الأربعاء، 10 سبتمبر، 2008

حين يدمّرون بأموالهم كل ما هو جميل!

سعود السنعوسي:

المال، هذه النعمة، زينة الحياة الدنيا، هي والبنون كما يقول سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم. من منا لا يسعى لامتلاك هذه النعمة؟ أشك أن هناك من لا يتمنى أن يمتلك من المال ما يكفيه لتحقيق كل ما يمكنه تحقيقه بواسطته، وهذا حق مشروع، ولا خلاف عليه، ولكن! حين يفيض المال عن حاجة صاحبه، بعد أن يتمكن من تحقيق كل أحلامه وتأمين مستقبله ومستقبل سلالته لقرون آتية، ماذا يحدث؟
بعض الناس بعد أن يمن الله عليهم بالنعمة ما يزيد عن حاجتهم يبدأون في إشراك الغير بالاستفادة من هذه النعمة، مع الوضع بعين الإعتبار المنفعة الشخصية، كمن يقيم المشاريع التي تعود عليه بالمنفعه شخصيا، وعلى غيره ممن يساهمون في استمرارية مشاريعه من عمال وموظفين. والبعض الآخر يكتفي بالاستفادة من أمواله دون أن يشرك أحدا معه، وهذا حق لا يمكننا أن ننازعه عليه، ولكن ماذا عن النوع الثالث الذي يفسد كل ما هو جميل بواسطة أمواله ظنا منه أنه يصنع له مجدا شخصيا في حين هو في الواقع يشوه كل شيء جميل من حوله؟
هذا النوع، مع شديد الأسف ينتشر في كل بقاع الأرض، ولكنه واضح ومعروف في دول الخليج، ولدينا في الكويت عددا ليس بالقليل منه.
حين يتصور الإنسان أنه يستطيع أن يصنع له اسما لامعا يتداوله الناس، بسبب ماله ويعتقد أنه يستطيع شراء كل ما حوله ليسخره لتلميع ذلك الإسم، ماذا يحدث؟ قد ينجح في بداية الأمر ولكن سرعان ما سينكشف أمره لتصبح أمواله سببا في جلب العار لأسمه بدلا من المجد الذي كان ينتظره. يسأل البعض، وما هو شأنك بهم طالما ان أمرهم سينكشف عاجلا أم آجلا؟ وما الذي يغيضك؟ فهذا الإنسان حر بأمواله، وإذا اكتشف الناس أمره، هو وحده من سيتحمل ذلك، هل تحسده على كثرة أمواله؟
كلا، لا أحسده على كثرة أمواله، وليس لي شأن إذا ما انكشف أمره للناس، ولكن ما يحزنني حقا هو انه لن يكتشف أحد أمر هذا المحتال إلا بعد أن ينتهي هو من تدمير كل ما هو جميل، فلن يكون هو الخاسر الوحيد كما يظن البعض، فكم من شاعر - على سبيل المثال - عرف عنه شراء القصائد، يقوم بضخ أمواله لكبار الملحنين وكبار المطربين لغناء هذه القصائد المنسوبة له؟ هو بذلك لا يسيء لنفسه فحسب، بل ليته يفعل، ولكنه يدمر أبسط المفاهيم التي عرفناها عن الفن. والغريب حقا هو أن هذا الإنسان لا يدرك أنه مهما فعل لن يستطيع أن يبني له مجدا أو اسما يذكره الناس، حيث انه إذا ما كلف شاعرا بكتابة قصيدة، سيقوم هو بشراء كلمات فقط دون إحساس، وهذا ينطبق على من يدفع للملحن كذلك، فالملحن الذي يستلم من الشاعر المزيف مبالغ طائلة من المال لن يقوم بالعمل كما لو هو يرغب، فهو يقوم بالعمل من أجل "عين" المال، لا من أجل اسمه هو وشهرته، لذلك لن يخرج العمل كما يرغب شاعرنا مهما حاول بضخ أمواله وشيكاته، والخاسر الوحيد هو الفن نفسه، وأبسط مثال على ذلك ما نسمعه من أغان وما نشاهده من أعمال تلفزيونية كان المال هو من يقوم فيها بدوم المؤلف والمحلن والشاعر والمخرج.
هذا الأمر لا ينطبق على الأعمال التلفزيونية أو الأغاني العاطفية فحسب، بل ان الأمر تعدى ذلك ليطول الأغنيات الوطنية، فهناك من يشتري الكلمات "الرخيصة" التي لا تليق بأغنية عاطفية، فكيف بالأغنية الوطنية؟ هذا مع الأسف ما نشهده الآن. وإذا ما ابتعدنا عن الأغنية، سنجد ذات الشخصية في الأدب أيضا، فكم من أولئك الذين لا يعرفون ماذا يفعلون بثرواتهم دسوا أنوفهم في الأدب أيضا، حيث أصبح البعض منهم وبـ"قدرة قادر" روائي أو مؤلف أو باحث في يوم وليلة، كل ما في الأمر هو أن يدفع لأحدهم مبلغا محترما من المال ليقوم الأخير بالكتابة وتسجيل اسم الأول على غلاف العمل.
المصيبة هي ان بعض أولئك الذين تمكنوا من شراء الشهرة بواسطة المال، يعتقدون أيضا بأنهم نالوا تقدير الناس واحترامهم، دون أن يدركوا أنهم بالفعل استطاعوا أن يصبحوا أشهر من نار على علم ولكن دون احترام أو تقدير من أحد، فالناس لا تحترم من يسفه عقولهم أو من يظن أنه قادرا على خداعهم، فباستطاعة الناس أن تفرق بين الشاعر الحقيقي والمزيف، كما هو الحال مع الكاتب والأديب والموسيقي. فأنا واحد من الناس الذين لا يمكن أن يصدقوا بأن هناك انسان على وجه الأرض يمكنه أن يكتب الشعر ويلحن الأغاني ويكتب المسلسلات والمقالات الفنية والعلمية والسياسية والرياضية "ويستمر" في كل هذه المجالات.
مع الأسف الشديد، أصبح المثقفون العرب ينظرون إلينا، في الخليج، نظرة غير منصفة بسبب ما يفعله أولئك السماسرة، فان ما نشهده من أعمال فنية وأدبية في بلادنا لا تخرج عن حالتين، إما أعمال هابطة كان المال سبب ظهورها، أو أعمال رائعة بكل المقاييس لا يعترف بها من هم حولنا، أو ينسبونها لغيرنا لأننا، كما هم يرون، نشتري حتى الإبداع بأموالنا، وكل عمل ناجح يخرج من بلادنا لابد وأن يكون - في نظرهم - مدفوع الثمن، وأن صاحب العمل الحقيقي يمكن أن يكون أي إنسان شرط إلا يكون خليجي.

نشرت في:


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق