الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

أوقفوهم!




سعود السنعوسي:

الفن، بشكل عام، إذا كان حقيقيا، وإذا وظّف بشكل صحيح، يصلح ما تفسده اختلافاتنا، على أنواعها، السياسية أو الدينية أو الفكرية، وحتى لا يرى البعض مبالغة في رأيي، سأقول، ان الفن وإن لم يصلح ما أفسدته تلك الاختلافات، فانه، على أقل تقدير، يصرف انتباهنا عنها ليجعلنا نتفق على شيء واحد وهو الإبداع.
فكوني مسلما لا يمنعني من أن أبدي إعجابي بالأشكال الفنية التي تزيّن جدار كنيسة ما، ولا أرى ما يمنع المسيحي من أن يقرأ رواية لكاتب بوذي، كما ان المعارض الفنية والمسارح ودور الأوبرا تستقطب متذوقي الفن على اختلافاتهم الدينية والسياسية والفكرية. وإذا ما جئت للحديث عن الفن والسياسة، فلا أجد مثالا أقرب من واقعنا قبل سنوات قليلة، فرغم سنوات القطيعة بين الكويت والعراق، بعد الغزو، فانك تستطيع، دون جهد، أن تلاحظ دور الفن رغم القطيعة التي دامت سنوات، سواء في حفلات عبدالله الرويشد في جرش والتي تغص بالجماهير العراقية، أو في حفلات كاظم الساهر في أوروبا ومصر والإمارات والتي كانت تغص بالجماهير الكويتية، تلك الجماهير المتذوقة للفن، والتي جاءت من أجل الفن، دون تفكير في أمور أخرى. ليس الأمر محصورا في مجال الغناء فحسب، بل في شتى أنواع الفنون، فلقاءات المثقفين واتصالاتهم لم تتوقف في الخارج بين الكويتيين والعراقيين، وإن جاء ذلك نتيجة تحركات فردية. كما ان خلافاتنا لم تمنع أحدنا من شراء لوحة فنية من معرض الآخر، دون الشعور بأننا نخون أوطاننا.
أكتب هذه الكلمات وأنا أحصي تلك الخسائر التي نتكبدها، نحن في الكويت، نتيجة الفن، أو ما يسمى بالفن، الذي تعرضه فضائياتنا. اننا، ودون مبالغة، نخسر في كل عام، وفي هذا الشهر الفضيل، احترامنا لأنفسنا أولا، ومن ثم احترام الآخرين لنا، نتيجة ما تعرضه قنواتنا الفضائية من برامج ومسلسلات. أي احترام نرجوه من الغير في حين ان من يمثلون بلادي، والذين، كما يراهم الناس في الخارج، هم مرآة المجتمع، أقول أي احترام نرجوه والبعض منا يصّر أن يُفقدنا هذا الاحترام؟ هذا ما أعرفه جيدا، ان من لا يحترم نفسه لا يستحق احترام الغير، ولا يستحق احترام الغير من لا يحترم غيره، ونحن أخطأنا في حق أنفسنا ووطننا وفي حق غيرنا بقصد أو دون قصد. أخطأنا في حق أنفسنا حين رضينا أن يطل علينا من خلال شاشاتنا الكويتية مهرّجون في قمة التفاهة والسطحية، يرقصون على إيقاعات مجنونة، يهزون مؤخراتهم بشكل وقح، ويتمايلون مع تصفيق وزغاريد مهرّجات أكثر جنونا وتفاهة وسطحية وأقل عقلا.
هل اكتفينا بذلك؟ كلا، فبعد أن أضحكنا العالم علينا، جئنا لنضحك على العالم، وكما في كل سنة، برامج تلفزيونية ومسلسلات تجعل من المصري والسوري والفلسطيني والسوداني واليمني والعراقي والهندي وغيرهم من جنسيات وأصول أضحوكة لنا، وفيما نحن نضحك، يتزايد سخطهم علينا، ولهم في ذلك حق.
نحن بحاجة إلى من يضع حدا لحماقات البعض هنا، نحن بأمس الحاجة لمن يواجهنا بأنفسنا: "من نكون؟" وهل نملك حق الضحك على الغير؟ ولماذا حين يقوم المصري بتقليدنا في أفلامه تقوم الدنيا ولا تقعد؟ رغم ان بعضنا لا يختلف عن تلك الصورة التي نظهر بها في أفلامهم.
لست أتحدث عن فضائية بعينها، فالفضائيات الكويتية، حكومية وأهلية، تغص بالأخطاء التي ترتكب في حق الكويت والدول الأخرى.
أتمنى أن ينهض الناس في الداخل، قبل أن ينهض علينا الناس في الخارج، وقبل أن نخسر المزيد من الأصدقاء. أتمنى أن نسمع للعقل صوتا يوقف تلك الإساءات التي تُرتكب بحقنا وبحق الكويت، والتي جعلتنا أضحوكة عند البعض في حين جعلتنا مادة للسب والقذف عند البعض الآخر.
ليس غريبا، إن كان هذا إعلامنا، أن يزدري أبناءنا الناس من حولهم، وأن ينظروا إليهم بنظرة فوقية، في حين اننا لسنا بأفضل من غيرنا، ولعل الكثير أفضل، عند الله، منا.
بصفتي أحد أبناء الكويت، أعتذر لكل من أسأنا لهم، وأعتذر أولا وأخيرا للكويت.

و .. اللهم إني صائم!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق