السبت، 15 يناير، 2011

كيف تغني الكويت من دون صوتها؟

شادي وسناء والديكان.. افتقدناكم

سعود السنعوسي:

كان يحدوني أمل في أن تشهد احتفالات البلاد في عيدها الخمسين عودة صنّاع الأغنية الوطنية من جديد، ليسجلوا للتاريخ وللأجيال القادمة ملاحم شبيهة بالتي ساهمت بتشكيل هويتنا الوطنية قبل أعوام، حين كنا أطفالا.
وكنت متأكدا من أن هذه المناسبة لن تمر من دون أن نسمع صوت الكويت الذي اعتدناه. كنت كمن يجلس على شاطئ البحر يرقب وصولهم بعد غياب، الموسيقار غنام الديكان خلف الدفّة، ويظهر من خلفه العملاقان شادي الخليج وسناء الخراز يزفون خبر عودتهم: «ها نحن عدنا ننشد الهولو على ظهر السفينة.. ها نحن عدنا ننشد الهولو عدنا للمدينة.. ها نحن عدنا يا كويت إلى شواطيك الأمينة، وقلادة من شوقنا لك. من أمانينا الدفينة».
ولكن خبر استبعاد العمالقة الذي قرأته في القبس قبل أيام، كان قد باعد المسافات بين شواطئنا والسفينة، لتظل الأغنية الوطنية الكويتية ناقصة، ونفوسنا على غياب صنّاعها حزينة.

لست أكتب هذا الموضوع للتقليل من شأن الجهود التي تُبذل في كل عام للتحضير للأوبريتات الغنائية الوطنية، فالأعمال التي تابعناها في السنوات الأخيرة ناجحة بكل المقاييس، ولكنها وقتية، لا صدى لصوتها تردده الأيام كما في الأعمال الوطنية الضخمة التي نشأنا عليها. لست حزينا على أجيالنا السابقة، الأجيال المحظوظة، فقد تشبّعت بالمفاهيم الوطنية التي زرعتها تلك الملاحم الضخمة، وقد تلقت تلك الأجيال دروسا تاريخية لبلادها من خلال تلك الأعمال الوطنية التي لا تنسى، ولكن الشعور الذي ينتابني في هذا الوقت، هو شعور بالحزن على جيل لم يتنفس وطنه كما تنفسناه في طفولتنا من خلال إبداعات لم يكررها التاريخ.


إلى من يهمه أمر الكويت

لماذا يتم استبعادهم، وأنهارهم لم تنضب بعد؟ ولماذا يحرم هذا الجيل من التعرف على وطنه بالشكل الصحيح؟ وهل من أمل لنستمع إلى أصواتهم في أعمال جديدة؟ أو على الأقل، هل تتاح لهم فرصة المشاركة في الأعمال الوطنية المقبلة من خلال توظيف خبراتهم الطويلة في هذا المجال؟ خصوصا إذا ما أشرنا إلى أن الفنان القدير شادي الخليج هو من تبّنى ونفّذ احتفالات العيد الوطني وشارك فيها منذ انطلاقتها ولسنوات طويلة. أسئلة كثيرة لست أدري إلى من أوجهها، ولكنها لا بد أن تصل إلى من يهمّه أمر الكويت.



تأثير الأغنية الوطنية

ان الأغنية الوطنية ليست مجرد أغنية تسمع في وقت ما ثم ينتهي تأثيرها، بل ان الأغنية الوطنية «الحقيقية» ترسم شكل العلاقة بين الوطن وأبنائه، فالأغنية الوطنية، حاضرة دائما في أذهاننا، ان لم يكن ذلك في الوقت الراهن مع أبناء اليوم، فهذا ما كنا نشعر به في السابق، فكيف ننسى تأثيرها أثناء الاحتلال، حين يزأر شادي الخليج: «يا حماة العرين .. لقّنوا المعتدين .. درسنا باليمين .. ضربة لن تلين»، أم في سفرنا، حين نحنّ إلى كويتنا، وحين تداعب سناء الخراز نفوسنا بتغريدها: «سلام يا وطني .. أمان يا وطني .. يا ساكن الوجدان .. يا سّيد الأوطان»، أم في شكل علاقتنا بحكامنا في طفولتنا المبكّرة، حين كنّا لا نعرف سوى: «جابر أبونا من عمر .. عرفناه .. ويا بو فهد عز وذخر .. وشفناه»، بل أن الأغنية الوطنية كانت رسالة ودافعا للتغيير من أجل الوطن حين ركزت على دور الشباب وحثهم على التسلّح بالعلم من أجل بناء المستقبل: «الحمد لله عظيم الشأن .. قد فرض العلم على الإنسان .. عليه تبنى عزّة الأوطان .. الحمد لله عظيم الفضل .. لما حمانا من ظلام الجهل .. العلم نور زينة للعقل .. والحمد لله عظيم الشأن ..ونحن أبناء الكويت الرائدة .. أجيالنا بكل خير واعدة .. ونحن أبناء الكويت الرائدة .. طريقنا نحو المعالي صاعدا». الأمثلة كثيرة، ولا يمكن حصرها لإثبات أهمية الأغنية الوطنية وحضورها في تعزيز الروح الوطنية لدى أبناء الوطن، ولكن، هل يعي المسؤولون أهمية هذه الأعمال الوطنية؟ فالأغنية الوطنية الأصيلة قبل كل شيء هي كلمة تمس الروح، ولحن يُستمد من تراث الوطن، وصوت قادر على توصيل الرسالة. والأغنية الوطنية الحقيقية هي تلك التي تضيف للمتلقي ثقافة بلاده إلى جانب تعزيز الروح الوطنية، وهذا ما اكتسبناه في طفولتنا من تلك الأعمال، فكيف لأبناء جيلي، في ذلك الوقت، أن يتعرفوا على «البوم والسنبوك والشوعي»، وما عاناه أجدادنا في تلك السفن في عرض البحر ليصنعوا تاريخ وطن، من دون أوبريت «مذكرات بحار» الذي كتبه الراحل محمد الفايز؟ وكيف لنا أن نتعرف في تلك السن المبكرة على نشأة العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الكويت من دون أن يختصر لنا الراحل عبدالله العتيبي، في أوبريت «صدى التاريخ» نشأة هذه العلاقة في بيتين: «كان أصل الكويت دعوة حبٍ .. أينعت حولها قلوبٌ ندية
.كان حكامها بنيها فأضحى .. شعبها حاكما وكان الرعية»؟



أبراج الكويت الثلاثة

غنام الديكان، كنت أتمنى عودتك بعد غياب، برّا أو بحرا، تعيد للأغنية الوطنية مجدها، يتبعك شادي الخليج مرددا بصوته الساحر: «قد وصلنا إلى بلاد ستأتي كطيوف المنى في قلب الجميلة» وإلى جانبه سناء الخراز تغرد كالعصفورة: «يا سائقين الهوادج على طريق السلامة .. لقد وصلنا لأرض فيها تطيب الإقامة».
أبراج الكويت الثلاثة أنتم، ستبقون في قلب الكويت، لأن الكويت لا تنسى ما قدمتموه لأبنائها طيلة حياتكم. ولأن كل ما نحمله من مشاعر تجاه وطننا الأجمل، نحن أبناء الكويت، كان ثمار ما غرسته أياديكم قبل سنوات. واننا، في غمرة سعادتنا بأعياد الكويت التي نحب، ستبقى في قلوبنا مساحات لا يشغلها سوى وجودكم.
شادي الخليج .. سناء الخراز .. غنام الديكان .. افتقدناكم، ولكن، ماضينا الجميل معكم، سيمدنا بتلك المشاعر الوطنية السامية التي نشأنا عليها، ليجدد عشقنا للكويت، ويعيننا على صدّ ما تخفيه لها الأيام.

نشرت في :

هناك تعليقان (2):

  1. سعود..
    هل تؤمن بنظرية المؤامرة؟!
    أنا أؤمن بها لكنها مؤامرة من نوع مختلف! مؤامرة لا دخل لامريكا فيها ولا لأي أطماع خارجية...إنها مؤامرة تستهدف ذواتنا والخصم فيها نحن!!

    للتو تفجر في ذهني سؤال...لماذالا نزال ننتظر من ينظم لاحتفالاتنا؟ لم لا ننظم نحن احتفالاتنا بأنفسنا؟

    شكرا لتفجيرك هذا السؤال وغيره في ذهني
    وشكرا لك

    هند

    ردحذف
  2. أ.هند
    شكرا لتواصلك
    أظنه الإهمال، الإهمال ولا غيره، الأغنية الوطنية شأنها شأن كل شيء في الكويت يعاني الإهمال.
    أما بالنسبة لتنظيم الاحتفالات، هل تتخيلين أ.هند أوبريت غنائي وطني مع المجاميع والأوركسترا والفنانين على غرار أوبريتات وزارة التربية، أقول، هل تتخيلين مثل هذه الاحتفاليات الضخمة تقام من غير تنظيم الدولة أو دعم الجهات الخاصة؟
    أما بالنسبة لنا، فعزاؤنا الوحيد، هو اننا نحتفل بطريقتنا الخاصة داخل بيوتنا، كما كنا قبل سنوات، حين كنا أطفالا. علّنا نعوض بذلك شعورنا بالنقص تجاه الخارج، بالاهتمام بالداخل.
    أكرر لكِ شكري

    ردحذف