الثلاثاء، 5 مارس، 2013

إبداع الشباب الكويتى يفجّر مشكلة الهوية

د.صلاح فضل - المصري اليوم
 

«ساق البامبو» رواية المبدع الكويتى الشاب سعود السنعوسى تقتحم بجدارة القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، فتقدم نموذجاً مثيراً للكتابة الشابة الجسور القادرة على تناول أشد القضايا حساسية ودقة برؤية واقعية بالغة النعومة والكثافة معا. تحكى قصة فتى مُولّد جاء ثمرة زواج سرى بين شاب كويتى من أسرة عريقة وخادمة فلبينية جميلة، وكيف أجبرت الأسرة الفتاة على العودة إلى وطنها برفقة وليدها درءاً للفضيحة، فعاش الوليد فى محيطه الأسيوى يتشرب ثقافته على أمل العودة لموطن أبيه لاسترداد هويته العربية.
لكن المدهش حقيقة هو قدرة هذا المؤلف الذى لم يتجاوز العشرينيات من عمره على تمثل نسخ الحياة الفلبينية بمئات التفاصيل الدقيقة عن الأماكن والعادات والطقوس والأساطير. وأهم من تلك الفلذات التى يمكن امتصاصها بالقراءة والبحث هو كفاءة تذويبها بسخاء فى تيار دافق من التجارب الحميمة، مما يشف عن خبرة عميقة بوقع المواقف على صفحة الوجدان، وكأن الكاتب قد تناسخ مع نموذج وشرب عوالمه وتنقل مثله فى حيوات عديدة ومهن مختلفة غريبة.
وقد وفق المؤلف فى اصطناع حيلة طريفة لإقناعنا بصدق تمثيله الجمالى لهذه الحيوات، فزعم فى الغلاف الداخلى للرواية أنها من تأليف هذا الفتى المولّد واسمه كما ينطق فى لغته «هوزيه مندوزا» وأنها ترجمة بقلم المدعو «إبراهيم سلامة» عن اللغة الفلبينية، وهى تبدأ بهذه الكلمات «اسمى Jose» هكذا يكتب، ننطقه فى الفلبين كما فى الإنجليزية هوسيه.. وفى العربية يصبح كما فى الإسبانية خوسيه.. أما هنا فى الكويت فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمى حيث هو عيسى.. اختارت والدتى هذا الاسم تيمنا بخوسيه ريزال، بطل الفلبين القومى، الطبيب والروائى الذى ما كان للشعب أن يثور لطرد المحتل الإسبانى لولاه، وإن جاءت تلك الثورة بعد إعدامه فضلاً عن توافق الاسم مع جده الكويتى.
هكذا نرى لعبة الترجمة بين اللغات المختلفة، وهى تقدم مجموعة الشخصيات الورقية المتخيلة باعتبارها المؤلف والمترجم، فتتماهى مع الشخصيات المفترضة واقعياً مثل البطل الفلبينى، لكن ذلك قد يربك بعض القراء ممن لم يتعودوا حيل المبدعين للإيهام بالواقع، فيصورون خطأ أن الرواية مترجمة، ويعزز هذا الوهم أن المؤلف الكويتى قد أحسن تقمص شخصيته وعبر بصدق عن مراحل تكوينها بدقة تثير الحفيظة المقترنة بالإعجاب لدى القارئ المتربص بالكتاب الجدد.
جذور الهوية المثقوبة :
تروى الأم «جوزافين» لابنها كيف أحبت أباه رغم الفوارق بينهما، طبيعى لابد أنه حدث آلاف المرات مخلفاً نتائجه المنطقية «لست أدرى لماذا ولا كيف أحببت راشد، ألأنه كان لطيفا معى فى حين كان الجميع يسىء معاملتى، أم لأنه كان الوحيد فى بيت السيدة الكبيرة الذى يتحدث إلىّ فى أمور غير إعطاء الأوامر، ألأنه كان وسيماً أم لأنه كان شاباً مثقفاً يحلم بكتابة روايته الأولى وأنا التى أدمنت قراءة الروايات؟ كان سعيداً بى كما يقول لأننى مثله أحب القراءة.. كان يكتب مقالاً أسبوعياً فى إحدى الصحف، وقلّما ينشر ذلك المقال بسبب الرقابة المفروضة على صحفهم آنذاك. كان من الكتاب القلائل المعارضين لسياسة بلاده فى دعم أحد الطرفين المتنازعين فى حرب الخليج الأولى». تجسد الرواية بإتقان كيفية اختراق هذه الفوارق الطبقية ومراحل اقتراب الأب بخادمته الحسناء، بعقد عرفى شهد عليه صديقا عمره أولاً، ثم بآخر رسمى عندما اتضح عليها الحمل ليضع أسرته أمام الأمر الواقع بشهامة لا يقوى على تحمل تبعاتها أمام الأهل الأقربين، خاصة أن له أختين تنتظران الزواج، ولن يرضى بهما أحد من مستواهما إن شاع خبر زواج أخيهما بخادمة أسيوية. هى الأعراف التى لا تفهمها الضحية فترحل مجبرة بابنها إلى منبتها الأول فى منزل أبيها سيزوزا، وهو شخصية شبه أسطورية، تهوى مصارعة الديكة، وتنفق كل دخلها عليها، وهى هواية غريبة من آثار الاستعمار الإسبانى للفلبين.
وبينما يحكى الحفيد أنه لم يشعر تجاهه بأى عاطفة سوى الكراهية يرسم شخصيته فى سطور وجيزة.. فى عام 1966م انضم جدى إلى صفوف الجيش الفلبينى المتحالف آنذاك مع كوريا الجنوبية وتايلاند وغيرهما بقيادة الولايات المتحدة فى حرب فيتنام. كان ضمن الجنود المشاركين فى دعم الخدمات الطبية والمدنية هناك. وفى جبال فيتنام سلب الثوار الموالون للشمال إنسانية أبى كما تقول والدتى، لم يخبرنا بما رأى قط، ولكن لابد أنه مر بما لا يمكن وصفه ليعود بهذه الصورة التى كان عليها. كان شديد القسوة، لكنه إذا ما أسرف على نفسه فى شرب «القوبا» انهمر فى بكاء مكتوم، وأخذ يهذى بكلمات تكشف وحدته وخوفه وتعدد حالاته المتناقضة.. ولا ينسى المؤلف أن يذيل الفقرة بشرح لشراب القوبا الكحولى المستخرج من ثمرة جوز الهند، أما الفتى نفسه فقد شب فى بيت جده المحاط بالأشجار، وعشق الجلوس تحتها وقضاء الساعات فى التأمل حتى تناديه أمه منزعجة من خلوته فتجعله يتساءل فى نفسه : «لماذا كان جلوسی تحت الشجرة يزعج أمى، أتراها كانت تخشى أن تنبت لى جذور تضرب فى عمق الأرض ما يجعل عودتى إلى بلاد أبى أمراً مستحيلاً؟ ربما..
ولكن حتى الجذور لا تعنى شيئاً أحياناً، لو كنت مثل شجرة البامبو، لا انتماء لها، نقتطع جزءاً من ساقها نغرسه بلا جذور، فى أى أرض، لا تلبث الساق طويلاً حتى تنبت لها جذور جديدة، تنمو بلا ماض، بلا ذاكرة، لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته، كاياوان فى الفلبين، خيزران فى الكويت، أو بامبو فى أماكن أخرى»، وهكذا تكون أمثولة البامبو تجسيداً رمزياً للفتى ذاته، مثقوب الهوية مثل الساق، مخلوع الجذور، متأرجحاً بين الوطنين مغترباً فيهما، فتتشابك مأساته مع مأساة فصيل كويتى آخر، ينتمى إليه غسان، صديق أبيه الوفى، فهو «بدون» يكون له دور مهم فى تشكيل مستقبله، وتعميق خلخلته عندما يعمل على استعادته للكويت تنفيذاً لوصية أبيه «راشد» فتكون النتيجة أنه يُتهم بالتآمر على الأسرة انتقاماً لرفضهم تزويجه بنتهم لوضاعة وضعه.
مزاج الواقع والمتخيل :
يعجبنى فى هذا المؤلف الشاب ولاؤه لأستاذه إسماعيل فهد إسماعيل، كبير الروائيين فى الكويت، حيث لا يكتفى بأن يهدى له باكورة أعماله الإبداعية الناضجة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيدمجه شخصياً فى أحداثها، حيث يجعل «جوزافين» والدته تهرع إليه فى بحثها المتلهف عن أخبار زوجها المنقطعة بعد الغزو العراقى، فتفاجأ بأن فهد إسماعيل يخبرها بأن مصيره يقبع فى الصفحات التى كان يكتبها حينئذ، إذ يروى فيها قصة مجموعة المقاومة التى عمل بها، وكان معهم زوجها «راشد الطاروف»، حيث وقع فى الأسر، ويوضح المؤلف فى الهامش أن فهد إسماعيل قد أقام فعلاً فى الفلبين بعد تحرير بلاده عدة سنوات، كتب خلالها سباعيته التى يؤرخ فيها للاحتلال بعنوان «إحداثيات زمن العزلة» فيمزج كاتبنا بين متخيله السردى وتداعيات الغزو وآلام التحرير بتلقائية مثيرة تسترعى الانتباه.
ثم تبسط رواية «ساق البامبو» فى قرابة أربعمائة صفحة قصة عودة عيسى أو هوسيه إلى الكويت، إثر مسعى صديق أبيه غسان، تنفيذاً لوصيته بأنه إذا حدث له مكروه يتولى تأمين عودة ابنه لموطنه، ولا نعرف لماذا تأخر فى تنفيذ هذه الوصية عدة سنوات حتى عاد رفات الأب من المقبرة الجماعية التى دفن بها فى العراق، وتبدأ حينئذ ملحمة محاولة إقناع الجدة الصلبة بتقبل انضمام حفيدها إلى الأسرة، والتعقيدات الاجتماعية والإنسانية التى تنجم عن محاولة إعادة اللحمة واسترداد الهوية، حيث يقيم هوسيه فى بيت غسان، فيتعرف كما يقول على «نوع جديد من البشر، فصيلة نادرة، اكتشفت أناسا أغرب من قبائل الأمازون، أو القبائل الأفريقية، أناساً ينتمون إلى مكان لا ينتمون إليه، ألححت بالأسئلة علىغسان كى أعرف منه سر عدم قدرته على السفر، هو (بدون) أكره هذه التسمية التى لا أفهمها رغم ترجمته لها، هو بلا جنسية، يولد أبواه فى الكويت ويولد هو الآخر فيها، لا يعرف أرضا سواها، يعمل فى سلكها العسكرى ويدافع عنها دون أن يكون له حق فى حمل جنسيتها»، مع ذلك يجتهد غسان فى إقناع الأسرة بقبوله، تتنازع الجدة عاطفتان عارمتان : إحداهما الحنين لأثر ابنها الشهيد والأخرى الخوف من التقاليد القبلية وكلام الناس ولوك الألسنة لسيرته إذا علموا أن له ابناً من خادمة فلبينية، ولأن راشد كان قد تزوج بكويتية أخرى وأنجب منها بنتاً «خولة» أصبحت يافعة تقيم مع جدتها فقد فرحت بظهور أخ لها، وأصرت على استقدامه للإقامة معهم، لكن فى ملحق الخدم عند ديوانية الأب حتى لا يختلط بالعمات ولا يكتشف الأصهار ولا الجيران أمره.
يوظف المؤلف قدراً من الدهاء الروائى عندما يجعل سبيل هذا الشاب إلى قلب جدته أمرين : أحدهما صوته الذى يطابق صوت أبيه الراحل مع اختلاف شكله عنه، والآخر هو مهارته التى اكتسبها صغيراً من عمله فى التدليك أثناء نشأته فى بلد أمه، وحاجة الجدة إلى مدلك متمرس لا تستشعر حرجاً فى لمسه لأنه حفيدها فى نهاية الأمر، لكن عماته يتوزعن بدورهن، فإحداهن تميل للعطف عليه لأنها مهتمة بحقوق الإنسان، نتيجة لحرمانها من الاقتران بمن تحب، وهو غسان صديق أخيها، لكن هذا العطف لا يتجاوز الجانب المادى فحسب، دون أن تجرؤ على تبنى كل حقوقه الأدبية، أما العمة الأخرى فهى شديدة القسوة، لأنها تخشى على مكانتها الاجتماعية واهتزاز مقامها أمام أسرة زوجها، وهناك مواقف ومشاهد من هذا الصراع العائلى لا يقوى على تكثيفها سوى الموهوبين؟
مثل هذا النقاش الذى يدور بين أفراد الأسرة بالعربية التى لا يعرفها الابن المولد، وهل يتم قبوله والاعتراف به لأنه الذكر الوحيد الذى يضمن بقاء اسم «الطاروف» حياً، أم يرفض تفادياً للمساس بمكانتهم والنيل من سمعتهم وعراقتهم، ومع أن الشاب لا يفهم الجدل فهو يتابع الحوار ويتعرف على المواقف ويدرك النتيجة التى لم تكن فى صالحه من قراءته للملامح والإشارات، كما يعرض المؤلف بمهارة بالغة مشكلة الدين وتجاذب الثقافات لدى الأبناء المهجنين وتوزعهم الأليم بين موروثات الأمهات ومقتضيات الانتماء لدين الآباء، لكن المؤلف يرتكب خطأ غير مقصود فى حواراته عندما يذكر أنه مدة بقاء المسلمين فى الأندلس ثلاثة قرون تساوى مدة بقاء الإسبان فى الفلبين، وهى استمرت ثمانية قرون.
 ومع أن ختام الرواية يسجل فشل تجربة اندماج الابن الهجين وإحباط مشروع استعادة الهوية ونجاح العمة المتعصبة فى طرده من الكويت مثلما طردت أمه فإن الرواية قد فتحت أفقاً نقدياً واسعاً لأسئلة الهوية والتعبير عن طموح الجيل الجديد فى مراجعة التقاليد الجائرة، وقيام الفن الروائى على وجه التحديد بدوره المؤسس لتجسيد فواجع سطوة هذه التقاليد، لإعادة النظر فى مفارقاتها وتقاطعاتها، وأحسب أن قوة الرواية تكمن فى إقناعنا بشعريتها ومصداقيتها ونبل منظورها للحياة.

المصدر: