الأصابع..

     "ماذا أقول لصغيرنا الذي لا يعرف شيئا مما حدث؟"

- جعلها الله آخر الأحزان.

     يقول أحدهم. هززت رأسي ممتنًا.

     "هي الأولى. أولى الأحزان كما كانت هي الأولى.. دائما"

     على شاشة التلفاز في زاوية الصالون صورة، بلا صوت، لرجال الأدلة الجنائية بزيّهم الأزرق الداكن..

- غيّر المحطّة.

     يقول أحدهم مخاطبا الآخر مراعاة لشعوري. أرفع كفي آمرا:

- لا تغيّروا شيئا.

     "هل كانت تتوق لتسجيل انتصار جديد؟"

     يبدأ الحضور بالانسحاب تدريجيا..

     "كانت الأولى في كل شيء"

- أحسن الله عزاءكم.

     "الأولى في الدراسة"

- جزاك الله خيرا.

     "الأولى في عملها قبل أن يتم انهاء خدماتها.."

- شد حيلك..

     بشيء يكاد يشبه الابتسامة أرد:

- الله كريم..

*   *   *

     يوم أمس الأول، كنا معا، نقرفص حول ورق الجرائد، بعدما فرشته على الأرض، واضعة فوقه طبق الطعام. كنا نتناول طعامنا في صمت، بلا شهية، إلا الصغير الذي لا يرهقه التفكير في المستقبل، فقد أتى على طعامه كله في دقائق. رفعت أمه طبقه من أمامه لتغرف له المزيد، فظهرت أسفل الطبق، على الجريدة، صورة كلب.

     أشار إلى الصورة:

- أبي! ما قصة هذا الكلب؟

     قرأت الخبر.. اختصرته له:

- في كاليفورنيا، لقي أحدهم حتفه أثناء محاولة انقاذه بعد أن كان عالقا في إحدى فتحات صرف المجاري.

     تضاعفت المسافة الفاصلة بين عينيه وحاجبيه:

- انقاذ من؟!

- الكلب..

     أجبته. ضاقت المسافة الفاصلة.. اختفت.. واصل أسئلته:

- وهل يموت الإنسان من أجل كلب؟!

     مسحت على رأسه الصغير:

- يحدث ذلك أحيانا.. هناك.

- هناك! أين؟

- في بعض الدول.. في الخارج.. أوروبا.. أميركا..

     أطرق الصغير وأخذ يفكر. التفتُ نحو أمّه وهي تمزج الطعام في طبقه الصغير في حين ركزّت عينيها على إحدى صفحات الجريدة:

- ألا تأكلين؟

     سألتها. أجابت على الفور وكأنها توقعت سؤالي:

- أحضّر نفسي للموت!

     نهرتها:

- بعد عمر طويل!

     انفرجت شفتاها عن نصف ابتسامة مصحوبة بكلمات هامسة:

- بعد عمر قصير قد يتراجعون عن قراراتهم.. فلنعجل..

     أدركت زوجتي بأني لم أفهم إلام كانت ترمي.

- أبي!

     نبهني نداء طفلي..

- وهل عاش الكلب بعد ذلك؟

     كما جاء في الخبر:

- تم ارساله إلى مكان مخصص لرعاية الكلاب بعد أن تم فحصه والتأكد من سلامته.

     فغر فاه دهشة:

- الكلب؟!

-  نعم، الكلب..

     مط شفتيه، في حين وضعت أّمه الطبق أمامه بعد أن ملأته بالطعام. ومن دون أن يرفع نظره عن مكان الصورة، أزاح الطبق بيمينه لتظهر مرة أخرى وقد تناثر فوقها بقايا طعام.

     لا تزال زوجتي على حالها..

- ما بك؟

     سألتها، في حين صمتها لا يزال. أردفت:

- ولماذا الحديث عن الموت الآن؟

     نحو صدر إحدى صفحات الجريدة أشارت بعينيها.. التقطت عيناي من بين أسطر الخبر..

"وافقت الحكومة مشكورة.. التعليم المجاني.. العلاج.. اصدار شهادة الميلاد.. اصدار شهادة الوفاة.. و.."

- أبي!

     نبهني صوت طفلي..

- والقطط؟

     قال من دون أن يبعد نظره عن الصورة في الجريدة. أجبته:

- شأنها شأن الكلاب وبقية الحيوانات، لها حقوق وقوانين تكفل حمايتها.

- وإذا ضربتُ قطة.. هناك؟

     أطبق جفنيه ورفع حاجبه الأيمن.. ثم واصل:

- أو حرمتها من الطعام؟.. مثلا.

     "هناك، المبالغة في احترام الحيوان، أم هنا، المبالغة باحتقار البشر؟" سألت نفسي، واخترت أن أجيب على سؤال طفلي.. الأسهل:

- تُعاقب بواسطة القانون، وقد تصل العقوبة إلى السجن. يجب أن يحسن الإنسان معاملة الحيوان.

     فتح عينيه على اتساعهما.. قال:

- السجن؟!

- نعم السجن..

     أطبق بأسنانه على شفته السفلى مستغرقا بالتفكير في شيء ما.

     وجهت حديثي إلى زوجتي:

- ألا يحمل الخبر ما يحفز على الخروج من هامش الحياة والاقتراب من متنها بدلا من الحديث عن الموت؟

     أزعجها سؤالي كما بدا على وجهها. لم تجب. هي هكذا، تتجاهلني كلما تحدثت بما لا أؤمن.

     "يضيق الهامش أو تتضاعف مساحاته أحيانا، ولا يغيّر ذلك من حقيقة انه .. هامش"

     وضع ابني كفه الصغيرة على ركبتي:

- لا بد أن يكون الكلب.. أميركيا!

     ضحكت من دون أن يظهر أثرا للضحك على وجهي:

- لا..

     ثم تابع في حيرة:

- ولا القطة؟

     لا أتذكر أن الخبر المنشور في الجريدة كان قد أشار إلى قطة!

- عن أي قطة تسأل؟

     قال بحماس يذكرني بما نسيته:

- تلك التي إذا ضربتها أدخل السجن..

     أخرجت الهواء من رئتيّ في زفير طويل.. خيّل إلي انه لن ينتهي:

- ليس الأمر كذلك يا بني.. الحيوانات لا تحمل جنسية..

     ضرب الهواء أمام وجهه بحركة من اكتشف سرّا لتوّه:

- هكذا إذن! فهي بـ..

- كفى!

     صرخت به والدته كمن نفد صبرها. انتصبت واقفة. انكمش ولدي في جلسته.

- إلى أين؟

     سألتها. قالت وهي تتجه نحو السُّلم:

- إلى السطح.. أنشر الغسيل.

*     *     *

خرج آخر المعزّين.. وفي التلفاز الصامت، أمامي، صورة حوش منزلنا لا تزال، ورجال الأدلة الجنائية يقومون بعملهم تحيطهم الأشرطة الصفراء.


الاثنين، 8 أغسطس، 2011

البونساي والرجل العجوز




البونساي والرجل العجوز
قصة قصيرة لـ سعود السنعوسي
تسجيل إذاعة BBC برنامج BBC Extra
قراءة لؤي إسماعيل
مناقشة الروائي إسماعيل فهد إسماعيل

الجمعة، 22 يوليو، 2011

 
الراي:
فاز الكاتب سعود السنعوسي بالمركز الأول في مسابقة قصص على الهواء التي تنظمها مجلة «العربي» بالتعاون مع إذاعة BBC، وذلك عن قصة «البونساي والرجل العجوز». وهو أول كويتي يفوز بهذا المركز في مسابقة «العربي».
وجاءت في المركز الثاني قصة «هدية الفراق» لمروة حسن عبدالسلام من مصر.
وفي المركز الثالث قصة «بنت الفلاح» لطه فرحان الربيعي من العراق.
تم اختيار القصص لعدد يوليو من قبل الروائي إسماعيل فهد إسماعيل.
ونُشرت القصة الأولى في مجلة «العربي» عدد يوليو، وستذاع على محطة BBC العربية في الحادي والعشرين من يوليو. كما تُنشر نصّيا وتذاع صوتيا على موقع إذاعة BBC العربية.

الأربعاء، 6 يوليو، 2011

قصة في إذاعة الكويت .. وأخرى في إذاعة BBC

 ستتم مناقشة القصة القصيرة "صوت الظل"، في برنامج "من هذا الوطن" مع الزميلة استبرق أحمد، اليوم الأربعاء 6 يوليو، الساعة الـ 6:00 مساء.
إذاعة الكويت - البرنامج الثاني - تردد FM 97.5 
 
     كما ستتم مناقشة النص الفائز بالمركز الأول في مسابقة مجلة "العربي"، قصص على الهواء، "البونساي والرجل العجوز" في برنامج BBC Extra في إذاعة الـ BBC ظهر الخميس القادم 21 يوليو.

الاثنين، 4 يوليو، 2011




سعود السنعوسي أول كويتي يفوز بالمركز الأول في مسابقة قصص على الهواء التي تنظمها مجلة "العربي" بالتعاون مع إذاعة BBC، وذلك عن قصة "البونساي والرجل العجوز".
جاءت في المركز الثاني قصة "هدية الفراق" لـ مروة حسن عبدالسلام - مصر.
وفي المركز الثالث قصة "بنت الفلاح" لـ طه فرحان الربيعي - العراق.
تم اختيار القصص لعدد يوليو من قبل الروائي إسماعيل فهد إسماعيل.

نُشرت القصة الأولى في مجلة "العربي" عدد يوليو، وستذاع على محطة BBC العربية في الاسبوع الأول من يوليو. كما تُنشر نصّيا وتذاع صوتيا على موقع إذاعة BBC العربية.

الجمعة، 24 يونيو، 2011

أنت الإنسان

سعود السنعوسي:

 
 
أنت الإنسان
 
     كثيرة هي الأفلام التي أدمنت مشاهدتها منذ كنت صغيرا. أشاهدها بين الحين والآخر، إلى يومنا هذا، قد أندمج في مشاهدتها، ولكن، يبقى شعور المشاهدة الأولى مختلفا. قد استمتع بمشاهدة الفيلم عشرات المرات، ولكن، يتلاشى تفاعلي مع أحداثه مشاهدة بعد أخرى. أجدني اليوم أمام مشهد، في أحد الأفلام، كنت قد انفجرت ضاحكا وقت مشاهدته لأول مرة حتى سالت الدموع من عينيّ، وفي فيلم آخر، أتابع مشهدا مأساويا كان قد أحرجني بين من كان حولي، وقت المشاهدة الأولى معهم، حين بدا علي التأثر الشديد، ولكن أنوفهم الحمراء، وقت مشاهدة الفيلم، وعيونهم التي سكبت الدموع كانت تبث بداخلي شيئا من الثقة بأن الأمر، ولأني إنسان، لا يستدعي هذا الحرج.
أتابع اليوم المشاهد ذاتها، وأتساءل ما الذي تغّير؟ لقد انفجرت ضاحكا لهذا المشهد أول مرة، وضحكت في الثانية، وفي الثالثة ابتسمت، وفي الرابعة .. لاشيء. وفي مشهد آخر أبكاني في المشاهدة الأولى، وأحزنني في الثانية، أجدني اليوم أمامه بلا شعور!
ما الذي تغيّر في تلك المشاهد؟ لا شيء، أنا من تغيّر وحفظ المشهد إلى أن بات عاديا مملا لا جديد به. ولكي أنفجر ضاحكا أو باكيا، يلزمني مشهدا أشد تأثيرا من تلك التي أثّرت بي. وليس الأمر في مشاهدة الأفلام وحسب، بل ليته توقف عند ذلك من دون أن يصبح سمة الحياة التي نعيشها، فقد أصبح كل شيء عادي، كل شيء مألوف ومقبول، بل ان المدهش حقا انه لم يعد هناك شيئا يدعو للدهشة!
أجدني اليوم أمام شاشة التلفاز متابعا الأخبار متبلد المشاعر، فالمشاهد هي ذاتها التي ألفتها منذ وُلدت، لا جديد يهزّني من الداخل، ولا أنوف حمراء أو عيون تسكب الدمع من حولي. كل شي عادي، كل شيء مقبول، وما نتابعه في نشرات الأخبار مشاهد سبق لنا رؤيتها والبكاء عليها.
نحن أمّة ألِفَت الذل والهوان وتنفستهما مع الهواء، إلى أن كادا يصبحا أمرا لا نستطيع الحياة من دونه.
تبّا لنا، بل تبّا لي، ما لي لا أبكي الأُسر المشردة في المخيمات القريبة من حدود بلادها؟ نعم نعم، لقد بكيت طفلا حين تشرّدت وأسرتي بعيدا عن موطني، وبدلا من أن يجعلني ذلك أكثر من يشعر بمعاناة الآخرين، أجدني بلا مشاعر أمام مشهد مألوف. ما لي لا أبكي حال السورية التي شُرّدت مع أبنائها تبكي على شاشات التلفاز؟ لأنني بكيت الفلسطينية قبلها وليس المشهد جديدا علي. ولكن! ماذا عن حمزة؟ لِمَ لم يحرّك بي مقتله شيئا سوى دمعة علقت داخل عيني؟ نعم نعم، ليس المشهد جديدا، فقد استنفدت طاقتي بالبكاء على محمد الدرة قبل سنوات، وليس اغتيال الطفولة بأمر جديد، وليس في دموعنا حل، والذل والهوان سمة رضينا بها منذ زمن.
هكذا أنا، والعار يدّق رأسي بمطرقته، لم تعد المشاهد المتكررة تهزّني، ولولا أن رجلا أتى بمشهد جديد لما كتبت هذه الكلمات. كان رجلا يخاطب مراسل إحدى القنوات الإخبارية، وبلهجته الشامية يقول: "داسوا عـ رقبتي! .. أنا إنسان ماني حيوان .. أنا إنسان ماني حيوان"، ثم تمالك نفسه كي لا يبكي، ولكني بكيت .. وفي داخلي شيء انكسر. ويا لحزني عليك يا "إنسان" وعلى نفسي، لأني لن أبكيك من جديد، فما في داخلي انكسر، "وإللي انكسر ما يتصلّح"، إلا إذا ما طالعتنا الصحف والأخبار بمشهد مختلف، أشد قسوة، من مشاهد الذل التي اعتدناها من عدو خارجي وآخر داخلي.
هنيئا لك يا إنسان، تملك لسانا ناطقا يقول لا للذل، وتعسا لنا، نحن باقي المخلوقات، ننظر إليكم بأعيننا وألسنتنا خرساء، نبتلع صمتنا المعجون بذلّنا ولا نحرك ساكنا. أنتم تُقتلون أمامنا خلف الشاشات، ونحن، أمامها، لا يقُتل فينا سوى المشاعر.
نعم .. أنت إنسان .. أنت إنسان.

السبت، 11 يونيو، 2011

أعضاء نادي ديوان يحررون «سجين المرايا»



جيهان عبد العزيز


في مساء الأربعاء الماضي احتضن مقهى ستاربكس الأمسية الثقافية التي أقامها أعضاء نادي ديوان للقراءة لمناقشة «رواية سجين المرايا» للروائي الكويتي سعود السنعوسي.
قدم الحضور قراءات مختلفة لرواية السنعوسي الصادرة عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» وهي الرواية الأولى بالنسبة اليه.
شهدت الأمسية مناقشة دارت في محاور عدة اقترحها رئيس نادي ديوان القاص الكويتي يوسف خليفة، تتمثل في تقييم عام للرواية، وأهم شخصياتها، ونجاح السنعوسي في رسم معالمها.

حوافز العزلة

كان ثمة رأي عام يرى في بطل الرواية عبد العزيز، شخصية تتسم بالمثالية الشديدة، والانعزال عن الواقع الحقيقي المعاصر، فكأنما يعيش في شرنقته الخاصة، التي نسجها حول نفسه، بعد تعرضه لصدمات شديدة، تمثلت في استشهاد والده أمامه برصاص «ضباع» الاحتلال وفق وصفه لهم، ثم موت والدته بعد ذلك، ومحاولاته لإيجاد بديل لهما تمثل في «ريم /مريم» حبه الأول، كنوع من التعويض عن ذلك الفقد أكثر من اعتباره حبا حقيقيا. 
وقد أشارت رنا محمود إلى إعجابها بما اشتملت عليه القصة من مشاهد معبرة، كمشهد دفن الأم، وتشبث البطل بجسدها داخل قبرها/ مثواها الأخير. 
كما أبدت د. إقبال العلي تأثرها بما احتوى عليه النص من عبارات شاعرية ومؤثرة، بينما تحدث وليد السبيعي عن الذكريات التي تحاصر البطل بحضورها، وبغزو رائحة أصحابها ومحاصرة أصواتهم له ، مشيرا إلى التصدير الذي اختاره الكاتب لروايته مقتبسا من طاغور «إن من يحمل مصباحه خلف ظهره لا يرى غير ظله أمامه «، وهي العبارة المفتاح لتحسس الخطوات في سجن اختياري حوائطه وجدرانه هي مرايا للماضي الذي يتشبث البطل بحضوره واستدعائه. 

صوت واحد

من جهته تحدث جوزيف عوض عن العقل الواعي والمدبر للكاتب حين ينسج شخوص روايته، واستخدامه لضمير الأنا في شكل تداعيات متتابعة لينقل لنا وجهة نظر أحادية للأحداث والشخصيات، التي نراها من خلال عين الراوي/ البطل وحده، مما يحمل القارىء مسؤولية تبني وجهات نظر أخرى، محاولا استلهام أصوات باقي الشخصيات، وخاصة «ريم» المحبوبة والخائنة في الآن نفسه. 
وأضافت فاتن عسيلي «سجين المرايا» هي رواية مراهق ينظر للعالم بكل الاضطراب والسخط الذي يعتمل بداخله، نحو هذا العالم الذي يتبدى له فاسدا، فيشعر بالاغتراب ويوجه الانتقاد حتى لأقرب الناس إليه كحبيبته، أو لوطنه الذي عشقه صغيرا من خلال الأغنيات الوطنية، ومقاومة الغزو العراقي مرورا باستشهاد والده امام عينيه. 
هذا المراهق الذي يحاول الهرب إلى واقع آخر مختلف فيسافر إلى إنكلترا باحثا عن طوق نجاة ينتشله من حياة لا يؤنسه فيها غير مشاعر الوحدة والحزن والشعور بالخديعة، وبعد أن تمر شخصيته بمراحل نضج واختلاف، يعود إلى وطنه بوعي جديد فيقتل شخصية المراهق المنعزل الاوحد، يتركه سجين مرآة ماضيه المظلمة، لينطلق هو برؤية جديدة، حاملا مصباحه أمام وجهه يضيء له طريق المستقبل. 

الخميس، 3 مارس، 2011

تم افتتاح الموقع الخاص برواية "سجين المرايا"

هُنا




في هذا المكان ..
بين زنازين المرايا وقضبانها .. وعلى جدران سجن المرايا .. وفي شقوقها ..
هنا تكمن ذكريات الماضي، بصورها الباهتة، وصدى أصواتها، ورائحتها القديمة ..
هنا .. حيث يشتاق الإنسان إلى وطنه وهو فيه ..
هنا .. حيث لا يفارق يتيم الأم أمّه ..
هنا .. حين يكون الإنسان عاشقا يعشق لا أحد ..
هنا يقبع .. سجين المرايا

السبت، 22 يناير، 2011

ما بيني.. وبيني

متران وتسعة وعشرون عامًا

سعود السنعوسي:



     كان يوم جمعة، الساعة تشير إلى الواحدة والنصف صباحاً. يكاد الظلام أن يبتلع المكان لولا النور المنبعث من المصباح المعلق في زاوية الغرفة. والنوم، يجلس في زاوية أخرى، إلى جانب الخزانة، يترقب استسلامي له، بعد أن جاوزت الساعة موعده المعتاد. فوق سريري أضطجع، على جانبي الأيسر، وإلى جانبي، فوق السرير، يستلقي دفتري هذا مفتوحاً بانتظار كلماتي التي سأرسمها على صفحاته كالوشم.
أمامي، على يسار السرير، تستند صورة قديمة. الصورة بالحجم الطبيعي لطفل في عامه الأول يجلس على الأرض، ممسكا بقلم. وكأنه يجلس على أرض غرفتي، فالصورة تستند على جدار الغرفة، فيما إطارها السفلي يلامس الأرض.
لا وجه للشبه بيني وبين الصورة سوى الدهشة المرسومة على وجهينا، والقلمين اللذين نمسك بهما بين أصابعنا.
تفصل ما بيني وبين الصورة مسافة مترين، وزمن يقارب التسعة والعشرين عاماً. أتجاوز المسافة بنظري لأرى وجه ذلك الطفل في الصورة، ثم أغمض عينيّ، والنوم في زاوية الغرفة يهم باحتضاني لولا قلمي ودفتري المفتوح، والتعبيرات التي احتلت ملامح وجهي.
نبّهني الطفل، في الصورة، إلى سنوات عمري التي مضت، وبأنني اقترب من الثلاثين، مودعا عشريناتي بكل ما حملته من أحداث لم يتبق منها سوى صور تقاوم النسيان.
في طفولتي وسنوات مراهقتي كنت متلهفا لإدراك العشرين، وكنت أضيف سنة إلى سنوات عمري إذا ما سألني أحدهم عن سنّي، ومستقبلا، إذا ما كتب لي الله عمرا، سأحّن إلى سنوات العشرين، ومن يعلم، ربما أتحايل على نفسي لأحذف سنة أو سنتين من سنوات عمري إذا ما سألني سائل. واليوم، على حدود الثلاثين، لا أتمنى سوى أن يتوقف بي الزمن، لا أكبر ولا أصغر، لأعيش بقية حياتي ابن التاسعة والعشرين، ابن العشرينات التي أحببتها ولا أريد مفارقتها. ولكن، لست وحدي من يكبر، فالهم جماعي.
تركت سريري، والطفل لا يزال بملامح الدهشة. توجهت إلى زاوية الغرفة حيث الخزانة، تنحّى النوم جانبا وهو يتأفف، ليفسح لي مجالا لأفتح بابها. أخرجت حقيبة صغيرة تضم ألبومات صور، تركتها على الأرض بعد أن أخرجت منها صورة كُتب على ظهرها «ثانية/ثالث». كانت صورة جماعية لي ولزملائي في الفصل، حين كنا في المرحلة الابتدائية. أخذت أتفحص الوجوه، مرددا أسماءها من دون أن أنسى واحدا منها، واحد وثلاثون طالبا، لكل طالب وجه واسم و .. حكاية.
بعد أن أتممت سهرتي بصحبة أصدقائي في الصورة، أغمضت عينيّ ليضمني النوم الذي سئم الانتظار.
صحوت من نومي بعد طرقات تكررت على باب غرفتي: «يالله .. صلاة الجمعة .. تأخرت!»
أثناء الطريق، وتحت تأثير الحنين إلى الماضي، والخوف من المستقبل، قررت أن أصلي الجمعة في المسجد القديم، حيث كنت أسكن فيما مضى، في المنطقة التي تلقيت بها تعليمي في جميع المراحل الدراسية.
على الأرض جلست، مسندا ظهري إلى الحائط، عن يميني خطيب الجمعة، وعن يساري باب المسجد يستقبل المصلين.
يدخل ناصر بصحبة والده، بالمشية نفسها، كما لو كانت رؤيتي لهما، في المسجد نفسه، قبل أسبوع واحد فقط، يوم الجمعة الماضي. ثم يدخل يوسف بصحبة ولدين، يصلي، والولدان يقلدان حركاته. وعند الباب، هناك محمد ينزع نعليه، يتبعه عبدالرحمن وإبراهيم .. كلهم هنا .. الماضي هنا.
كنت أحتفظ بأرقام هواتف بعضهم، تبادلناها منذ سنوات، حين كنا نتلاقى صدفة في مكان ما، من دون أن يفكر أحدنا في الاتصال بالآخر. ولكن، في ذلك اليوم، بعد صلاة الجمعة، وفور عودتي إلى البيت، وجدتني آخذ نسخة من الصورة الجماعية من خلال جهاز السكانر، أرسلتها إلى هاتفي النقال عبر الكمبيوتر، ثم أرسلت الصورة إلى هواتف زملاء الفصل القديم. وخلال دقائق وصلتني ردودهم رسائل واتصالات ملؤها الحنين إلى الماضي، والوقوف في الحاضر، والخوف من المستقبل.
بعثت رسالة شكر إلى الطفل في الصورة، تجاوزت المترين، لتسبر أغوار تسعة وعشرين عاماً، قصيرة بالنسبة للحياة، طويلة بالنسبة إلي، سنوات شهدت قصص حب لا تنتهي في بيت احتضن طفولتي، وصداقات تكاد أن تكون حقيقية لولا نهاياتها، وولادة أشخاص وموت بعضهم، ودروس وعبر، وحكايات وسفر، وكتابة وكُتُب، وراحة وتعب، وخوف من المجهول وفقدان من نُحب.
كل هذا وأكثر، عثرت عليه في تلك المسافة بيني وبين .. صورتي.

نشرت في:



السبت، 15 يناير، 2011

كيف تغني الكويت من دون صوتها؟

شادي وسناء والديكان.. افتقدناكم

سعود السنعوسي:

كان يحدوني أمل في أن تشهد احتفالات البلاد في عيدها الخمسين عودة صنّاع الأغنية الوطنية من جديد، ليسجلوا للتاريخ وللأجيال القادمة ملاحم شبيهة بالتي ساهمت بتشكيل هويتنا الوطنية قبل أعوام، حين كنا أطفالا.
وكنت متأكدا من أن هذه المناسبة لن تمر من دون أن نسمع صوت الكويت الذي اعتدناه. كنت كمن يجلس على شاطئ البحر يرقب وصولهم بعد غياب، الموسيقار غنام الديكان خلف الدفّة، ويظهر من خلفه العملاقان شادي الخليج وسناء الخراز يزفون خبر عودتهم: «ها نحن عدنا ننشد الهولو على ظهر السفينة.. ها نحن عدنا ننشد الهولو عدنا للمدينة.. ها نحن عدنا يا كويت إلى شواطيك الأمينة، وقلادة من شوقنا لك. من أمانينا الدفينة».
ولكن خبر استبعاد العمالقة الذي قرأته في القبس قبل أيام، كان قد باعد المسافات بين شواطئنا والسفينة، لتظل الأغنية الوطنية الكويتية ناقصة، ونفوسنا على غياب صنّاعها حزينة.

لست أكتب هذا الموضوع للتقليل من شأن الجهود التي تُبذل في كل عام للتحضير للأوبريتات الغنائية الوطنية، فالأعمال التي تابعناها في السنوات الأخيرة ناجحة بكل المقاييس، ولكنها وقتية، لا صدى لصوتها تردده الأيام كما في الأعمال الوطنية الضخمة التي نشأنا عليها. لست حزينا على أجيالنا السابقة، الأجيال المحظوظة، فقد تشبّعت بالمفاهيم الوطنية التي زرعتها تلك الملاحم الضخمة، وقد تلقت تلك الأجيال دروسا تاريخية لبلادها من خلال تلك الأعمال الوطنية التي لا تنسى، ولكن الشعور الذي ينتابني في هذا الوقت، هو شعور بالحزن على جيل لم يتنفس وطنه كما تنفسناه في طفولتنا من خلال إبداعات لم يكررها التاريخ.


إلى من يهمه أمر الكويت

لماذا يتم استبعادهم، وأنهارهم لم تنضب بعد؟ ولماذا يحرم هذا الجيل من التعرف على وطنه بالشكل الصحيح؟ وهل من أمل لنستمع إلى أصواتهم في أعمال جديدة؟ أو على الأقل، هل تتاح لهم فرصة المشاركة في الأعمال الوطنية المقبلة من خلال توظيف خبراتهم الطويلة في هذا المجال؟ خصوصا إذا ما أشرنا إلى أن الفنان القدير شادي الخليج هو من تبّنى ونفّذ احتفالات العيد الوطني وشارك فيها منذ انطلاقتها ولسنوات طويلة. أسئلة كثيرة لست أدري إلى من أوجهها، ولكنها لا بد أن تصل إلى من يهمّه أمر الكويت.



تأثير الأغنية الوطنية

ان الأغنية الوطنية ليست مجرد أغنية تسمع في وقت ما ثم ينتهي تأثيرها، بل ان الأغنية الوطنية «الحقيقية» ترسم شكل العلاقة بين الوطن وأبنائه، فالأغنية الوطنية، حاضرة دائما في أذهاننا، ان لم يكن ذلك في الوقت الراهن مع أبناء اليوم، فهذا ما كنا نشعر به في السابق، فكيف ننسى تأثيرها أثناء الاحتلال، حين يزأر شادي الخليج: «يا حماة العرين .. لقّنوا المعتدين .. درسنا باليمين .. ضربة لن تلين»، أم في سفرنا، حين نحنّ إلى كويتنا، وحين تداعب سناء الخراز نفوسنا بتغريدها: «سلام يا وطني .. أمان يا وطني .. يا ساكن الوجدان .. يا سّيد الأوطان»، أم في شكل علاقتنا بحكامنا في طفولتنا المبكّرة، حين كنّا لا نعرف سوى: «جابر أبونا من عمر .. عرفناه .. ويا بو فهد عز وذخر .. وشفناه»، بل أن الأغنية الوطنية كانت رسالة ودافعا للتغيير من أجل الوطن حين ركزت على دور الشباب وحثهم على التسلّح بالعلم من أجل بناء المستقبل: «الحمد لله عظيم الشأن .. قد فرض العلم على الإنسان .. عليه تبنى عزّة الأوطان .. الحمد لله عظيم الفضل .. لما حمانا من ظلام الجهل .. العلم نور زينة للعقل .. والحمد لله عظيم الشأن ..ونحن أبناء الكويت الرائدة .. أجيالنا بكل خير واعدة .. ونحن أبناء الكويت الرائدة .. طريقنا نحو المعالي صاعدا». الأمثلة كثيرة، ولا يمكن حصرها لإثبات أهمية الأغنية الوطنية وحضورها في تعزيز الروح الوطنية لدى أبناء الوطن، ولكن، هل يعي المسؤولون أهمية هذه الأعمال الوطنية؟ فالأغنية الوطنية الأصيلة قبل كل شيء هي كلمة تمس الروح، ولحن يُستمد من تراث الوطن، وصوت قادر على توصيل الرسالة. والأغنية الوطنية الحقيقية هي تلك التي تضيف للمتلقي ثقافة بلاده إلى جانب تعزيز الروح الوطنية، وهذا ما اكتسبناه في طفولتنا من تلك الأعمال، فكيف لأبناء جيلي، في ذلك الوقت، أن يتعرفوا على «البوم والسنبوك والشوعي»، وما عاناه أجدادنا في تلك السفن في عرض البحر ليصنعوا تاريخ وطن، من دون أوبريت «مذكرات بحار» الذي كتبه الراحل محمد الفايز؟ وكيف لنا أن نتعرف في تلك السن المبكرة على نشأة العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الكويت من دون أن يختصر لنا الراحل عبدالله العتيبي، في أوبريت «صدى التاريخ» نشأة هذه العلاقة في بيتين: «كان أصل الكويت دعوة حبٍ .. أينعت حولها قلوبٌ ندية
.كان حكامها بنيها فأضحى .. شعبها حاكما وكان الرعية»؟



أبراج الكويت الثلاثة

غنام الديكان، كنت أتمنى عودتك بعد غياب، برّا أو بحرا، تعيد للأغنية الوطنية مجدها، يتبعك شادي الخليج مرددا بصوته الساحر: «قد وصلنا إلى بلاد ستأتي كطيوف المنى في قلب الجميلة» وإلى جانبه سناء الخراز تغرد كالعصفورة: «يا سائقين الهوادج على طريق السلامة .. لقد وصلنا لأرض فيها تطيب الإقامة».
أبراج الكويت الثلاثة أنتم، ستبقون في قلب الكويت، لأن الكويت لا تنسى ما قدمتموه لأبنائها طيلة حياتكم. ولأن كل ما نحمله من مشاعر تجاه وطننا الأجمل، نحن أبناء الكويت، كان ثمار ما غرسته أياديكم قبل سنوات. واننا، في غمرة سعادتنا بأعياد الكويت التي نحب، ستبقى في قلوبنا مساحات لا يشغلها سوى وجودكم.
شادي الخليج .. سناء الخراز .. غنام الديكان .. افتقدناكم، ولكن، ماضينا الجميل معكم، سيمدنا بتلك المشاعر الوطنية السامية التي نشأنا عليها، ليجدد عشقنا للكويت، ويعيننا على صدّ ما تخفيه لها الأيام.

نشرت في :

السبت، 8 يناير، 2011

غفوة

قصة قصيرة

سعود السنعوسي:

أخي الحبيب ،،
هل تسمعني؟ هل تقرأ كلماتي؟ وهل من جسرٍ لا يزال يربط بيننا بعد أن تقطعت بنا السبل؟ وهل من ساعي بريد يملك صلاحية المرور بين عالمينا المختلفين يحمل إليك رسالتي هذه؟
أخي الحبيب ،،
ان كنت تسمعني، تقرأني، أو تشعر بي، أرجوك سامحني، فالقرار لم يكن بيدي هذه المرة، وأنا الذي ما أقدمت على شيء في حياتي من دون أن أخبرك، لأنك أخي الوحيد و.. أبي.



* * *
وُلدتُ بعد وفاة والدي، وما رأيت أبا سواك، رغم اننا، أنت وأنا، كنا ننادي والدتي: يمّه! فقد كان من اليسير عليّ أن أتصور ان والدتي هي جدتّي، لأنها والدتك، وأنت .. كما أنت دائما .. أبي. ومن غير المعقول أن تكون والدتي هي والدة أبي في الوقت نفسه! لم أفكر قط أنك أخي الذي أنجبته أمّي قبلي بسنوات.
كبُرَت أبوّتك لتشمل أمّنا بعد ذلك، لنصبح، أمي وأنا، أخوة، حين أصبحنا نناديك بـ«يُبه»!
أي مسؤولية ألقتها عليك الأيام لتصبح أبا وأنت في السابعة عشرة لأخ يصغرك بسنوات ليست بقليلة، ولامرأة في الأربعين؟
كم أفتقدك، ولا أريدك أن تأتي إلى هنا، بل أتمنى أن أكون إلى جانبك هناك!
«اصحى.. اصحى» كنت تردد دائما، بعدما ابتليتُ بذلك المرض الغريب، الغفوة اللاإرادية التي تنتابني بين الحين والآخر، حتى أثناء حديثي معك.
دَخلت ذات مساء إلى البيت، هل تذكر؟ وقد رسم التعب خرائطه على وجهك، بعد يوم طويل وشاق في العمل لتؤمن لنا ما يسد جوعنا. استفزك الضجيج الصادر من غرفة والدتنا، اتسعت عيناك، والصمت، كما هو دائما، لا يسكن سوى الليل و.. أعماقك.
هل تصدّق بأني لا أتذكر صوتك الآن بقدر ما أتذكر صمتك؟!
أسرعت الخطى باتجاه غرفتها في زاوية البيت، وأنا حيث أنا، في حوش الدجاج في منزلنا الطيني القديم. توقف الضجيج في غرفة أمّي ما إن اقتحمتها. احتضنت إحدى الدجاجات بقوة حتى كادت تختنق بين يديّ و .. غفوت!
صحوت بعد ذلك على كلماتك «اصحى اصحى» لأجد الدجاجات مذعورة في الزوايا تنظر إلى ماكينة خياطة، أحضرتها لوالدتي من دون علمك من جارتنا، بعد أن اتفقت والدتي على تسديد ثمنها بالتقسيط. كانت الماكينة ملقاة على أرض الحوش، وكانت الدجاجات تراقب بحذر صورة الأسد عليها! وكنت أنت واقفا إلى جانبها تنظر إليّ في غضب: «ليش ما قلت لي؟»، بعد ذلك عاهدت نفسي ألا أفعل شيئا من دون علمك.
كنتَ تكبُر، وأنا في عمر لا يتغيّر، طفل، لا يقدم على أي خطوة بغير موافقتك. اعتنيت بوالدتنا وبي كما لا يفعل أحد.
رفضت أن أعمل معك .. أدخلتني المدرسة.. غفوت ..
وكان صوتك في الحلم ينبهني دائما في الفصل «اصحى اصحى».. تعلمت الكتابة والقراءة.. غفوت.. صحوت.. أنهيت دراستي.. أصيبت والدتنا بمرض.. غفوت.. ماتت.. صحوت.. وفرت لي فرصة عمل معك في الدكّان .. علمتني القيادة .. غفوت.. زوجتني.. صحوت.. أنجبت ولدا أسميته «سليمان» كامتنان لأخ كان لي أب.. غفوت. كبُر سليمان وأصبح له أخوة وأخوات.. صحوت.. لأجدك، وقد تقدم بك العمر، عمودا لبيت ما كان ليكون من دونك.
ساءت صحتك، ولكنك، بعناد الأولين، رفضت الجلوس في البيت، فأصبحت أذهب بك إلى العمل، بسيّارتي، في الصباح لأعيدك في مساء كل يوم، وكنت، كعادتي، أغفو حتى أثناء القيادة، وأنت دائما: «اصحى اصحى»!
إلى أن جاء ذلك اليوم، بعد صلاة المغرب، في السيّارة، في طريقي إليك.. غفوت.. صحوت..
ترجلت من السيّارة المستلقية على سطحها، تاركا جسدي الغافي بداخلها بعد أن التحم بأجزائها. أخذت أجري ووجهتي الدكّان، كي لا أتركك تنتظر طويلا.
وصلت، إلى هناك، بعد أن جاوزت الساعة الوقت المعتاد لوصولي. وجدتك في الداخل على المكتب القديم، تقرأ في دفتر الحسابات، أكلمك ولا ترد.
دخل ابني سليمان والدموع في عينيه: «بابا سليمان .. بابا سليمان! أبوي .. عطاك عمره».
ضربت بقبضتك على سطح المكتب، وبكلمات سبقت تفكيرك: «شلون؟ .. ليش ما قال لي؟!».



* * *
أخي الحبيب ،،
هل تسمعني؟ هل تقرأ كلماتي؟ وهل من جسرٍ لا يزال يربط بيننا بعد أن تقطعت بنا السبل؟ وهل من ساعي بريد يملك صلاحية المرور بين عالمينا المختلفين يحمل إليك رسالتي هذه؟
أخي الحبيب ،،
ان كنت تسمعني، تقرأني، أو تشعر بي، أرجوك سامحني، فالقرار لم يكن بيدي هذه المرة، وأنا الذي ما أقدمت على شيء في حياتي من دون أن أخبرك، لأنك أخي الوحيد و .. أبي.
كنت أغفو، وأصحو على كلماتك «اصحى اصحى» واليوم، كيف أصحو من دونك؟
نشرت في: