السبت، 20 نوفمبر، 2010

حين قابلته قابلت الكويت

شادي الخليج.. رسالة الوطن التي وصلت إلى الجميع
شادي الخليج في أحد احتفالات العيد الوطني مع غنام الديكان وسناء الخراز

سعود السنعوسي

حين أعتاد على رؤية أشخاص من خلال شاشة التلفزيون، ولسنوات طويلة، تصبح هذه الشخصيات مع مرور الزمن، بالنسبة لي، مرتبطة في ذلك المكان فقط، أي جهاز التلفزيون، وكأنها تنتمي إليه وتعيش في داخله، ولو صادف أن قابلت شخصية تلفزيونية في مكان ما، كالشارع مثلا أو السوق، يخيّل لي أنها قد خرجت للتو من التلفزيون، وأنا لا أعني مبنى التلفزيون التابع لوزارة الإعلام، بل أعني ذلك الجهاز الذي لا يخلو منه بيت. وكان أول سؤال يتبادر إلى ذهني حين أقابل بالصدفة ممثلا أو مذيع أخبار هو: أتراه قد خرج للتو من الشاشة أم انه في الطريق إليها؟ تدور هذه الأسئلة مع شريط مصَوَّر تعرضه شاشة عريضة معلقة على جدار مخيلتي لا يراها أحد سواي. أشاهد إحدى هذه الشخصيات، وبحركة «كرتونية» ينحني قليلا كي يخرج رأسه من الشاشة ثم يديه ورجليه حتى يصبح بكامل جسده على أرض الواقع، يلتفت يمينا وشمالا، ثم يحدد وجهته ويرحل كي يعود في آخر النهار إلى حيث أتى. هذا ما كنت أتصوره عندما كنت طفلا صغيرا، كنت أعتقد أن «ماما أنيسة» مقدمة برنامج ماما أنيسة والأطفال و«محمد الفارسي» مقدم برنامج الفنان الصغير ونعمان أحد أبطال افتح يا سمسم وغيرهم من الشخصيات التلفزيونية، ما هي إلا شخصيات محشورة داخل هذا الجهاز، وإذا ما تمكنت من الخروج لسبب ما فلابد لها أن تعود إليه ثانية. كانت تلك الخيالات تصاحبني في فترة طفولتي المبكرة، ولم تستمر معي بالطبع، إلا ان الفكرة لا تزال تحتل لها حيّزا في مخيّلتي، تنشط كلما قابلت شخصية مشهورة في مكان ما.
 

من أي واحدة خرج؟


قبل حوالي سنتين، كنت في أحد أشهر معارض الإلكترونيات في الكويت وأكبرها، أبحث عما هو جديد من أجهزة إلكترونية. أتنقل بين الأقسام هنا وهناك، وبعد أن وجدت ما يناسبني، أخذت أبحث عن الموظف المختص كي يساعدني في الحصول على ما كنت أرغب بشرائه، أخذت ألتفت حولي، وبدلا من أن تستقر عينيّ على أحد الموظفين، استقرت على رجل كان يسير برفقة زوجته وشاب وفتاة في مقتبل العمر. تسمرت في مكاني، وجدتني لا أستطيع أن أبعد نظري عن ذلك الرجل. ويا لها من صدفة! كان يسير بصحبة عائلته في قسم شاشات التلفزيون. أخذت أراقبه عن بعد، وألتفت للشاشات التي كانت تنتشر من حوله. نشطت تلك الفكرة القديمة، ثم تساءلت: تراه من أي واحدة خرج؟
امتلأ المكان برائحة البحر، وأخذت الألوان تتغير شيئا فشيئا من حولي، كان الرجل يسير ويصبغ الأرض والجدران والسقف بألوان علم الكويت، الأسود والأبيض والأحمر والأخضر.


اختفى.. لم يختف!


أتذكر المرة الأخير التي شاهدته فيها عبر شاشة التلفزيون، كان يتغنى باسم الكويت في إحدى الأوبريتات الوطنية، وقبلها بحوالي عام، كنت أحتفل معه، رغم وجودي في غرفتي أمام شاشة التلفاز بعيدا عنه، إلا ان شيئا ما بداخلي كان قريبا منه، يشاركه فرحته بنيله جائزة الدولة التقديرية، والتي كان يستحقها عن جدارة لما قدمه لوطنه وأبناء وطنه. فكرت أن أقترب منه لألقي عليه التحية، ولكني شعرت بالحرج لأنه كان بصحبة أسرته. أكملت تسوقي بعد أن صرفت النظر عن فكرة إلقاء التحية، ولكنني لمحت الشاب والفتاة اللذين كانا برفقته يستقلان السلم الكهربائي للوصول إلى الطابق الثاني. هنا فقط عادت الفكرة، وشعرت أن مهمة الاقتراب من هذا الرجل أصبحت أسهل، ولكنه في تلك الأثناء كان قد اختفى. أخذت أبحث عنه هنا وهناك، كأني فقدت شيئا ثمينا كان بحوزتي منذ لحظات، إلا ان كل شيء من حولي كان يؤكد أنه غير موجود. توقفت لحظات عند شاشات التلفزيون المعروضة، أنتظر خروجه مرة أخرى. سألني أحد الموظفين: كيف يمكنني أن أساعدك؟ ترددت.. هل أسأله عن رجل كان قد خرج قبل دقائق من إحدى هذه الشاشات ثم عاد إليها؟! نسيت أمر ذلك الرجل، أو تناسيته، ثم توجهت نحو البوابة التي تؤدي إلى الخارج، وكانت المفاجأة، حيث وجدته وزوجته يجلسان على كراسي مخصصة للعملاء حيث يتم تسليم المشتريات هناك. لم أدع للفرصة فرصة كي تفوتني هذه المرة، وتقدمت نحوه بتردد. مددت له يدي مصافحا، ثم ألقيت التحية، وسألته ان كان قد قام بتجهيز عمل وطني، كما عودنا هو والموسيقار غنام الديكان، لشهر فبراير القادم، ابتسم بأسف وقال: «لا والله». وجهت سبّابتي نحو صدري وقلت: «إحنا الخسرانين»، تبادلنا أطرف الحديث، في حين كانت يدي لا تزال تصافح يده. شعرت بأن لدي الكثير لأقوله، ولكن شيئا ما قد منعني، سحبت كفي وختمت كلماتي بالدعاء لله عز وجل بأن يطيل في عمره وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية، وانصرفت.


إليه


كانت تلك الكلمات القليلة هي التي قلتها له في ذلك اللقاء القصير، أما في ما تبقى لي من مساحة في هذه الصفحة، فسأكتب الكلمات التي ابتلعتها في ذلك اليوم بسبب ارتباكي:
إلى عبدالعزيز خالد عبدالعزيز المفرج
أستاذي الفاضل، الذي تعلمت منه الكثير من دون أن ألتقيه، والذي لقنني دروسا عظيمة من دون أن يراني، معلمي الذي نقش فيّ منذ الصغر أسمى معاني الحب والوفاء والولاء لهذه الأرض، لن أبالغ إذا قلت انك أحد أهم الرجال الذين غرسوا فينا مفاهيم الحب لهذا الوطن. أنت من أنشأ جيلا كويتيا كبر وترعرع على صوتك الذي نقل رسالتك السامية بوضوح وجلاء، تلك الرسالة التي استقرت في نفوسنا، حب الكويت، الذي نحمله معنا حيث ذهبنا، وصوتك الذي يسكن في أعماق أعماقنا، نستحضره كلما شاهدنا أبراج الكويت الشامخة وعلمها. إذا ما عادت بي الذكرى إلى الوراء، إلى طفولتي المبكرة، لا أشاهد من وطني سوى صور لبابا جابر وبابا سعد وعلم الكويت وأبراجها، مع خلفية موسيقية بصوت.. شادي الخليج.
كان هذا باختصار شديد ما كنت أود أن أذكره لك في ذلك اللقاء السريع، ولكن حروفي لم تسعفني. لقد نلت قبل سنوات جائزة الدولة التقديرية، ولكنك، قبل ذلك، نلت محبتنا الصادقة وامتناننا. شادي الخليج.. صوت الكويت وصداه.. ان هذا الشعور ليس شعوري وحدي، بل ما أنا سوى شاب يمثل جيلا كاملا يعتبر نفسه «آخر الأجيال المحظوظة» التي تلقت دروسها الوطنية على يد أستاذ كبير يدعى «عبدالعزيز المفرّج» أو كما يحلو للكويت، بأسرها، أن تناديه بـ«شادي الخليج»، ذلك الرجل الذي حين قابلته.. قابلت الكويت.


نشرت في: