الأربعاء، 6 فبراير، 2013

ساق البامبو


تقول هيلين كيلر: الحياة إما أن تكون مغامرة جريئة أو لا شيء
 
الروائية بثينة العيسى - مجلة الصدى الإماراتية
 
الرواية أيضاً - من وجهة نظري - إما أن تكون مغامرة جريئة أو لا شيء، والرواية التي أكتبُ عنها الآن، رواية"ساق البامبو" للروائي الكويتي سعود السنعوسي، التي دخلت مؤخراً القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، هي مغامرة جريئة بالتأكيد، والمغامرات - بصفتها محاولات على الأقل - يجبُ أن تُحترم، فما بالك إذا نجحت المحاولة؟
تتحدث الرواية عموماً عن العنصرية، وخصوصاً عن العلاقات الملتبسة والمتواشجة بين المجتمعين الكويتي والفلبيني، فالشخصية المحورية في العمل، هوزيه / عيسى، ابن لرجل كويتي وامرأة فلبينية.. هو الشخص المثالي ليكشف عن التوترات الخفية للعلاقة بين المجتمعين، وحجم الأمراض التي تشوبها.
"اسمي Jose"
ننطقه في الفلبين، كما في الإنجليزية، هوزيه. وفي العربية يصبح، كما في الإسبانية، خوزيه. وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يُكتب، ولكنه ينطق جوزيه. أما هنا، في الكويت، فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي، حيث هو: عيسى"
تطرحُ الرواية أسئلة الانتماء والهوية على نحوٍ حاد، ويعتقدُ البعض بأنه أفرط في القسوة. ولكنها -برأيي - قسوةٌ في مكانها الصحيح، لأنها قسوة المُحب.
وكان أكثر ما أسعدني في العمل قدرته على توجيه ضربات مباشرة إلى أماكن حساسة في السيكولوجية الكويتية ، من خلال فضح تورط المجتمع الكويتي (أو الخليجي عموماً) بالعنصرية منذ الأمتار الأولى في المطار الدولي الكويتي وحتى صالون البيت وغرفة النوم وشاشة الموبايل. وإذا كانت الروائية الكويتية سعداء الدعّاس قد تناولت إشكالية العنصرية (الكويتية تحديداً)على نحوٍ حاد في روايتها "لأني أسود" وبمعالجة صارمة ولافتة، إلا أن السنعوسي أعاد إحياء الموضوع تماماً من منطقة مغايرة.
لأول مرة أجدني أمتلئ بالتفاؤل من وجود أسماء روائية كويتية - على قدرٍ لافت من الموهبة - تكتبُ عن هذه الأمور، وتطرح هكذا أسئلة، وتقلقل ثوابت المجتمع وتفكك زيف علاقاته، فنحنُ أحوج ما نكونُ - في غمرة تشظينا الطائفي والقبلي والفئوي - إلى من ينظر إلى العنصري في عينه ويقول له: أنت عنصري. سواء تعلق الأمر بالنادلة الفلبينية في المطعم، أو السائق البنغالي في البيت، أو العامل المصري في الوزارة، أو المدرس الفلسطيني في المدرسة، ناهيك عن كم التجليات الأخرى للعنصرية التي تأخذ طابع مذهبي أو قبلي، تهميش الأقلية المسيحية، أو سب القبائل، أو السخرية من الشيعة، سواء كان ذلك في الخطب العصماء التي يلقيها أصحاب المنابر، أو في رسائل الواتس آب ونكات الموبايل.
ولأجل هذا وحده ( وهو كافٍ) أنا ممتنة للروائي الذي أخذ نفسه إلى الفلبين وتكبد عناء جمع كل هذه التفاصيل واشتغل على موضوعه فنياً بطريقة مقنعة من أجل أن يكتب روايته التي تنحاز للإنسان تماماً. شكراً سعود السنعوسي ..
الرواية صادرة عن الدار العربية للعلوم - ناشرون، منشورات الاختلاف.
 
* نشرت في الصدى الإماراتية، العدد 723، الأحد 3 فبراير 2013، صفحة 100.

* ملاحظة: كتبت هذه المقالة قبل تأهل الرواية إلى القائمة القصيرة للبوكر، ونشرت بعدها. تم تعديل المقالة بناءً على ذلك.
 
 المصدر: