الأحد، 10 مايو، 2009

بس يا بشر!



سعود السنعوسي:

مضى على إنتاج أول فيلم كويتي ما يقارب سبع وثلاثون عاما، وأنا أشير هنا إلى فيلم بس يا بحر الذي أنتج في عام 1972، وهو من إخراج خالد الصديق وتأليف عبدالرحمن الصالح وبطولة كل من الفنانين - مع حفظ الألقاب - سعد الفرج وحياة الفهد ومحمد المنصور وعلي المفيدي. كان هذا الفيلم هو التجربة السينمائية الكويتية الأولى، تبعتها تجربتين أو ثلاث. لم تترك تلك التجارب ذلك الصدى الذي تركه فيلم بس يا بحر في نفوس الجماهير. وبعد ذلك انقطعت تلك التجارب لفترة طويلة تقارب الثلاثة عقود، ثم عادت المحاولات السينمائية في الكويت مجددا في حوالي عام 2004. وفي تلك الأثناء كنا متحمسين جدا لمشاهدة فيلم كويتي على شاشات السينما، بعد أن لوثت المسلسلات الدرامية عقولنا وذوقنا. كنا نأمل بمشاهدة أعمال كويتية ذات مستوى راق تقدم للمشاهد ما يجب أن يقدمه أي فيلم سينمائي. ولكن كانت الخيبة سريعة، ولا تقل عن تلك التي سببتها أعمالنا الدرامية الهابطة التي تعرضها الشاشات في كل عام، وفي الشهر الكريم تحديدا.
أتساءل وأنا أكتب هذا السطور، ما الذي أرجوه من وراء مشاهدة أي فيلم؟ ويأتي الجواب سريعا بأنني أضحي بجزء من وقتي ومالي بين وقت وآخر لمشاهدة فيلم على شاشة السينما نظير المتعة والتشويق والإثارة التي عادة ما تقدمها أفلام هوليود كما انني في كل مرة أرجو أن أحصل على معلومة مفيدة بعد خروجي من صالة العرض، وغالبا وليس دائما، أحصل على جميع ما أرجوه من خلال مشاهدتي لبعض الأفلام. ولا بأس لو استطاع الفيلم أن يوفر لي شيئا واحدا مما ذكرت، كالمتعة مثلا، وهذا على أقل تقدير. أما أن أشاهد فيلما كاملا دون أن أستمتع بمشاهدته، أو دون أن يشد حواسي نتيجة للإثارة أو التشويق، أو دون أن يقدم لي جديدا أضيفه لمعلوماتي، فهذه هي الخسارة بعينها.
باتت صناعة السينما في وقتنا الراهن أسهل مما كانت عليه في أي وقت مضى. وذلك لما يتوفر من تقنيات حديثة ومتطورة، أو ما يسمى بسينما الديجيتال، تلك التقنية التي مكنت من توفير الجهد والوقت والمال مقارنة مع طريقة صناعة السينما في السابق. وهذا ما يجعل كل أدوات صناعة السينما المحلية الناجحة متاحة للمنتجين. والآن يبقى السؤال، ما دام إنتاج الأفلام السينمائية أصبح أقل كلفة، وبما أن الطاقات – مخرجين ومؤلفين وممثلين وغيرهم – موجودة، فما الذي يجعل جميع المحاولات السينمائية المحلية الجديدة، دون استثناء، محاولات لا تستحق المشاهدة ولو على سبيل الدعم؟
ان فيلم "بس يا بحر" رغم ضعف الإمكانيات في ذلك الوقت، ورغم بعض الأخطاء والانتقادات التي تعرض لها الفيلم داخل وخارج الكويت، ورغم الرأي القائل بأن الفيلم أساء للمجتمع الكويتي بل وأساء للبحر إساءة بالغة، إلا ان كل تلك الاتهامات لم تشكل عائقا لوضع مساحة للكويت – ولو كانت صغيرة جدا - على الخريطة السينمائية العربية. كما لا يمكننا أن نتجاهل الجوائز التي حاز عليها الفيلم من المهرجانات المحلية والعالمية، والأهم من ذلك هو الحيّز الذي شغله ذلك الفيلم من الذاكرة، والذي رفض أن يتلاشى رغم مرور كل تلك السنوات، بعكس الأفلام المحلية الجديدة، التي ننسى أحداثها وتفاصيلها ما أن نفرغ من تناول آخر حبة "بوب كورن" في تلك العلبة التي لم يستطع ملحها أن يضيف نكهة للفيلم الذي لا طعم له. كما ان فيلم بس يا بحر استطاع أن يعكس صورة من صور ثقافة الكويت في الخارج، حيث ان الكثير لا يعرفون شيئا عن هذا البلد الصغير، ولكن من خلال بعض المشاهد في "بس يا بحر" تمكن المشاهد في الخارج أن يكوّن صورة عن هذا البلد وثقافته وطريقة عيشه الصعبة وأسفاره للبحث عن اللؤلؤ وبيوت الطين التي كان يسكنها. ليس المشاهد في الخارج هو من أضاف لمعلوماته شيئا من خلال مشاهدته لهذا الفيلم فحسب، بل نحن كذلك، الأجيال التي لم تشهد تلك الحقبة الزمنية، نستطيع من خلال ذلك العمل وغيره من الأعمال الراقية أن نسترجع صوت الماضي، بأغانيه الشعبية وأصوات بحارته وأهازيج أعراسه. تذكر عزيزي القارئ بأنني أتحدث عن فيلم مضى على إنتاجه سبع وثلاثون سنة، ورغم ذلك بقي إلى يومنا هذا متفوقا على ما يسميه البعض أفلاما سينمائية كويتية.
أتمنى من المنتجين الجدد أن يتفهموا حجم المسؤولية التي تقع على عاتقهم تجاه المكان الذي ينتمون إليه، فبأعمالهم تلك هم يعكسون صورة بيئتهم في الخارج، وبدلا من التهافت على كشف كل ما هو سيئ في بيئتنا، فليعملوا على إنتاج أعمال راقية كرد جميل لهذا البلد على أقل تقدير. فليس صحيح بأن الكوميديا – ان كانت هذه حجتهم – يجب أن تكون بهذا الشكل الساذج، فكم من أعمال كوميدية تمكنت من تحقيق المعادلة (كوميديا هادفة). فكفانا ما نعانيه من تدني مستوى في الدراما المحلية حتى تنتقل العدوى للسينما، فإما أفلاما تضيف للحركة الفنية المحلية وتضيف للمشاهد شيئا ذا قيمة على غرار فيلم "بس يا بحر" أو فلن نملك سوى أن نقول للمنتجين الجدد: "بس يا بشر" فكفاكم إسفافا وإفسادا للأذواق وتكسبا على حساب ما تبقى من جمال في هذا البلد!



نشرت في:
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق