المشاركات

متى تخرج وسمية؟

صورة
سعود السنعوسي: قبل أن أقوم بتجهيز حقيبة السفر وترتيب حاجياتي بداخلها، بل وقبل أن أقطع التذاكر، أحرص أولا على تحديد الأماكن التي سأزورها في إجازتي، والأنشطة التي سأحضرها ومعرفة مواعيدها. ومن أهم ما أحرص عليه في سفري هو حضور مسرحية واحدة على الأقل، ولست أتحدث عن المسرحيات الفقيرة التي نعرف، هنا في الكويت، ولكني أتحدث عن المسرحيات الغنائية التي تعرض في أوروبا والعالم، والتي يكاد يخلو منها الوطن العربي إذا ما استثنينا لبنان، ومسرح «الرحابنة» تحديدا. غالبا ما تكون المسرحيات الغنائية الضخمة مقتبسة من روايات عالمية شهيرة، كالبؤساء وشبح الأوبرا وذات الرداء الأبيض، من هنا، ومن أساس روائي تنطلق أجمل المسرحيات الغنائية في الغالب، وهذا ما يجعل لها ثقلا فنيا منفردا، حين تضيق الكتب بأبطالها وعواطفهم وشخصياتهم وتفاصيل حياتهم، وحين يعلنون تمردهم على الرواية، ليخرجوا من بين دفات الكتب حاملين معهم حكاياتهم ومعاناتهم غناء على خشبة المسرح. للرواية خصوصيتها، حقيقة لا يمكنني إغفالها، لأنني ما شاهدت مسرحية أو فيلما سينمائيا قد تفوق على العمل الأصلي – الرواية – إلا نادرا، لأن الرواية تعطي مساحات لا حدود له...

كم نحن جبناء!

صورة
سعود السنعوسي: آرافيند أديغا، روائي هندي شاب، قرأت له مؤخرا رواية "النمر الأبيض" الحائزة جائزة بوكر لعام 2008، ولست أدري ان كانت هذه روايته الأولى أم انها تلت تجارب أخرى، ولكن ما أعرفه جيدا هو ان روايته هذه من النوع المغناطيسي، شديدة الجذب، ساحرة، لا تكاد تقرأ أسطرها الأولى حتى تجد نفسك متورطا مع بطلها في بقية أحداثها وتفاصيلها. الرواية عبارة عن رسالة طويلة من الراوي إلى رئيس الوزراء الصيني، يتحدث فيها البطل عن بلاده، الهند، الحقيقية، كما يراها هو من الداخل، والتي هي بعيدة كل البعد عن تلك التي يراها رئيس الوزراء الصيني ووفده المرافق عند زيارتهم للهند في كل مرة. الرواية من الروايات الجديرة بالقراءة بحق، فإلى جانب ترجمتها الجميلة، فانها تتمتع بأهم عناصر الرواية، لا أود أن أتحدث عن حبكتها كيلا يفقد القارئ متعة قراءتها، ولكن، في هذه الرواية سيجد القارئ أهم ما يحتاج إليه من عناصر الرواية الناجحة، متعة وتشويق وكمية معلومات لا بأس بها، والأهم من ذلك كله، بالنسبة إليّ، فقد لا تترك الرواية الأثر نفسه لدى كل قارئ، ولكن، ما حدث معي هو ان الرواية كانت طوال وقت قراءتي تستفزني وتنبهني إل...

بلد يغص بالخبراء!

صورة
سعود السنعوسي:  ليست لدي أي مشكلة مع أي من أولئك الذين أختلف معهم في الرأي، طالما أن آرائهم تأتي وفق قناعاتهم الشخصية، ولكن مشكلتي، أو بالأحرى، مشكلة هذا البلد مع أولئك الذين يتحدثون ويبدون آرائهم في ما لا يفقهون. لست أتحدث عن أشخاص بعينهم، فإن من يتابع وسائل الإعلام من قنوات فضائية وإذاعات وصحف، يخرج بفكرة واحدة، هي أن هذا البلد يغص بالخبراء الذين لا يجدون عملا سوى التصريح بآرائهم! فتجد الكثير من الشخصيات الإعلامية والكتاب على كثرتهم يفقهون في كل الأمور، أو هكذا يبدون. تجدهم يحللون ويكتبون في أي موضوع، ليس المهم إلمامهم وثقافتهم أو حتى اهتمامهم فيما يتحدثون، بل ان المهم بالنسبة إليهم هو الكتابة أو الحديث حول ما يهم الشارع ليظهروا في الصورة فحسب، أي كما يقول المثل الشعبي: حشرة مع الناس عيد. وهذه الحالة تجاوزت الشخصيات العامة لتدرك بقية الناس، لتجد أخيك في البيت، وصديقك في الديوانية، وزميلك في العمل، جميعهم يحللون ويتحدثون في كافة الأمور بحماسة تفوق الوصف. ولأكون أكثر عدلا وصراحة مع نفسي ومعكم، سأقول بأني لست بمنأى عن أولئك الذين دسوا أنوفهم فيما لا خبرة لهم فيه، عمدا أم جهلا. ف...

هل تموت الأوطان؟!

صورة
سعود السنعوسي: سأل أحدهم كونفوشيوس حكيم الصين وفيلسوفها الشهير، عن طريقة إدارة الدولة، فجاءت إجابة كونفوشيوس بثلاثة أمور أساسية للإدارة الصحيحة، وهي تأمين أغذية كافية، وزيادة التسلح، وكسب ثقة الناس. ثم قال الرجل للحكيم: "دعنا نفترض بأنه عليك اختيار أمرين فقط من بين هذه الأمور الثلاثة، فأي أمر تستبعد أولا؟" قال كونفوشيوس: "السلاح". ثم مضى الرجل في طرح أسئلته: "وأي أمر تستبعد فيما لو خيرت بين الأمرين الباقيين؟" قال كونفوشيوس: "أستبعد الأغذية، لأن الناس سوف تموت جوعا من دون المواد الغذائية، ومع ذلك فالموت هو قانون الطبيعة. لكن إذا خسرت الدولة ثقة مواطنيها فإنها سوف تفقد أساس وجودها". هذا ما قرأته في كتاب يتحدث عن الحكيم الصيني وحياته وحكمته. أطبقت الكتاب عند ذلك الموقف، وتركت كونفوشيوس على صفحاته يكمل حديثه مع ذلك الرجل، وتركت الصين خلفي عائدا إلى وطني حاملا معي تساؤلات ذلك الرجل. كأي شخص مسكون بحب وطنه، أسقط كل ما أقرأ وأرى على واقع هذا الوطن الذي لم يترك بداخلي سوى مساحة صغيرة يتقاسمها أولئك الذين أحبهم على كثرتهم. انتزعت من القرن السادس قبل المي...

دياثة وطنية!

صورة
سعود السنعوسي: حين أشرع في الكتابة عادة حول موضوع يخص وطني لا أحتاج لشيء أكثر من جهاز الكمبيوتر المحمول، فالأفكار موجودة داخل رأسي، والمشاعر الوطنية تجري في الشرايين كريات دم حمراء وبيضاء.. وخضراء وسوداء، بألوان علم بلادي. أحول تلك الأفكار والمشاعر بواسطة أناملي إلى حروف على الشاشة أمامي بكل سهولة. أما اليوم، وفي ظل تلك السحابة السوداء التي حجبت نور الشمس عن بلادي دون أن ترسل قطرة مطر واحدة تغسل النفوس فلا أجد ما يحفزني على الكتابة، وكأن رأسي خاليا، بل هو كذلك! أعصر الأغاني والقصائد الوطنية، وأمزجها مع قطرات من بحر الكويت، وأضيف إليها بضع قطرات من عرق أجدادي، وأقوم بتسخين ذلك السائل على صفيح تمده شمس الكويت بالحرارة، ثم أحقنه في وريدي، علني بذلك أنشط الخلايا الوطنية في داخلي، بعد أن كاد يضعف تأثيرها إثر ما يحدث حولي من جنون يقتل أسمى المفاهيم الوطنية. هل أبالغ إذا قلت بأننا في أسوأ وضع تشهده البلاد؟ لا إطلاقا. فالطاعون الذي أهلك العباد في الماضي كان مرضا قد جاءنا من الخارج، لم يطل البقاء، رحل بعد ما حصد ما حصده من أرواح، ثم ترك الكوت أو الكويت ليستمر من بقي على قيد الحياة في بناء...

أجمل هدية وأسوأ خبر!

صورة
سعود السنعوسي: كاد شهر أكتوبر أن يمضي بهدوء وسلام، دون أن يسجل أي أحداث غير عادية، بالنسبة لي على الأقل. ولكنه، وفي اليوم الأخير غير رأيه فجأة، وكأنه أبى أن يسلم عهدة الأيام لنوفمبر دون أن يضع النقطة الأخيرة على سطر حياة إنسان علمنا كيف تكون الحياة. في مساء 31 أكتوبر، وقبل أن أتجه لسريري، كنت أتصفح موقع إيلاف الإخباري، وهو محطتي اليومية قبل النوم. وفيما كنت على وشك الانتهاء من قراءة العناوين الرئيسية وقع نظري على خبر في زاوية الصفحة الإلكترونية، شدتني الصورة قبل أن أقرأ عنوان الخبر. صورة تبعث في النفس الهدوء، لست أدري لماذا، ولكن ربما بسبب الهدوء الذي ميّز صاحبها، فقد طُبعت صورته في ذهني هادئا كما هو دائما في حلقات برنامجه الشهير "العلم والإيمان". بعد مشاهدتي للصورة، اتجهت بنظري أسفلها حيث الخبر: وفاة المفكر والكاتب المصري مصطفى محمود. لسبب ما، اتجهت نحو مكتبتي الصغيرة بدلا من أن أتجه للسرير بعد قراءتي للخبر. توقفت أمام الرّف الخاص بمؤلفاته أقرأ عناوينها، وأسترجع بعضا مما علمني إياه هذا المفكر والأديب في صغري. تذكرت "رحلتي من الشك إلى الإيمان" وما صادفته في هذه ال...

قليل من الاحترام للأرض

صورة
سعود السنعوسي: "ترابك احنا نبوسه .. لو يحصل ما ندوسه .. يالله عساك محروسة .. يا ديرتي يا كويت". كانت تلك الكلمات - لمن لم يسمع بها من قبل - من أغنية "نبع الوفى" التي غناها ولحنها الفنان الكبير سليمان الملا، وصاغ كلماتها الشاعر الجميل ساهر. أتذكر تلك الأغنية وأجدني أرددها في سري كثيرا رغم مضي أكثر من اثنين وعشرين عاما على بثها أول مرة. لماذا لا أزال أتذكرها وأرددها؟ لأنها تحكي بما أشعر به تماما، هكذا وبكل بساطة. كانت المرة الأخيرة التي تذكرت بها تلك الكلمات ودندنت بها منذ أيام قليلة فقط. كنت في سيارتي، منتظرا ضوء إشارة المرور الأخضر ليأذن لي بالعبور. وكان أحدهم جالسا بسيارته الأنيقة إلى جانب سيارتي، ناحية اليمين. قام بفتح زجاج نافذة السيارة، فأطل برأسه خارجا، ثم: خخخخخ تف! ثم همس سليمان الملا بأذني: ترابك احنا نبوسه .. لو يحصل ما ندوسه! من المناظر التي تثير الاشمئزاز، والأصوات النشاز المقززة، والأفعال المقرفة، والممارسات المشينة، تلك التي تحدث ونسمعها ونراها كل يوم، حتى أصبحت بالنسبة للبعض شيئا مألوفا، وكأن فاعلها يمارس طبيعته البشرية بالتنفس أو النوم أو الأكل! ز...