الأحد، 12 ديسمبر، 2010

سعود السنعوسي لـ«الشرق الأوسط»: ولدت روائيا من رحم الأزمة

بعد فوز روايته الأولى بجائزة ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية في الكويت


الشرق الأوسط - الدمام: ميرزا الخويلدي 

فجأة، ودون مقدمات، أعلن في الكويت عن ولادة روائي جديد، شاب في مقتبل العمر، يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه ولد روائيا من رحم الأزمة، وإنه يعبر عن جيله الذي انكسر وعيه العروبي ذات يوم تحت وقع الغزو الذي فرض عليه التشرد وهو صغير.
فقد احتفل في الكويت، مساء الأربعاء الماضي، بتسليم سعود سليمان السنعوسي، وهو كاتب يبلغ من العمر 29 عاما، «جائزة ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية 2010»، في دورتها الرابعة، وذلك عن روايته الأولى «سجين المرايا».
كانت المفاجأة أن الفائز بالجائزة، شاب لم يسبق أن كتب عملا روائيا قبل ذلك، على الرغم من محاولاته في كتابة القصة القصيرة. وعلى الرغم من كونها الرواية الأولى له، فإنه تمكن من تخطى أربعة من زملائه المتقدمين للجائزة.
وقالت صاحبة الجائزة، الروائية ليلى العثمان، إن اختيار لجنة التحكيم لرواية «سجين المرايا» جاء لكونها الرواية الأولى لشاب له نفس طويل في الكتابة فهي تقع في أكثر من 200 صفحة ولأن فكرة الرواية محملة بالمشاعر الإنسانية إضافة إلى تميزه في طريقة معالجته وطرحه لصراع اجتماعي.
وجائزة ليلى العثمان، سبق أن فاز بها في الدورات الماضية، الكاتبة إستبرق أحمد الفرج عن مجموعتها القصصية «عتمة الضوء» في الدورة الأولى عام 2004، والكاتبة ميس خالد العثمان عن روايتها «عرائس الصوف» في الدورة الثانية عام 2006، في حين فاز بالجائزة في دورتها الثالثة عام 2008 الكاتب يوسف ذياب خليفة عن مجموعته القصصية «أفكار عارية».
تقع رواية «سجين المرايا» التي صدرت عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» في بيروت في 274 صفحة، وكتبت مقدمتها الشاعرة سعدية مفرح.
وقال السنعوسي، لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، إن روايته هي انعكاس لقضايا جيله من الشباب الذين تكون وعيهم الأول على القضايا العربية الكبرى، وهموم العروبة، قبل أن يصاب هذا الجيل بخيبة الأمل وهو يجد حلمه يتحطم بسبب غزو النظام العراقي السابق دولة الكويت في أغسطس (آب) 1990.

ويبلغ السنعوسي من العمر 29 عاما، وكان أثناء الغزو طفلا لم يتجاوز التاسعة من العمر، ويقول إن الرواية قريبة من واقعه، «أنا موجود في الرواية، ربما لستُ البطل، ولكني متوزع في شخصيات الرواية»، ويقول: «في الرواية هناك بطلها عبد العزيز الذي يبلغ من العمر تسع سنوات حين تعرضت بلده لغزو خارجي»، متسائلا: هل يمثل ذلك إسقاطا لما كنت عليه في طفولتي. إلا أن السنعوسي لم يفقد أباه.
يتحدث السنعوسي عن روايته البكر، وظروف ولادتها، فيقول: «مارستُ الكتابة هاويا، ثم صرت أنشر مقالات عبر الصحف، ولكني لم أكن أعرف أنني يمكنني أن أكتب الرواية، كانت هذه الرواية عبارة عن (فضفضة) أردتُ من خلالها أن أصور عوالم مختلفة تضطرم في داخلي، لم تكن قصة حبّ بصورة مباشرة، فالحبّ فيها كان مجرد وسيلة للمرور أو كما أطلقت عليه الروائية والشاعرة سعدية مفرح، (فرشة لعلاقة أخرى)، فقد (كانت قصة الحبّ مبتسرة وهامشية حتى تلاشت)»، ويقول: «الرواية تحمل إسقاطات عن الوطن، والوضع في الكويت، والوضع العربي بشكل عام».
ويضيف، كان جيلي مولعا بالشعارات العربية، وبصور القادة القوميين، ولكن هذا الجيل أصيب بانكسار في وعيه بعد حادثة الغزو.. ويضيف: «لقد نجم عن الغزو تكوين جيل مهشم الانتماء، يمكنني أن أقول إنه متعلق بالثقافة الأميركية أكثر من تعلقه بالثقافة العربية».
ويقول: «حتى جيلي فقد كثيرا من بساطته، لكنه بدأ يستعيد توازنه»، ويضيف: «عبد العزيز الطفل الذي فقد والده بسبب الغزو - في الرواية - تعافى من ألمه وإحباطه في نهايتها، ووجد أن قاتل أبيه كان شخصا وليس شعبا».
ويقول: «إن هذه الجائزة، وكونها تحققت لعمله الأول، (ورطة)»، حيث ألقت المزيد من المسؤولية على عاتقه، «فهذه الجائزة ترسم مستقبل أعمالي المقبلة»، ويضيف: «ينظر البعض إلى الجائزة على أنها مكافأة على جهد كنت قد بذلته، في وقت ما، لكتابة عمل إبداعي، واحتفالية تنتهي فور انتهاء حفل التكريم، وخروج آخر الحضور من هذه القاعة. أما أنا، فلا أجد في هذه الجائزة سوى (ورطة) تبدأ منذ اليوم، أكبر وتكبر ورطتي، وتذكرني بالأمانة التي أحملها بين يدي، قلمي وأوراقي، لقارئي المحتمل، ومجتمعي».
وكان السنعوسي قد قال أمام حفل استلام الجائزة: «إن جائزة ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية، والتي حظيت بها عن روايتي الأولى (سجين المرايا)، لا ينتهي دورها عند هذا الحد فقط، بل إنها، وبشكل من الأشكال، ستساهم في رسم ملامح أعمالي المقبلة، وتهمس في أذني قبل أن يلامس قلمي الأوراق: تذكّر مسؤوليتك!».
ويقول: «إن تأثير الشاعرة الكويتية، سعدية مفرّح، كان مباشرا ومركزيا في مسيرته فهذه (الإنسانة أمسكت بيدي، وفتحت لي بوابة عالم جديد، ثم أشارت للبعيد وقالت: انطلق!)»، وأضاف: «سعدية مفرح آمنت بالعمل، ولم تجامل وكتبت مقدمة الرواية، وهي لا تغامر بوضع اسمها على رواية فاقدة لشروطها».
سعدية مفرح: روائي يغالب شجنه
* من جانبها، قالت سعدية مفرح إن كاتب الرواية سعود السنعوسي «روائي يغالب شجنه الفائض بحنكة المدربين على مقاومة الأحزان باحتمالات المواهب البشرية الرابضة على أطراف البهجة دائما»، وأضافت أنه «يكتب روايته ليصنع منها سجلا للضوء المتضاعف من خلال انكساراته الحادة على أسطح المرايا المتقابلة وجها لوجه، فيزيح الظلام بذلك النور المخاتل، ليتحرر سجين المرايا أخيرا بالكتابة والأغاني والمشي في حدائق الزنبق البعيدة». ومضت الشاعرة والكاتبة سعدية مفرح تقول «في (سجين المرايا)، يجعل الروائي الشاب سعود السنعوسي من الكتابة خلاصا ومن الرواية ملاذا ولا ينشغل كثيرا بما سيأتي بل يمضي يقشر شخصياته بصبر وأناة حتى لتبدو أمامنا عارية إلا من حقائقها الإنسانية ونوازعها الخفية، فنستطيع عندها أن نجيب على سؤاله الروائي بتتبع مصائر تلك الشخصيات والاجتهاد في قراءة ملامحها على الورق بكل ما أوتينا من قوة على الفراسة والتخمين».
ولاحظت مفرح أن «سجن المرايا» هي «روايته الأولى، ولعلها حكايته الأولى أيضا، لهذا ربما، يجتهد مستعينا بموهبة كبيرة في الكتابة وقدرة لا بأس بها على التحليل النفسي وجلد على التنقيب فيما وراء الحكايات البسيطة، في ابتكار شكل كتابي خاص به، فلا يتورع عن التجريب من خلال أبسط أشكال القص وأكثرها تعقيدا في الوقت نفسه، فهو يروي الحكاية بصيغة الأنا مع مقدمة وخاتمة موجزتين بصيغة الآخر فيكتمل بهما النص من دون أن يختل الهيكل العام لصيغة الأنا على مدى الرواية بأكملها».
وقالت: «في (سجين المرايا) تتراءى لنا أولا قصة حب مبتسرة وبائسة بتفاصيل صغيرة وذكريات باهتة وتحولات مفصلية في النهاية. وعلى الرغم من أن هذه القصة ذات التداعيات الرومانسية الغضة تستغرق كل مساحة الرواية تقريبا، فإنها تبدو هامشية وربما مجرد أرضية ذات لون محايد لتبرز فوقها بوضوح منمنمات اللوحة الحقيقية ذات اللون الأسود لعلاقة الراوي أو ذلك الفتى الغر بوالدته على نحو غريب ومأساوي».
وقالت إن سعود السنعوسي: «ينصب بمهارة الروائيين الموهوبين الحريصين على تقديم موهبتهم بهدوء بليغ ولكن بثقة بالنفس أكثر بلاغة، شباكه حول قارئه المحتمل منذ البداية، ليقع ذلك القارئ في المصيدة قانعا من غنيمة القراءة بدهشة متحصلة بأدوات شتى كالكتابة الشعرية والروافد الغنائية والذكريات الصغيرة وأيضا بالكثير من الدموع المالحة والضحكات الساخرة. ومع أنه ينأى بنفسه عن المقاربة الاستدراجية الرائجة للجسد ولذائذه المباشرة فإنه ينجح في التعويض عنه بحيل قصصية ممتعة وعبارات غارقة في الشعرية ومفاجآت كامنة خلف كل حدث».
وأضافت أن هذه الرواية تمثل «رواية الدراما الفردية المليئة بالشجن الجماعي والوجد المهيمن على كل الأحداث بغض النظر عن أمكنتها وأزمنتها. وهي رواية البحث عن الذات من خلال الآخر، والنظر إلى العالم من خلال عيون القلب وحدها».
وتنبأت مفرح بولادة روائي متميز «بـ(سجين المرايا) يفتتح سعود السنعوسي مشروعه الكتابي واسعا على احتمالات مستقبلية كثيرة لكن الأكيد أنه قادر على التعامل معها بموهبة واجتهاد وعفوية».
ليلى العثمان: المسؤولية تجاه الشباب
* وخلال الحفل، ألقى طلال الرميضي كلمة رابطة الأدباء الكويتية، فقال إن سعود السنعوسي استحق الجائزة عن روايته «سجين المرايا» التي صدرت عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» في بيروت، ولا بد من التنويه بالقيمة الفنية العالية للمجسم المصاحب للجائزة، فهو من تصميم الفنان الكويتي سامي محمد. مضيفا: «إن كان ثمة ما يحق لدولتنا الكويت أن تفخر به في العقدين الفائتين فهو هذا الكم الكبير من الجوائز التي يقدمها أفراد».
مانحة الجائزة، الأديبة ليلى العثمان، تحدثت في كلمتها عن شعورها بالمسؤولية كأديبة تجاه الجيل الشاب، مشيرة إلى متابعة نتاجهم منذ احتضان رابطة الأدباء لهم وإنشاء منتدى المبدعين الجدد، وحرصت على تشجيعهم وإسداء الرأي الصادق لهم دون مجاملة أو تهويل، وقالت إنه «مع استمرار صقل المواهب وتبادل الخبرات، وانضمام الكثير من الشباب الموهوبين إلى هذه المجموعة الثقافية، أفرز هذا المنتدى أسماء أصبح لها حضور كبير في ساحتنا الأدبية، وأصبحت دور النشر العربية الكبيرة تهتم بطباعة أعمالهم». كما تحدثت العثمان عن المتنافسين على الجائزة في المراحل النهائية، وقالت، في هذا العام تقدم للجائزة خمسة من الشباب هم: سارة العتيقي بمجموعتها «بقايا باقية»، وعبد العزيز المهيني بمجموعته «قصص قصيرة»، ونورا بوغيث بمجموعتها «همسات نافذة»، وبسام المسلم بمجموعته «تحت برج الحمام». منوهة بمجموعة بسام المسلم التي تتضمن قصصا متميزة تدل على موهبة كبيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق