أسفار مدينة الطين..بين غواية الحكي والتمرد على القوالب السردية

 بقلم: نجوان ماهر


نشأنا أفرادًا في بقاع مختلفة ومتعددة، تواريخ تمشي على الأرض، نوثق الأحداث من خلال أحاديثنا العابرة، نسرد تاريخًا آخر موازيًا عما نجده في كتابات متنوعة ممتلئين بذكرياتنا، فلا يجب أن تستند أحكامنا على طول الفترة التاريخية وقصرها لمكان ما لأن له تاريخه الخاص وتفرده بخصائصه التي تستحق أن تكتشف لتكتمل الصورة في وعينا وينتج عنها عدالة وشفافية في الرأي.

الدول العربية عرفت الكثير عن الحارة المصرية القديمة تفاصيل الأماكن وتنوع الشخصيات من أدب نجيب محفوظ، ولكن ماذا وصلنا من الاتجاه الآخر (شرق العالم العربي وغربه)؟

معلومات سطحية قُرئت في بعض الكتب والجرائد والمجلات يمكن أن تعود بنا إلى أربعين سنة مضت، وإذا كان أقدم قليلًا تصبح خمسين عامًا، ولكن ماذا نعرف قبلها عن تلك المجتمعات، تاريخها، تراثها، عاداتها، تقاليدها، لهجاتها المحلية… وهل لدينا القدرة على تقبلها وفهمها أم سوف يتم إدراجها في قائمة الأعمال الأكثر صعوبة في القراءة؟

القارئ الحصيف المخضرم هو الذي يسعى لبذل الجهد لفهم طبيعة المكان محل القراءة، أن يكون دؤوبًا في البحث والمعرفة، مشاء بين الصفحات متريثًا في استقبال المعلومة، التي يقدمها كاتب يرفض “ضغوطات العولمة” ويخلص لمجتمعه الأم، مستخدمًا حقه في أن يعرفنا بأصالة جذوره من جهة، لتصل تلك “الأصالة” إلى خارج حدود هذا الوطن من جهة أخرى، وهذا ما فعله بالضبط الكويتي سعود السنعوسي في “أسفار مدينة الطين”.


ثمن غواية الحكي 


قراءة الجزء الأول “سفر العباءة” جاءت وكأنني في مضمار للسباق أهرول فيه وأنا أحاول تخيل شخوصها في عقلي، وكلما أتممت بناء شخصية ما أجد شخصية أخرى تقحم نفسها بأحداثها فلا أستطيع استكمال بناء الشخصية الأولى، ثم ألهث وراء كل شخصية لأمسكها حتى لا تفلت مني وتثبت في عقلي، وكأنني في  لعبة كبيرة أراد الكاتب من خلالها للقارئ ألا يظل حبيسًا في مكانه من أجل قراءة سهلة للنص، بل استخدم السنعوسي “غواية الحكي” لجذب القارئ مطالبًا إياه في الوقت نفسه بدفع “الثمن” وهو التركيز الشديد في التفاصيل والحيرة بين الشخصيات.  

عندما انتهيت من القراءة تذكرت جملة أحد أبطال الرواية عزوز الهذار مفرق الجماعات ومفسد الاجتماعات “شيء عجيب غريب والله”

عزوز شخصية مزعجة وددت الهروب منها ولكن جملته كانت هي الأصدق للحديث عن النص وكنت كلما تعمقت أكثر في الأحداث تمثلت الصاجة أم حدب أمامي في صورة الفنانة زوزو نبيل في مسلسل ألف ليلة “ريما ومشكاح” وكأنها المعادل المصري للصاجة.

من تمام جمال العمل أن يتمكن النص الروائي من قارئه ليتغلل فيه ويتدفق خيال القارئ معه، حيث التفاصيل منحوتة رائعة تخلد حقبة زمنية بكل ما فيها من أحداث بين البر والبحر، الأساطير والأفكار، الخرافات والاسقاطات، فيما الشخصيات متنوعة حية، ليجعلنا كل ذلك نعتبر النص ملحمة توثيقية لفترة بعيدة جدًا عن نشأة الكويت بشكلها الحالي ما يثير فضول القارئ لحقبة تاريخية يمكن أن تكون مجهولة ولم يصله منها إلا النزر اليسر وأحيانًا لا شيء.


نص عصي على التصنيف 


سؤال التصنيف محير بشدة، في أي فئة يمكنني وضع الرواية، هل نعتبرها رواية تاريخية، اجتماعية، أجيال، فانتازيا، تراثية، أم قصة من قصص ألف ليلة وليلة أم كلها مجتمعة؟ أنا لا أستطيع الإمساك بتلابيب المسمى للرواية كأنما مقصوده التلاعب بالقارئ ولكن سوف أعطيها صفة “سيرة الأقدار والمآلات”. 

نلهث ما بين أفكار الصاجات “العرافات” ومقابلها الملالي ورأي كل منهما معاكس للآخر في التلاعب بأقدار أهل الديرة الواقعين بين فكي رحى الطرفين… أيهما الأصدق ومن تمكن من الابتعاد معتقدًا أنه نجي بنفسه إما متخبطًا مثل “ساطور”، أو عرفت مسارها وحاولت التحكم في أقدارها مثل “مبروكة”، أو من كان متبصرًا كـ “سعدون” الذي وجد شدة المعارضة من الجميع فأصبح بالنسبة لهم عائقًا للكل هو في نظرهم فاسد ومفسد وضال وعاق ولكنه كان يبحث عن الحقيقة والإجابة الشافية.


القراءة على جمر 


كل ما سبق حدث في السفر الأول، لأدخل إلى الجزء “السفر الثاني” وعنوانه “سفر التبة” بالعديد من علامات الاستفهام، حول ما يمكن أن يقدمه السارد جديدًا عن وثيقة “سفر العباءة”.

في هذا الجزء يجعلك المؤلف تقرأ على جمر بأن لا تترك صفحاتها ولا تفوت كلمة أو جملة أو حدث لكل منها مغزاها الخاص إذ تجد نفسك ضمن نسيج الرواية ترى طقس التسليم وتسمع أصوات الصاجات (العرافات) كأنك تقف في ركن من المكان تعقد ساعديك وتعقد حاجبيك في دهشة لهذا الجنون.

بنعومة ينقلنا السارد من الخيال إلى الواقع حيث خروج الشيخ سالم الصباح لمواجهة الإخوان.. والحصار في قصر الجهراء.. تعود مرة أخرى إلى جزيرة فيلكا مع الصاجة “أم صنقور” وقبلها كنت مذعورًا ممسكًا برأسك في واقعة احتراق منزل أم البنات وتكتشف الخديعة وأنها من تدابير الصاجة “أم حدب” و”شريفة” و”أم البنات” لإخفاء “سيف بن سليمان”. 

نعود سوية إلى “سعدون” أعقل مجنون وصدمة موته ومشهد جنازته في غابة الصوف تقف في حيرة فجأة لأنك لم تكن تريد هذا الشخص بالذات أن يموت، ولكن أحسب أنه غزل أقداره بيده ورآها رؤي العين ونفذها بسرعة وكأنه يحتاج إلى مبرر لفعله… ثم عودة للإرسالية الأمريكية وبعدها عودة الغائب ويحكي عن أم زمزم التي ذكرتنى بحصة في رواية “فئران أمي حصة”.

وصولًا إلى الجزء الثالث “سفر العنفوز” تستمر تلك الملحمة كثيفة الجمال والعذوبة، واضحة الجرأة والقوة، واسعة النقد والتحليل، إذ يبدو للبعض أن المسألة مجرد انبهار وبريق سيأخذ وقته بسبب طبيعة الحكاية مع اختلاف اللهجات والتاريخ، عادات وتقاليد كل بلد فما لا تعرفه وتجهله يشدك نوره.  

لكن بمرور الأحداث نكتشف بجلاء فكرة عبور الزمن والأكوان المتوازية، وهنا أصبح لك الحرية المطلقة للاختيار وتغيير الحدث ليتغير المآل ويتغير قدر الأشخاص، تلك التركيبة تمت مسبقًا في أكثر من رواية وعمل سينمائي، ولا زالت محط جذب لما لها من رؤية فلسفية خالصة سواء العودة إلى الماضي أو التقدم إلى المستقبل.

هذا ما حدث مع “صنقور”، “سليمان”، “غايب” وكل منهم له طبيعة خاصة هناك من يتقبل حياة عن حياة ومن يقبل بالاثنتين معًا، وهو المستفيد. وهذا من ترك حاضره وتقبل ماضٍ لا يعرفه بسبب الشعور بعاطفة المكان ومدى الارتباط به، وهل بمرور السنوات يصبح هذا المكان الملاذ الآمن أم مجرد تقبل وضع أجبرنا عليه لنعيش إحساس مزيفًا بالموائمة والسلام… هذا التكنيك السردي يتضافر مع تكنيك آخر وهو المقارنات حيث الكويت الآن والكويت الأمس، هل التقدم التكنولوجي والاقتصادي والحياة المرفهة امتداد للأصالة والبساطة والترابط الاجتماعي والإنساني وتقبل الآخر في مصلحة المجتمع مثل أمس ولنا في مجموعة الأصدقاء “سعدون، وسركيس، وشاؤول، وخليفوه، وسليمان” مثال، أم أن المجتمع تغير تغيرًا جذريًا مبتعدًا عن تلك الروابط الحميدة.

نصل إلى ظهور مذكرات الطبيبة “إلينور” الإنجليزية والتي اعتبرت نفسها مؤرخة لتاريخ لا يخصها وتفرض عليه معاييرها الخاصة فهي تذكرني بالمستشرقين الذين أتى بهم الاحتلال يزعمون أنهم الأكثر فهمًا وتحليلًا منطقيًا وعقليًا للتراث الشعبي وعادات أهل البلد ويضعونه تحت بند الخرافة وأن هذه العادات نابعة من جهلاء يجب الحد منها ومحوها.


المقصود هنا من وجهة نظري


إن الموروث الشعبي لأي بلد حتى لو ملئ بالخرافة والخيال، وأهل البلد يعلمون بذلك، لكن الحكايات الشعبية هي التي تعطي روحًا وحياة للمكان وهي التي بتميزه وبتميز أهلها… لكن إن يجي محتل ويفرض نفسه ويمحو كل هذا وفقًا لاتجاهاته وأفكاره كنوع من السيطرة وفرضها على اعتبار أنه الأصح فهو غير مقبول.

أما عن الكتابة باللهجة المحلية القديمة وهذا يدفعنا للسؤال: هل الكاتب العربي مجبر أن يوازن في كتابته وطبيعة سرد النص لتصل بسهولة إلى خارج بلده ويستقبله جمهور القراء بقبول حسن ويسهل الاحتفاء به؟

ولكن في رأيي الشخصي أحيانًا تلك السهولة المفرطة لاكتساب مساحة كبيرة من القراء خارج الحدود تفقد النص متعته ويصبح عائمًا بلا طعم أو بمعنى فاقد لتفرده ليصبح شبيه لنصوص كثيرة منتشرة ويتحول لعمل يقرأ مرة واحدة وينسى كأنه لم يكن.

لكن العمل الروائي الملهم مثل أسفار مدينة الطين حتى بعد قراءته وتحليله أحسب أنه لا زال متخمًا بالأسرار والتجليات، فلكل سردية سرها الخاص وإنسانيتها البحتة وأن يتمكن النص الروائي أن ينفرد بتميز توصيف الأمكنة وغرابة الشخوص وجاذبية طبائعهم.. فلكل مكان تاريخه الخاص لو نطقت الشوارع والجدران لحكت لنا من التاريخ ما يتجاوز آلاف الأعوام.

كانت الأسفار شاهدًا على العصر متنقلًا بين خريف ١٩٢٠ وصيف ١٩٩٠ سبعون عامًا دراسة تشريحية لواقع متأزم يحتضنها خيال خصب يحاول التخفيف من وطأة الآلام والمعاناة.

الرواية إجمالًا ساحرة وساخرة، ناقدة وذكية مدهشة أمتعتني بقدر كبير من غير الشعور بأي ملل إلى جانب حميمية اللهجة العامية القديمة للكويت على الرغم من صعوبتها ولكن بفضل الهوامش كانت عامل مهم للتفسير، النص فعلًا ثقيل ومتشعب ويحتاج إلى تركيز لأنه فتح قضايا كثيرة مربكة ومهمة على المستوي المحلي والإقليمي.


اسم الرواية: أسفار مدينة الطين “ثلاثة أجزاء”

الجزء الأول: سفر العباءة، ٤٧٢ صفحة (٢٠٢٣) 

الجزء الثاني: سفر التبة، ٣٩٢ صفحة (٢٠٢٣) 

الجزء الثالث: سفر العنفوز، ٤٢٢ صفحة (٢٠٢٤)

الكاتب: سعود السنعوسي – الكويت 

دار النشر: نشر مشترك بين دار مولاف ودار كلمات 


رابط المقال على موقع رابطة الكُتَّاب السوريين


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مدينة الأحلام

أسد الجزيرة

“فئران أمي حصة” لسعود السنعوسي.. رواية مليئة بالرموز..