الخميس، 21 فبراير، 2013

ازدواجية الهوية والانتماء في «ساق البامبو» لسعود السنعوسي

 
إيهاب الملّاح - جريدة عُمان

«لماذا كان جلوسي تحت الشجرة يزعج أمي؟ أتراها كانت تخشى أن تنبت لي جذور تضرب في عمق الأرض ما يجعل عودتي إلى بلاد أبي أمرا مستحيلا؟.. ربما، ولكن، حتى الجذور لا تعني شيئا أحيانا.. لو كنت مثل شجرة البامبو، لا انتماء لها، نقتطع جزءا من ساقها، نغرسه، بلا جذور، في أي أرض.. لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة، تنمو من جديد، في أرض جديدة، بلا ماض، بلا ذاكرة. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته، كاوايان في الفلبين، خيزران في الكويت، أو بامبو في أماكن أخرى..»

(سعود السنعوسي ـ ساق البامبو)
 
_________________________________________
 

«ساق البامبو» عنوان الرواية الصادرة عن (الدار العربية للعلوم ـ ناشرون) 2012، للروائي الكويتي الشاب سعود السنعوسي، وهي الرواية الثانية له بعد روايته الأولى «سجين المرايا» عن الدار ذاتها في 2010. و«ساق البامبو» رواية ضخمة، تقع في حوالي 400 صفحة من القطع المتوسط، وتتخذ شكلا روائيا كلاسيكيا هو شكل "السيرة الذاتية"، يرويها بطل الرواية الإشكالي "هوزيه ميندوزا/ أو عيسى راشد الطاروف" الفلبيني/الكويتي، المسيحي الديانة من جهة الأم/ والمسلم عقيدة من جهة الأب، ليتشكل من خلال هذه الثنائيات المتعارضة القضية الجوهرية التي تعالجها الرواية، وهي في عنوانها العريض "الهوية".. وبشكل أدق "الهوية المنشطرة" أو"الهوية المتعارضة"، وهي تيمة ليست جديدة على الرواية العربية عامة، عالجها روائيون عرب كثيرون في أعمال سابقة، لعل أقربها رواية اللبناني جبور الدويهي «شريد المنازل» الصادرة عام 2011.

الرواية تعالج قضية الهوية والانتماء طارحة تساؤلاتها حول حقيقة الانتماء العرقي والديني والثقافي، والانشطار الوجودي الذي يمكن أن يصيب من جاء نتاجا لتلاقح متباين الأصول، وتزاوج بين طرفين ينتميان لمجتمعين شديدي التباين والاختلاف، وهو ما يتضح من حديث هوزيه عن نفسه في مفتتح الرواية: "إنه واحد من مئات البشر يولدون بصدفة لقاء عابر، وعادة لا يعرفون لهم أبًا، سوى أنه كان رجلًا أو شابًا خليجيًا".

عتبة النص.. ورمزية «ساق البامبو»

يأتي عنوان الرواية «ساق البامبو»، كدلالة رمزية على النشأة مقطوعة الجذور، غير المقيدة بتربة بعينها أو اشتراط مناخ أو محددات بذاتها، فنبات البامبو، يكفي أن نقتطع جزءا منه، ونغرسه في أي أرض أو تربة في أي بقعة، كي ينمو ويترعرع فارعا سيقانه الطويلة، ومثبتا دورته في الوجود، ومادا جذوره في أعماق الأرض التي تم زرعه فيها، و"لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة، تنمو من جديد، في أرض جديدة، بلا ماض، بلا ذاكرة. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته، كاوايان في الفلبين، خيزران في الكويت، أو بامبو في أماكن أخرى".

وإذ تحيل هذه الإشارة المرجعية، كإحدى الخصائص الطبيعية لنبات البامبو، فإنها تحيل وفي الوقت ذاته إلى سيرة الفتى "هوزيه" بطل الرواية، الذي نشأ لأم فلبينية مسيحية، وأب كويتي مسلم، شاء له القدر أن يكون نتاجا لهذا التزاوج الذي تم في سياق اجتماعي تتعرض له الرواية تفصيلا، حيث وفود العمالة الأجنبية على الدول العربية، خاصة من دول شرق آسيا، وبالأخص الفلبين، للعمل بدول الخليج في مهن خدمية، ومن هنا يطرح الروائي عبر خيوط السرد إحدى أهم القضايا المعلقة في المجتمعات العربية، وهي العلاقة بالآخر، وإشكالية النظرة الدونية التي يعاني منها العديد من الجنسيات الأجنبية الوافدة للعمل في دول الخليج.

لكن الرواية ورغم تعرضها لهذا الجانب، فإنها تركز بؤرة اهتمامها على إشكالية أخرى، وهي إشكالية"المواطنة والانفتاح على الآخر وقبول الاختلاف"، من خلال التنقل بين ثقافتين وبيئتين ومجتمعين شديدي التباين والاختلاف؛ فبطل الرواية الحامل لجنسيتين وديانتين وثقافتين، يقضي الشطر الأول من عمره، 18 عاما في الفلبين، مسقط رأس عائلته لأمه، حيث جده الأكبر ميندوزا، وأمه جوزافين، وخالته، وابنة خالته"ميرلا" (زوجته فيما بعد)، متشبعا بأجواء وطقوس وعادات وأساطير هذا المجتمع المتميز بخصوصيته وتركيبته ووضعيته العرقية والدينية، ويبرع الروائي في نقل وتجسيد مظاهر هذه الثقافة، بتفاصيلها الدقيقة، التي من الواضح أنه تمثلها جيدا(أشار الروائي في أكثر من حديث لسفره إلى الفلبين خصيصا لدراسته والتعرف على عاداته وتقاليده ودقائق حياته الاجتماعية والثقافية، قبل كتابة الرواية)، وليستخلص في النهاية وببراعة شديدة روح هذه الثقافة وأجوائها وخصوصيتها، وبما يتوازى مع الأجواء الفاتنة لرواية أمريكا اللاتينية التي تتشابه في تكوينها وبعض خصائص ثقافتها وتطورها المجتمعي والحضاري مع الفلبين.

الرواية.. وثنائية(الفلبيني/ الكويتي) "الحائر"

ثمانية عشر عاما قضاها"هوزيه ميندوزا"، في الفلبين، لا يعرف لغة غير الفلبينية، ولا يمارس طقوسا تعبدية غير المسيحية الكاثوليكية، التي تعمد بها وهو طفل صغير، ولا يدرك من العالم إلا ما شاهده وخبره من تجارب مع أشخاص ونماذج فلبينية، كل هذا دون أن يغيب عنه أو يراوده أنه ابن لشخص عربي الجنس واللغة، مسلم الديانة، ينتمي إلى عائلة أرستقراطية كبيرة ذات مكانة ووجاهة في مجتمع ثري، في مقابل الحياة القاسية والفقر المدقع الذي عاناه في الفلبين، ويحيا طوال هذه السنين مدفوعا بأمل العودة إلى بلده العربي والاندماج في أصوله العربية، والتمتع بحياة كريمة في ظل العائلة الكبيرة، يقول هوزيه: "أمام ثلاثة خيارات كنت. إما أن أكره نفسي لما جلبته لعائلتي، أو أن أكره عائلتي لما فعلته بي، أو أن أكرههم؛ فأكرهني لأنني واحد منهم".

في القسم الثاني من الرواية، تبدأ رحلة العودة، أو الظهور للوجه الآخر للبطل "عيسى راشد الطاروف"، الذي نبذته عائلته، وتنصلت منه، وتخلت عنه، حفاظا على مكانتها وخوفا من تزعزع قيمتها ووضعها في المجتمع الكويتي "الذي لا تخفى فيه خافية"، دلالة على سطوة التقاليد والعادات والوضع في الحسبان حديث الناس وكلامهم، وهو ما جسدته الجدة الكبرى، أم راشد، والحارس المدافع عن تاريخ العائلة وشرفها ومكانتها، التي نبذت ابنها الوحيد عندما علمت بزواجه من الخادمة"جوزافين" الفلبينية، وإنجابه منها حفيدها الوحيد "عيسى"، مما اضطره في النهاية إلى الخضوع لإرادتها والتخلي عن ابنه ليفارقه إلى الأبد.

وخلال رحلة عيسى وعودته إلى الكويت، تبدأ أسئلته الوجودية واستكشافاته الإنسانية لأزمته ووضعيته بكل تعقدها وتشابكها، وفي مشهد دال من الرواية، أعدّه من المشاهد الرائعة، يقف عيسى بملامح وجهه الفلبينية في المطار أمام موظف الجوازات في الشباك المخصص للكويتيين، وقبل أن يبرز جواز سفره الكويتي، يطالبه الموظف بعنف وقسوة أن يتجه فورا إلى الشباك الآخر المخصص للوافدين.

وبعد انخراطه في طابور من الوافدين من الآسيويين والجنسيات الأخرى، وانتظاره لوقت طويل، يصل إلى الموظف المختص وراء الشباك، وعندما يعطيه جواز سفره الكويتي، يبدي الموظف دهشته ويعتذر له، ويطلب منه العودة مرة أخرى إلى شباك المواطنين الكويتيين، ليعود إلى الموظف الذي نهره وتعامل معه بشكل غير لائق، فيختم له الجواز ويعطيه تأشيرة المرور، وهو محتقن الوجه، دون أن ينبس بكلمة، فـ"الناس لا يجهلون الخطأ، هم يميّزونه كما يميّزون الصواب، ولكنهم لا يتورعون عن ممارسة أخطائهم طواعية"، كما جاء في الرواية.

«شيء معقد ما فهمته في بلاد أبي. كل طبقة اجتماعية تبحث عن طبقة أدنى تمتطيها، وان اضطرت لخلقها، تعلو فوق أكتافها، تحتقرها وتتخفف بواسطتها من الضغط الذي تسببه الطبقة الأعلى فوق أكتافها هي الأخرى»، يقول"عيسى راشد" الكويتي، بعد أن عاين وخبر ورأى بلده التي عاد إليها وكان يظنها "الجنة الموعودة".

في ظني أن هذا المشهد من المشاهد الجريئة واللافتة في الرواية الخليجية عموما، والرواية الكويتية بشكل خاص، في ظل ظروف ومناخات للإبداع لها سياق مغاير عن مثيلاتها في دول أخرى.

مما يميز الرواية بشكل لافت تلك العبارات المجسدة لعدد كبير من الخواطر والتأملات التي وردت على لسان"هوزيه ميندوزا أو عيسى الطاروف"، ويمكن أن تكون استعارات أو نقلات فكرية منسابة، ورؤى ثاقبة للنفس البشرية وتناقضات الحياة وتعارضاتها اللا عادلة ومشاهد من الطبيعة الحية النابضة بالسحر والجمال. ولعل النصف الأول من الرواية الذي يدور في الفلبين يحتوي على كم كبير من هذه المشاهد والخواطر المكثفة.

سعود السنعوسي نجح ببراعة واقتدار في الإمساك بخيوط السرد في روايته، دون أن يفلت أيا منها، محافظا على عنصري التشويق والتتابع السلس في الحكي، واعيًا كل الوعي بلوازم الصنعة الروائية، وحرفيتها، وكاشفا عن مناطق الصراع الثقافي والوجودي داخل شخصية"هوزيه/ عيسى"، وخاصة إزاء مسألة الدين، والأسئلة التي طرحها على ذاته لفهم مغزى الدين والتدين وممارسة طقوس وعبادات ديانة ما، وكذلك تنقله ما بين ممارسه طقوس مسيحيته خلال وجوده في الفلبين، وبين ممارسة الشعائر الإسلامية باعتباره مسلما صحيح الإسلام، ليصل "هوزيه/ عيسى" في النهاية إلى الحقيقة الباقية، وهي أن "الأديان أعظم من معتنقيها"..

 
المصدر: