الاثنين، 9 أغسطس، 2010

نورة .. والمدينة الحلم

قصة قصيرة

بريشة: آن غوفن سميث

سعود السنعوسي:

وقفت أمام البحر هناك، لا يفصل بيني وبينه سوى باب زجاجي، وبضعة أطفال يلهون فوق الرمال البيضاء، يبنون البيوت، ويحفرون القنوات المائية وكأنهم يشيّدون مجسما لمدينة أحلامهم.
كنت أشاهد المنظر من خلف الزجاج، وكأني أمام شاشة عملاقة، كانت نورة تزيّن واجهات البيوت بالقواقع والصخور البحرية، في حين كان محمد منهمكا بصناعة عجينته الطينية، يقوم بصنع الكرات ويناولها لمريم التي كانت توصلها لناصر وصالح ليقوما ببناء المزيد من البيوت.
في تلك الأثناء، يقوم أحدهم بتشغيل جهاز التلفزيون، لم أنتبه له، فكل حواسي كانت مع الأطفال، كنت لا أرى سوى بيوت المدينة ترتفع وتملأ المساحات فوق الشاطئ، وبقع الطين على ثياب الأطفال، ولا أسمع سوى ضحكاتهم ممزوجة بهدير أمواج البحر، تشكل سيمفونية لا تدركها الحروف الموسيقية السبعة.
يرتفع صوت المذيع من ورائي، وأحاول أن أصب تركيزي على سيمفونية الأطفال والطبيعة، ويصر ذلك الصوت النشاز على طرق أبواب سمعي ليدخل عنوة مفسدا علي تلك اللحظات التي أنعم بها، ثم .. بدأت الأمور تأخذ منحنى آخر، ارتفع صوت المذيع، أغمضت عينيّ، أخذ يصرخ، وبدأ صوته يرتفع أكثر وأكثر. هل فقد صوابه؟ أم أن أحدهم لم تردعه ملامح هذا الرجل الجالس خلف الميكروفون فأخذ يزيد من مستوى الصوت ضاغطا على زر الريموت و .. أعصابي؟
تختلط الأصوات .. ترتفع .. تتبعثر الصور أمامي وأحاول أن أعيد ترتيبها، ولكن، دون جدوى، يصرخ أحدهم: «سيارة مفخخة!» .. والأطفال هنا .. يواصلون بناء مدينتهم .. تجري النسوة المتشحات بالسواد بين الجثث التي تملأ الشوارع .. يبحثن عن أبنائهن .. تصرخ عجوز: «وليدي .. وليدي» .. لا تزال نورة تجمع القواقع وتلصقها على الجدران .. صوت انفجار قريب .. يستمر المذيع بالصراخ: «أسفر الانفجار عن وقوع عشرات القتلى ومئات الجرحى .. شهداء .. انتحاريين .. مدنيين» .. ترتفع موجة ضخمة وتنهال على المدينة الحلم لتساويها بالتراب، أفتح الباب الزجاجي وأهرع لنجدة الأطفال على الشاطئ، كانوا يجلسون حول حطام مدينتهم التي غرقت وسقطت بيوتها على القواقع والأصداف و .. الأحلام.
ألتفت لنورة، وإذ بها ملطخة بالدماء، بقعة كبيرة تعلو صدرها، حملتها بين يديّ: «ما الذي جرى؟»، كانت تنظر إلى وجهي مذعورة في حين كنت أسألها: «ما هذه الدماء؟ تماسكي سوف تكونين بخير»، ردت نورة بدهشة: «دماء؟! عمي هذا طين، كنا نلعب على الشاطئ ثم ..»، توقفت .. وضعتها على الأرض .. ثم اجتمع حولي بقية الأطفال .. قال محمد: «لقد أغرقت المياه مدينتنا يا عمّي»، سألته: «وماذا ستفعلون؟»، رد ناصر: «سنبني مدينة أخرى»، قلت: «ولكن أمواج المد ستصل إليها حتما لتغرقها من جديد!» احتجت نورة: «سنستمر في بناء مدينتنا حتى تتعب الأمواج وتقرر الرحيل».
تركت الأطفال يعملون في بنائهم الجديد، عائدا إلى حيث أتيت، خلف الزجاج، وفي رأسي سؤال ملح: هل ستتعب الأمواج وتقرر الرحيل كما تقول نورة؟ وإذا صدقت، هل سيصمد بناؤهم برحيل الأمواج؟ أم سيبقى بناء المدينة الحلم .. حلما مستحيلا يصعب تحقيقه؟ جاءني صوت المذيع من ورائي مقاطعا: «هذا وسوف نوافيكم بآخر المستجدات في نشرتنا المقبلة».

هناك تعليقان (2):

  1. ..
    ما أن اقتربت من نهاية الفقرة الخامسة حتى وجدتني دون شعور أنهض بجسمي في محاولة مني لأنقذهم معك ..
    وانهيت قراءة القصة وأنا لا أزال اعيشها وأعيش معها أياما مضت! لا أعادها الله..

    حفظك الله ورعاك
    قارئة من بيت 5

    ردحذف
  2. قارئة من بيت خمسة .. أجمل بيت .. بيتي الثاني ..
    سعدت جدا بكلماتك .. متمنيا أن تنال كلماتي استحسانك.
    سعود

    ردحذف