الأربعاء، 10 يناير، 2007

ليلة .. من ألف ليلة وليلة

سعود السنعوسي:

دخلت شهرزاد إلى المجلس، في حين كان شهريار في انتظارها. اتخذت لها مكانا بقربه، ثم اعتذرت عن تأخرها وقالت بهدوء: بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي السديد، أن شابا في مملكتنا يدعى وليد، يبلغ من العمر خمسة وعشرين، ويعمل في توصيل البريد. كان الشاب قنوعا شكورا لا يحلم بالثروة والمال، وكان يحمد الله على كل حال.

* * *

خرج وليد ذات صباح لتوصيل الرسائل إلى أصحابها، وفي طريقه توقف عند أحد المقاهي ليشرب قهوة الصباح، وأثناء جلوسه في المقهى سمع حوارا بين الصيادين في الطاولة المجاورة، قال أحدهم: هل سمعتم عن السلاح السحري المدمر الذي تملكه البلاد المجاورة؟ رد الآخر: سمعت مثل هذه الأقاويل ولكني لا أشغل تفكيري بمثل هذه الأمور، فأنا إنسان بسيط لا أسعى لشيء سوى لكسب رزقي من خيرات هذا البحر، لأوفر احتياجات داري وزوجتي وأبنائي. رد الأول: ولكن هذا السلاح السحري من شأنه أن يدمر هذا البحر، بل قد يصل إلى دورنا وأسواقنا وأرجاء البلاد ويقضي على الحياة في بلادنا والبلاد المجاورة. اكتفى وليد برشفتين من القهوة بعد أن استمع إلى هذا الحديث وقام على الفور لينجز عمله. وفي طريقه بدأ يستعيد ما قاله الصيادون ويفكر في حال بلاده إذا ما استخدمت تلك البلاد ما لديها من أسلحة، وكيف سيتأثر ذلك البحر الجميل الذي اعتاد الجلوس على شاطئه وكيف ستصبح حياة الناس، إذا ما كتب للبعض النجاة، من ذلك الدمار؟ وأثناء مرور وليد بأحد السكك الضيقة باحثا عن صاحب إحدى الرسائل وجد مجموعة من كبار السن يجلسون أمام أحد البيوت، ألقى عليهم التحية وسألهم عن صاحب الرسالة، ثم أشار أحدهم إلى المنزل المجاور بأنه منزل الرجل الذي يسأل عنه. قام وليد بتوصيل الرسالة، وأثناء عودته مر بنفس المجلس وطلب منه أحد الرجال أن ينتظر حتى يسلمه رسالة إلى أحد أقربائه في الناحية الأخرى من البلاد. ودخل الرجل إلى داره في حين انتظر وليد في الخارج، وهنا سمع رجلا عجوز يتحدث لبقية رجال المجلس بنبرة لا تخلو من الحزن والخوف: لقد عاش آباؤنا وأجدادنا على هذه الأرض، وبنوها بسواعدهم، وبذلوا الغالي والنفيس لدرء أي مخاطر قد تأتي من الخارج، فقد ساهم الجميع في ذلك الزمان ببناء سور حول المدينة لحماية هذه الأرض، شيبا وشبابا، أطفالا ونساء، فإنه من الظلم أن نأتي نحن بعد كل ذلك لنزرع الفتنة والشر في الداخل، وأي سور من شأنه أن يحمي بلادنا من الفتنة التي بدأ يوقظها البعض في داخل البلاد؟ إلا إذا شرعت كل مجموعة ببناء سور حول دورها ومساكنها! لقد عاش أسلافنا على هذه الأرض أيام الشدة والفقر وكانوا يدا واحدة، فكيف لنا وبعد أن من الله علينا بهذه النعم أن نمزق هذه الوحدة لتصبح كل مجموعة عدوة للأخرى؟ لقد كانت مطالبنا واحدة واليوم أصبح لكل مجموعة مطالبها الخاصة بعيدا عن مصلحة البلاد، توقف الشيخ العجوز عن الحديث بعد أن ذرفت عينه دمعة حزينة غاصت في تجاعيد وجهه التي خطها الزمن.
تأثر وليد بتلك الكلمات، وشعر بالضيق، وقرر أن يترك المجلس قبل أن يخرج الرجل من داره ليستلم منه الرسالة على أن يعود له في اليوم التالي.

* * *

في المساء وبينما كان وليد مستلقيا على سريره الخشبي العتيق، بدأ يفكر بما سمعه في ذلك اليوم الشاق والطويل، ما زاد من مخاوفه على أرضه التي عاش وترعرع بين أحضانها، والتي عاش فيها أسلافه من قبله، وبين الصحوة والمنام رأى ذلك الصياد الذي كان يجلس إلى جانبه في المقهى، رآه جاثيا على ركبتيه أمام البحر، يضرب رمال الشاطئ بيديه وهو يصرخ ويوجه كلامه إلى شيء مجهول ناحية البحر: "توقف .. توقف أرجوك .." ثم رمى نفسه على الأرض وكأنه يحضنها، واختلطت دموعه برمال الشاطئ. انزعج وليد بما رآه وغيّر اتجاهه واستلقى على جانبه الأيمن ولكن تلك الصوّر المرعبة لم تتوقف، فقد شاهد الشيخ العجوز الذي كان يتحدث للرجال في المجلس، رآه جالسا وحوله أبناءه، في قطعة صغيرة من الأرض، أحاطها بسور عال، وكانت الأرض تهتز من حوله وصراخ الناس يصله من خارج ذلك السور.
فزع وليد من تلك الرؤى ولم يستطع النوم. جلس على كرسي صغير في إحدى الزوايا بعد أن قام بفتح النافذة. سمع أصواتا في الخارج صادرة من أحد البيوت القريبة المهجورة .. كان حديثا بين مجموعة من الشباب .. اثنان .. ثلاثة أو أكثر .. قال أحدهم: نعم سوف أقوم بتدمير كل شيء حتى يعود للأمة شكلها الحقيقي. قاطعه آخر: ولكن الناس الذين تريد تدميرهم هم أهلنا وأبناءنا. رد الأول: سوف نلتقي بهم في جنات الخلد. ثم سأل أحدهم: ومتى ستقوم بهذه العملية؟ رد الأول: إنها قريبة وسوف تكون في ..........

* * *

وهنا بدأ الديك بالصياح .. وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح .. إلا أن شهريار أصر على معرفة النهاية ليرتاح، أما شهرزاد، فقالت: أنت من يضع النهاية يا مولاي ..إنها بين يديكم، وبين أيدي الحكماء من شعبكم.

نشرت في:
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق