الأربعاء، 25 سبتمبر، 2013

موسم الهجرة إلى.. أيِّ مكان!

 
سعود السنعوسي:
 
لم أعد أستغرب حلم الكثير، ممن أعرف، بالهجرة. هكذا، ببساطة.
 
- هجرة؟! إلى أين؟!
- إلى أي مكان!
 
     ما عادت الكلمة نشازا بعدما ألِفتها أذناي. لم أشعر في حياتي بيأس لدى البعض، أو في الحقيقة، لدى الكثير، كما أشعر الآن. شيء من ثقةٍ كان موجودًا، لم يعد كذلك. دوافع الحلم بالهجرة كثيرة، لدى الشباب على وجه التحديد. هذا يسعى للحصول على وظيفة أفضل، وذاك يحلم بتأسيس مشروع عجِزَ عن إقامته هنا. البعض يبحث عن مستقبل آمن، والبعض يحلم بهامش حرية أوسع، والبعض الآخر - بصدق - لم يعد يحمل حبّا لهذا المكان. تختلف الأسباب، ويبقى لكلٍ مطلب يعتقد أنه غير موجود في بلاده. ليس أمرا هيّنا، بالنسبة لي على الأقل، أن يقوم شاب حصل على وظيفة للتوّ بفتح حسابٍ في مصرف أجنبي يحفظ فيه جزءًا من راتبٍ يحتاجه في الغد. وليس طبيعيًا أن يرهق آخر كاهله بقسط شهري لقاء تأمين قطعة أرض أو شقة في مكان ما من هذا العالم. وليس مقبولا أبدا أن يتحدث حديث التخرج عن لهفته لبلوغ سن التقاعد، متجاوزًا سنوات طويلة، ليشدّ رحاله إلى.. مكان ما. لا شيء يدعوهم إلى ذلك سوى عدم ثقتهم في وطنهم، وبالتالي عدم الشعور بأي شيء يربطهم به سوى قيود العمل والحاجة إلى المادة التي تتوفر هنا بسخاء كما لا يتوفر أي شيء آخر. هل نلومهم إن شخصت أبصارهم بعيدًا إلى أي مكان عدا موطئ أقدامهم. وهل يعود الوطن وطنا بلا ثقة مواطنيه؟ أبدا، ما الأوطان إلا ثقة أهلها بها.
     ليس لي أن ألتفت إلى أحوال غيري متعمدًا الانصرافَ عني. وليس مبررًا أن أكشف أحلام بعض من أعرف وأخفي ما بداخلي. وأنا في حقيقتي - اليوم تحديدًا - أشبههم جميعا. أتخيلني متحررًا من وظيفتي التي استحالت مسامير يوم استحال وطني صليبًا. أعيش على قلمي، أو عملي الخاص، أو أي شيء آخر يمكنني أن أجيده.. هل يبقى لي في هذه البلاد سوى أهل أحببتهم، طفولة زيّنها الجهل بالأشياء، أغنيات وطنية لفظت أنفاسها الأخيرة منذ زمن، شعارات لا تصلح لغير زمنها القديم، وأسَفٌ وقرف، وسخط على كل شيء، وعَلَم.. جيّد أنه لا يزال يحرّك شيئا بداخلي إذا ما لمحت ألوانه؟!
     لا شيء لديَّ سوى ذكرى أمس جميل وحلم غد أجمل.. بينهما سنوات طويلة من انتظار.
     إلى هنا، أكتفي. حتى ينتهي هذا الفصل، ويحل آخر، أشهد فيه موسم الهجرة إلى.. أي مكان.