الثلاثاء، 4 سبتمبر، 2012

الرواية الكويتية الجديدة.. عين خارج الوطن.. وعين عليه

تم النشر في 2012/09/04

مهاب نصر

إذا كانت فكرة «العولمة» محل نقاش وجدل متوتر على المستويين الاقتصادي والسياسي، فهي من جانب آخر واقع فرضته السرعة في تناقل المعلومات والآراء عبر مختلف الوسائط الحديثة بما يخرج عن تحكم «الدول» من حيث فرض أنماط ثقافية بعينها، وهو ما دفع الجهاز الرسمي لها ومعه عدته الممثلة في الثقافة الكلاسيكية ومؤسساتها للتداعي بالحفاظ على الهوية. غير أن للأدباء كلمة أخرى، وللروائيين بشكل خاص. في الكويت، على سبيل المثال، لم يعد الكاتب الروائي يكتفي بحدود الوطن ليعبر عن أفكاره، بل لم تعد تلك الأفكار نفسها متعلقة ببيئته المحلية وتراثها. لقد سافر وتجول بالجسد والفكر أيضا، ليرى وطنه بعين المواطن مرة وعين المغترب أخرى، وعين الغريب (الأجنبي) مرة ثالثة.

الأجيال الجديدة في الرواية الكويتية تبدو وكأنها تقف على الحافة بين وطنين أو عدة أوطان، ومن ثم تتخذ قرارها الخاص في معنى الانتماء وفي خيارها الانساني أيضا. أجيال ربما كان آخر الأحداث الجليلة التي عاصرتها من دون أن تعيها الوعي كله هو الغزو العراقي الآثم، لكنها لم تمر بمراحل التحول الأكبر التي عاصرتها أجيال أقدم فكانت موضوعها الأثير، التحول «النفطي» بطبيعة الحال، الذي غير الكثير في أنماط الحياة في المجتمع الكويتي وعاداته وقضاياه أيضا.


هوية مزدوجة

لعل آخر عملين روائيين لافتين في هذا الصدد هما رواية سعود السنعوسي «ساق البامبو»، ورواية عبدالوهاب الحمادي «الطيور الأبابيل»، كلا الروائيين الشابين دخل عالم الرواية من بوابة مزدوجة إذا صح التعبير.

تدور أحداث رواية السنعوسي بين الكويت والفلبين. إن بطل الرواية يعاني من مأزق الهوية المزدوجة، كونه كويتيا فلبينيا، في الكويت يطلقون عليه «الفلبيني»، وفي الفلبين ينادونه «العربي»، ومن خلال هذه العين الزائغة يرصد السنعوسي نظرة الآخر الى المجتمع، غير أنه آخر متورط تماماً، أو ليس آخر بالمعنى المطلق: ما يسمح له بالمقارنة بين شقي انتمائه.

في رواية عبدالوهاب الحمادي «الطير الأبابيل» يستخدم السارد حدثا عالميا شديد الأهمية على مستوى المنطقة العربية، وهو سقوط برجي التجارة العالميين في الحادي عشر من سبتمبر بكل ما طرحه من ظلال حول علاقة الشرق بالغرب، أو الغرب والاسلام، ناهيك عن التفسيرات الاشكالية لمعنى هذه المفردات، مع غيرها مثل مصطلح «الارهاب». الرواية تحكي عن شاب يسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية في آخر حلقة دراسية له، لكنه يصطدم بوقائع 11 سبتمبر، ويلتقي بها بشخوص تؤثر على ما سيواجهه في حياته.. ويستغل الحمادي هذه الفسحة السردية كبؤرة ممتلئة بالالتباسات لطرح قضايا سياسة واجتماعية وأخرى تتعلق بمفهوم الإرهاب.

 
على الشاطئ المقابل

من اللافت أن عددا لا بأس به من الروائيين العالميين الذين حصد بعضهم جوائر رفيعة مثل نوبل للآداب، كانوا من هذه الفصيلة عينها، بعضهم كان هو شخصيا مزدوج الانتماء كالروائية هيرتا موللر، والروائي ميلان كونديرا، وسلمان رشدي، والروائي التريندادي فرانسيس نايبول. ان بطل رواية أطفال منتصف الليل (الأكثر تقديرا بين روايات سلمان رشدي) يحكي بتهكم مرير عن تداخل من خلال شخصية الطبيب آدم عزيز الذي تعلم في ألمانيا ثم عاد ليواجه صراعا ثقافيا في بلاد تتأهب للاستقلال.

ويتخذ الهندي صاحب رواية «النمر الأبيض» الحائزة على جائزة مان بكر 2008، آرافيند آديجا، من حيلة روائية على هيئة رسالة مطولة إلى رئيس الوزراء الصيني ليقارن بين وضعين للدول المسماة بالنامية والتي خضعت لابتزاز رأس المال، الذي بدوره دمر بنيتها الأخلاقية، سواء أكان نظامها ديموقراطيا كالهند، أو مركزيا سلطويا كالصين، معيدا النظر في مجمل التراث الثقافي المدمَّر والذي تحول الى خليط ممسوخ من قيم استغلالية متناقضة.

الآخر هنا

يدفعنا ذلك إلى إعادة النظر بطبيعة الرواية المحلية وأسلوبها في سرد الحياة الاجتماعية المخترقة دائما بالآخر، أو الواقفة على جسر أو بين مفترق طرق حضارية.

الروائية سعداء الدعاس التي فازت بجائزة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب كانت قد التجأت إلى صيغة شبيهة في عرضها لقضية التمييز (ربما أكثر من نوع من التمييز) في روايتها «لأني أسود»، سعداء تتعرض لقصة شخص كويتي يواجه التمييز العنصري بسبب لونه.

بعد سفره إلى الولايات المتحدة الأميركية، مثل بطل «الطير الأبابيل» من أجل الدراسة يقيم علاقة مع فتاة أميركية سوداء. اللقاء يكون كاشفا لنوعين من تراث التمييز يكشف كل منهما الآخر، ويبدو هذا اللقاء بدوره مثقلا بالمعاني مع وجود التفاوت الحضاري واختلاف الثقافة ومخزون القيم هنا وهناك.


لا شيء أعرفه

ربما كانت بثينة العيسى في روايتها «ارتطام لم يسمع له دوي»، قد سبقت الى استخدام فكرة الابتعاث في الخارج، واعادة رؤية معنى الوطن من مسافة مغاير، فبطلتها فرح تغادر إلى السويد لخوض مسابقة عالمية في علم الأحياء، وهناك تكتشف المسافة، وتكشف ثقافتها غير المحصنة، وتواجه فرح نفسها في مونولوج مؤثر «وأنت ـ بحكم عروبتك ـ عارٍ جدا، وتحتاج إلى أوهام تدثر عارك، أو تدثر عريك، لا فرق! عندما تصبح هويتك عورة في عالم يناقض كل بديهياتك، لا شيء هنا أعرفه، لا شيء هنا يعرفني».

ليس هذا فحسب، بل إن بطلة «ارتطام لم يسمع له دوي» تواجه إحدى المشكلات التي يعانيها الوطن الأم، مشكلة غير محددي الجنسية أو «البدون» عبر شخصية ضاري، تجد فرح في شخصيته التمرد، وان كانت تقف متسائلة عن معنى التمرد ذاته أهو ضد الوطن أم الذات؟


الرحيل دائماً

بطبيعة الحال كانت قصة «الغزو» هي الأشد وطأ، كخبرة مغايرة في ادراك معنى الوطن، فانها أيضا كانت كاشفة لغربة الهاربين من الاستبداد وأكاذيب النظم العربية تحت راية «القومية» وباسمها، هكذا تفر بطلة الرواية ميس العثمان في اتجاه معاكس وذلك في روايتها «عقيدة رقص»، إنها العراقية التي تلجأ إلى الكويت فرارا من تنكيل النظام العراقي بمعارضيه قبل الغزو. تبدو الكويت المكان الآمن لعاشقين كل منهما له قصة مع نظام قمعي، بطلة الرواية وصديقها السوري، لكن الفرار قدر لا ينتهي؛ فتحت وقع أنباء الغزو الغاشم تلوح في الأفق علامات رحلة نزوح آخر ليطوف السؤال «أترانا تلاقينا مصادفة تعصرنا الحياة قبل حكوماتنا».

انفتاح له ما بعده

لاشك أن السرد الروائي الكويتي عرف قبل ذلك أشكالا من التناول «البَيْني» للشخصية الروائية، في أعمال اسماعيل فهد إسماعيل وطالب الرفاعي وغيرهما، بل إن رواية «أما بعد» لوليد الرجيب التي تقدم قصة اليهود في الكويت، ما كان يمكن برأيي أن تكتب الا في وقت لم تعد فيه الفكرة الكلية عن الوطن ككتلة واحدة متجانسة، أو كسفينة كما يحب أصحاب الأغاني تصويرها، يلتف ركابها حول الشراع نفسه في مواجهة العالم ممكنة. أقول ما كان لمثل هذه الأعمال أن تكتب لولا انفتاح فكرة الوطن نفسها تحت ضغط العولمة وهمومها، وانحسار الدور الوطني الجامع، وبروز فكرة الأقليات وحقوقها وحالات التهميش متعدد المستويات، وهي كلها موضوعات قد تعيد صياغة الخريطة الروائية في الكويت كما في غيرها.
 
نشرت في: