الاثنين، 28 يونيو، 2010

«صندوق مبيّت» اسمه عبداللطيف البنّاي



عبّر عن حبه للوطن بلسان أهل البحر وأهل الصحراء كل بطريقته

سعود السنعوسي:

التطور سنة من سنن الحياة، والتغيير أمر حتمي لمواكبة مستجدات الزمن، ولتحافظ الأشياء على قيمتها، بعض الأشياء، في بعض الأحيان، لا بد لها أن تتنازل عن بعض خصائصها، ولكن، هذا ليس دائما.
للكلمة دلالة، ولا يوجد كلمة بغير معنى، فاذا ربطنا مجموعة من الأحرف بشكل عشوائي من دون أن يكون لها معنى أو دلالة فلن نستطيع أن نسمي تلك الأحرف كلمة.
في بعض الأحيان تحمل الكلمة معاني كثيرة، ولكن وقعها وتأثيرها على المستمع يتفاوت بين شخص وآخر، وهنا يأتي دور اللهجة، وهي التي تمنح الكلمة خصوصية تدعم المعنى، وتميزها عن باقي الكلمات «الباردة» التي نستمع إليها في القصائد والأغنيات في أيامنا هذه،وإذا ما جئنا للحديث عن القصائد الغنائية المحلية تتبخر أسماء الشعراء ولا يتبقى سوى القليل، ومن هذا القليل اسم لا بد أن أتوقف عنده، عبداللطيف البناي، هذا الشاعر الجامد المعتق الذي لا يتطور، جموده ووقوفه عند زمن معين زاده قيمة، وتخلفه عن بقية الساعين الى التغيير ميّزه عن غيره.
فيما يتسابق البعض للبحث عن كلمات جديدة دخيلة يتداولها الشباب في الشارع، يمضي الشاعر عبداللطيف البناي في السير عبر الزمن إلى الوراء، عكس التيار، لا يرهقه البحث في البيوت الطينية وبين الأسواق القديمة عن كلمة أسقطها التاريخ سهوا، ليكتب لها شهادة ميلاد جديدة. يتوارى عن الأنظار، يغيب ولا أخشى غيابه، لأنني على يقين بأنه في رحلة غوص، وسيعود يوما ما على ظهر إحدى السفن في موسم «القفال» حاملا لنا دررا من زمن لا يمكن أن يعود، ولكن بواسطة الكلمات التي تنتمي إلى ذلك الزمن البسيط يتسنى لنا، ولو للحظات، أن ننعم بشيء من الجمال، ولكن، ماذا لو عادت السفن من دونه؟ سبق أن حصل، ولكنه عاد كما هو دائما، كان قد تخلف عن ركوب البحر، فتبع النجمة، وصوت الربابة، إلى قلب الصحراء ليعود لنا حاملا في «مزودته» المزيد من الكلمات الأصيلة التي لم تتأثر حروفها ومعانيها مع مرور الزمن، مفسحا لها مكانا جديدا في قاموسنا الناقص.



لهجة كويتية



هذا ما يميّز البناي عن غيره، وهذا ما يجعل كلماته أكثر قربا، فكلماته وان استخدمها الغير، لا يمكن أن تحرك ساكنا في داخلي، لأن عبداللطيف البناي «يبچي» في حين «يبكي» بقية الشعراء، وأنا لا يهزني «البكي» بقدر ما يزلزلني «البچي»، لأنني لا أفهم «حكي» بعض الشعراء، بقدر ما أفهم «حچي» البناي، ومرد ذلك إلى نشأة الكلمة واللهجة وانتمائها إلى المكان ذاته الذي أنتمي إليه.

أضاع الكثير من الشعراء مشيته لاستقطاب أكبر عدد من المتابعين في ما استحدثوه من لهجة باردة أطلقوا عليها «اللهجة البيضاء» في حين انها خليط غير متناسق من الألوان لا يصلح لتكوين لوحة فنية رخيصة، وبقي عبداللطيف البناي على لهجته، بألوانها التي استمدها من زرقة بحر الكويت وسمرة وجوه غواصيها، فما ان أستمع لأي من أغنياته الوطنية أو العاطفية أو مسرحيات الأطفال الغنائية، حتى أجدني مادا لها كفّي متحديا: «أراهنك انك من كلمات البناي»! في حين تستمر الأغنية في استثارة مشاعري كأنها تؤكد: «ومن غير البناي يظهرني بهذا الشكل»؟!



خصوصية الثقافة



يخطئ البعض حين لا يميّز الفرق بين كلمات البناي وغيره من شعراء اليوم، فكلمات البناي في حد ذاتها ثقافة، مدرسة، تعلمنا منها شيئا من ماضينا دون أن نشعر، تشربناها منذ كنا صغارا، حتى في مسرحيات الأطفال، التي كانت في يوم ما، حين كان للطفل الكويتي مسرح، وسيلة تربوية ترفيهية هادفة. حين استورد حكاية «ليلى والذئب» العالمية، ليحولها إلى مسرحية «ليلى والذيب» الكويتية، من دون أن يفقد العمل الأساسي قيمته، بل ان البناي بخبرته وظف العمل المسرحي بشكل لافت ليلائم بيئة المكان وثقافته، حيث خصه بشيء من الثقافة المحلية، من دون أن يخرج العمل، كالكثير من الأعمال المستوردة، بشكل ممسوخ. مع انشغالنا بمتابعة «ليلى» ومراوغة «الذيب» كانت هناك رسائل تستقبلها عقولنا الصغيرة دون أن نشعر، رسائل أخفاها البناي بين زحمة الأحداث لتكوّن شخصياتنا في ما بعد بشكل غير مباشر، وكلمات أعاد لها البناي الحياة في هذا العمل، تشبه كلمات جدتي، وقليل من كلماتنا حين كنا أطفالا، كانت ليلى تحاكي الفتيات الصغيرات بلهفتها حين تلعب «الحَيلة» وتركب «الديرفة»، وتنتقي كلمات لها خصوصية، وان كنا نجهل معانيها، فاننا ومن خلال هذا العمل تعرفنا عليها بل وأصبحنا نرددها.



أعمال وطنية



لا يتوقف إبداع البناي عند هذا الحد، فإذا تجاوزت الحديث عن إبداعاته العاطفية، واختصرت في الإشارة إلى إسهاماته في مسرح الطفل، لا يمكنني أن انهي المقالة دون أن أذكر بالأعمال الوطنية التي صاغ كلماتها، بدءا من الأغنيات القصيرة، مرورا بأوبريتات البطولات الرياضية، وصولا إى الأوبريتات الوطنية الضخمة التي كان آخرها «الكويت لمن أحبها»، ولا أود التعمق في تفاصيل هذا العمل لأنه يحتاج الى موضوع مستقل، ولكن سأصف هذا العمل الإبداعي بكلمة واحدة، كان عملا «مبهرا» دون الخوض في تفاصيل الموسيقى والمجاميع والديكور والإضاءة، فالكلمات في حد ذاتها كانت مسرحا يحمل كل عناصره، أخذنا من مشاهد البحر في لحظات إلى قلب البادية، دون أن تختلط عليه اللهجات، عبّر عن حبه للوطن بلسان أهل البحر وأهل الصحراء، كل بطريقته، شعرنا ونحن نشاهد العمل بحرارة الرمال والعجاج والقيظ، شممنا رائحة البحر واستمعنا إلى أهازيج الأولين.



تكريم البناي



عبداللطيف البناي، ضاقت الصفحة، ولم أبدأ بعد بالكتابة عنه، متى يكرم هذا الإنسان بالشكل الذي يليق به، ومتى نحسن استغلال وجوده وفيض إبداعاته في ما يخدم الوطن، لأنه ذخر من الأيام الماضية، ولأنه يشبه «الصندوق المبيّت»، أخرجنا منه الكثير، ولا يزال يحمل بداخله المزيد من كلمات لها رائحة البخور والعود وماء الورد والحناء.

يغيب كعادته، يمضي بعض الوقت في زمن الأجداد، ثم يعود كما عهدته دائما عبداللطيف البناي، وفي كل مرة يعود، أبتسم، أجهز أذني لسماع جديده القديم، وأحييه بكلماته: «هلا في غايب ما غاب .. عليه مغمّض الأهداب .. فديتك لا تطق الباب .. تفضل قلبي مشرّع».

الأحد، 27 يونيو، 2010

بين خجلنا وذنبكم!


سعود السنعوسي:

الإبداع والجمال يدمرهما الإهمال، وفيما كنت أحسب ان الدولة تحارب كل ما يتعلق بالثقافة والفنون، اتضح لي ان شيئا من هذا غير صحيح، فالإبداع ليس بحاجة إلى حرب تدمره، فالأمر أبسط من ذلك، لأن الإهمال وحده كفيل بتدميره، فلك أن تتخيل لوحة فنية مهملة، داخل كيس أسود، في خزانة قديمة، أو قصيدة في ديوان شعر ملقى على رف حاصره الغبار، أو مسرحية ظلت حبيسة الأوراق، لم يجد طاقمها داعما لهم ليفجروا طاقاتهم إبداعا على خشبة المسرح، فأين هي القيمة في كل تلك الأشياء، أو كما يقول توفيق الحكيم: «ما قيمة الموجود إن لم يكن معلوما؟». ليتهم، هنا في الكويت، يحاربون الإبداع، لأن الحرب تشتعل لتغيير وضع قائم، ومتى ما قامت الحرب على الإبداع أيقنا بوجوده، واستشعرنا قوته وخطورته على البعض، ولكنه الإهمال، كم هو محبط ومخيب للآمال.
إذا ما تحدثنا عن دور الدولة في هذا المجال فاننا نتحدث عن دور المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ولا أود أن أنسف إنجازات المجلس منذ نشأته في دعم كل ما يتعلق بالثقافة والإبداع، فحالة الإحباط التي تنتابني، وأنا أكتب هذه السطور، لا تبرر لي إغفال إنجازات المجلس في زمن ما، ولكن، لا يمكن أن نتوقف عند ذلك الزمن، دون العمل على تفعيل دور المجلس الوطني بشكل حقيقي ملموس يغيّر المشهد الثقافي في الكويت، ويدفع به نحو الأفضل، فالوضع بات بائسا، لا يليق بسمعة وطن، فالكويت، دائما، تستحق الأفضل.
تحدثت في مقالة سابقة عن شعور يشبه الخجل يستوطن أعماقنا، نحن الشباب، لجهلنا بثقافة المكان الذي ننتمي إليه، ولانصرافنا عما يزيدنا قيمة، ولكن، ليس كل الذنب ذنبنا، فالدولة تتحمل الجزء الأكبر من الذنب، فالإهمال الذي يعانيه الشباب لن يتوقف عند تحطيم آمالهم، بل يتجاوز تأثيره ذلك، ليحطم آمال وطن يسعى للظهور بشكل مشرف بين الأمم.
أتابع منذ فترة، بما يشبه الحسرة، أنشطة المجلس الوطني، وأبحث عن جديد من دون جدوى، فيجب ألا يقتصر دور المجلس على القيام ببعض الأنشطة الثقافية ليحضرها ويشارك فيها النخبة، بل ان الدور الأساسي، كما أعتقد، هو استقطاب شريحة جديدة، بعيدة عن الشأن الثقافي، وأنا أعني الشباب، لتحويله إلى شيء يثري ثقافة بلده، وهنا يكمن التحدي والإنجاز، أن تصنع شيئا من لا شيء.
يغمرني السرور كلما رأيت تلك المحاولات الفردية لدعم الشباب، من قبل بعض المثقفين، كإقامة الملتقيات الأسبوعية، أو مجموعات القراءة، أو جوائز القصة والرواية، ولكن، سرعان ما أدرك بأن كل تلك المحاولات لم تأت. من أصحابها لولا شعورهم بتقصير الدولة في القيام بواجبها تجاه الشباب بالشكل الصحيح، فكم أتمنى أن أقرأ أو أسمع عن دورات تدريبية أو ورش عمل للقصة والرواية والمسرح لرعاية ودعم الشباب الكويتي المبدع، أتمنى أن يتم احتضان ابداعاتهم، والتسويق لها، أتمنى أن أشاهد حملات إعلانية ضخمة تشجع الجيل الجديد على القراءة وحب الكتاب. أنا أتمنى، وغيري يتمنى، ولكن، من سيلتفت إلى أمنياتنا هذه؟
هيا، فكفاكم إهمالا وتضييعا للوقت على حساب الوطن.

السبت، 12 يونيو، 2010

حين يرفض "طالب" أن يكون "أستاذا"!



سعود السنعوسي:

ما أحوجنا، نحن الشباب، إلى أشخاص مثله، لم يزده مشواره الطويل إلا تواضعا، وشعورا بالمسؤولية تجاه الغير، ليس من خلال ما يكتب فقط، بل من خلال تعامله وخبرته اللذين يقدمهما لنا على شكل نصائح، وان كانت قاسية أحيانا، فان القسوة تأتي بدافع الحرص والحب والإيمان بدور الشباب ليس إلا.

صوت الوطن


قرأت له ذات يوم في مقالة «همّ الشباب الكويتي المثقف» يقول في ختامها: «الشباب صوت الوطن الأجمل»، وتخيلتني أقف أمامه أشدو بصوتي كما يقف المتسابقون في برامج مسابقات الأغاني أمام لجنة التحكيم، لأتأكد من ان صوتي، كما يقول، هو «صوت الوطن الأجمل» وما كان صوتي سوى كلماتي التي أكتبها كغيري من الشباب، محتفظا بها في آخر المطاف داخل درج المكتب، متورطا معها، إظهارها للعلن أمر يقلقني، واحتفاظي بها داخل الدرج أمر يحبطني.
فكرت في الاقتراب منه، سعيا للحصول على نصيحة ورأي في ما أكتب، ولكن، الاقتراب من المثقفين، أحيانا، أمر مقلق بحق، خصوصا ان بعضهم قد أحاط نفسه بهالة يصعب اختراقها، مما ضاعف حجم الهوة بيننا وبينهم، تشعر أنك تعرفهم حق المعرفة من خلال متابعتك لكتاباتهم، وبمجرد أن تلتقيهم وجها لوجه، تكتشف انك أمام أشخاص آخرين، لا يشبهون أولئك الذين كنت تقرأهم منذ سنوات. لست ألومهم، فلهم أسبابهم وهمومهم التي قد لا نشعر بها.
التقيته أول مرة في معرض الكتاب في الكويت، أبديت له إعجابي بروايته الأخيرة، ابتسم وشكرني، ثم ألقى نظرة على رواية كانت بين يديّ وكنت قد شرعت في دفع ثمنها، فنصحني باقتناء رواية أخرى للمؤلف نفسه، قال: «ستعجبك.. انها أجمل»، ابتسم ثم تركني ليستأنف جولته في المعرض.
حميميته تلك، وتواضعه أعادا لي فكرة الاقتراب منه، وليس هناك أسهل من إرسال رسالة عبر البريد الإلكتروني أبدي له خلالها رغبتي في أن أحصل على رأي موضوعي بشأن رواية كنت قد فرغت من كتابتها، وبسبب مراجعتي للعمل وترددي، أجلت الفكرة، إلى أن التقيته مرة أخرى في نادي القراءة -رواق الكلمة- الذي يديره الأستاذ الصديق د.ساجد العبدلي، والذي كنت ولا أزال أحد أعضائه. كنا بصدد مناقشة رواية «الثوب» بحضوره، وبصفته مؤلف الرواية. في نهاية الجلسة، وأثناء توقيعه على نسختي من روايته أخبره الدكتور ساجد بأني أكتب منذ فترة في مجلة «أبواب» الشبابية، أبدى اهتمامه وطلب مني أن أرسل له أمثلة من كتاباتي المتواضعة على سبيل التشجيع، ثم أمسك بالقلم وخط إهداء على نسختي من الرواية: «الأخ سعود .. عليك أن تبدأ مشوارا مخيفا، ولكن، لا بد من الكلمة! .. طالب الرفاعي».

لا بد من الكلمة


لا بد من الكلمة؟ إذًا، ليس هناك داع لتأجيل الفكرة، علي أن أخبره برغبتي تلك، وبدلا من ان أرسل له أمثلة من مقالاتي، كما طلب، سأرسل له روايتي الأولى، وهذا ما حدث، أخبرته بذلك في رسالة إلكترونية، وفاجأني رده السريع وتشجيعه وموافقته رغم انشغاله آنذاك في الترتيبات لتسليم جائزة البوكر العربية، بصفته رئيس لجنة التحكيم. وما إن عاد من أبوظبي حيث سلم الجائزة، حتى سارعت بمراسلته مرة أخرى، والمفاجأة كانت ان رده بدلا من أن يكون عبر البريد الإلكتروني جاء عبر اتصال هاتفي، أخبرني خلاله انه يشعر بمدى التردد والخوف اللذين ينتابانني، لذا، وبطريقته الخاصة، حصل على رقم هاتفي، ليختصر المسافات وينسف ترددي ومخاوفي. سلمته مسودة الرواية، وخلال يومين التقيته في بيته حيث فرغ من قراءتها. استقبلني في غرفة المكتب، وقضى معي ما يربو على الساعة ونصف الساعة في الحديث عن تجربتي الأولى وتفاصيلها باهتمام أشعرني بالخجل. لم يكتف بإبداء رأيه فقط بل قدم لي نصائح كنت سأحتاج إلى عمر آخر لأحصل عليها، طمأنني، وأخبرني بأنه يشعر بالخوف ذاته في كل مرة يشرع فيها بكتابة عمل جديد، رغم مشواره الذي يمتد لأكثر من ثلاثين عاما، ثم اختتم اللقاء بكتاب أعارني إياه من مكتبته الخاصة وجد انه قد ينفعني في بدايتي. بهذا التواضع مد لي الأستاذ طالب الرفاعي يده، واقتطع لي جزءا من وقته، رغم انشغاله بالقراءة، والإعداد لكتابة مجموعته القصصية الجديدة، ورغم روايات الشباب التي رأيتها على سطح مكتبه، والتي ينتظر أصحابها بفارغ الصبر معرفة رأيه فيها.

حكاية جميلة


لم يكن للأستاذ طالب الرفاعي أن يقدم كل ما يقدمه للشباب، لولا إدراكه، كما يقول، بأنه كان في يوم ما مثلنا، بحاجة الى من يوجهه نحو الدرب الصحيح. هكذا يكون الأديب قدوة، ليس في ما يكتب فقط، بل في تعامله مع الآخرين، كيف لا يحتل هذه المكانة وهو الذي يردد كلما خاطبناه بـ «أستاذ طالب»: لا تنادوني «أستاذ» وأنا اسمي «طالب»!
كان ذلك جزءا من حكايتي الجميلة مع الأستاذ طالب الرفاعي، ولكن، ماذا عن أولئك الشباب الذين لم تتح لهم الفرصة بعد؟ والذين لا يحلمون بشيء أكثر من أن يلتفت لهم أحد، ويمد لهم يد العون في غياب دور الدولة في تشجيع الشباب الكويتي المبدع، ومع إصرار بعض «الأساتذة» على البقاء بعيدا عن مقاعد الطلاب!

نشرت في:

الخميس، 10 يونيو، 2010

ما يرفضه الواقع .. يحققه الخيال!


سعود السنعوسي:


"الخيال أهم من المعرفة، المعرفة محدودة في حين أن الخيال يشمل العالم"، هذا ما قاله آلبرت انيشتاين، وما أؤمن فيه صدقا، لأن الخيال يقف وراء كل عمل إبداعي، فالمقالة التي أحيكها الآن كانت، قبل قليل، عبارة عن خيوط متشابكة في خيالي، أعدت ترتيبها لأصنع منها مقالة، والفيلم السينمائي والمسرحية واللوحة الفنية والأغنية والرواية والنظريات العلمية وكل شيء كان في بدايته فكرة غير واضحة المعالم في مخيلة أصحابها، تتبلور شيئا فشيئا لتظهر بشكلها النهائي بصورة عمل إبداعي.
والأفكار الجميلة، شأنها شأن الأشياء الجميلة الأخرى في بلادي، موجودة، ولكنها، ولظروف ما، غير مرئية، حبيسة العقول، وهذا ما يشعرنا بالإحباط لأن لا قيمة لها، "فما قيمة الموجود ان لم يكن معلوما؟" كما يقول توفيق الحكيم. نحن نشعر بالإحباط حين نعجز عن اخراج ما في مخيلاتنا إلى أرض الواقع، ولكن، يجب ألا يسوقنا إحباطنا هذا إلى اليأس والتوقف عن ممارسة حقنا في التخيّل، بالنسبة لي على الأقل، فمخيلتي تفيض بالأفكار إلى درجة ضياعها ان لم أسجلها في ورقة تذكرني بها في وقت لاحق، وما هذه الورقة سوى شهادة ميلاد لعمل إبداعي قد يكتب له الاستمرار في الحياة، أو وقد يموت سريعا.
أنا أؤمن بوجود الجمال، وان لم يكن ظاهرا جليا، فوجوده أمر حتمي، وعاشق الجمال، يبحث عنه حيث كان، في زهرة "نوّير" صغيرة نبتت تحت الرصيف في شارع اسفلتي، أو في ابتسامة طفل في مجلس عزاء، أو في سحابة عابرة تظلل الأرض في صيف لاهب، هذا إذا ما نظرنا حولنا، ولكن مفهوم الجمال يختلف من شخص لآخر، فربما لا تعدو تلك المناظر التي ذكرتها أن تكون أمرا طبيعيا ليس به ما يلفت نظر البعض، هنا يأتي دور الخيال، اصنع ما ترغب في رؤيته، وان استحال وجوده في الواقع، قد يبدو لك الأمر غبيا، أو غير ذا نفع، ولكني جربت ذلك وكانت نتائجة أكبر مما كنت أتصور على نفسيتي، فما حيلتنا ان خلا واقعنا من الجمال؟ أو ان عجزت أعيننا عن إدراكه؟ سلم نفسك للخيال وحسب، فكم من حلم رأيته في سباتك كان وراء ابتسامة صباحية تعكس الحال التي أنت عليها، ابتسامة تجعلك تستقبل يومك بأجمل ما يكون، والعكس صحيح، قد نصحو عابسين أحيانا، مضطربين بسبب منظر كئيب رأيناه في حلم لا وجود له على أرض الواقع. ان الأحلام التي نراها نياما ما هي سوى خيال لا إرادي، يصنعه لنا عقلنا الباطن، إذن، لماذا لا نحلم بإرادتنا، وبالشكل الذي نرغب؟ طالما ان بمقدورنا أن نحلم ونتخيّل.
والخيال يأتي مكملا في بعض الأحيان، فهو يقوم بإضافة جمال إلى جمال، كأن ترسم طائرا أو سحابة بواسطة ريشة خيالية على سماء لوحة حقيقية. قد يبدو لك الأمر مستحيلا، ولكن، واصل قراءة هذه السطور فقد تفهم ما أعنيه إذا ما سردت لك تجربتي.
من أهم الأماكن التي أحرص على زيارتها عند سفري بعد الأماكن التاريخية والمتاحف هي المسرحيات الغنائية، والتي غالبا ما تكون مقتبسة من قصص عالمية شهيرة كالبؤساء وروميو وجولييت وشبح الأوبرا، أو تحكي قصة تاريخية معروفة كقصة كليوباترا ويوليوس قيصر.
ومثل هذه الاعمال الضخمة ليست موجودة في الكويت، بل والوطن العربي إذا ما استثنينا لبنان، حيث صنع "الرحابنة" مسرحا عربيا لا يقل روعة عن المسرح في أوروبا.
قبل سنوات، شاهدت عبر التلفاز مسرحية "المتنبي" الغنائية لمنصور الرحباني، واكتشفت حينها المسرح اللبناني، وكان اكتشافي هذا متأخرا جدا، فتاريخ الرحابنة، ومع السيدة فيروز، يمتد لسنوات طويلة.
بعد مشاهدتي لهذا العمل الضخم، المتنبي، بدأت أبحث عن أعمال الرحابنة المسرحية، ولكن ولسوء الحظ، ان الأعمال المسرحية الغنائية متوفرة فقط على أقراص CD تمكنك من الاستماع إلى المسرحية الغنائية بالكامل دون مشاهدتها. حصلت على مسرحية "المتنبي"، وأدمنت استماعها دون الحاجة لمشاهدتها لأني شاهدتها مرة على شاشة التلفاز، وأصبح لدي تصّور عن شكل المسرح والديكور وأزياء أبطال العمل، ولكن، جاءت تجربتي الثانية مع المسرح اللبناني في مسرحية "زنوبيا" الغنائية، حيث قد حصلت على CD العمل في إحدى رحلاتي للخارج، لأن هذه الأعمال، ولست أدري ما السبب، غير متوفرة في الكويت.
رغم ان "زنوبيا"، المسرحية، كانت مجرد Audio CD فانني استطيع وبكل ثقة أن أقول أني شاهدت مسرحية "زنوبيا" كاملة، ولم أكتف بالاستماع إليها وحسب، بل شاهدت أبطال العمل بأزيائهم وتعبيراتهم وخشبة المسرح التي كانوا يمشون عليها، وجاءت مشاهدتي تلك بواسطة الخيال ليس إلا، فلم أكن بحاجة لشيء سوى مكان هادئ أغمض به عيني، وأسلم فيه مخيلتي للموسيقى والمؤثرات الصوتية لهزيز الريح، وصليل سيوف الأبطال، ووقع أقدام الجيوش. هكذا، جاء الخيال مكملا، ليضيف جمالا على جمال، وأكاد أجزم ان ما شاهدته في مخيلتي كان أروع من العرض المسرحي الحقيقي، والذي لم تتسنى لي مشاهدته على خشبة المسرح أو شاشة التلفاز.
ان ما كنت أود أن انبه له في هذه السطور هو ان كل واحد منا قادر على صنع عالمه الجميل، وقادر على مشاهدة ما عجز عن مشاهدته على أرض الواقع، فإذا ما فقد الجمال من حولك، لا تتردد بإطلاق مخيلتك إلى الأماكن التي ترغب، تحدى الواقع بالخيال، خذ ما سلبه منك الواقع بقوة خيالك. حرمنا في الكويت من مشاهدة أعمال إبداعية ضخمة، ولكني حضرت أجمل العروض وأضخمها، هنا، في الكويت، في غرفتي مغمض العينين، استمعت وشاهدت واستمتعت رغما عن أنف الواقع!
والآن، جاء دورك، أغمض عينيك، وأنظر إلى أعماقك واستمتع بالجمال الذي تريد، ومن ثم لا تكتفي بمشاهدته، بل اعمل على تحويله إلى حقيقة تغير بها واقعك، وان شق عليك الأمر.

نشرت في:

السبت، 5 يونيو، 2010

لا بد أن نشعر بشيء ما!




سعود السنعوسي:

اسمه كولن ويلز، تجاوز الستين من عمره كما يبدو، بريطاني يعمل في الكويت. سأل أحد الأصدقاء ذات يوم: ماذا تعرف عن متحف طارق رجب؟ أجابه الصديق بسؤال: أين يكون هذا؟ عاجله السيد ويلز بسؤال آخر: هل أنت كويتي؟ وأجابه الصديق مؤكدا بنعم، رفع السيد ويلز حاجبيه للأعلى وقال: لا بد أن تشعر بالخجل! ثم التفت إلى صديق آخر كان يجلس إلى جانب الأول، ووجه له السؤال نفسه، وما إن أجابه بعدم معرفته، وبأنه كويتي هو الآخر، حتى وجّه له السيد ويلز سبابته مكررا: لا بد أن تشعر بالخجل! ثم التفت نحوي، ولكنني عاجلته بالجواب قبل أن يسأل: هو متحف أهلي في منطقة الجابرية يضم مجموعة من التحف والمخطوطات التي يعود بعضها إلى فترة ما قبل الإسلام. ابتسم السيد ويلز وقال: ممتاز! ثم قلت له مازحا: بالمناسبة أنا كويتي! ضحك، ثم سألني عن آخر مرة زرت فيها متحف طارق رجب، فقلت له انني لم أقم بزيارته حتى هذه الساعة لكنني حتما سأفعل. مط شفتيه، ثم ضرب الهواء أمام وجهه كأنه يبعد ذبابة: لا بد أن تشعر بالخجل أنت الآخر! قال انه كان يود أن يشاركنا تجربته، ولكن أحدا منا لا يستحق!
إذا كان السيد ويلز يرى في جهل بعض الشباب لمتحف طارق رجب كصرح ثقافي وطني، وهو متحف أهلي يضم قطعا من شتى بقاع الأرض، أمرا يدعو للخجل، وإذا كنا، بالفعل، قد شعرنا بشيء من الخجل أمام السيد البريطاني الذي يعرف عن ثقافة الكويت أكثر مما نعرف، فلا بد أن نشعر بالعار من أنفسنا إذا ما أدركنا بأننا نجهل تاريخ وطن ننتمي إليه ولا نعرف إلا القليل جدا عن ثقافته وأعلامه، وإذا ما تذكرنا ان آخر زيارة لنا لمتحف الكويت الوطني أو المتحف العلمي كانت أثناء دراستنا في المرحلة الابتدائية، وان ما نعرفه عن جزيرة فيلكا هو انها تضم أطلالا نجهل أصحابها، واننا لا نعرف عن القصر الأحمر سوى لونه .. الأحمر! وان سفن الغوص في أعيننا متشابهة، لا نميّز بين بوم أو سنبوك، وان كثيرا منا يجهل من هو المؤرخ الذي كتب «تاريخ الكويت»، وان أغلبنا لا يحفظ بيتا من قصائد فهد العسكر، وان غالبية الشباب لا يستطيع أن يسمي رواية لإسماعيل فهد إسماعيل.
أظن ان المسألة أكبر من مجرد شعور بالخجل يتلاشى سريعا من دون أن يغيّر نظرتنا إلى بلادنا وأنفسنا، لا بد أن نشعر بشيء أكبر، فلا قيمة لنا ما لم نعرف تاريخ بلادنا وثقافتها وأعلامها وأولئك الناس الذين تذكرونا، قبل مجيئنا، وصنعوا لنا مستقبلا وجازينا ماضيهم بالنسيان!
لم أعد أشعر بالخجل أمام السيد ويلز أو غيره، بل أصبحت أشعر بشيء أكبر، جعلني أصغر، أمام نفسي ووطني.