الأحد، 10 أكتوبر، 2010

كم وسادة مزّقنا؟ وكم ريشة، في الفضاء، أطلقنا؟


سعود السنعوسي:

     لست ممن يحتفظون في ذاكرتهم بتفاصيل القصص والروايات والأفلام، رغم إيماني بأنها تترك شيئا ما، أجهل تأثيره، في مكان ما من مساحات اللاوعي بداخلي، يعلن ذلك الشيء، في الوقت المناسب، عن ظهوره مكوّنا فكرة أو رأيا أجهل مصدرهما مع مرور الأيام. ولكن، غالبا ما يعلق في ذاكرتي شيء من الأعمال التي أقرأها أو أشاهدها، شيء واحد على الأقل، عبارة جميلة، رأي أوافقه، قناعة جديدة، أو حكمة في كتاب ما، أو مشهد مؤثر من فيلم أو مسرحية. أما إذا لم يعلق في ذاكرتي شيء من أي عمل إبداعي، فغالبا ما أكون قد ندمت على تجربته، إلا إذا ما رسم الابتسامة على وجهي أو ترك تأثيرا نفسيا جميلا لحظة متابعته.
في فيلم "الشك Doubt" الذي رشّح لعشرات الجوائز العالمية والذي نال ما لا يقل عن تسع منها، تابعت واحدا من أشد المشاهد تأثيرا في نفسي، وفي حقيقة الأمر، لم يكن المشهد مؤثرا من الناحية الفنية، بل ما قيل أو رُوي في هذا المشهد هو ما علق في ذاكرتي. يُصوَّر المشهد في كنيسة، في قداس يوم الأحد، على ما يبدو. حكى القس، في عظته، حكاية استوقفتني، تعالوا نقرأها، على ألا نبدي عدم ارتياحنا كمسلمين كون العبرة جاءت على لسان من يخالفنا في الدين، فليس في الحكاية ما يمس أي معتقد.
يذكر القس، في عظته، حكاية امرأة "تسرد الإشاعات مع صديقتها حول جارها الذي بالكاد كانت تعرفه. في ليلة راودها حلم. ظهرت فوقها يد كبيرة وأشارت إليها للأسفل. وعلى الفور أصابها شعور كبير بالذنب. في اليوم التالي ذهبت للاعتراف. ذهبت إلى قس الأبرشية القديم، الأب أورورك. أخبرته القصة بأكملها. وسألت الرجل العجوز، هل سرد الإشاعات خطيئة؟ نعم، قال لها القس العجوز، ثم سألت: هل كانت تلك اليد التي أشارت إليّ بإصبعها يد الرب؟ وهل عليّ طلب الغفران منك يا أبتاه؟ أخبرني .. هل ارتكبت أمرا خاطئا؟ أجل، أجابها الأب أوروك، وتابع، أجل أيتها المرأة الجاهلة قليلة التربية، لقد شهدت بالكذب ضد جارك، لقد استخففت بسمعته، وعليك أن تشعري بخجل عميق، فقالت المرأة انها آسفة وتطلب الغفران. ليس بهذه السرعة، أجابها أوروك، أريدك أن تعودي إلى المنزل، خذي وسادة واصعدي إلى السطح، ومزّقي الوسادة بسكين، ثم ارجعي لرؤيتي. ذهبت المرأة إلى المنزل، أخذت وسادة من سريرها، وسكينا من الدرج، وذهبت إلى سلم الحريق وصعدت إلى السطح وطعنت الوسادة. ثم عادت إلى قس الأبرشية القديم كما طلب منها. سألها: هل مزّقت الوسادة بالسكين؟ أجل يا أبتاه، أجابته، ثم سألها: وماذا كانت النتيجة؟ فقالت: خرج الريش!"
وهنا انتقلت كاميرا المخرج إلى سطح منزل المرأة، لتظهر للمشاهد بوجه شاحب، تقف مذهولة، وعيناها تنتقلان في كل مكان حولها تتابع الريش المتطاير في السماء، على الأرض وبين البيوت.
وفي نهاية الحكاية، قالت المرأة للقس العجوز: "انتشر الريش في كل مكان يا أبتاه. فقال لها: والآن، أريدك أن تعودي وتجمعي كل ريشة طارت مع الريح. فقالت: لا يمكن ذلك! فأنا لا أدري أين ذهب الريش، لقد حملته الرياح إلى كل مكان. فقال الأب أوروك: وهكذا هي حال الإشاعات!"
أنهى القس عظته ليرسم زوار الكنيسة علامة الصليب مرددين: آمين، ولأرسم أنا في خيالي مشاهد بعيدة عن القس وأبرشيته، قريبة من واقعي.
يا له من تشبيه رائع لجريمة بشعة، نعم، فالإشاعات والنميمة كالريش الذي لا يمكننا صدّه أو جمعه أو وضع حدا لانتشاره بعد أن نمزّق الوسائد لينطلق منها مستسلما للريح يحمله إلى كل مكان.
يا إلهي! ان أفواهنا وسائد وإشاعاتنا ريش؟ لكم أن تتصّوروا المشهد! في أماكن تجمعاتنا، في الديوانيات، المقاهي، مجالس النساء وأحاديثنا عبر الهاتف. لكم أن تتخيّلوا أعداد الريش الهائلة التي ننشرها أو نساهم في نشرها بقصد أو دون قصد. انها جريمة في حق الغير لا يمكن إصلاحها بالعقاب أو التعويض أو الندم والتوبة. قد نندم على كلمة قلناها في حق الغير، والندم يقود إلى التوبة حتما، ومعنى التوبة ألا نعود لارتكاب الذنب مرة أخرى، ولكن، ماذا عن أولئك الذين تضرّروا من كلماتنا؟ بمَ ينفعهم ندمنا وتوبتنا وعدم تكرار ذنبنا؟

والآن، هلّا تفكّرنا .. وتذكرنا .. كم وسادة مزّقنا؟ وكم ريشة، في الفضاء، أطلقنا؟

نشرت في:


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق