 |
| د. فيصل عادل الوزان |
ما بين عُبور البِيص وعبور التّبّة سطّرَ سعود السنعوسى تاريخًا موازيًا للمهمشين فى مدينة الكويت القديمة فى روايته الثلاثية «أسفار مدينة الطين» (2024-2025م).
خرجت الروايةُ مفعمةً بالتراث الكويتى، عبقة بالذكريات، معتقة بخواص المفردات والعبارات، ممزوجة بالأغنيات، منسوجة بجذور الثقافة الكويتية الشفاهية والمكتوبة، المادية واللامادية إنها رواية تجاوزت التاريخ والأدب وأضحت رواية أنثروبولوجية فى أروع صورها فهى مثال لكيفية تحويل المخزون العلمى الموروث لدى الروائى وبحثه المتأنى الذى أخذ سنوات طويلة من عمره إلى نص أدبى قصصى ثرى محبوك مثير للدهشة والمتعة وهى أيضًا مثالٌ حيٌّ على روايةٍ يُقدِّمُ فيها كاتبُها الخصوصية الثقافية الشديدة لبلد أو شعب ما بشكل مفهوم ساطع الوضوح لمن لا يخبر تلك الثقافة من القراء.
عليَّ أن أعترف فى البداية أن الرواية بقدر ما هى سَلِسَة، فإنها مُعقّدة التركيب، عابرة النوع الفنى، طويلة الخطوط، متعددة الأزمنة، مزدحمة الشخصيات، متنوعة الأفكار، ذات تقنيات سردية مختلفة، مُلغّمة بالألغاز بطيئة الحل وهو ما يجعلها تحديًا للنقاد الذين سيَحَارُون فى كيفية مقاربتها. سأقدم فيما يلى شتات ملاحظاتى.
تعالج الرواية عددًا من القضايا: الصراع بين التطور والتخلف وبين العلم والخرافة، وبين المثالية والبراغماتية، وقضية المنبوذين فى المجتمع، والشك والإيمان، والعلاقة الوالدية، والاختيار والجبر، والميثولوجيا والفلكلور، والكرامة والاعتداد بالنفس، والعلاقات السياسية والدولية ويتناولها السنعوسى بعناية مستفيدًا من البحث السيكولوجى والفلسفى والسياسى وسيلحظ القارئ تركيزًا شديدًا على الخرافة والشعوذة ولا شك أن هذا تصوير طبيعى ومناسب على اعتبار أنها بيئة المهمشين المعدمين الذين لا يملكون غير الارتباط والتعلق بالغيب والقوى الخفية.
إن خط الرواية الأساسى هو رحلة استكشاف سليمان لذاته، ومحاولته التطهر من خطئه فى حق أهله. وقد زاحم هذا الخط الدرامى خطوطٌ متعددةٌ.
إن رواية أسفار مدينة الطين فى الحقيقة، رواية شخصيات أكثر منها رواية حبكة أو أن الجانب التصويرى للشخصيات وظروفهم وأفكارهم وسلوكياتهم قد طغى على الحبكة وطغى أيضًا على المدينة نفسها وليس هذا عيبًا فيما أرى؛ خاصة فى حالة روايتنا هذه.
أما السياق التاريخى لأحداث الرواية فيأتى على فترتين متداخلتين: الأولى فترة معركة الجهراء فى عام 1920م ضد إخوان من طاع الله؛ البدو المتشددين المتذرعين بذرائع دينية تخفى مطامع سياسية واقتصادية لاحتلال الكويت التى تعد ميناء نجد الأول ويحدث ذلك فى أثناء وجود أفراد الإرسالية الأمريكية المبشرين بالمسيحية فى الكويت، ووجود المعتمَد البريطانى أما الفترة الثانية فهى قبيل الغزو العراقى، صيف عام 1990م. أى أنهما فترتين مفصليتين تجلى فيهما طرفا الصراع بين الحق والباطل، وهى فترة محفزة نشطة ومثالية كبيئة سردية لأحداث صعبة، وفترة يُمتحن فيها صاحب القرار وتختبر طريقة تصرفه.
القالب الأدبى للرواية
لم تلتزم الرواية بقالب فنى أدبى واحد، فقد عَبَرَتْ ما بين الواقعية والواقعية السحرية والفانتازيا، وتضمنت عناصر مغامرة ومفاجأة وتشويق وغموض وكوميديا وتراجيديا، بشكل حولها إلى ملحمة تصارع فيها شخصياتها أقدارها التى كتبها مُخرجُ العمل وكاتبُه الضمنى.
يتمثل الجانب الواقعى فى تصوير وقائع تاريخية وردَ ذكرُها فى كتب التاريخ والروايات الشفهية، مثل معركة الجهراء والغزو العراقى، وتضمنت أسماء وشخصيات حقيقية وأخذت الأحداث أماكن حقيقية، وكذلك وصف السنعوسى تنظيمات الغوص بشكل واقعي.
وتتجلى واقعيتها السحرية فى خلق عالم مواز تخترقه العرّافات (الصّاجّات) بشكل حصرى أما الفانتازيا فكانت واضحة حين لعب الجن والعفاريت وأرجع نص السنعوسى أصولهم إلى زمن الهلينستيين ودلمون فى فيلكا، فأسبغ على الرواية مسحة أسطورية فانتازية وكذلك خلقه لمعجزة عبور الزمن بغطسة فى ساحل الوطية من جنس الفانتازيا استدعى السنعوسى أيضا شخصية الجنى التراثية بودرياه وأوجد له دورا فى الرواية.
لا يقدم السنعوسى تاريخا رسميا، بل يقدم تاريخًا بديلًا للشخصيات المهمشة المنبوذة التى لم يسجلها التاريخ. وهو يقدم هجوما استباقيا على منتقديه المفترضين من الباحثين عن الدقة التاريخية الذين لا يفهمون طبيعة الروايات الخيالية ومرونتها فى التعامل مع الماضى المسجل والمسكوت عنه، ولا يعترفون بصلاحية الروائى فى التلاعب بكل شيء.
تقنيات السرد
استخدم السنعوسى عدة تقنيات للسرد، أولها الراوى الضمنى ممثلا بالكاتب صادق بوحدب، وكأن الرواية نقل لنص كتبه هذا الشخص ولا يتوقف السنعوسى عند الراوى الضمنى الواحد، فإن هذا الراوى الضمنى ينقل بدوره عن راوٍ آخر يُعد شاهدا على الزمن الذى يرويه، مستعينا لما لا يعرفه من أخبار وأحداث بشيخ الجن.
ويوظف السنعوسى تقنية الراوى العليم كلى العلم، والراوى المتكلم، والراوى المخاطِب بالإضافة إلى استخدامه للميتا سرد، حيث يتحاور فيها الكاتب الضمنى مع بعض شخصياته.
إن هذا التنوع السردى أتاح للمؤلف توظيفه ككاميرا سينمائية تلتقط المشاهد من زوايا متعددة وبالتالى أصبحت الفصول تُسرد على هيئة المناظير المتعددة للشخصيات POV.
يدخل السنعوسى كتابين حقيقيين فى نص روايته، لكنه لا يقتبس منهما اقتباسا مباشرا، بل يوهمنا بذلك. الأول هو «تاريخ الكويت» للشيخ عبدالعزيز الرشيد، والثانى كتاب «كنت أول طبيبة فى الكويت» لإيلينور كالفرلى والنص المنسوب إلى إلينور يُقدم ببنط مختلف، شبيه بخط الآلة الكاتبة، لتزيد من الإيهام وتشعر بالحميمية وتعكس حيرة الطبيبة وشكوكها فى مجتمع غريب عنها كما وظف السنعوسى بعض أعمال شعراء كويتيين. وقد شكل السنعوسى من الفلكلور الغنائى والميثولوجيا الكويتية مادة طينية لتشييد سرده الضخم.
يتصف السرد بقلة العُقَد فى بداية العمل، وطول المشاهد ويبدو مبررا لرغبة المؤلف فى عرض الثقافة الكويتية بمفرداتها وأفكارها وسلوكيات أهلها، ولتأسيس الشخصيات قبل أن ينطلقوا فى مغامراتهم. ويعد الجزء الأول المؤسِّس الذى يضع فيه المؤلف قواعد اللعبة السردية ثم يأخذنا السنعوسى فى الجزء الثانى إلى التطورات فى مسارات الشخصيات ويرتحل السنعوسى بنا فى الجزء الثالث بين عامى 1920م و1990م، وتسير الأحداث بشكل تصاعدى حتى نصل فى الصفحة الأخيرة إلى ذروة الأحداث.
الشخصيات
خلق السنعوسى مجموعة كبيرة من الشخصيات وأسكنها فى أحياء مدينة الكويت القديمة الثلاثة: شرق وجبلة والمرقاب، بالإضافة إلى بلدة الجهراء وبادية وارة وبرقان، علاوة على جزيرة فيلكا وأسكن مجموعة أخرى فى الفترة المعاصرة المناطقَ الحديثة: الفيحاء والشامية وكيفان، والزور بفيلكا وكانت سفن الغوص وقيعان مغاصات اللؤلؤ فى الخليج مسرحًا للشخصيات أيضا.
اخترع السنعوسى فئة الصّاجَّات، أى الصادقات، وهى كائنات لا إنسية ولا جنية، تلعب دورًا رئيسًا فى الرواية، اشتقها من كلمات أغنية تراثية «يا صاجة ويا صاجة ما صدقتى»، التى غنتها المغنية الشعبية الشهيرة عودة المهنا وتمثلُ دور كبيرةِ الصاجات فى هذه الرواية: أم حَدَب؛ وهى مُحَرِّكةُ الأحداث، التى تعيش آخر فترة فى حياتها الممتدة إلى قرن كامل قبل أن تسلم منصبها إلى كبيرة صاجات أخرى، وهى أم صنقور؛ صاجة مقام الخضر فى فيلكا خلال الرواية تلجأ إليهما النسوة الجاهلات، بل ويصدقهن بعض الرجال، الأمر الذى تسبب بكوارث وتحولات جسيمة فى حياة من صدقهن. وهذه الفكرة تذكرنا بأول قصة كويتية كتبت عام 1929م وهى قصة «منيرة» لخالد الفرج.
أما شخصية سليمان، فهو شاب غواص مستجد فقير يحمل ديونه وديون أبيه المتوفى لصاحب سفن الغوص ابن حامد، توافقت مهنته مع دوره الدرامى فى البحث عن الذات وعن أسرته التى تاهت عنه. هو شخصية ساذجة وضعيفة مثل أمه وزوجته، سهلة القياد ستتحول دراميا فى نهاية الرواية.
ثم نأتى إلى شخصية خليفة، الشاب الأمرد المنبوذ من عائلته الصغيرة والكبيرة والمجتمع عموما، وذلك بسبب شكله القريب من الإناث، فأطلق عليه لقب البرنثى (لا ذكر ولا أنثى) عانى خليفة من علاقة والدية سيئة تركت بصمتها على سيكولوجيته، فكَرِهَ الأطفال، وتبنى القطط، والتزم خدمة الصاجة أم حدب وآمن بها وبخوارقها. لم يقبله المجتمع لا فى صغره ولا عند كبره وما وجد له مكانًا يتنفس فيه قليلا سوى فى حوطة سعدون التى ضمت المنبوذين والأقليات، مثل الأرمنى المسيحى واليهودى العراقى، وبغايا رميلة (بنات حمدية) يضارعُ دورُ خليفةَ فى الرواية دورَ سليمان وأم حدب بصفته لاعبًا فى الحكاية وشاهدا وراوية. وخطه الدرامى هو الأكثر اشتباكا مع الخطوط الأخرى ورغم انحدار مكانته الاجتماعية إلا أنه امتلك فى نهاية المطاف قوة اكتسبها من وراثته لأم حدب وأم صنقور وصولجان المارد طوعس، فأمسى متحكما فى السرد برمته. أما دافع خليفة لإملاء القصة على صادق بوحدب فهى – فيما يبدو لى - رغبته فى الخلاص ورفع الحاجز عن الموت الذى لن يأخذ روحه قبل أن تُسَجَّلَ هذه الحكاية، فهو مثل مستور المصوقر الذى امتنع عليه الموت حتى قام بتسليم الجزأين الأول والثانى من الرواية إلى متسلمها بشكل قدرى محتوم. إن نص السنعوسى هنا يُعلى من شأن التاريخ، ويضعه فى منزلة تساوى الموت والحياة. فالشعوب ميتة ما لم يُكتب تاريخها.
ومن الشخصيات المميزة شخصية سعدون وهو ضحية تعنيف أبيه وحجره على فكره وتساؤلاته المشروعة وقد ألجأت قسوة الأب سعدونا إلى ثورة عارمة على المجتمع وأفكاره ومقدساته فطرده أبوه من البيت واعتزل فى حوطة بمنطقة المرقاب أسماها «المنسى". واكتسب سعدون سمعة سيئة فى المجتمع. ويمثل فى السرد الصوت الصارخ المضاد للقمع الأبوى والتقاليد المحافظة والنظام الاقتصادى الذى يسيطر عليه التجار الذين أحالوا البحارة الأحرار إلى ما يشبه العبيد عبر الديون الموروثة التى يستحيل سدادها فى الغالب.
أما شخصية الدكتورة إلينور كالفارلى، فأدت دور الداعية المسيحية الحائرة، المتشككة بجدوى عملها فى مجتمع إسلامى محافظ، اللاهثة خلف الإنجاز، والطبيبة المعالجة بالأدوية الحديثة. تقودها صدماتها المتعددة إلى تحول خطير تمثل فى انهيارها أمام الصاجة أم صنقور وعلاجاتها الشعبية. لقد أراد نص السنعوسى التعبير عن فكرتين من خلال دور إلينور فى الرواية: أولاً، تبيين فشل الإرسالية الأمريكية فى التنصير بالكويت ثانيًا، أن المنطق ينهزم أمام الخرافة فى البيئة الكويتية.
واحتوت الرواية أيضًا مجموعة أخرى من الهامشيين مثل الأرمنى سركيس اللاجئ للكويت هربا من مجازر العثمانيين، وشخصية عاموس اليهودى الذى لا يجد له صاحبًا فى الكويت غير طائره البلبل البصرى، ويقاسى أزمة هوية ثقافية دينية، وشخصية صنقور القْصَاصَة الذى عانى نقص هرمون النمو فكان يبدو طفلا رغم تجاوز عمره الثلاثين. وثمة شخصيات للعبيد مثل مبروكة التى تعانى نفسيًا جراء ظروف خطفها على يد النخاسين وبيعها وتفريقها عن أمها.
بالإضافة إلى الأخوين عطا الله وساطور ابنى بخيتة عبدى الشيخ سالم اللذين ينشدان حرية يتوهمان وجودها عند إخوان من طاع الله، فيدفعان ثمن استبدال الواقعية بالمثالية المتوهمة. بالإضافة إلى شخصيات متعددة.
تمكن السنعوسى من رسم الشخصيات بحرفية، فميز كلا منها بشكل خَلقى خاص، أو بأثر معين على أجسادهم، وبلازمات كلامية، يستحضرها دائما عند تحريك الشخصيات وإنطاقها. وهو ما ولد ألفة شديدة بين القارئ والشخصيات الكثيرة فسهل استذكارها أيضا وقد حرص على تقديم خلفية لماضى هذه الشخصيات ليبرر سلوكها، بل قام المؤلف بتطويع سلوكيات ومآلات الشخصيات لتعطى المعانى التى أرادها.
لغة الرواية وخصوصيتها الثقافية الكويتية
امتازت الرواية بلغة مصقولة، سهلة ممتنعة، أقرب للشعرية دون تكلف تدعو القارئ للتصفح ومتابعة الحوارات والأحداث قدم لنا سعود السنعوسى درسًا فى أهمية التفرغ التام للعمل الفنى والأدبى، ودرسا آخر فى أهمية التحرير والمراجعة والصقل اللغوى وعدم الاستعجال فى النشر.
احتوت الرواية أيضا على تصوير متقن لطقوس الكويتيات فى عدة مناسبات، مثل انتظار النساء لرجالهن الغواصين فى فترة عودة السفن إلى الكويت بما تضمنته من أغان ذات كلمات غير مفهومة الدلالة والسياق. فقام السنعوسى بخلق سيناريو رائع طرز فيه هذه الأغانى مع عادة إغراق القطط وما إلى ذلك فى سيناريو وسياق رائع، وغيرها من سلوكيات شعبية.
لقد أحسن السنعوسى تصوير مهنة الغوص وتبيين نظامه وممارساته بشكل درامى جميل، فحوَّلَ كتابات سيف مرزوق الشملان وغيره من مجرد معلومات جامدة إلى مشاهد حية معبرة لهذه المهنة القديمة وما صاحبها من أغانى النهام والبحارة على متن السفينة وعلى الساحل وكذلك نجد وسائل العرافات لعلاج مشكلة العقر عند النساء، ولم ينس السنعوسى الإتيان بالألعاب الشعبية. وأرفق فى روايته أيضا مشاهد من حفلات الزار، وأغان للعرضة الحربية، وإيقاعات فن السنكنى البحري.
بنية الرواية
تنتمى الرواية إلى مدرسة ما بعد الحداثة، وبنيتها ومعمارها جميل رغم عدم وجود نمط واضح متكرر لها. فى بداية العمل يحاكى السرد شكل التوراة وشروحاتها، هذا ما بدا لى. فالمؤلف استخدم مصطلح سفر وأسفار، لكن ليس لهذا السبب فقط، فلأسفار مدينة الطين كتب وهمية ملحقة به تعد بمثابة الشروح لها، يستعين بها المؤلف فى الهامش لتوضيح ما يبهم من معانى المفردات.
واستعان المؤلف بالهوامش ليشرح ما صعب من المفردات والعبارات الكويتية الخالصة، لكنه نسب معظم الهوامش إلى محرر وزارة الإعلام مستفيدًا من ظرف كون الرواية عملا مطبوعًا مراجعًا من قبل إدارة الرقابة التى منعت نشره. لقد أعطت هذه الوسيلة فى شرح المصطلحات تبريرا فنيا لإلحاق الهوامش بجسد الرواية ومساواتها بالمتن. فالهامش والمتن واحد عند السنعوسى. ألم يكتب هذه الرواية منتصرا للمهمشين؟
أما الجزء الثالث فيأخذ طابعا مختلفا metafiction، نقترب فيه من ظروف كتابة الرواية نفسها، وظروف الكاتب وعلاقته بمصدره، وحيرته ومصيره، انتهاءً باكتشاف تاريخه الشخصى ونسبه.
أصالة الرواية
يعلم الدارسون للميثولوجيا الكويتية أنها وصلتنا ناقصة، منسية التفاصيل، مقطوعة من شجرة، أو مقطوعة من ثياب، أو جزء متبق من حكاية كبيرة كتصور عالم الميثولوجيا جوزيف كامبل فثمة شخصيات خيالية متعددة مثل الطنطل وحمارة القايلة وأم السعف والليف ودعيدع وبودرياه وغيرها مما لا قصص متكاملة لها تماثل قصص التراث الألمانى التى جمعها الأخوان غريم. ورغم ذلك، وجد السنعوسى فرصته كى يطور هذه الشخصيات، فخلق لها سياقا وأوجد لها مكانا فى القصة الكبيرة وخاطها ضمن سرده فأحالها ثوبا جميلا. وصارت هذه الشخصيات الخرافية عاملا مساعدا لتحرك أحداث الرواية وشخوصها وأدت دورها فى بيئة العمل.
وأختم بالقول أن سعود السنعوسى بنى مدينة الطين من ميثولوجيا هذه الأرض فأبرز أصالتها وعراقتها وتجربتها الإنسانية. ويصعب على من يقرأها أن ينسى تفاصيلها. فرواية أسفار مدينة الطين بلا شك حقل خصب للدراسات الأدبية الأكاديمية. إنى أجزم أن السنعوسى قد رفع سقف الرواية الكويتية بهذه الرواية الرائعة.