الثلاثاء، 18 أغسطس، 2015

حينما تكره البلادُ نفسها!


مقالة خاصة بالمدونة:



     هذا ما أشعر به، شعورٌ يقارب اليقين، أن هذه البلاد تكره نفسها، حينما ألتفتُ ولا أجد فيها ما يُشبهها. بلادٌ تتبرأ من ذاكرتها. تتنكَّر لماضيها. تخجل من هويتها. كُلُّ ما في هذه البلادِ لم أعد أعرفه. أنا أفهم شعوري بالحنين إليها وقتَ سفري، ولكنني لا أفهم لماذا أشتاقُها وأنا فيها!

     لا شارعنا القديم يحمل اسمه، ولا مدرستي الابتدائية، ولا المتوسطة، ولا حتى الثانوية. أمضي في شوارع أعرفها بحثًا عني، هربًا من زمن مسخ، ولا أجدُني. أمضي إلى ما هو أكثر قِدَمًا. أبحثُ عن حَمَّارٍ وعربةٍ خشبية، وأرجوحةٍ تُشبه أرجوحتي القديمة في قرية "يوم البحَّار"، أجدُ القرية في غير مكانها، وقد صار اسمها "قرية الموروث الثقافي الكويتي"، وأجدُ أن الحَمَّار صاحب العربة والأرجوحة قد غادرا المكان مع اسمه القديم.

     أنا أفهم ضرورة تحديث بعض مباني الدولة مواكبةً للزمن، ولكنني لا أفهم الدافع من وراء تغيير الأسماء الذي تنتهجه الدولة منذ سنوات. من الذي أسقط لافتةً عتيقة في كيفان، تعرفني وأعرفها، تحملُ اسم "شارع إشبيليا"، لتقيم أخرى تحمل اسمًا آخر؟ أمضي في الشارع ألوذ بحديقة "الأندلس" التي احتضنت طفولتي، وإذ بها تحملُ لافتةً باسمها الجديد "واحة كيفان". لا مكان لطفولتي هنا، ألتجئ إلى مكان أمضيتُ فيه زمنًا في مراهقتي، ديوانية في شارع أبو حيان التوحيدي في الروضة، لا تزال موجودة ولكن أبوحيان انصرف يحمل لافتته مُفسِحًا مكانها لأخرى تحمل اسم غيره. أقودُ سيارتي أتوق لاسمٍ قديم. لا أجد. ما الذي يدفع مدرستي "النجاح" لأن تحتفظ بكل تفاصيلها ما عدا اسمها الذي أعرف، وقد اتخذَت لها اسمًا جديدا؟ لماذا أقابلُ مدرستي الثانوية "صباح السالم" في السُّرة كلما جرَّني الحنين، أعرفها ولا أعرفها وقد صارت ثانوية بغير اسمها؟ أعود إلى بيتي في آخر اليوم غريبًا، وفي داخلي شيءٌ يصرُخ: أعيدوا لي ذاكرتي!

     أتابع منذ سنواتٍ اغتيال ذاكرتنا في صمت، وفي كلِّ مرَّةٍ أمنّي نفسي بأنها الأخيرة، وها أنا قبل ساعاتٍ أشاهدُ عُمَّالا أمام ثانويةٍ ليست بعيدة من بيتي، يُزيلونَ لافتةً عتَّقها الزمن، تحملُ اسم "الأصمعي"، حتى صار الشارع يُسمَّى باسمها. الثانوية التي حملت الاسم منذ ثلاثٍ وأربعين سنةً، وقتَ انتسبَ والدي إلى دفعتها الأولى سنة تأسيسها، وقتَ كانت المنطقة برَّا خاليا من الشوارع تقطعه حافلات التلاميذ تثير الغبار من حولها. أراقبُ العُمَّال يرفعون لافتةً جديدة أعلى سور المدرسة، وأنا أشهد ما يجاوزُ مسح ذاكرتي إلى ما يطال ذاكرة أبي.

     أشيحُ ببصري بعيدًا عن لافتات وأسماء وأماكن لم نعد نعرفها. وأتذكَّر سنواتٍ مضت، في زمن الاحتلال، حينما استحالت مناطقنا السكنية؛ السالمية، سلوى، الخالدية والشويخ وغيرها.. إلى مناطق بمسمَّيات جديدة؛ حي النصر، حي الخنساء، الجمهورية والرشيد. قد تبدو المقارنة ظالمة، ولكنني لا أقارن هنا، إنما أبحث عن سبب. أتفهَّم عزم المحتلِّ بأن يمسخ ذاكرتنا حتى لا نعود نحن، أما وأن نرتكب الفعل بأيدينا، فهذا ما لا أجدُ له مبرِّرًا غير أن هذه البلاد تكره نفسها.

     كيف لأصحاب القرار، أعضاء المجلس البلدي أو وزير التربية أو أيًا كان، أن يعصفوا بذاكرة وتاريخ بلد بقراراتهم هذه؟ أنا لا أفهم! شيءٌ كبير بأن يحمل الشارع أو المدرسة اسميهما منذ ما يقارب الخمسين عامًا في بلدٍ تاريخه قصير بمقياس الأُمم. وكأن قصر هذا التاريخ لا يكفيكم، لتقتطعوا منه المزيد، ولتؤسِّسوا ذاكرةً جديدة تبدأ من الصفر!

     أطلقوا الأسماء تخليدًا لذكرى من ترونه يستحق، وكثيرٌ منهم يستحق، لا اعتراض على أن تمتن الدولة لأبنائها، ولكن في جديدِ بنيانِكم، عِوَضًا عن مسخ ذاكرتنا، حتى صرنا لا نعرفنا!


سعود السنعوسي
17 أغسطس 2015 

الأربعاء، 12 أغسطس، 2015

سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر!


  يبدو للكثير أنني تأخرت في إبداء رأيي حول منع رواية "فئران أمي حِصَّة"، أو أن نشر نصِّي هذا جاء في غير أوانه، خصوصاً لمَن انتظر مني تصريحاً حول مصير العمل مع الرقيب منذ تقدمت به إلى قسم رقابة المطبوعات في وزارة الإعلام.
كنت قد اتخذت قراري بألا أتحدث في الموضوع ما لم يكن القرار قد صدر رسميّاً، رغم رفع النسخ من رفوف المكتبات فور صدور العمل في فبراير الماضي. ولهذا أسباب عدّة؛ أولها أنني لا أرغب في الظهور كمن يركب موجة المنع ليسوّق للعمل المشاع منعه، ثانيها، أنني أخشى إن أنا أعلنت منع العمل عبر صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي، ولي فيها متابعون من داخل الكويت وخارجها، فأحسبني كمن يطعن وطنه، وأنا لا أريد أن أفتح صفحاتي لتعليقات تتجاوز انتقاد الرقيب إلى الهجوم على بلد أنتمي إليه بسبب سياساتٍ رقابية عمياء، وقد نالني بعضها.
وثالث هذه الأسباب، أن أغلب الصحف التي اهتمت بالأمر من خارج الكويت، وهو سبب كافٍ ليضاعف رغبتي في التزام الصمت، ورابعها، أنه خلال الشهور الخمسة الماضية، كانت الرواية كما يقول الرقيب "ليست ممنوعة وليست مجازة"، كونها، ولخمسة شهور، لدى لجنة الرقابة تبحث في شأنها!


مجازر الرقابة

اليوم، وبعد أن صدر القرار رسمياً، يمكنني أن أقول رغم تردّدي للأسباب السالف ذكرها. لن تؤثر قرارات المنع المعيبة على رواج أي رواية، بل قد يمنحها انتشاراً أكبر حتى مما تستحق، وهو ما أراه قد منح روايتي زخماً أكثر مما تستحق. إنما للقرار هنا وقعٌ كبير على صورة هذا البلد، إن كان من بيديه الأمر يعقل، وعلى نفوسنا نحن الكتّاب الشباب على وجه الخصوص. ولأن مجازر الرقابة لم تعصف بعملي الأخير وحسب، فأنا، هنا، لا أكتب عن تجربتي وحدي مع الرقيب، بل أكتب نيابة عن زملائي ممن أصابت أعمالهم مجازر الرقابة، وحسبي أنهم يسمحون لي، ليس دفاعاً عنهم، بل غيرة على وطن بات مختطفاً لا يشبه وطناً نعرفه "قديماً" منبراً للحريات.
 نحن جيلٌ نشأ على ثقة تحاذي الغرور بمقدار الحرية الذي كانت تتمتع به بلادنا، كما حالفنا حظ مزامنة فُتات زمن النهضة، وكما نشاهد كلما أدرنا وجوهنا إلى الوراء؛ حرية الرأي، وهي حقٌ أصيل، كفلها الدستور منذ 1962.
 نحن جيلٌ نشأ على هذه الحرية متمثلة في مجلس الأمة، رغم كل ما طاله من محاولات لعرقلته عبر تاريخه، حرية المسرح الذي كان يقسو بنقده محبةً، يقول ويصرخ وينتقد ويسمي الأشياء بمسمياتها. حرية الديوانيات والمجالس التي كانت تقول ولا تخشى. حرية الصحافة التي كانت منبرا حقيقيا للتعبير عن الرأي قبل فرض الرقابة المسبقة في الثمانينات.
نحن جيلٌ نشأ على حنظلةِ الفلسطيني ناجي العلي في رسوماته، الذي احتفت به صحف الكويت وأعدته مكسباً، ينتقد بحريةٍ في الداخل والخارج قبل تخلينا عنه. نحن جيلٌ افتتح صباحاته مع "لافتات" العراقي أحمد مطر الذي ضُيِّق عليه في بلاده، واحتفت به الكويت وبتجربته واستفادت من وجوده ليكرِّس ويكون مثالاً لمفهوم حرية الرأي فيها قبل أن يذرف دمعته عند الطائرة التي حملته بعيدًا.
نحن جيلٌ يعيش على أطلال ثقافية كانت نبراساً آمن بها الوطن منذ حُلمه بأن تكون له مجلة ثقافية لكل العرب، يوم استعانت الكويت بالمصري أحمد زكي ليؤسس مجلة "العربي"، لتقول للعالم: هنا وطن، يؤمن بالثقافة والفن والأدب، اسمه الكويت.
نحن جيلٌ تلقى جلَّ ذائقته المسرحية من مسرحيات قدَّمها الروَّاد زمن إيمان هذا الوطن بأبي الفنون، حينما مهَّد للمصري زكي طليمات طريقًا يؤسِّس فيه مسرحا حقيقيا نعيش اليوم على إرثه.
نحن جيلٌ يتابع اليوم، بحسرة، تلك النصوص المسرحية العربية التي تنتقد السلطات الظالمة والجهل والتعصب، وهي نصوص مسرحية مُنعت من العرض في بلادها وعُرضت في الكويت زمن نهضتها وحُلمها في أن تكون، نتابعها بوجع، ونسأل "من بيديه الأمر" كيف صيَّرتَ الكويت إلى قطة تأكل أبناءها، ولماذا دفعت هذا الوطن - الذي فتح ذراعيه لكل أولئك المبدعين العرب الكبار- لأن يضيِّق اليوم على أبنائه؟
 الوجع ليس ذاتياً هنا حول كتاب يُمنع أو يُجاز، الوجع هو أنك تشاهد بلادك مختطفة لا تشبه بلاداً تعرفها. وربما، لا يُجدي إلقاء اللوم كاملاً على رقيب مغلوب على أمرِه مهزوز الثقة أبعد ما يكون عن القراءة والثقافة، وظيفته تقوم على تأويل النَّص وتطبيق قانون عقيم. فالرقيب لا يمنع من أجل المنع، فهو يدرك تماماً أن قرارات المنع صورية، وإن حقَّقت هدفها بسحب الكتب من المكتبات. الرقيب لا يملك شجاعة اتخاذ قرار الإجازة، لأنه يخشى المجتمع، والمجتمع هنا هو الرقيب الحقيقي حين نشاهد الفرد في المكتبات يسائل صاحب المكتبة بمجرد ما يستفزَّه غلافٌ أو عنوان، مثلما يسائل عضو البرلمان وزير الإعلام: "هل هذه الكتب مجازة؟".

ورغم أننا نأمل بعضو مجلس الأمة أن يصون حرياتنا، ويسنُّ لنا قوانين تحمينا من جهل الرقيب أو خشيته، نجده يمارس العكس. ولعل سابقة استقالة وزير إعلام وإقالة الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، قبل سنوات، بسبب كتبٍ تمت إجازتها دفعت بعض أعضاء البرلمان إلى استجواب الوزير، خير شاهد على أن الرقيب الحقيقي هو نحن عبر أناسٍ منحناهم سلطةً ليمارسوها ضدنا.
نحن  في حاجة إلى نائب يعمل على تشريع قوانين تردُّ لهذا الوطن صورةً نحسبها مشرقة. نحن لسنا في حاجة إلى نوَّابٍ يطالبون بحظر دخول معروف الرصافي وجلال الدين الرومي إلى البلاد رغم موتهما منذ سنوات طويلة، لنصير نكتة سمجة أمام العالم.
  أعود إلى عضو لجنة رقابة المطبوعات، أضعف حلقات سلسلة الرقابة المجتمعية المهترئة، إنصافاً لك وإدانةً، أقول، عبر قرارات منع تستند في معظمها إلى جمل مبتورة من سياقها يرفعها إليك موظف مختص، أنت مجرد صورة مختزلة لمجتمع في معظمه يخشى الحرية، ويرفض الرأي الآخر. لذلك من شأن تغريدة في "تويتر" أن ترعبك لتراجع نفسك بقرارات سابقة لإجازةِ بعض الكتب، لتصدر قراراتٍ جديدة بمنع تداولها، وبعضها كلاسيكيات عالمية، منعُك إياها - في زمن الفضاء المفتوح وسحبها ومخالفة المكتبات وتغريمها أموالاً طائلة- جعل منا، بسببك، أضحوكة أمام العالم.
 قد أبدو كمن يتنصَّل من مسؤوليته بعدم توجيه هذه الرسالة إلى شخصٍ بعينه؛ رقيب أو عضو برلمان أو وكيل وزارة أو وزير إعلام أو المجتمع كله، ولكن لإيماني بأن من بيديه الأمر هو كلنا، أوجِّه هذه الرسالة إلى... "من بيديه الأمر" بدءاً من وزير الإعلام وانتهاءً بالمواطن العادي الذي هو أنا، لعل أحدنا أو كلانا يدرك ويستجيب.
  دعنا نحبُّ هذا الوطن على طريقتنا. دعنا، إذا ما ضاقت بنا السُّبل، نفرُّ إليه بدلاً من فرارنا منه. دعنا إذا ما سافرنا ننصت إلى الآخرين يقولون بأن الكويت، بدلاً من "كانت" الكويت. دعنا إذا ما اصطحبنا زائراً إلى مكتباتنا، ووجد أن نصف قائمة كتبه المطلوبة ممنوعة، لا نردُّ عليه صمتاً حين يسأل: "ما الذي جرى للكويت؟!".
دع القارئ الكويتي يقتني نتاجنا من رفوف مكتبات وطنه بدلاً من شرائها من مكتبات العالم. دعنا نزيلُ غصَّة في حلوقنا ونحن نحمل وطننا على أكتافنا ونجوبُ دول العالم ونلاقي من الحفاوة ما لا نجده فيه. دعنا نشعر بأن هذا الوطن يحبُّنا عوضاً أن ينظر واحدنا إلى الآخر وفي صدره كلمةٌ يحبسها: "خصمك وطنك!".
 وأخيراً، دعنا نكفُّ عن مطالبتك بكل تلك الأشياء، لأن الطلب في حدِّ ذاته معيب، ولأن حرية التعبير من حقِّنا أولا، ولأن كلانا، نحن وبلادنا، صرنا نثير الشفقة!

 

نشرت في جريدة "الجريدة" الكويتية.
سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر! Web
سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر! PDF