الخميس، 14 فبراير، 2013

«سجين المرايا».. كيف يفلت من سجن الجائزة؟

سعود السنعوسي بعد الـ «بوكر» وجائزة الدولة



الروائي عبدالوهاب الحمادي

اذكر صورته بالفيس بوك جيدا، كانت قاتمة متشحة بالسواد، خمنت أنه في بداية العقد الرابع، وعندما علمت أنه انتهى من رواية انتظرتها رغبة في معرفة سر حديث الجميع عنها! التقيته في مكتب الشاعرة سعدية مفرح في صحيفة القبس.
سلمت، وكعادتنا بدأنا الحديث دون انتباه للأسماء. وجهت حديثها لي: للتو فرغ من رواية جميلة اسماها «سجين المرايا»

اذاً هذا هو السنعوسي، قَلبَ ببنطال وقميص كل الصورة القاتمة والمتشحة بالسواد، لقائي به وصدمة الصورة المسبقة أتذكرها الآن ككل الصدمات التي قرأت عنها عندما يواجه بطل روائي الغرب قادما من بلاد المشرق. سال الحديث وضحكنا ولا أذكره الآن، وعند مدخل الصحيفة وجهت له الطلقة التي اوجهها لكثير.. على انفراد: ماذا تقرأ حالياً؟! اجاب، ثم كشف لي لاحقا وهو يضحك أنه عرف مغزى سؤالي القاتل!.

مكتشف المواهب

قرأت «سجين المرايا» فور صدورها. ثم هاتفته برأيي وملاحظاتي لاتزال مدونة خلفها وانهيتها بجملة: من كتب هذه الرواية سيكتب أعمالا روائية محترمة. هنا لن ألبس دور نوستراداموس أو مكتشف المواهب، فأنا وهو من جيل واحد تقريبا. لكن من بين سطور المرايا ومن خلال معرفته اكتشفت خصالا كثيرة اهمها: جديته في الكتابة. وعدم رغبته أبدا في صناعة الترويج الإعلامي والدخول في موضة الأدباء الجدد الذين يفرحون بأصدارات لا يقرأها إلا بعض اهلهم ومن اشتراها عن جهل. كان معتزلا ولايزال لكل النشاطات الأدبية الكلامية عديمة الجدوى.

ثم جاءت «ساق البامبو»، التي ما ان فرغت منها حتى استقر اسمها اجابة لسؤال قد اسأله : هل هناك رواية كويتية تستحق القراءة؟

لنحكي عنها قليلا، منذ البداية يدخلنا سعود لمصيدته التي احكم صنعها من «سيقان البامبو»، ندخل بخدعة انطلت على كثير من القراء ولن اسجلها في خانة غبائهم، بل سأسجلها نقاطا اضافية في رصيد سعود السنعوسي الروائي، باب الفخ يبدأ من الورقة التي تلي الغلاف والتي لا تشترك معه إلا في اسم «ساق البامبو» وينفصل كل شيء آخر فنجد أن المؤلف صار اسمه هوسيه مندوزا، وأنها مترجمة بواسطة ابراهيم سلام، بل إن هناك مدققة تنطعت لتدقيق النص واسمها خولة راشد. اذاً منذ البداية قتل سعود سعودا، وبات المؤلف الذي قتل نفسه قبل أن يأتي أحد النقاد ويحلل النص بنظرية موت المؤلف.

 ضاع الديك

بعد كلمة للمترجم وضع فيها عنوانه ورقم تلفونه، تبدأ الحكاية التي قد تختزل بسطرين: كويتي تزوج فلبينية ثم انكشف حملها فطردتها والدته فأخذت ولدها للفلبين، وهناك كبر ثم عاد لبلده الذي يحمل جنسيته بناء على وعد من والده الذي استشهد اثناء الغزو.

حكاية رأينا وسمعنا بمثلها ولعلها شبيهة بمسرحية «ضاع الديك» لعبدالعزيز السريع. لكن الإبداع يكمن في التفاصيل وطريقة معالجة السنعوسي للحكاية، الذي بلغ من اتقان سعود لها أن ظن البعض أنه فلبيني الأصل واخترعوا حكايات سيظل يذكرها مصحوبة بضحكات.

تبدأ الرواية بفقرة هي لب الرواية الحقيقي: الهوية، حيث يدخلنا هوزيه مندوزا في متاهات الأسماء التي يحملها والتي تختلف باختلاف اللغات بين: هوزيه، خوسيه، جوزيه، وفي الكويت ..عيسى.

ندخل لبيت أمه واسباب ذهابها للعمل في الكويت. حكى هوزيه لنا قصة عائلته المؤلفة من خالته التي باعت نفسها لتعطي والدها المقامر ما يحتاجه، ولكي تصرف على ابنها مجهول الأب وابنتها المتمرّدة، ثم والدته التي اقتربت من مصير اختها فجاءت الى الكويت للهروب من الرذيلة. في نصف الرواية الأول نجح سعود في تصوير تفاصيل المجتمع الفلبيني، التي تغيب عن الكثير منا على الرغم من التصاقها بنا في شتى نواحي الحين. كنت ارى بعيني فلبيني يومياته وكيف عاش وترعرع وتنقل في وظائف دنيا بانتظار تحقيق وعد والده لوالدته. تنقلاته بين دين والدته وتطلعه لدين والده وأديان اخرى منتشرة هناك.

 صدام العنصرية

في الفصل الثاني يعود إلى الكويت فيصطدم بالعنصرية من بوابة المطار والمعاملة السيئة التي تقابل بها هذه الجنسيات، التي تجلت أكثر عندما قابل جدته التي فرت من مقابلته كالفرار من الطاعون عكس اخته من ابيه التي رحبت به. اقام عند صديق والده الحميم وهو من البدون. رأينا الكويت بعيون شاب فلبيني مراهق، كيف ينظر لأشياء يراها لأول مرة بدهشة ممزوجة أحيانا باعجاب وأحيانا باستياء.

الحديث عن تفاصيلها يطول سأذكر مثالا صغيرا جعلني ادهش لتقمص سعود لشخصية هوزيه. نادى السائق الهندي هوزيه بصوت عال: تعال. فارتبك هوزيه إذ ان «تاا- آل» اسم لبركان شهير في الفلبين. وهذه الالتقاطة تثبت مدى حرص سعود على تفاصيل بنائه الروائي. ومن هذا النقطة، وانطلاقا من فوزه بجائزة الدولة التشجيعية ثم ترشيح الرواية للبوكر في لائحتها الطويلة ووصولها لاحقا للقصيرة، أبدأ الفقرة الأخير من المقال.

 وجهان للجائزة

للجوائز كما لأشياء كثير في هذا العالم وجهان. فهي مثلما تضيء اسما ما.. قد تحرقه لاحقا. من ناحيتي، أنا مطمئن من مسار السنعوسي الروائي لكنني أعلم حجم الضغوط التي سيواجهها والتي لن تكون سهلة أبدا. فهو مطالب من قبل الجمهور، الذي تلقى الرواية بحبور، أن يكتب له على غرار البامبو. فهل سيرضيهم أم سيرضي نفسه؟! يحضرني كثير من الروائيين الذين عرفوا بعمل ما، ثم ابتعد الجمهور عن نتاجهم اللاحق لأنهم حلقوا في اماكن أخرى رأى القراء أنها ضرب من العبث. من هنا لن اوجه كلامي الى سعود بل للقراء، لا تتوقعوا أن يكتب رواية كالبامبو. بالتأكيد سيستفيد من تجربته هذه كما استفاد من تجربته الأولى، وغالبا في ظني سيكتب رواية اجود على الصعيد الفني. لذا يجب علينا أن نتحلى بالذكاء عندما نتلقى عملا جديدا منه. ويا سعود السنعوسي الجمهور ينتظر منك، وله حق، لكن لنفسك أيضا حقا. أنا وهم ننتظر تحديك الروائي الجديد بفارغ الصبر.
 
المصدر: