السبت، 10 يناير، 2009

حين يحكمنا الأوغاد!


سعود السنعوسي:

منذ سنوات، حين كنت في مرحلة الدراسة، وقبل أن ألتحق بالوظيفة، لطالما استمعت إلى أسطوانة كان يرددها من هم حولي، وباستمرار، وهي أن الشاب الكويتي غير منتج وانه لا يصلح للعمل. فهو كسول بطبعه، وكل ما يسعى إليه بعد حصوله على الشهادة هو مكتب فخم وساعات عمل قليلة غير محددة بموعد حضور وانصراف.
أنهيت دراستي، والتحقت بالعمل كما هي الحال مع أصدقائي الذين كانوا في مثل سني. وكانت تلك الأسطوانة لا تزال تدور وتصدر تلك الأصوات المزعجة بأن الشاب الكويتي اتكالي ولا يمكنه الاعتماد على نفسه وإلى آخر تلك الصفات التي سئمت سماعها. كان الجميع، في مقر العمل وخارجه، الكويتي والوافد، يكررون تلك الكلمات على مسامعي حتى كدت أؤمن بالفعل بأننا لا نصلح لشيء سوى النوم على مكاتبنا في مقار العمل بعد أن تمتلئ بطوننا بالشاي والقهوة والبسكويت وبعد أن تتورم رؤوسنا بسبب الثرثرة والحديث عن كل شي لا يخص العمل.
أنهينا مرحلة الدراسة، أصدقائي وأنا. هناك من واصل تعليمه لتلقي دراساته العليا، هؤلاء الذين أجل الله خيبة آمالهم إلى وقت لاحق. أما أنا والبعض الآخر فقد انتقلنا إلى الحياة الجديدة فور انتهائنا من الدراسة، حيث التحق كل منا بوظيفته.لا أنكر بأن البعض اكتفى بحصوله على الوظيفة كغاية لا طموح بعدها، وهؤلاء هم الذين تتحدث عنهم الأسطوانه التي كنت أستمع إليها في السابق. شباب بلا طموح أو اهتمامات ولا يمكن أن نرجو منهم ما قد يعود على بلادهم وعليهم بالنفع. ولكن هناك فئة أخرى أجزم بأنها أكبر بكثير من تلك التي لا طموح لها أو اهتمامات. ماذا عنها؟ وكيف انتهى بها الحال؟
في بلادي، واحر قلباه عليها، ليس هناك أسهل من قتل الطموح. فالطموح يُنحر بمباركة المسؤولين كما تنحر الأضاحي، دون أن يسأل أحد عن آثار دماء طموحاتنا وآمالنا على ثياب أصحاب القرار وعلى دشاديشهم.
ان ما يدفع باليأس إلى نفوسنا هو ما نراه من انتقال عدوى الكسل والفشل من الفئة الأولى إلى الفئة الثانية التي كانت بلادي تستبشر بها خيرا. ففجأة نجد الشاب من أولئك وقد خار عزمه وقل عطاؤه وقرر أن يشارك زملائه النوم على المكتب بعد أن اكتشف بأنه لا يختلف عن غيره، وان عطاءه وجهده لا يميزانه عن أولئك الذي لا يعملون شيء سوى استلام رواتبهم نهاية كل شهر نظير ثرثرتهم ونومهم في العسل.
وان ما يدفع باليأس إلى نفوسنا أكثر وأكثر هو ان نرى في بلادنا شاب تملأه الحياة، من أصحاب الطموح التي لا حدود لها، ولكن سوء حظه أوقعه تحت رحمة مسؤول تافه! كما في أغلب الوزارات والشركات والمؤسسات الحكومية. فما الذي يمكن أن يقدمه هذا الشاب وغيره من الشباب إلى أوطانهم وأسرهم وأنفسهم إذا كان صاحب القرار أو المسؤول عنهم ينتمي إلى تلك الفصيلة المريضة التي تحارب الكفاءات وتقتل الطموح في نفوس الشباب. تلك الفئة المضحكة المبكية من المسؤولين وأصحاب القرار. أولئك الذين يمكنك رؤية آذانهم الطويلة رغم محاولاتهم المستمرة لإخفائها تحت الغترة والعقال. أولئك الذين يمكنك أن تستمع إلى أنكر الأصوات في حديثهم، خصوصا في لحظات الغضب أو الارتباك، عندما يفقدون أعصابهم ليفاجئوك بأصواتهم المنكرة، ولتكتشف في نهاية المطاف بأنك تعمل في قسم يرأسه ........... !
لست أبالغ في كل ما ذكرته. فكم من قصة استمعت إليها من صديق أو زميل سببت لي الدهشة والألم وأثارت في داخلي التساؤلات. كيف تؤول الأحوال بشاب طموح أنهى تعليمه ليجد نفسه يعمل في مكان يرأسه شخص دونه في العقلية والتفكير، وليت الأمر يتوقف عند ذلك الحد، بل ان غيرة ذلك المسؤول من هذا الشاب دعته لمحاربته والعمل الدؤوب على بث الاحباط في نفسه، وأخيرا حقنه بحقنة الكسل والفشل ليجد الشاب نفسه في نهاية المطاف يشخر على المكتب.
يذكر لي أحد الأصدقاء قصة غريبة، وهي انه بعد أن يئس من لفت انتباه المسؤول في العمل إلى جهده ومثابرته وحجم الأعمال التي ينجزها، وبعد أن فقد الأمل في أن يحصل على حقه في الترقية أو حتى في التقدير، وجد نفسه مضطرا ليتجه كما اتجه غيره، فأخذ يهتم بشؤون المسؤول الخاصة، كأن يحضر سيارته من الكراج، أو يحضر أبناءه إلى البيت بعد خروجهم من المدرسة، أو أن يقضي ساعات العمل في سوق السمك أو سوق الخضار ليشتري "ماچلة" بيت المسؤول. والغريب في الأمر ان ان هذه الطريقة بدأت تثبت جدواها، فصاحبنا نال رضا المسؤول وتقديره، وحصل على الترقية، كما انه يستلم راتبه كاملا نهاية كل شهر رغم الساعات التي يقضيها خارج العمل، ورغم السويعات التي يقضيها نائما داخل العمل. مؤخرا، اكتشفت أن الاسطوانة التي كنت أستمع إليها على الدوام، فيها شيء كبير من الصحة، ولكن، اللوم لا يقع على الشاب الكويتي، بل على المجتمع الذي هيأ له كافة الظروف ليجعله عاطلا عن العمل والإنتاج رغم حصوله على الوظيفة ورغم تردده اليومي على مقر عمله.
سألني أحدهم، وكان قد تطفل عليّ أثناء كتابة المقال: "حين يحكمنا الأوغاد"؟! يبدو انك قد وقعت في خطأ فادح. فالأصح هو أن يكون العنوان حين "يرأسنا" الأوغاد بدلا من "يحكمنا"، على اعتبار انهم يرأسوننا في العمل، مدراء ورؤساء أقسام وغير ذلك من المسميات. قلت له أن أولئك الذين أعنيهم في هذه المقالة لا يرأسونا في العمل فحسب، بل أنهم يحكمون ويتحكمون في حياتنا. أليس بسببهم ضاعت طموحاتنا وأحلامنا؟ ألم يأثروا في حياتنا ونفسياتنا وبيوتنا تأثيرا سلبيا مباشرا؟ ألم نخسر الكثير بسببهم وخصوصا تلك الأمور التي علقنا عليها آمالنا المستقبلية؟ إذا كانت كل إجاباتك أو أغلبها بـ: نعم، إذن الأمر قد تعدى مسألة مجرد رئيس في العمل، ليصبح حاكم يحكم ويتحكم ويدير حياتنا كيفما شاء وبما يحلو له هو ومن على شاكلته من أصحاب القرار الذين لا هم لهم سوى محاربة الشباب وبث الاحباط في نفوسهم و "تكسير مجاديفهم".
قال: هذا صحيح، ولكنني، بسبب العنوان، أسأت فهمك. فقلت له إذا أسأت التعبير فأنا المذنب، ولكني لست كذلك إذا أحسنت التعبير وأساء الغير فهمي. إذهب إلى مكتبك الآن واشرب الشاي والقهوة و .. تصبح على خير.

نشرت في:
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق