المشاركات

حينما تكره البلادُ نفسها!

صورة
مقالة خاصة بالمدونة:      هذا ما أشعر به، شعورٌ يقارب اليقين، أن هذه البلاد تكره نفسها، حينما ألتفتُ ولا أجد فيها ما يُشبهها. بلادٌ تتبرأ من ذاكرتها. تتنكَّر لماضيها. تخجل من هويتها. كُلُّ ما في هذه البلادِ لم أعد أعرفه. أنا أفهم شعوري بالحنين إليها وقتَ سفري، ولكنني لا أفهم لماذا أشتاقُها وأنا فيها!      لا شارعنا القديم يحمل اسمه، ولا مدرستي الابتدائية، ولا المتوسطة، ولا حتى الثانوية. أمضي في شوارع أعرفها بحثًا عني، هربًا من زمن مسخ، ولا أجدُني. أمضي إلى ما هو أكثر قِدَمًا. أبحثُ عن حَمَّارٍ وعربةٍ خشبية، وأرجوحةٍ تُشبه أرجوحتي القديمة في قرية "يوم البحَّار"، أجدُ القرية في غير مكانها، وقد صار اسمها "قرية الموروث الثقافي الكويتي"، وأجدُ أن الحَمَّار صاحب العربة والأرجوحة قد غادرا المكان مع اسمه القديم.      أنا أفهم ضرورة تحديث بعض مباني الدولة مواكبةً للزمن، ولكنني لا أفهم الدافع من وراء تغيير الأسماء الذي تنتهجه الدولة منذ سنوات. من الذي أسقط لافتةً عتيقة في كيفان، تعرفني وأعرفها، تحملُ اسم "شارع إشبيليا"...

سعود السنعوسي... رسالة إلى مَن بيديه الأمر!

صورة
  يبدو للكثير أنني تأخرت في إبداء رأيي حول منع رواية "فئران أمي حِصَّة"، أو أن نشر نصِّي هذا جاء في غير أوانه، خصوصاً لمَن انتظر مني تصريحاً حول مصير العمل مع الرقيب منذ تقدمت به إلى قسم رقابة المطبوعات في وزارة الإعلام. كنت قد اتخذت قراري بألا أتحدث في الموضوع ما لم يكن القرار قد صدر رسميّاً، رغم رفع النسخ من رفوف المكتبات فور صدور العمل في فبراير الماضي. ولهذا أسباب عدّة؛ أولها أنني لا أرغب في الظهور كمن يركب موجة المنع ليسوّق للعمل المشاع منعه، ثانيها، أنني أخشى إن أنا أعلنت منع العمل عبر صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي، ولي فيها متابعون من داخل الكويت وخارجها، فأحسبني كمن يطعن وطنه، وأنا لا أريد أن أفتح صفحاتي لتعليقات تتجاوز انتقاد الرقيب إلى الهجوم على بلد أنتمي إليه بسبب سياساتٍ رقابية عمياء، وقد نالني بعضها. وثالث هذه الأسباب، أن أغلب الصحف التي اهتمت بالأمر من خارج الكويت، وهو سبب كافٍ ليضاعف رغبتي في التزام الصمت، ورابعها، أنه خلال الشهور الخمسة الماضية، كانت الرواية كما يقول الرقيب "ليست ممنوعة وليست مج...

ساق البامبو

صورة
خالد منتصر نادرة هى الروايات التى تجذبك كالمغناطيس فلا تبدأ فيها إلا وتجدك فاغراً عينيك لاهثاً يقتلك الفضول حتى نقطة النهاية فتلتهمها فى نفس واحد، رواية «ساق البامبو» للكاتب الكويتى سعود السنعوسى من تلك النوعية الجاذبة الجذابة، تتخيل من فرط ما فيها من حكمة وتجربة ورؤى أن كاتبها شيخ عجوز تجاوز السبعين وتأخذك المفاجأة حين تعرف أنه أصغر فائز بجائزة البوكر؛ فهو ما زال فى بداية الثلاثينات، ودائماً يحاصرنى سؤال مؤرق مع بداية كل رواية: «هل حقاً هناك جديد ما زال فى جعبة كُتاب الرواية يقدمونه للقراء؟ هل ما زالت هناك أجواء بكر لم نتنفسها بعد وأراض جديدة لم تطأها قدم من قبل؟!»، وأفرح عندما يتحدانى الروائى وينتصر بمخلوقه الروائى الطازج المراوغ، «ساق البامبو» رواية سهلة الهضم بسيطة العرض محكمة البناء خالية من التكلف واستعراض العضلات والبلاغة المنمقة المزيفة الزاعقة، البطل الحائر الباحث عن هوية هل هو عيسى أم خوزيه؟ هل هو مسيحى أم مسلم؟ هل هو كويتى أم فلبينى؟ هل الوطن أهم أم العائلة؟ هل الملامح أهم أم الروح؟ كان يتخيل أنه كساق البامبو من الممكن بمجرد زراعته فى أى أرض سيمد جذوره ويكتسب الهوية،...

المراوغة السردية في رواية البوكر بين الكلاسيكية والحداثية

صورة
      ممدوح فرَّاج النَّابي   عبر حيلة سردية تجمع بين الكلاسيكي والحداثي يعمد المؤلف الشَّاب، سعود السنعوسي، في روايته «سَاق البامبو» الحاصلة على جائزة البوكر 2013، إلى طرق المسكوت عنه في مُجتمع تحكمه الأعراف والمواضعات الاجتماعيّة، يئن بمشكلاته الداخلية وأوجاعه، مُتَسلحًا بتقنية شكلية سمحت له بتمرير ما يريده دون التعرُّض للمساءلة؛ لما يتطرق له من نقدٍ للأوضاع السياسية التي كانت مسيطرة أثناء الثمانينيات والتسعينيات، وحالة العداء الشديد للحرية، ومصادرة الآراء، ثمّ المأساة التي فجعت الجميع باحتلال الكويت، والآثار المترتبة عليه (ها)، بالإضافة إلى السُّخرية المريرة من واقعٍ، يظنه البعض فردوسا وهو في الواقع أقرب إلى الجحيم. مرَّر كل هذا عبرَ حكاية مسرودة سردا كلاسيكيا عن عائلة كويتية (أسرة عيسى الطاروف)، وعلاقاتها الاجتماعية، ونظرتها للمخدومين الذين يعملون لديها، وموقف ربة البيت غنية من علاقات أبنائها، وسعيهم لاختراق تلك المواضعات والأعراف التي تُحييها الأم، ولا تتنازل عنها، في رغبة منها للحفاظ على السُّلم الاجتماعيّ الذي ورثته العائلة. وقد عمد لتمرير حكايته...

غيمة ماطرة تستحضرها أرض بكر

صورة
بقلم أيمن العتوم مقدِمة: كما لو كنتَ مُهيّأً لدمعةٍ قادِمة بفعل شوقٍ داخليّ وحنين جارف ، وكما لو كان القلب ليس في مدى اختلاله مُلكًا لك فيهتزّ مثل جناح عصفورٍ في ليلةٍ شتويّة قارسة ، وكما لو كان الوجع حاضرًا في كلّ حينٍ ، ومرتسمًا في ثنايا كلّ عبارة ، ومختبئًا تحت رفّة كلّ حرف ، وكما لو كنتَ مستعدًّا لأن تتخلّى عنك لتتشكّل بوجوهٍ عدّة ، وأرواحٍ متعدّدة ، وهيئاتٍ مُتباينة ، وكما لو كنتَ غيمةً ماطرة تستحضرها أرضٌ بِكرٌ مُجدِبة فيحدث التّلاقي الّذي يُعيد الحياة إلى الأرض بفِعل الكرم الفِطريّ في الغيمة . مثل هذا كلّه هو ما يحدث لِمَنْ يقرأ رواية الكويتيّ: (سعود السنعوسيّ) البديعة: (ساق البامبو). مُلخّص: الرّواية تتحدّث عن شخصيّة بطلها: (هوزيه) أو (خوسيه) أو (عيسى) الّذي يُولَد في الكويت لأبٍ كويتيّ هو (راشد) ، وأمّ فلبّينيّة هي (جوزافين) كانت تعمل خادمةً في بيتِ أهل زوجها ، تنشأ بينهما علاقة المُستمِع بالمتُحدّث ، تُصغي المرأة ويبوح الرّجل بما لم يتمكّن ربّما من البوح به حتّى لأقرب النّاس إليه: (أمّه)، فتنشأ بينهما علاقة حُبّ صامتة، تتُوّ...

مراسلنا في القدس

صورة
سعود السنعوسي نصير فالح، مراسلنا في القدس، أعني مراسل تلفزيون الكويت هناك. أحد أصدقاء زيارتي القصيرة إلى فلسطين. هل تسمعني؟ هل تقرؤني؟ جنون الخبر دفعني لأن أمسك بهاتفي أزمع مهاتفتك. أسألك: هل صحيح خبر موتك؟ ! ولكنك لن تجيب. أجابتني صورتك في هاتفي صمتا. أجابني الأصدقاء نيابة عنك : الله يرحمه . كنت تسرق الوقت، في كل استراحة أثناء التصوير، تبعد المايكروفون. تحكي لي عن زيارتك الأخيرة إلى الكويت. عن أصدقائك هناك. عن مطعم السمك في المباركية وطبق الزبيدي وعن البحر وشارع الخليج. وعدتني بزيارة أخرى شريطة أن أكون في الكويت . كنت، كغيرك من الفلسطينيين الذين غمروني بمحبتهم، أثناء عناقك، أحدّثني : " لا أريد سماع خبر استشهادك.. أريد لك حياة تليق بك في وطنك". فكرة الموت مرعبة بالنسبة لي، هيّنة، ربما، بالنسبة لكم، في وطن يتداول فيه الناس كلمة: "استشهد" كما يتداول كلمات يومية: "أكل.. شرب.. ذهب إلى العمل .. نام..". كنتم تتحدثون عن يومياتكم. كنت أحصي تكرار الكلمة: "قبل استشهاد نضال.. لم يكن نادر قد استشهد.. في الوقت الذي استشهد فيه مازن"، حتى...