السبت، 18 ديسمبر، 2010

من أي باب يدخل الغرور؟

سعود السنعوسي:

«إياك والغرور.. إياك والغرور»
كانت تلك العبارة لصيقة بعبارات التهنئة، في ذلك المساء، في حفل التكريم ليلة تسلمي جائزة الروائية ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية عن روايتي الأولى «سجين المرايا».
انتهى الحفل، وتلاشت كل الكلمات التي سمعتها في ذلك المساء ما عدا صدى أصوات تردد: «إياك والغرور»!
أغمضت عينيّ، وأخذت أفكر في تلك الأبواب التي فُتحت لي، أبواب كثيرة، ليس للغرور أو ما يدعو إليه باب من بينها. فتحت بابا وجدت خلفه الأستاذ الروائي طالب الرفاعي، عائدا للتو من أبوظبي بعد تسليم جائزة البوكر التي ترأس لجنة تحكيمها. وفي ذروة انشغاله، فتح لي أبواب قلبه قبل بيته حين قدمت له مخطوطة عملي الروائي الأول، ليقدم لي رأيا موضوعيا، وليناقشني في العمل وتفاصيله وينصحني بما يجب علي فعله. تركت الباب مفتوحا، ثم فتحت بابا آخر، وجدت خلفه شاعرتنا، سعدية مفرّح، تجلس خلف مكتبها في جريدة القبس، منكبة على كتابة مقدمة الرواية التي أهديتها مخطوطتها قبل أيام، تلك المقدمة التي نبّهت إلى وجودي، حين أشارت نحوي بسبّابتها: «هنا سجين المرايا!» لتفتح لي بابا يفضي إلى عالم جديد لم يسبق لي الولوج إليه.
مضيت في السير، أفتح بابا تلو الآخر، وخلف كل باب لا أجد سوى أشخاص لم يزدهم مشوارهم الطويل إلا تواضعا، فها هي الروائية ليلى العثمان تجلس خلف أحد الأبواب، تمسك بسماعة الهاتف وتناقشني في قصة قصيرة كنت قد نشرتها في الجريدة، تصحح لي ذلك الخطأ، وتشيد في تلك الفكرة، وتقدم لي نصيحة. وخلف باب آخر وجدتني أسير إلى جانب «الرواية الكويتية» إسماعيل فهد إسماعيل، بعد أن فرغ للتو من الإجابة عن أسئلتي، وبعد الدروس العظيمة التي تلقيتها منه دون أن يدري، وبمجرد الانصات إلى كلماته. ها هو يترك كرسيه خلف المكتب، يوصلني إلى الباب، بكل تواضع، ثم يتجاوزه إلى مصعد البناية ليودعني، تاركا في نفسيتي انطباعا لا يشبهه شيء.
هل أستمر في فتح الأبواب؟ نعم، فالأبواب كثيرة، والأمثلة التي خلفها لا تنتهي، وأنا أود أن أثبت لنفسي قبل الغير ان الغرور ليس له باب في عالمي، وأن ما كتبته، وما سأكتبه، لا يساوي قطرة في محيطات تلك الأسماء التي تمارس حياتها بصمت خلف الأبواب التي تحيطني. فتحت أبوابا كثيرة، إلى أن وصلت إلى الباب الأخير، في ليلة حفل التكريم، خلف الباب رأيت قاعة التكريم في رابطة الأدباء، وفي الممر هناك، بين الكراسي، وجدت الأستاذة ليلى محمد صالح، بهدوئها الذي أعرفه، تتقدم نحوي بوجه لا أملك وأنا أشاهده إلا أن أبتسم ابتسامة تشبه العناق. تصافحني وتقدم لي التهنئة، وتهديني كتابين، الأول لها، والثاني لي، روايتي الأولى، لأعيدها لها ممهورة بتوقيع ملؤه الخجل.
وخلف الباب نفسه، شاهدت رجلا يجلس في الصفوف الخلفية بصمت، يرتدي عباءة ثقيلة، زادها وقارا، كان ذلك الرجل هو أستاذنا الشاعر خليفة الوقيان. لم يمنعه المرض، بسبب تقلبات الجو، من الحضور ليدعم شابا يخطو أولى خطواته في عالم الكتابة، كان يجلس بين العشرات، لا يميّزه عن الغير سوى تاريخه الحافل بالانجازات.
في تلك الليلة، شاهدت الكثير من الوجوه، وجوه تعلوها ابتسامات بثّت الطمأنينة في أعماقي، وجوه لا أود أن أُفقدها ابتساماتها.
كنت على وشك أن أوصد الأبواب بعد ما تلقيته من دروس، ولكنني تركتها مفتوحة، لأشاهد أولئك الذين يقفون خلفها، ولأتذكر دائما: «إياك والغرور!»

نشرت في:

هناك تعليقان (2):

  1. بعيد الغرور عنك.
    ولو أني الغرور ذاته، لوجدت كثيرا من الأسباب المغرية للإلتصاق بك.

    إبق سعود. ودع لنا، من نحن حولك، شرف الغرور بك.

    ردحذف
  2. ألف شكر أخي/أختي
    أبعده الله عنا وعنكم
    ألف شكر لمروركم ولكلماتكم الجميلة
    وأسأل الله أن يبقيني، دوما، عند حسن الظن

    ردحذف