الخميس، 10 يناير، 2008

طالبوا بإسقاطها ولم يسقطوا سوى .. كرامة شعب!

سعود السنعوسي:

أتابع منذ فترة الأحداث المأساوية لما يسمى بقضية إسقاط القروض، تلك القضية التي غدت من أولويات بعض نواب الأمة والشغل الشاغل لفئة كبيرة من الشعب الكويتي، وكأن مشاكل البلاد قد انحصرت في تلك القضية حتى يفتح المواطن جيبه ويمد كفه للحكومة مرددا: عطونا الله يعطيكم !
كم أتألم وأنا أشاهد تلك المناظر الغريبة داخل مجلس الأمة وخارجه .. يتباكى أحدهم ويشوح بيديه للنواب مرددا: نحن مساكين أين العدالة! في حين تصرخ امرأة في الصف الأخير في قاعة المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ عبدالله السالم: "شواربهم تحت نعالي .. فلان الكلب .. ما عندنا معاشات .. نبيع أعضاءنا عشان نعيش .. لابوكم .. يا حقير .. نعم نعم لإسقاط القروض" ثم ينتهي الخطاب التاريخي بصياح مجموعة من النسوة: "أووووووه .. أوووووه"! وهكذا، مرت الأيام، وكدت أنسى كل تلك الأحداث حول تلك القضية، ولكن سرعان ما عادت القضية لتطفو على السطح مرة أخرى على مرأى ومسمع العالم وعلى الفضائيات والصحف ومواقع الإنترنت، ليشاهد العالم بأسره الذل والهوان مرسوما على وجوه كويتية. أعبث بالريموت كنترول وأتوقف عند إحدى الفضائيات الكويتية الخاصة، وإذ بمجموعة من الرجال يفترشون الأرض أمام مبنى مجلس الأمة، البعض أحضر بطانية ووسادة استعدادا للنوم أمام المبنى حتى يأتي موعد جلسة الغد، والبعض الآخر يتخذ وضع القرفصاء والشموع المشتعلة تحيط به من كل جانب. يتقدم مراسل التلفزيون ليجري لقاء سريعا مع الرجل الجالس هناك: "والله مادري شقول! صرت أمشي بالسيارة وأكلم نفسي .. راح يسقطونها وإلا ما راح يسقطونها" في إشارة للقروض! أغلق التلفاز وأنا ألعن الساعة التي اضطرب فيها أبناء بلدي، ليصبح الرجل "مسبّه" يمشي ويكلم نفسه، ولتتحول المرأة إلى أنثى ذئب تعوي في الكراسي الخلفية لمجلس الأمة: أوووووه !
لا تشغلني مطالبة البعض بإسقاط القروض بقدر ما تشغلني الطريقة التي يطالبون فيها بإسقاط قروضهم، والتي جعلتهم يبدون بتلك الصورة المهينة لهم ولبقية الشعب الكويتي بل وللكويت بأسرها.
لست أدري من الملام في كل ما وصل إليه الشعب الكويتي الذي أصبح لا يفكر سوى بما يملأ جيبه، ولكني أعتقد بأن المشكلة تعود للأطراف الثلاث، الحكومة - نواب الشعب - الشعب، وقد يظن البعض بأني قد أخطأت بتقسيمهم إلى ثلاثة أطراف على اعتبار أن الشعب ونوابه طرف واحد، ولكن الحقيقة غير ذلك حيث أن نواب الأمة لا ينوبون سوى أنفسهم. يؤكد البعض أنها سياسة مدروسة مسبقا، فنحن نعيش وضعا ليس جديدا على أمتنا العربية، ذلك الوضع الذي يقوم على تجويع الشعب حتى لا يطالب بشيء سوى ما يسد به رمقه، ولكني على يقين بأننا لم نصل إلى تلك المرحلة ولو كان البعض يسعى إليها.
أنا هنا لا أطالب بإسقاط القروض عن الشعب الكويتي، ولكني أتمنى من أصحاب القرار أن يلتفتوا للكويت وصورتها في أعين أبناءها أولا، وفي أعين جيرانها والعالم، فكفاكم تضييعا للوقت على حساب نهضة البلاد، فنتيجة لإهمالكم للكويت وانصرافكم عن احتياجاتها والتفاتكم لدول العالم لتعميرها ومدها بالقروض والمنح، أصبح الشعب الكويتي يتحسر على أمواله الضائعة هنا وهناك وشرع في المطالبة بها بطريقته الخاصة، وأنا واحد من أولئك الذين يطالبون بهذه الأموال، ولكن، ليس لإسقاط قرض شخصي أو قسط سيارة أو ما شابه، بل أطالب بها لبلادي التي هي بأمس الحاجة إليها، بلادي التي سئمت الانتظار في حين تتسابق الدول من حولها للنهضة بشعوبها ولتضع لها مكانا بين الدول المتقدمة. ان كل ما كنت أتمناه هو أن أشاهد تلك الجماهير الغفيرة - التي انتفضت لقضية إسقاط القروض - وهي تطالب الحكومة بالالتفات إلى الكويت، ولكنني وبعد تلك المشاهد أجد نفسي أمام حقيقة واحدة، فمن المطالبين بالمنحة مرورا بالمنادين بإسقاط القروض انتقالا إلى الإضرابات والاعتصامات - رغم منطقية بعضها - وصولا إلى المطالبين بزيادة الرواتب اتضح لي أننا لا نفكر بشيء سوى المادة. أنا على يقين بأن هناك من هو في حاجة للمساعدة وأن البعض قد ساقته الظروف للاستدانة والاتجاه لطلب القرض، وهذه الفئة بلا شك بحاجة لمن يلتفت إليها خصوصا في ظل ارتفاع معدل الفائدة، ولكن ماذا عن أولئك الذي يقترضون لا لشيء سوى أغراض لا طائل منها كالسفر وشراء السيارات الفارهة والجري وراء المظاهر؟ هل تستحق هذه الفئة -وما أكبرها في الكويت- لأن تسقط عنها القروض؟ وماذا بعد إسقاط القروض سوى اتجاه المواطنين للاقتراض مرة أخرى؟ وأي منطق في هذا؟
أكتب هذه الأسطر وأنا أسترجع الأصوات والصور التي سمعتها وشاهدتها داخل مجلس الأمة وخارجه، وأموت ألف مرة وأنا أسترجع تلك الأصوات الباكية وهي تستجدي العطف من المسؤولين، وتلك الوجوه التي تتسول أمام مبنى مجلس الأمة وأردد: ما الذي يحدث في بلادي؟ هناك ألف طريقة وطريقة لرفع المعاناة عن تلك الفئة، ولكن المطالبة باسقاط القروض عن الجميع وبهذه الصورة غير الموضوعية تجعلنا نقف حائرين أمام تلك العقلية الفوضوية التي يمتلكها بعض نواب الأمة الذين استعانوا بالجماهير وطالبوا باسقاط القروض .. ولم يسقطوا - بتصرفهم هذا - سوى كرامة الشعب الكويتي!

تنويه : أعتذر للقارئ الكريم على بعض الألفاظ الخارجة التي احتوتها الصفحة ..

نشرت في:
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق