الأحد، 18 سبتمبر، 2011

أول شهادة وفاة


قصة قصيرة:
أول شهادة وفاة

     اكتظ صالون المنزل الصغير بالمعزين. هدوء مطبق لولا ذكر الله الذي يتمتم به الناس من حولي، وصوت احتكاك خرز سبحاتهم، وعبارات العزاء التي يرددها المعزون دخولا وخروجا.

     "لماذا حدث ما حدث؟"

     يدخل أحدهم..

- عظم الله أجركم..

     يقول مصافحا. أرد، من دون أن أرى وجهه:

- أجرنا وأجرك.

     "أهو توقها لأن تكون الأولى دائما؟"

     يهم أحدهم بالخروج، رافعا كفه:

- أحسن الله عزاءكم.

     يرد البعض بامتنان:

-  جزاك الله خير.

     هدوء. لا أكاد أسمع سوى بدايات الكلمات.. إنا للـ.. لا حول و.. سبحا.. واحتكاك الخرز بين الأصابع..

     "ماذا أقول لصغيرنا الذي لا يعرف شيئا مما حدث؟"

- جعلها الله آخر الأحزان.

     يقول أحدهم. هززت رأسي ممتنًا.

     "هي الأولى. أولى الأحزان كما كانت هي الأولى.. دائما"

     على شاشة التلفاز في زاوية الصالون صورة، بلا صوت، لرجال الأدلة الجنائية بزيّهم الأزرق الداكن..

- غيّر المحطّة.

     يقول أحدهم مخاطبا الآخر مراعاة لشعوري. أرفع كفي آمرا:

- لا تغيّروا شيئا.

     "هل كانت تتوق لتسجيل انتصار جديد؟"

     يبدأ الحضور بالانسحاب تدريجيا..

     "كانت الأولى في كل شيء"

- أحسن الله عزاءكم.

     "الأولى في الدراسة"

- جزاك الله خيرا.

     "الأولى في عملها قبل أن يتم انهاء خدماتها.."

- شد حيلك..

     بشيء يكاد يشبه الابتسامة أرد:

- الله كريم..

*   *   *

     يوم أمس الأول، كنا معا، نقرفص حول ورق الجرائد، بعدما فرشته على الأرض، واضعة فوقه طبق الطعام. كنا نتناول طعامنا في صمت، بلا شهية، إلا الصغير الذي لا يرهقه التفكير في المستقبل، فقد أتى على طعامه كله في دقائق. رفعت أمه طبقه من أمامه لتغرف له المزيد، فظهرت أسفل الطبق، على الجريدة، صورة كلب.

     أشار إلى الصورة:

- أبي! ما قصة هذا الكلب؟

     قرأت الخبر.. اختصرته له:

- في كاليفورنيا، لقي أحدهم حتفه أثناء محاولة انقاذه بعد أن كان عالقا في إحدى فتحات صرف المجاري.

     تضاعفت المسافة الفاصلة بين عينيه وحاجبيه:

- انقاذ من؟!

- الكلب..

     أجبته. ضاقت المسافة الفاصلة.. اختفت.. واصل أسئلته:

- وهل يموت الإنسان من أجل كلب؟!

     مسحت على رأسه الصغير:

- يحدث ذلك أحيانا.. هناك.

- هناك! أين؟

- في بعض الدول.. في الخارج.. أوروبا.. أميركا..

     أطرق الصغير وأخذ يفكر. التفتُ نحو أمّه وهي تمزج الطعام في طبقه الصغير في حين ركزّت عينيها على إحدى صفحات الجريدة:

- ألا تأكلين؟

     سألتها. أجابت على الفور وكأنها توقعت سؤالي:

- أحضّر نفسي للموت!

     نهرتها:

- بعد عمر طويل!

     انفرجت شفتاها عن نصف ابتسامة مصحوبة بكلمات هامسة:

- بعد عمر قصير قد يتراجعون عن قراراتهم.. فلنعجل..

     أدركت زوجتي بأني لم أفهم إلام كانت ترمي.

- أبي!

     نبهني نداء طفلي..

- وهل عاش الكلب بعد ذلك؟

     كما جاء في الخبر:

- تم ارساله إلى مكان مخصص لرعاية الكلاب بعد أن تم فحصه والتأكد من سلامته.

     فغر فاه دهشة:

- الكلب؟!

-  نعم، الكلب..

     مط شفتيه، في حين وضعت أّمه الطبق أمامه بعد أن ملأته بالطعام. ومن دون أن يرفع نظره عن مكان الصورة، أزاح الطبق بيمينه لتظهر مرة أخرى وقد تناثر فوقها بقايا طعام.

     لا تزال زوجتي على حالها..

- ما بك؟

     سألتها، في حين صمتها لا يزال. أردفت:

- ولماذا الحديث عن الموت الآن؟

     نحو صدر إحدى صفحات الجريدة أشارت بعينيها.. التقطت عيناي من بين أسطر الخبر..

"وافقت الحكومة مشكورة.. التعليم المجاني.. العلاج.. اصدار شهادة الميلاد.. اصدار شهادة الوفاة.. و.."

- أبي!

     نبهني صوت طفلي..

- والقطط؟

     قال من دون أن يبعد نظره عن الصورة في الجريدة. أجبته:

- شأنها شأن الكلاب وبقية الحيوانات، لها حقوق وقوانين تكفل حمايتها.

- وإذا ضربتُ قطة.. هناك؟

     أطبق جفنيه ورفع حاجبه الأيمن.. ثم واصل:

- أو حرمتها من الطعام؟.. مثلا.

     "هناك، المبالغة في احترام الحيوان، أم هنا، المبالغة باحتقار البشر؟" سألت نفسي، واخترت أن أجيب على سؤال طفلي.. الأسهل:

- تُعاقب بواسطة القانون، وقد تصل العقوبة إلى السجن. يجب أن يحسن الإنسان معاملة الحيوان.

     فتح عينيه على اتساعهما.. قال:

- السجن؟!

- نعم السجن..

     أطبق بأسنانه على شفته السفلى مستغرقا بالتفكير في شيء ما.

     وجهت حديثي إلى زوجتي:

- ألا يحمل الخبر ما يحفز على الخروج من هامش الحياة والاقتراب من متنها بدلا من الحديث عن الموت؟

     أزعجها سؤالي كما بدا على وجهها. لم تجب. هي هكذا، تتجاهلني كلما تحدثت بما لا أؤمن.

     "يضيق الهامش أو تتضاعف مساحاته أحيانا، ولا يغيّر ذلك من حقيقة انه .. هامش"

     وضع ابني كفه الصغيرة على ركبتي:

- لا بد أن يكون الكلب.. أميركيا!

     ضحكت من دون أن يظهر أثرا للضحك على وجهي:

- لا..

     ثم تابع في حيرة:

- ولا القطة؟

     لا أتذكر أن الخبر المنشور في الجريدة كان قد أشار إلى قطة!

- عن أي قطة تسأل؟

     قال بحماس يذكرني بما نسيته:

- تلك التي إذا ضربتها أدخل السجن..

     أخرجت الهواء من رئتيّ في زفير طويل.. خيّل إلي انه لن ينتهي:

- ليس الأمر كذلك يا بني.. الحيوانات لا تحمل جنسية..

     ضرب الهواء أمام وجهه بحركة من اكتشف سرّا لتوّه:

- هكذا إذن! فهي بـ..

- كفى!

     صرخت به والدته كمن نفد صبرها. انتصبت واقفة. انكمش ولدي في جلسته.

- إلى أين؟

     سألتها. قالت وهي تتجه نحو السُّلم:

- إلى السطح.. أنشر الغسيل.

*     *     *

خرج آخر المعزّين.. وفي التلفاز الصامت، أمامي، صورة حوش منزلنا لا تزال، ورجال الأدلة الجنائية يقومون بعملهم تحيطهم الأشرطة الصفراء.


هناك 4 تعليقات:

  1. الام انتحرت ؟؟؟
    وليش من شنو كانت تعاني ؟؟؟

    وحبيت اقولك رواية سجين المرايا ابداع من عالم -عبدالعزيز- آخر

    :)

    ردحذف
  2. شكرا نورة على مرورك الكريم.
    كانت تعاني من الهامش.. كما يعاني زوجها وكل من يشاركهما الظروف..
    أسعدتني مشاركتك أختي الكريمة، وحمدا لله ان الرواية نالت استحسانك.
    سعود

    ردحذف
  3. رائعة يا سعود، فعلا رائعة
    ألم تنشر؟

    ردحذف
  4. شكرا لمرورك الكريم
    يسعدني أن القصة نالت استحسانك. بأمانة لم تنشر القصة. لعلي، في يوم ما، أجمع ما يستحق من نصوص لأصدرها في كتاب.
    شكرا لتشجيعك
    ممتن لك

    ردحذف