الأحد، 24 مارس، 2013

«ساق البامبو» رواية كويتية تكتبها بلاغة «المقموعين»

 
سيد محمود حسن - الأهرام
 
فى طريق العودة من الكويت إلى القاهرة كان إلى جوارى على مقعد الطائرة الكاتب الكبير محمد المخزنجى وكنت أمسك برواية «ساق البامبو» للكاتب الكويتى الشاب سعود السنعوسى وأخطط تحت السطور التى لفتت نظرى فيها إلى أن بادرنى المخزنجى، قائلا: هذه رواية تفتح أفقا جديدا أمام الأدب الخليجى عامة والأدب الكويتى بشكل خاص «ثم استطرد « أنها أول اختراق حقيقى للمسكوت عنه فى هذه البيئة التى كان البعض يظن أنها غير قادرة على إنتاج رواية مهمة.

المخزنجى الذى عاش سنوات فى الكويت دون أن يكتب عنها، وضع يده على ملمح مهم فى الرواية التى كتبها صاحبها وهو على مشارف الثلاثين ووضعته ضمن لائحة الكتاب الستة المرشحين لنيل جائزة الرواية العالمية للرواية العربية « بوكر « لهذا العام، وربما كان وجوده فى هذه اللائحة مناسبة مهمة لاكتشاف ما يقدمه وطرحه على مساحة أوسع من القراء والنقاد الذين رأوا فى نصه علامة على تحولات سردية كبرى.
واللافت للنظر أن « ساق البامبو « بموضوعها الإشكالى تضع المجتمع الخليجى إجمالا أمام أسئلة تأجلت الإجابة عنها لسنوات طوال.

السنعوسى، قبل هذه الرواية نشر عدة مقالات وقصصا قصيرة فى جريدة «القبس» الكويتية وكان من بين كتاب مجلة «أبواب» الكويتية منذ 2005 وحتى توقف صدورها فى 2011 ،عضو رابطة الأدباء فى الكويت، وصدرت له قبلها رواية “ سجين المرايا، 2010 “ التى نالت جائزة الأدبية ليلى العثمان العام الماضى، كمال نال السنعوسى هذا العام جائزة الكويت التشجيعية فى الأدب ما يعنى أن البوكر التى يتنافس عليها لن تكون أول بطاقة اعتراف، لكنها قد تكون “ رواية تدشين “ تقدم صاحبها إلى القراء العرب، وهذه ميزة تحسب للجائزة التى تضع المتنافسين عليها فى دائرة تلقى أوسع من الدوائر المحلية «ساق البامبو» كما نفهم من صفحاتها الأولى تشير إلى الذى ينبت فى أى مكان يغرس فيه.

فى الصفحات الأولى يتساءل البطل: لماذا كان جلوسى تحت الشجرة يزعج أمى؟ أتراها كانت تخشى أن تنبت لى جذور تضرب فى عمق الأرض ما يجعل عودتى إلى بلاد أبى أمرا مستحيلا؟.. ربما، ولكن، حتى الجذور لا تعنى شيئا أحيانا.
لو كنت مثل شجرة البامبو.. لا انتماء لها.. نقتطع جزءا من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، فى أى أرض.. لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة.. تنمو من جديد.. فى أرض جديدة.. بلا ماض.. بلا ذاكرة.. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان فى الفلبين.. خيزران فى الكويت.. أو بامبو فى أماكن أخرى.
وهى إشارة مهمة تكشف مأزق بطلها «هوسيه ميندوزا» (هوسيه هو اسم بطل الفلبين الذى ناضل ضد المستعمر الإسبانى)، لكنه يحمل كذلك اسما عربيا هو «عيسى الطاروف» وهو نتاج علاقة زواج ربطت بين أب كويتى وخادمة فلبينية تتشابه قصتها مع مئات القصص التى تعيشها الخادمات الآسيويات فى بلدان الخليج، لكن السنعوسى أعطى لهذه القصة الكثير من العلامات النصية المتميزة التى جعلت من روايته بابا للعب وطرح الأسئلة، ولعل اللعبة الأولى التى نراها ونتورط فيها تأتى من تقنية “ كسر الإيهام “ التى يلجأ إليها فى الصفحة الثانية من الرواية حين يوهم القارىء أن الرواية التى عليه أن يطالع صفحاتها مترجمة عن اللغة الفلبينية، ويضع فى مقدمتها استهلال المترجم وتوضيحاته بأنه ينقل العمل كما جاء من كاتبه، وهى حيلة لتوريط القارئ، من ناحية وربما جاءت ليتجنب السنعوسى “ ألغام الأرض الشائكة التى يطأها فى مجتمعه الذى يعانى صراع الهويات الممزقة، فالمجتمع الكويتى لا يزعم تجانسا ما، بقدر ما ينجح فى ضبط إيقاع تلك الهويات وإدارة الصراعات بداخلها بشكل محسوب.

غير أن الملاحظة الأكثر أهمية فى سياق التعاطى مع الرواية كونها تطرح أسئلة المجتمع الكويتى عبر نموذج يعيش خارجه، فكل ما لدينا عن هذا المجتمع يأتينا عبر الحكايات التى تنقل لـ “ عيسى “ عبر أمه، لكننا نتلمس فيها السياق الاجتماعى والثقافى الذى يؤرقه سواء فى الفلبين التى يعيش فيها أو فى الكويت التى تمثل لدى أمه منارة أو محطة أخيرة ينبغى للابن أن يطأها إنها “ الجنة الموعودة “ التى تبدو سيرة الأم “جوزفين” والابن هووسيه قرابين لها.

وعبر هذا الكشف بالإمكان التعاطى مع الذات الجريحة فى هذا المجتمع الذى يكتشف ألمه وهو يعايش ذاكرة الحرب مع حربى الخليج الأولى والثانية، لكن الابن يستطيع بدوره أن يدير توازنا بين تلك الهويات التى تتصارع عليه فهو ابن الأب الكويتى (المسلم) والأم الفلبينية (المسيحية)، لكنه لا يرتبك أمام الطقس الدينى فهو يرتاد المعابد البوذية فى سياق مجتمعه ويتعمد فى الكنيسة ويبنى شغفه الخاص بالإسلام الذى يمثل ديانة والده الذى ينتظر عودته، ولا يبدو البطل مؤرقا بفكرة الانتماء المغلق بفضل سعيه الدائم للتعامل مع حياته كرحلة اكتشاف الذات وتجاوز تناقضاتها الموروثة، ومن ثم يشكل ما يسميه أمين معلوف “ الهوية الهجين “ التى تشبه الفيسفيساء الملونة التى يطرزها مرة بالألم ومرات بالحنين، ومن الأمور التى تلفت النظر فى العمل، إضافة إلى قيمة التسامح التى تبدو قيمة عليا فى النص، حتى مع الهويات الجنسية لأبطال العمل، وهى أيضا هويات ملتبسة وممزقة تطل المغامرة السردية لكاتبها الذى يجعل من معلمه الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل بطلا روائيا إذ يستثمر سنوات إقامته فى الفلبين ليجعل منه لاعبا عابرا فى النص ووسيلة من وسائل إعادة بناء الذات، وكما فهمت من سيرة السنعوسى نفسه فإن إسماعيل فهد فى الحقيقة، كما فى الرواية كان دليله للكتابة، وعبر لقاء بين إسماعيل فهد فى الرواية وليس الحقيقة يمكن لجوزفين وابنها تلمس مسار للتعرف على مكان الأب الذى يتم أسره خلال الغزو العراقى للكويتى، لكنه قبل أن يموت يترك لصديقه غسان «البدون» وصية لإعادة عيسى-هوزيه إلى الكويت، ليعود الفتى محملا بالأمانى عن الجنة الموعودة. لكنه حين يعود لا يجد قبولا فى هذه الجنة بسبب ملامحه التى تشبه الفضيحة التى يصعب قبولها، لذلك يقرر أن يعود إلى بلد جده، ويتزوج من «ميرلا» ابنة خالته وينجب منها راشد جديداً يحمل اسم الوالد الذى يمثل وعدا بالتنوير الذى يحل كل تلك التناقضات.

وبفضل علامات نصية كثيرة يمكن أن تقرأ تلك الرواية فى ظلال المعنى الذى طرحه جابر عصفور عن “ بلاغة المقموعين “ أو فى سياق الاصطلاح الذى وضعه بيل اشكرفت عن “ الإمبراطورية التى ترد بالكتابة “ فهى رواية يسهل أن ننسبها إلى أدب ما بعد الاستعمار، إنها رواية للمقموعين تكشف عن طبقات من القمع وتطرح أفقا للحل عبر الهوية الهجين التى تنفتح على هويات متعددة وتستثمر ما لديها من تنوع.
المصدر: