الاثنين، 15 أبريل، 2013

خزي السعادة



سعود السنعوسي


 -  أما آن للمرء أن يضحك بصوت مسموع؟

  - 
وما الذي يردّك عن ذلك؟!


    
ما يرُدُّني هو الشيء ذاته الذي يرسم ملامحك بالحزن، وإن افتعالا، في مجلس عزاء، احتراما لحزن أهل الفقيد. ألا تلاحظ أن العالم بات أشبه بمجلس عزاء كبير، تركن إلى عزلتك إذا ما اضطررت لإفلات ضحكة تبدو وكأنها عورة! هذا بالضبط ما أشعر به. أشعر بتفاهة كل شيء مقابل حزن يشوب.. كل شيء.
     أنت تشعر بالشيء ذاته، لا تتظاهر بعكس ذلك. ما عادت الديوانية كسابق عهدها الذي تعرف، باتت مكانا للتذمر والبوح بخوفٍ يطوِّق الغد، وإذا ما أطلق أحدهم ضحكة فهي لا تتجاوز كونها ضحكة سخرية من واقع مرير. كنت أراقبك. يدفعك الضجر للتنقل بين القنوات الفضائية بحثا عن ابتسامة ترتديها. لا شيء يناسبك. تدفعك التفاهات للمضي في البحث، ولكن اللون الأحمر والنيران والحشود الغاضبة لا تزيد الأمر إلا سوءًا. كنت تلجأ، دائما، إلى الزر الأحمر في الريموت كونترول. يوافقك الحضور: "أحسن!".
     
تسمع نكتة طريفة، أو خبرًا مفرحًا. تدخل صفحتك على الفيسبوك. تنوي مشاركة الأصدقاء ولكن.. تنتبه إلى الأسماء النشطة، أحدهم يتلقى التعازي في قريبٍ قُتل تفجيرٍ في مكان ما، إحداهن لا تزال، كل صباح، تكتب على حائطها رسائل لا تصل لولدها المعتقل في سجون بلادِه، تعرض صوره منذ وُلِد وحتى قبل اعتقاله بأيام. وأخرى تزف خبر وجود ابنها في المعتقل الفلاني بعد أن ظنته ميتا. وآخر لم ينفك، مُنذ وُلِد، عن مناشدة العالم تخليصِه من احتلال أنهك وطنه. هذا حزين وذاك ساخط والآخر ينتظر الفرج. تبتلع ما كنت تنوي كتابته وتقفل الصفحة من دون أن تترك أثرًا لسعادتك المشبوهة. أنت لا تبالغ أبدا، كلانا يشعر بالشيء ذاته. أنا أفهم وأتفهم. أن تخفي حزنك عن الآخر أمرر مبرر، أما أن تخفي سعادتك فلا مبرر لك سوى شعورك بالتفاهة أمام حزنه!
     أدريك يرهقك السؤال: "هل أنا معني بحزن الآخرين؟". أرهقني هذا السؤال مثلك، ولست أدري له إجابة وأنا أملك من أسباب السعادة الكثير، ولكن، السعادة الحقيقية مشاركة، أليس هذا ما يقال؟ فكيف السبيل إليها والدائرة، كل يوم من حولنا، تضيق؟
     هل تتذكر؟ حين تلقيت تهنئة من أحد العمال في مقر عملك بمناسبة مولودك الجديد. كان سعيدا. عانقك بكل ما يفيض به من حب وامتنان ورطوبةِ جسدِه الذي ينضحُ عرَقًا، ثم قدّم لك قطعة حلوى قبل أن ينصرف. هو العامل نفسه الذي رُزِق بمولودةٍ قبل شهور، لم تتسنَّ له فرصة أن يكون إلى جانبها يوم جاءت إلى الحياة بسبب ظروف عمله بعيدًا عن بلاده. أتذكر وجهك يومها، سعادتك التي كانت.. ما عادت. انطفأ شيء في داخلك. بقيتَ طويلا تتحاشى النظر إلى عينيه. بقي هو بابتسامته الواسعة يحييك كل صباح: "سلام عليكم مدير". وبقيتُ أنا أُراقبكما في صمت. أليست ماكرة هذه الحياة؟ تهديك من أسباب السعادة الكثير، ثم تحشرك في مكان يستحيل فيه التعبير عنها! ما بالك تلوذ بصمتك؟ سعادة العالم كلها تبدو تافهة مقابل حزن إنسان واحد.. أليس هذا ما تشعر به؟
     
أثقلتُ عليك فاعذرني. رغبت في مشاركتك في أي شيء وحسب. ألا تشعر الآن بأنك أفضل حالا، ولو بقليل؟ حسنا.. لا يبدو عليك ذلك. أسألك مجددا:

-
أما آن للمرء أن يضحك بصوت مسموع؟

-
اخرس !