الاثنين، 24 مايو، 2010

متى تخرج وسمية؟



سعود السنعوسي:

قبل أن أقوم بتجهيز حقيبة السفر وترتيب حاجياتي بداخلها، بل وقبل أن أقطع التذاكر، أحرص أولا على تحديد الأماكن التي سأزورها في إجازتي، والأنشطة التي سأحضرها ومعرفة مواعيدها. ومن أهم ما أحرص عليه في سفري هو حضور مسرحية واحدة على الأقل، ولست أتحدث عن المسرحيات الفقيرة التي نعرف، هنا في الكويت، ولكني أتحدث عن المسرحيات الغنائية التي تعرض في أوروبا والعالم، والتي يكاد يخلو منها الوطن العربي إذا ما استثنينا لبنان، ومسرح «الرحابنة» تحديدا.
غالبا ما تكون المسرحيات الغنائية الضخمة مقتبسة من روايات عالمية شهيرة، كالبؤساء وشبح الأوبرا وذات الرداء الأبيض، من هنا، ومن أساس روائي تنطلق أجمل المسرحيات الغنائية في الغالب، وهذا ما يجعل لها ثقلا فنيا منفردا، حين تضيق الكتب بأبطالها وعواطفهم وشخصياتهم وتفاصيل حياتهم، وحين يعلنون تمردهم على الرواية، ليخرجوا من بين دفات الكتب حاملين معهم حكاياتهم ومعاناتهم غناء على خشبة المسرح.
للرواية خصوصيتها، حقيقة لا يمكنني إغفالها، لأنني ما شاهدت مسرحية أو فيلما سينمائيا قد تفوق على العمل الأصلي – الرواية – إلا نادرا، لأن الرواية تعطي مساحات لا حدود لها لخيال القارئ، بعكس الأعمال المسرحية أو السينمائية التي تأتي وفق رؤية المخرج، وفي الحقيقة، من الخطأ أن نعقد مقارنات بين النصوص قبل وبعد مسرحتها، لأن المسرحية لا تعدو كونها رؤية مختلفة للقصة ذاتها، فهي لا تنافس الأصل، انما تقدم المادة بشكل فني مختلف، فالمقارنة تكون بين مسرحية وأخرى، ولا تكون بين رواية ومسرحية أو فيلم، لأن الرواية فن قائم بذاته، كما هي الحال مع المسرح والسينما.
في أحد العروض المسرحية التي كنت قد حضرتها في الخارج، تحرك سؤال كان ساكنا في داخلي، لماذا لا يوجد في الكويت مثل هذه الأعمال الفنية الضخمة؟ ثم انتفض سؤال آخر، وأي الروايات تستحق أن تحوّل إلى عمل مسرحي غنائي؟ الأعمال الروائية الكويتية كثيرة دون شك، ولكن، رواية «وسمية تخرج من البحر» للأستاذة ليلى العثمان كانت أول ما تلقفها عقلي، ربما للعلاقة التي تربطني «بوسمية»، فقد كنت في مثل سنها حين قرأت الراوية أول مرة!
سبق وأن تم تحويل رواية «وسمية تخرج من البحر» إلى عمل تلفزيوني من إخراج عبدالعزيز الحداد عام 1996، كما ان المخرج الشاب نصار النصار قام بمسرحة الرواية في مهرجان أيام الشباب الرابع عام 2007، فالفكرة ليست جديدة، ولكني أرى ان رواية بهذا المستوى، وبهذه الخصوصية حيث الانتماء إلى التراث الكويتي، تستحق أن تكون عملا مسرحيا غنائيا متكاملا، تتبناه جهة قادرة على تمويله ليصبح عملا وطنيا يحسب للحركة الفنية في الكويت. تطبيق الفكرة ليس مستحيلا، على أن يسلم النص الأصلي لشاعر بخبرة عبداللطيف البناي مثلا، إن لم يكن العمل بالفصحى، وهو خير من يستخدم ويطوع الكلمات المحلية في قصائده، فأعماله الوطنية والعاطفية تشهد له عبر تاريخه الطويل في كتابة الشعر المحلي، وقد يكون أوبريت «الكويت لمن أحبها» والذي عرض في أبريل الماضي خير دليل ان البناي لا يزال، أكثر من أي وقت مضى، قادرا على كتابة المفردات المحلية كما هي دون شوائب، أما على صعيد الألحان، فالمبدعون كثر، بدءا من غنام الديكان وابنه عبدالعزيز وسليمان الملا وأنور عبدالله وصولا إلى مشعل العروج وعبدالله القعود وغيرهم من الملحنين الشباب.
في رواية ليلى العثمان، ظل «عبدالله ابن مريوم الدلالة» ينتظر خروج وسمية من البحر، وها أنا اليوم، حاملا الرواية بين يدي، منتظرا خروج وسمية من بين دفتي الكتاب، لأراها مرتدية بخنقها متجهة إلى خشبة المسرح، لتحكي قصتها غناء.

الاثنين، 10 مايو، 2010

كم نحن جبناء!

سعود السنعوسي:

آرافيند أديغا، روائي هندي شاب، قرأت له مؤخرا رواية "النمر الأبيض" الحائزة جائزة بوكر لعام 2008، ولست أدري ان كانت هذه روايته الأولى أم انها تلت تجارب أخرى، ولكن ما أعرفه جيدا هو ان روايته هذه من النوع المغناطيسي، شديدة الجذب، ساحرة، لا تكاد تقرأ أسطرها الأولى حتى تجد نفسك متورطا مع بطلها في بقية أحداثها وتفاصيلها.
الرواية عبارة عن رسالة طويلة من الراوي إلى رئيس الوزراء الصيني، يتحدث فيها البطل عن بلاده، الهند، الحقيقية، كما يراها هو من الداخل، والتي هي بعيدة كل البعد عن تلك التي يراها رئيس الوزراء الصيني ووفده المرافق عند زيارتهم للهند في كل مرة.
الرواية من الروايات الجديرة بالقراءة بحق، فإلى جانب ترجمتها الجميلة، فانها تتمتع بأهم عناصر الرواية، لا أود أن أتحدث عن حبكتها كيلا يفقد القارئ متعة قراءتها، ولكن، في هذه الرواية سيجد القارئ أهم ما يحتاج إليه من عناصر الرواية الناجحة، متعة وتشويق وكمية معلومات لا بأس بها، والأهم من ذلك كله، بالنسبة إليّ، فقد لا تترك الرواية الأثر نفسه لدى كل قارئ، ولكن، ما حدث معي هو ان الرواية كانت طوال وقت قراءتي تستفزني وتنبهني إلى ما يجري حولي هنا في الكويت، كيف؟ هذا ما قد تشعر به عند قراءتها.
كانت الرواية إلى جانب أحداثها المشوقة، مستفزة، لم تكف عن مناكفتي، وكأني أستمع إلى صوت مؤلفها: "ها! ألا تستطيع أن تكتب مثلها؟ لا أظنك تستطيع، هل تملك الشجاعة مثلي؟ هل أنت راض عما حولك؟"
كان آرافيند شجاعا وصريحا إلى حد أذهلني، فقد انتقد بلاده بطريقة قاسية، ولكن، كان الحب وحده وراء هذه القسوة. لم يفعل كما نفعل نحن الجبناء حين نرغب في انتقاد أو إصلاح شيء ما، نبدأ في الدوران حوله، نشير إليه من بعيد بأصابع مرتعشة، نُلمّح، ونخشى أن نُفهم بشكل خاطئ، وكأن ليس كل ما حولنا على خطأ يستوجب التصحيح.
رغم ان بطل الرواية كان مجرما في أحداثها، فانه لم يرتكب جريمة في حق بلاده، حين قام بتعريتها وكشف خفاياها، لأنه قام بذلك ليواجهها بمرآة ضخمة، حتى يتسنى لها رؤية نفسها قبل أن يراها من هم في الخارج، فالرواية عبارة عن ثورة ضد الظلم والجهل والفساد. لم يكتف آرافيند بالتلميحات الرمزية، بل أشار صراحة إلى كل السلبيات والمتورطين فيها دون مراعاة لأحد مهما بلغت سلطته، فإلى جانب القصة التي تعتمد عليها الرواية، وهي قصة الشاب صاحب الرسالة، هناك قصة أخرى، قصة بلد كبير غارق في الفساد، والكل دون استثناء متورط بشكل أو بآخر. ولم يأت آرافيند بهذه الرواية لغير أن يشير بإصبعه الواثقة إلى كل المذنبين والمتورطين في ما تعانيه الهند، كل على قدر مسؤوليته، بدء من رجل الشارع البسيط والخدم والفقراء وجهلهم، مرورا برجال الأعمال وجشعهم، وصولا إلى الوزراء والحكومة الظالمة!
قرأت كثيرا عن الهند، أساطيرها وأديانها وثقافاتها المختلفة، ولكن، لأول مرة أكتشف هند جديدة غير تلك التي أعرف، فمجرد أن فرغت من قراءة "النمر الأبيض"، أدركت أن الهند ليست تلك التي يصورها عقلي، اكتشفت أنها ليست بتلك الروعة التي كنت أتصور، فالهند ليست تاج محل أو نهر الغانغ، وليست غاندي أو طاغور، بل انها، أو جزئها الأكبر، ما هو إلا جحيم وما سكانها إلا أموات, ان كانت فعلا بتلك الصورة التي رأيتها على صفحات "النمر الأبيض".
كانت الرواية صفعة، لا أزال أستشعر حرارتها على وجنتي، فالتشابه كبير إلى حد ما بين بلادي والهند التي جاءت في الرواية، إلا ان للهند مبررات لكل ما يجري فيها من فساد، وان لم تكن تلك المبررات مقنعة، فبلاد بتلك المساحة العظيمة، وتعداد السكان الهائل، وتعدد اللغات والأديان والثقافات لابد أن تحوي كما ضخما من المشكلات، ولكن، ما هي المبررات لكل مشاكل بلدي الصغير؟ ذو المساحة الصغيرة، وتعداد السكان الذي لا يذكر، ووحدة لغته ودينه وثقافته، والوفرة المالية التي ينعم بها.
فكرت في تبعات كتابة رواية كتلك حول بلادي، بعد أن أنزع ترددي وأرميه جانبا، ولكن، أخذتني تساؤلات عدة، كيف سيتم تفسير رسالتي إلى رئيس وزراء دولة أخرى، وان كانت صديقة، أحدثه فيها عن بلادي كما أراها من الداخل، مثلما فعل أرافيند في روايته؟ سأكون عميلا متواطئا في نظر البعض. تجاوزت تلك الفكرة، فبإمكاني توجيه الرسالة لطرف آخر داخل بلادي، ثم استوقفني هاجس آخر، كيف سيتقبل أبناء بلدي النقد حين أواجههم صراحة بكل عيوبهم –وأنا أولهم- حين أنبههم إلى الحياة التي يعيشونها دون شعور بالمسؤولية، حين أحدثهم عن الجهل الذي يستوطن أكثرهم، حين أكشف الستار عن كل الممارسات الخاطئة التي يمارسونها ضد وطنهم وأنفسهم. واصلت الجري في متجاوزا هذا الحاجز أيضا. ثم وصلت نحو الحاجز الذي يليه، وكان مرتفعا بعض الشيء، كم من كاتب مقال يدفع ثمن رأيه في بلادي نتيجة انتقاده للحكومة، فما هو ثمن رواية كاملة لا يتردد صاحبها في البوح عن رأيه صراحة حول كل ما يراه فاسدا في الحكومة وأفرادها؟ كيف أتحدث عن الديمقراطية الفاسدة كما وصفها آرافيند؟ وبعد كل تلك التساؤلات، ما هو العنوان المناسب للراوية؟ فالهنود على اختلافهم يتفقون على "النمر الأبيض" كحيوان هندي، شوهد للمرة الأولى في العالم في الهند عام 1951، أما هنا، في الكويت، بعد أن تم تقسيمها، ما هو الحيوان الذي يصلح أن يكون رمزا وطنيا؟ فكرت في "البعير الأصهب" أو الضب الأچلح" كعنوان للرواية، ولكنها حيوانات الصحراء، وقد لا تروق للبعض، ماذا عن "المنقسي الأحول" أو "الهامور المتبتب"؟ سيغضب البعض الآخر!
بعد أن تجاهلت كل تلك الحواجز لإنجاز رواية بمستوى "النمر الأبيض" وصلت إلى حاجز أخير وقفت أمامه عاجزا عن تجاوزه، هل ستصل رواية كهذه إلى الناس في مجتمع لا يقرأ؟
آرافيند أديغا، لا يمكننا كتابة رواية بمستوى روايتك، لسنا راضين عما حولنا، ولكننا لا نستطيع، ليس بسبب تلك الحواجز التي ذكرت، ولكن ... كم نجن جبناء!

نشرت في: