السبت، 12 يونيو، 2010

حين يرفض "طالب" أن يكون "أستاذا"!



سعود السنعوسي:

ما أحوجنا، نحن الشباب، إلى أشخاص مثله، لم يزده مشواره الطويل إلا تواضعا، وشعورا بالمسؤولية تجاه الغير، ليس من خلال ما يكتب فقط، بل من خلال تعامله وخبرته اللذين يقدمهما لنا على شكل نصائح، وان كانت قاسية أحيانا، فان القسوة تأتي بدافع الحرص والحب والإيمان بدور الشباب ليس إلا.

صوت الوطن


قرأت له ذات يوم في مقالة «همّ الشباب الكويتي المثقف» يقول في ختامها: «الشباب صوت الوطن الأجمل»، وتخيلتني أقف أمامه أشدو بصوتي كما يقف المتسابقون في برامج مسابقات الأغاني أمام لجنة التحكيم، لأتأكد من ان صوتي، كما يقول، هو «صوت الوطن الأجمل» وما كان صوتي سوى كلماتي التي أكتبها كغيري من الشباب، محتفظا بها في آخر المطاف داخل درج المكتب، متورطا معها، إظهارها للعلن أمر يقلقني، واحتفاظي بها داخل الدرج أمر يحبطني.
فكرت في الاقتراب منه، سعيا للحصول على نصيحة ورأي في ما أكتب، ولكن، الاقتراب من المثقفين، أحيانا، أمر مقلق بحق، خصوصا ان بعضهم قد أحاط نفسه بهالة يصعب اختراقها، مما ضاعف حجم الهوة بيننا وبينهم، تشعر أنك تعرفهم حق المعرفة من خلال متابعتك لكتاباتهم، وبمجرد أن تلتقيهم وجها لوجه، تكتشف انك أمام أشخاص آخرين، لا يشبهون أولئك الذين كنت تقرأهم منذ سنوات. لست ألومهم، فلهم أسبابهم وهمومهم التي قد لا نشعر بها.
التقيته أول مرة في معرض الكتاب في الكويت، أبديت له إعجابي بروايته الأخيرة، ابتسم وشكرني، ثم ألقى نظرة على رواية كانت بين يديّ وكنت قد شرعت في دفع ثمنها، فنصحني باقتناء رواية أخرى للمؤلف نفسه، قال: «ستعجبك.. انها أجمل»، ابتسم ثم تركني ليستأنف جولته في المعرض.
حميميته تلك، وتواضعه أعادا لي فكرة الاقتراب منه، وليس هناك أسهل من إرسال رسالة عبر البريد الإلكتروني أبدي له خلالها رغبتي في أن أحصل على رأي موضوعي بشأن رواية كنت قد فرغت من كتابتها، وبسبب مراجعتي للعمل وترددي، أجلت الفكرة، إلى أن التقيته مرة أخرى في نادي القراءة -رواق الكلمة- الذي يديره الأستاذ الصديق د.ساجد العبدلي، والذي كنت ولا أزال أحد أعضائه. كنا بصدد مناقشة رواية «الثوب» بحضوره، وبصفته مؤلف الرواية. في نهاية الجلسة، وأثناء توقيعه على نسختي من روايته أخبره الدكتور ساجد بأني أكتب منذ فترة في مجلة «أبواب» الشبابية، أبدى اهتمامه وطلب مني أن أرسل له أمثلة من كتاباتي المتواضعة على سبيل التشجيع، ثم أمسك بالقلم وخط إهداء على نسختي من الرواية: «الأخ سعود .. عليك أن تبدأ مشوارا مخيفا، ولكن، لا بد من الكلمة! .. طالب الرفاعي».

لا بد من الكلمة


لا بد من الكلمة؟ إذًا، ليس هناك داع لتأجيل الفكرة، علي أن أخبره برغبتي تلك، وبدلا من ان أرسل له أمثلة من مقالاتي، كما طلب، سأرسل له روايتي الأولى، وهذا ما حدث، أخبرته بذلك في رسالة إلكترونية، وفاجأني رده السريع وتشجيعه وموافقته رغم انشغاله آنذاك في الترتيبات لتسليم جائزة البوكر العربية، بصفته رئيس لجنة التحكيم. وما إن عاد من أبوظبي حيث سلم الجائزة، حتى سارعت بمراسلته مرة أخرى، والمفاجأة كانت ان رده بدلا من أن يكون عبر البريد الإلكتروني جاء عبر اتصال هاتفي، أخبرني خلاله انه يشعر بمدى التردد والخوف اللذين ينتابانني، لذا، وبطريقته الخاصة، حصل على رقم هاتفي، ليختصر المسافات وينسف ترددي ومخاوفي. سلمته مسودة الرواية، وخلال يومين التقيته في بيته حيث فرغ من قراءتها. استقبلني في غرفة المكتب، وقضى معي ما يربو على الساعة ونصف الساعة في الحديث عن تجربتي الأولى وتفاصيلها باهتمام أشعرني بالخجل. لم يكتف بإبداء رأيه فقط بل قدم لي نصائح كنت سأحتاج إلى عمر آخر لأحصل عليها، طمأنني، وأخبرني بأنه يشعر بالخوف ذاته في كل مرة يشرع فيها بكتابة عمل جديد، رغم مشواره الذي يمتد لأكثر من ثلاثين عاما، ثم اختتم اللقاء بكتاب أعارني إياه من مكتبته الخاصة وجد انه قد ينفعني في بدايتي. بهذا التواضع مد لي الأستاذ طالب الرفاعي يده، واقتطع لي جزءا من وقته، رغم انشغاله بالقراءة، والإعداد لكتابة مجموعته القصصية الجديدة، ورغم روايات الشباب التي رأيتها على سطح مكتبه، والتي ينتظر أصحابها بفارغ الصبر معرفة رأيه فيها.

حكاية جميلة


لم يكن للأستاذ طالب الرفاعي أن يقدم كل ما يقدمه للشباب، لولا إدراكه، كما يقول، بأنه كان في يوم ما مثلنا، بحاجة الى من يوجهه نحو الدرب الصحيح. هكذا يكون الأديب قدوة، ليس في ما يكتب فقط، بل في تعامله مع الآخرين، كيف لا يحتل هذه المكانة وهو الذي يردد كلما خاطبناه بـ «أستاذ طالب»: لا تنادوني «أستاذ» وأنا اسمي «طالب»!
كان ذلك جزءا من حكايتي الجميلة مع الأستاذ طالب الرفاعي، ولكن، ماذا عن أولئك الشباب الذين لم تتح لهم الفرصة بعد؟ والذين لا يحلمون بشيء أكثر من أن يلتفت لهم أحد، ويمد لهم يد العون في غياب دور الدولة في تشجيع الشباب الكويتي المبدع، ومع إصرار بعض «الأساتذة» على البقاء بعيدا عن مقاعد الطلاب!

نشرت في:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق